إسلام ويب

سلسلة منهاج المسلم - (82)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الحائض إما أن تكون مبتدأة أو معتادة أو مستحاضة، ولكل واحد منها حكم، ويمتنع بالحيض والنفاس: الوطء، والصلاة، والصيام، ودخول المسجد، وقراءة القرآن، والطلاق، ويباح: المباشرة دون الفرج، وذكر الله، ومؤاكلتها ومشاربتها.

    1.   

    أقسام النساء في الحيض

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذه الليلة؛ ليلة الخميس من يوم الأربعاء ندرس كتاب منهاج المسلم، الكتاب الحاوي للعقيدة، والآداب، والأخلاق، والعبادات، والمعاملات، فهو خلاصة الشريعة الإسلامية، وقد انتهى بنا الدرس إلى أحكام النفاس، وقلنا: إن الحُيّض ثلاث: مبتدأة، ومعتادة، ومستحاضة.

    أولاً: المبتدأة

    المبتدأة هي: من طرأها الحيض لأول مرة، فتقف عن الصلاة والصيام والجماع، حتى تنتهي مدة حيضها، ومدة الحيض أقلها أربع وعشرون ساعة، وأكثرها خمسة عشر يوماً، فإذا انتهى الحيض وجب عليها أن تغتسل وتصلي ولا تقضي ما فاتها من الصلاة، ولكنها تقضي الصوم الذي لم تصمه لحيضها. هذه هي المبتدأة.

    ثانياً: المعتادة

    والمعتادة هي: من تعودت الحيض في كل شهر من أوله أو وسطه أو آخره، فإذا جاءت عادتها وقفت عن الصلاة، والصيام، والجماع، ودخول المسجد؛ حتى تنقضي مدة عادتها، ثم إذا لاحظت بعد انقضاء العادة كدرة أو صفرة فإنها لا تبالي بها، بل تغتسل وتصوم وتصلي، إلا إذا كان الدم دم حيض فإنها تنتظر يوماً أو يومين حتى ينقضي، أما إذا تكرر فمعناه: أن مدة حيضها أصبحت أكثر مما كان، فيضاف لها اليوم واليومان والثلاثة.

    ثالثاً: المستحاضة

    وأما المستحاضة فهي: التي لا ينقطع الدم عنها، وحكمها: أنها إذا كانت لها عادة فإنها تصوم وتصلي حتى تأتي المدة التي كانت تحيض فيها، فتقف عن الصلاة والصيام والجماع، وإن لم يكن لها عادة أو نسيتها نظرت: فإذا تميز الدم بأن أصبح أحمر بعد أن كان أسود، فمعناه: أنها دخلت في الحيض، فالمستحاضة تميز بين الدمين، فما دام دماً عادياً فهي استحاضة، فإن تغير وقفت عن الصلاة والصيام والجماع؛ حتى تنتهي مدتها.

    1.   

    أحكام النفاس

    [هو الدم الخارج من الفرج عقب الولادة] الدم الخارج على إثر الولادة، فإذا ولدت المرأة ووضعت ما في بطنها من جنين، حياً كان أو ميتاً، ذكراً كان أو أنثى، يقال فيها: نفست [ولا حد لأقله، فمتى رأت النفساء الطهر اغتسلت وصلّت] فلو نفست اليوم وانقطع الدم عنها بعد ثلاثة أو أربعة أيام اغتسلت وصلت وصامت [إلا الوطء] أي: الجماع [فإنه يكره لها كراهة تنزيه قبل الأربعين يوماً خشية أن تتأذى بالوطء] رحمة بها؛ لأنه قد يؤثر عليها قبل الأربعين، فالأفضل ألا يجامعها زوجها قبل هذه الفترة، أما بعد الأربعين فلا خلاف في جوازه [وأما أكثره فأربعون يوماً] إذا لم ينقطع الدم عنها بقيت شهراً وعشرة أيام لا تصوم ولا تصلي ولا تنكح، أما إذا بلغت الأربعين فتغتسل وتصوم وتصلي [وذلك لما روي أن أم سلمة رضي الله عنها قالت: ( كانت النفساء تجلس أربعين يوماً )] وهذه صحابية رضي الله عنها، تخبر بالواقع [وقالت: ( سألتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم: كم تجلس المرأة إذا ولدت؟ فقال: أربعين يوماً إلا أن ترى الطهر قبل ذلك )] أي: إلا أن ترى الجفاف والطهر وانقطاع الدم قبل ذلك، فإنها تصوم وتصلي، لكن إذا لم ينقطع إلى الأربعين يوماً اغتسلت وصامت وصلت [وعليه فإذا بلغت النفساء أربعين يوماً اغتسلت وصلت وصامت ولو لم تطهر، غير أنها إذا لم تطهر تصبح كالمستحاضة في الحكم سواءً بسواء] فتتوضأ لكل صلاة [وعن بعض أهل العلم: أن النفساء تجلس خمسين أو ستين يوماً] وهذا عند المالكية والشافعية [وكونها تجلس أربعين فقط أحوط لدينها] فما دام هناك قولان أو قل: حكمان، واستدل كلٌ بدليله فالأحوط للمؤمنة أن تجلس الأربعين، لاسيما وقد ورد النص: ( أربعين يوماً إلا أن ترى الطهر قبل ذلك ).

    والخلاصة: أن المرأة إذا نفست يقال لها نفساء، فإذا خرج ما في بطنها من جنين حياً كان أو ميتاً وجب عليها أن لا تصوم ولا تصلي ولا تنكح حتى تنظر الطهر وانقطاع الدم، فإذا لم ينقطع بعد الأربعين فالأحوط لها أن تغتسل وتصوم وتصلي. وقالت الشافعية والمالكية بخمسين وستين يوماً، ولكن ما دام ثبت النص بالأربعين وقال به أيضاً: أحمد وأبو حنيفة، فنقول: نأخذ بالأحوط لديننا، وننصح المؤمنة إذا لم ينقطع الدم عنها بعد الأربعين أن تغتسل وتصوم وتصلي، أخذاً بحديث أم سلمة رضي الله عنها: ( كانت النفساء تجلس أربعين يوماً )، فلم تقل: خمسين أو ستين.

    1.   

    بيان ما يعرف به الطهر

    [المادة الثانية: فيما يعرف به الطهر] كيف نعرف الطهر؟ وكيف تعرف المؤمنة الطهر؟ والجواب: [يعرف الطهر بأحد شيئين: أولهما القصة البيضاء، وهي: ماء أبيض يخرج عقب الطهر]، فإذا انقطع دم الحائض أو النفساء انقطاعاً كاملاً خرج منها دم أبيض يقال له: القصة البيضاء، فإذا شاهدت الحائض أو النفساء القصة البيضاء فلا خلاف في طهرها؛ إذ لا يخرج هذا الدم الأبيض إلا بعد الطهر الكامل.

    [وثانيهما: الجفوف، وهو أن تدخل المرأة القطنة في فرجها فتخرجها جافة] فإذا جف الدم وانقطع، فإن المرأة تدخل قطعة من القطن في فرجها فإذا خرجت جافة يابسة فمعناه انتهاء الحيض أو النفاس، فتغتسل على الفور وتصوم وتصلي [تفعل ذلك قبل النوم وبعده؛ لترى هل طهرت أم لم تطهر]، تفعل المرأة هذا قبل أن تنام بأن تدخل هذه القطنة وتنظر فإذا وجدت أنها طهرت قامت لتصلي المغرب والعشاء، وكذلك إذا استيقظت من النوم فإنها تعمل هذه القطنة وتنظر، فإن وجدت أنها طاهرة صلت الصبح، وإن لم تطهر استمرت على ترك الصلاة حتى تطهر.

    وتعمل هذا في آخر أيام حيضها، عند الشك ومقاربة الطهر؛ لأنها حينئذٍ لابد أن تمتحن نفسها لتتأكد من صحة طهرها أو عدمه.

    1.   

    ذكر ما يمنع بالحيض والنفاس

    [المادة الثالثة: فيما يمنع بالحيض والنفاس وما يباح] الحيض والنفاس يمنعان من أشياء، ويباح معهما أشياء أخرى، وعلى المؤمنة أن تعرف هذا.

    [أولاً: ما يمنع بالحيض والنفاس: يمنع بالحيض أمورٌ:]

    أولاً: الوطء

    [ أولاً: الوطء؛ لقوله تعالى: وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ [البقرة:222]] وهذا تنبيه رباني، وَلا تَقْرَبُوهُنَّ [البقرة:222] يعني: بالجماع حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ [البقرة:222]، أي: اغتسلن؛ لأنه إذا انتهى حيضها أو نفاسها فلا يحل جماعها إلا بعد أن تغتسل، فلابد وأن تغتسل أولاً لتصوم وتصلي، ثم يطؤها زوجها، فهذا أمر الله.

    إذاً: قوله: فَإِذَا تَطَهَّرْنَ [البقرة:222]، دال على وجوب غسل المرأة إذا انتهى حيضها أو نفاسها قبل أن يجامعها زوجها.

    ثانياً: الصلاة والصيام

    [ثانياً: الصلاة والصيام] فالحائض والنفساء لا تصوم ولا تصلي [غير أن الصوم يُقضى بعد الطهر، والصلاة لا تقضى] وهذه من رحمة الله بإيمائه؛ لأن الحيض يتكرر طوال العام في كل شهر، فلا تطيق المسلمة أن تقضي الصلاة، أما الصيام فهو شهر في العام، فإذا أفطرت خمسة أو سبعة أيام قضتها على طول السنة، ليس فيها مشقة، وهذا من رحمة الله بأوليائه [لقوله صلى الله عليه وسلم: ( أليس إذا حاضت المرأة لم تصلِّ ولم تصم؟ )] فالحائض لا تصوم ولا تصلي، ومعنى هذا: أن الحيض والنفاس يمنعان الصلاة والصيام، إلا أن الصلاة لا تقضى والصيام يجب أن يقضى، والعلة في ذلك أن الصيام مرة في العام تحيض فيها المرأة بضعة أيام لها أن تقضيها على طول السنة، بينما الحيض يتكرر معه قطع الصلاة، فيشق عليها قضاؤها، وهنا تتجلى رحمة الله بأوليائه: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا [البقرة:286].

    [ولقول عائشة رضي الله عنها: ( كنا نحيض على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة )] كانت تتحدث مع الأحباب أولئك الصحابة والصحابيات: أنهن كن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يؤمرن بقضاء الصوم ولا يؤمرن بقضاء الصلاة، وهذه المسألة إجماعية لا خلاف فيها.

    ثالثاً: دخول المسجد

    [ثالثاً: دخول المسجد] فالحائض والنفساء لا يحل لهما أن تدخلا المسجد [لقوله عليه الصلاة والسلام: ( لا أحل المسجد لحائض ولا لجنب )] والنفساء كالحائض لا فرق بينهما، والقائل هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويبقى الجنب إذا اضطر إلى أن يمر داخل المسجد فلا بأس بذلك، لكن لا يجلس أو ينام، وتقاس عليه الحائض إذا كانت مضطرة، لا طريق لها إلا أن تدخل من باب المسجد وتخرج؛ لقول الله تعالى: إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ [النساء:43]، أما أن تجلس الحائض أو الجنب في المسجد فلا يحل أبداً، وكلمة المسجد كلمة جنس، معناها: أي مسجد سواءٌ بني بالحجارة أو بالطوب أو قل بما شئت، فما دام يسجد فيه لله ويركع، ويجتمع فيه المؤمنون لأداء عبادة فهو مسجد، لا يحل لجنب ولا لحائض أو نفساء أن تجلس فيه، وإذا نام أحدنا في المسجد واحتلم وجب عليه إذا استيقظ على الفور أن يخرج من المسجد.

    رابعاً: قراءة القرآن

    [رابعاً: قراءة القرآن] فالحائض والنفساء والجنب لا يقرءون القرآن الكريم، وأما الذكر والدعاء والصلاة على المصطفى فالأمر واسع، أما القراءة تعبداً فلا، وأفتى بعض أهل العلم من السلف الصالح أنه إذا كانت الحائض تخشى أن تنسى ما حفظته بمضي أسبوع أو ثمانية أيام عليها فيجوز لها أن تقرأ، هذا إذا كانت تخاف نسيان ما تعبت له وحفظته، فرخصوا لها في أن تكرره للحفظ وعدم النسيان [لحديث: ( لا يقرأ الجنب ولا الحائض شيئاً من القرآن )] فالأفضل ألا تقرأ، ولا حرج بأن تطلب الطالبة أو المعلمة إذناً من المديرة مدة حيضها ولو خصموه من راتبها، وتبقى في بيتها كالمريضة.

    ونادراً ما يكون عمر المعلمة ستين سنة وهي ما زالت تدرس، بل أكثرهن في العشرين والثلاثين، فنقول: لا نبحث عن فتيا سوى هذه، عندما تأتيها العادة الشهرية، تتصل بالهاتف أو بالمكاتبة للمسئول وتقول: أنا معذورة في هذا الأسبوع، فإن شاءوا تنازلوا عن راتبها في تلك الأيام، وإن شاءوا خصموه.

    خامساً: الطلاق

    [خامساً: الطلاق] لا يحل لمؤمن أن يطلق زوجته وهي حائض، وهذا أكثر المسلمين ما علموه ولا عرفوه؛ لأنهم يطلقون طلاق الحمقى، فيا إخواننا ليس هكذا الطلاق! ولكن افهموا وبلّغوا: إن تأذى المؤمن من زوجته وما استراح صبر شهراً أو شهرين أو سنة أو سنتين، ثم يأتي برجلين صالحين إلى بيته يقدم لهما طعاماً وشراباً من باب الضيافة، ويقول: أشهدكما أني طلقت فلانة، ويا فلانة! ابقي في بيتك حتى تنتهي عدتك ثم الحقي بأهلك. هذا هو الطلاق.

    وإذا تألمت هي وما استطاعت أن تصبر على أذاه طالبته بالطلاق، ولا حرج، وحينئذٍ كما قدمنا يأتي الزوج باثنين من الشهود العدول ويقول: أشهدكم أني طلقت أم فلان. ويا فلانة! أنت طالق فابقي في بيتك حتى تنتهي العدة والحقي بأهلك. هذا هو الطلاق.

    ومن هنا: لا يُطلق ولا يعزم حتى تحيض زوجته وتطهر، وقبل أن يجامعها.

    هذا هو الطلاق بكتاب الله وسنة الرسول صلى الله عليه وسلم، أما ما عليه العوام من الطلاق بالثلاث، وألف طلقة! وعلي الطلاق! فهو منكر وباطل، ثم يأتي ويقول: ما نويت الطلاق!!

    بلّغوا هذا: أن الزوج إذا تأذى وما استطاع أن يصبر على زوجته -ولا يرضى الله لعبده أن يعيش شقياً- فقد أذن له بالطلاق، ويكون الطلاق وهو في عقله وصوابه ورشده، فيأتي باثنين من العدول إلى بيته ويقول: أشهدكم أني طلقت فلانة واسمعي يا فلانة: أنت طالق وابقي في بيتك حتى تنتهي عدتك والحقي بأهلك.

    والزوجة كذلك إذا ابتليت بزوج أحمق، سليط اللسان، يؤذيها ويسبها ويركلها وهي لا تطيق ذلك، والله لا يرضى لأمته أن تؤذى أبداً، كما أنه لا يرضى لعبده ذلك، فتطالب بالطلاق، تقول له: طلقني ما دمت لا تستطيع أن تتحملني، فيأتي باثنين بعدما تحيض وتطهر -ليتأكد أنها ليست حاملاً- وقبل أن يطأها يطلقها، هذا هو الطلاق في الإسلام، و الطَّلاقُ مَرَّتَانِ [البقرة:229]، فإن طلقها الأولى، وبعد ذلك ندم أو ندمت راجعها قبل نهاية العدة، ويُشهد اثنين من الناس على ذلك، فلا عقد ولا مهر ولا وليمة، إما إن انتهت المدة وما راجعها، فلابد إذا أراد أن يتزوجها من عقد جديد، بوليمة جديدة، وبآداب الزوج كما هو، والطلقة الثانية كذلك، فإن طلقها ثالثة ما بقي له شيء، حتى تنكح زوجاً غيره، الطَّلاقُ مَرَّتَانِ فَإمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ [البقرة:229] لا بإساءة [فإن الحائض لا تطلق بل تنتظر حتى تطهر، وقبل أن تمس تطلق] فإذا انتهت حيضتها لا يمسها ولا يجامعها ثم يطلقها، فإن جامعها فالنكاح والطلاق باطل [لما روي ( أن ابن عمر

    رضي الله عنهما طلق امرأته وهي حائض، فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يراجعها ويمسكها حتى تطهر)] فإن شاء الله لا يطلق أحدنا إلا على هذه الطريقة الربانية.

    وهي: أنه إذا ما استطاع البقاء مع هذه المؤمنة وتأذى كثيراً وتعب في حياته -والله لا يرضى بذلك- طلق، ولكن لا يطلق وهو غضبان يسبها، وإنما يأتي باثنين من المؤمنين إلى بيته وهي من وراء الستارة، فيقول لهما: أشهدكما أني طلقت امرأتي، واسمعي يا فلانة! وابقي في بيتك حتى تنتهي عدتك وعودي إلى أهلك. هذا هو الطلاق. فإن أراد أن يطلق وسألها فقالت: إنها حائض، فلا طلاق، وإنما إن انتهت الحيضة وطهرت وراءها تصلي وقبل أن يجامعها يطلق.

    هذا هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    لمَ المسلمون لا يفعلون هذا؟ لأنهم ما علموا، وما عرفوا.

    ونعود فنقول: وإن شئتم حلفت لكم بالله على أن العلم ضروري للمسلمين، فطلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة، كيف تعرف الله إذا لم تتعلم؟! وكيف تعرف محاب الله وتؤديها إذا لم تتعلم؟! وكيف تستعين على تركها إذا لم تتعلم؟ فالطريقة التي عاش عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه: هي أنه إذا دقت الساعة السادسة مساءً، ومالت الشمس إلى الغروب توقفوا عن العمل، فيا صاحب المقهى! أغلق بابها، ويا صاحب الدكان! أغلق بابه، توضئوا واحملوا أطفالكم ونساءكم إلى بيت ربكم؛ لتصلوا المغرب وتجلسوا إلى معلم الكتاب والسنة، الفحول من أمامه، والأطفال وراءهم، وصفوف النساء من وراء الستارة، تتعلمون آية من كتاب الله، تكرر حتى تُحفظ وتُشرح ويبين المطلوب منها، وفي الليلة الثانية حديث من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الصحيحة، يكرر حتى يحفظ ويبين المطلوب منه ويُعمل به، وهكذا طول العام، فهذا نظام حياتنا، ألسنا نريد السماء؟ ألسنا نريد أن نسود العالم؟ لا يكون هذا بدون تعب ومشقة في حياتنا، ولن يبقى بعد هذا في القرية أو الحي جاهل أو جاهلة، ولن يبقى الجهل والظلم والفساد.

    فإذا قالوا: ما هذا التشدد يا هذا؟! فأقول: أنت تمشي وراء الغرب، وتقتدي به حتى في لباسك، وتريد أن تكون مثله، فاسأل أهل الغرب، اذهب إلى باريس ولندن وبرلين وانظر إذا دقت الساعة السادسة هل يبقى عمل؟! ولكن إذا انتهى العمل ذهبوا إلى دور السينما، وإلى المراقص والمقاصف، للهو واللعب، وأنتم لا تستطيعون إذا دقت الساعة السادسة أن تذهبوا إلى ربكم وأنتم تؤمنون به؟!

    1.   

    ما يباح مع الحيض والنفاس

    [ما يباح مع الحيض والنفاس: يباح مع الحيض والنفاس أمور هي:]

    أولاً: المباشرة فيما دون الفرج

    [أولاً: المباشرة فيما دون الفرج] للزوج أن يباشر زوجته ويلمسها ويضمها إلى صدره ويقبلها كما شاء، ولكن لا يمس فرجها أبداً ولا ينظر إليه، فيتلذذ فيما دون الفرج [لقوله عليه الصلاة والسلام: ( اصنعوا كل شيء إلا النكاح )] (اصنعوا) أي: مع الحائض أو النفساء، (كل شيء) من المداعبة والملاعبة، (إلا النكاح) إلا الجماع فلا.

    ثانياً: ذكر الله تعالى

    [ثانياً: ذكر الله تعالى، إذ لم يرد في ذلك نهيٌ عن الشارع] فالجنب والحائض والنفساء يذكرون الله: سبحان الله وبحمده، وسبحان الله العظيم، ولا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، وغيرها من الأذكار، فذكر الله تعالى مأذون فيه مباح.

    ثالثاً: الإحرام والوقوف بعرفة وسائر أعمال الحج أو العمرة إلا الطواف بالبيت

    [ثالثاً: الإحرام والوقوف بعرفة وسائر أعمال الحج أو العمرة إلا الطواف بالبيت فلا يحل إلا بعد الطهر والغسل] فالحائض أو النفساء تحرم وتلبي وتدخل مكة وتنتظر يوم عرفة وتنزل إلى منى إلا أنها لا تدخل المسجد لتطوف وتسعى حتى تطهر، فإذا طهرت واغتسلت طافت وسعت وقصت من شعرها.

    أما وهي حائض فإنها تغتسل وتحرم إن أرادت العمرة، وتدخل مكة لكن تبقى في الفندق أو المنزل حتى تطهر، أو كانت حاجة تحرم بالحج وتطلع إلى عرفة فإذا طهرت طافت وسعت [لقول الرسول صلى الله عليه وسلم لـعائشة رضي الله عنها] وعائشة هي بنت أبي بكر الصديق ، التي نحبها في الله، فهي حب رسول الله [( افعلي ما يفعل الحاج، غير أن لا تطوفي البيت حتى تطهري )] لأنها مشت حاجة مع الرسول صلى الله عليه وسلم فلما وصلت سرف -وهي قريبُ مكة- حاضت، فبكت. فقال: لم تبكين هذا شيء كتبه الله على بنات آدم؟! ابقي على إحرامك واذهبي إلى عرفة وحجي، فلما طهرت طافت وسعت.

    رابعاً: مؤاكلتها ومشاربتها

    [رابعاً: مؤاكلتها ومشاربتها] فاليهود لا يأكلون مع الحائض ولا يشاربونها، يعني: لا يجلسون معها على طاولة للشرب أو للأكل، والإسلام يجيز ذلك [لقول عائشة رضي الله عنها: ( كنت أشرب وأنا حائض، فأناوله النبي صلى الله عليه وسلم فيضع فاهُ على موضع فيَّ فيشرب )، وقول عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: ( سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن مؤاكلة الحائض؟ فقال: واكلها )] أي: كل معها على مائدة واحدة.

    وصل الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.