إسلام ويب

سلسلة منهاج المسلم - (64)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الحياء من الإيمان، وهما قرناء جميعاً إذا رفع أحدهما رفع الآخر، وكلاهما داعٍ إلى الخير صارف عن الشر ومبعد عنه، ونقيض الحياء الفحش والبذاء في القول والفعل، ومن صفات المسلم أنه لا يكون فاحشاً ولا بذيئاً ولا جافياً، كما أن الحياء مجمع الفضائل وعنصر الخيرات، وقد تمثل جلياً في خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخلاق أصحابه الكرام رضي الله عنهم أجمعين.

    1.   

    خلق الحياء

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه، ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذه الليلة ليلة الخميس من يوم الأربعاء ندرس كتاب منهاج المسلم. والكتاب جامع للشريعة الإسلامية، إذ بابه الأول في العقيدة، والثاني في الآداب، والثالث في الأخلاق، والرابع في العبادات، والخامس في المعاملات، أي: الأحكام الشرعية.

    وانتهى بنا الدرس إلى الفصل السابع في خلق الحياء، ندرس الليلة إن شاء الله خلق الحياء، نسأل الله أن يجعلنا من أهله.

    قال المؤلف غفر الله له ولكم ورحمه وإياكم وسائر المؤمنين: [ المسلم ] المسلم الذي أسلم قلبه ووجهه لله .. عطاؤه لله .. قلبه لا يتقلب إلا في طلب رضا الله، ووجهه لا يقبل به على مخلوق إلا على الله، يسأله ويطلبه [ عفيف حيي ] نعم والله المسلم الحق عفيف، والعفة معروفة، فلا يمد يده لغير الله [ والحياء خلق له ] إذ الحياء من الإيمان، فالحياء جزء من الإيمان، ومن لا إيمان له لا حياء له، ومن كان ذا حياء فهو ذو إيمان.

    فضيلة الحياء

    [ إن الحياء من الإيمان، والإيمان عقيدة المسلم وقوام حياته ] أي: الإيمان الصادق الصحيح الذي علمتم أنه بمنزلة الروح للجسد، وبدون إيمان لا إسلام ولا حياة، فضلاً عن الحياء، فهو ميت، حتى يؤمن ثم يسلم [ يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: ( الإيمان بضع وسبعون -أو بضع وستون- شعبة -جزءاً- أفضلها لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان ) ] فالإيمان سبعون جزءاً مجزأً أو ستون حسب اختلاف الرواة، قال: ( سبعون أو ستون)، وأفضل هذه الشعب أو الأجزاء لا إله إلا الله، وما في ذلك شك، و( أدناها) أي: أسفلها إماطة الأذى عن طريق المؤمنين، فإذا أزلت الشوك أو الأذى الذي في الطريق فذلك عنوان إيمانك، فلولا أنك مؤمن ما فعلت هذا، والحياء شعبة من شعب الإيمان، وجزء من أجزائه الستين أو السبعين. فلهذا هيا نتعلم الحياء، ونلزم نفوسنا به، ونصبح من أهله، وسيظهر لكم المعنى إن شاء الله.

    [ ويقول ] الرسول الكريم: [ ( الحياء والإيمان قرناء جميعاً، فإذا رفع أحدهما رفع الآخر ) ] فالإيمان والحياء قرنهما الله مع بعضهما بعضاً، فإذا ذهب أحدهما ذهب الثاني، فلا يبقى إيمان بدون حياء، ولا يبقى حياء بدون إيمان. ( الحياء والإيمان قرناء جميعاً، فإذا رفع أحدهما رفع الآخر )، بمعنى: لا يوجد مؤمن بدون حياء، ولا يوجد حياء بدون إيمان، فهما مقترنان مع بعضهما، فالمؤمن حيي، والحيي مؤمن [ وسر كون الحياء من الإيمان أن كلاً منهما داع إلى الخير، صارف عن الشر مبعد عنه ] فالسر في ربط الإيمان بالحياء لأن كلاً من الحياء والإيمان يدعو إلى الخير، فالإيمان يدعو إلى الخير، والحياء يدعو إلى الخير، والإيمان صارف عن الشر ومبعد عنه، وكذلك الحياء يصرف عن الشر ويبعد عنه؛ فلهذا قرنا مع بعضهما بعضاً [ فالإيمان يبعث ] ويدفع [ المؤمن على فعل الطاعات وترك المعاصي، والحياء يمنع صاحبه من التقصير في الشكر للمنعم ] عز وجل [ ومن التفريط في حق ذي الحق، كما يمنع الحيي من فعل القبيح أو قوله اتقاء للذم والملامة، ومن هنا كان الحياء خيراً ] كله، فالحياء والله خير [ ولا يأتي إلا بالخير ] فأهل الحياء لا يفحشون، ولا يتبذلون، ولا يقولون المنكر، ولا يأتون باطلاً، فالحياء يمنعهم، فصاحب الحياء لا يزني، وهذا مستحيل، ولا يسرق، فهذا مستحيل، فحياؤه مانع له من كل سوء؛ لأنه خير وإيمان [ كما صح ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله: ( الحياء لا يأتي إلا بخير ) ] واحفظوا هذا الحديث الصغير، ( الحياء لا يأتي إلا بالخير ). والله العظيم [ وقوله في رواية مسلم : ( الحياء خير كله ) ] هذه أخبار النبي صلى الله عليه وسلم: ( الحياء لا يأتي إلا بخير )، ( الحياء كله خير )، ما يأتي بالشر أبداً.

    الصفات المناقضة للحياء

    [ ونقيض الحياء ] وضده [ البذاء، والبذاء فحش ] وقبح [ في القول والفعل، وجفاء في الكلام ] وكل قبح في القول والفعل فهو بذاء، وهو ضد الحياء، ومن لا حياء له فكلامه جاف قاس خال من الرحمة [ والمسلم لا يكون فاحشاً ولا متفحشاً، ولا غليظاً ولا جافياً ] فالمسلم الحق الذي أسلم بعدما آمن، وأطاع الله ورسوله في الفعل والترك لا يكون فاحشاً ولا متفحشاً، ولا يوجد مسلم حق فاحشاً ينطق بالفحش ويفعله، ولا متفحشاً ولا غليظاً ولا جافياً أبداً [ إذ هذه صفات أهل النار ] فالبذاء والفحش والجفاء هذه صفات أهل النار [ والمسلم من أهل الجنة إن شاء الله ] فلا تكون هذه صفاته [ فلا يكون من أخلاقه البذاء ولا الجفاء، وشاهد هذا قول الرسول صلى الله عليه وسلم: ( الحياء من الإيمان، والإيمان في الجنة ) ] فالحياء من الإيمان قطعاً، ولولا الإيمان ما كان حياء، والإيمان هو وأهله في الجنة [ ( والبذاء من الجفاء، والجفاء في النار ) ] والجفاء: الغلظة، والجفاء يوجد في النار، أي: أهله في النار، والجافي: الغليظ.

    حياء رسول الله صلى الله عليه وسلم

    [ وأسوة المسلم ] وقدوته [ في هذا الخلق الفاضل الكريم رسول الله ] صلى الله عليه وسلم؛ إذ به ائتسينا واقتدينا، ووراءه مشينا، فنأكل كما يأكل، ونجلس كما يجلس، ونمشي كما يمشي، ونأخذ كما يأخذ، ونعطي كما يعطي، ونعتقد ما يعتقد، ونفعل ما يفعل؛ لأنه أسوتنا إذ قال تعالى لنا: لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ [الأحزاب:21] [ سيد الأولين والآخرين ] صلى الله عليه وسلم [ إذ كان ] رسول الله [ صلى الله عليه وسلم أشد حياء من العذراء في خدرها ] أي: أشد حياء من البكر في غرفتها أو في خيمتها، فالعذراء هي البكر، فهي لا تضحك مع الرجال، ولا تتكلم معهم، ولا ترفع صوتها، كلها حياء، فكان النبي صلى الله عليه وسلم أشد حياء من البكر أو العذراء في بيتها [ كما روى ذلك البخاري رحمه الله عن أبي سعيد ] الخدري [ رضي الله عنه وقال فيه: ( فإذا رأى شيئاً ) ] أي: النبي صلى الله عليه وسلم [ ( يكرهه عرفناه في وجهه ) ] فإذا رأى النبي صلى الله عليه وسلم شيئاً يكرهه عرفنا ذلك في وجهه، يعني: يتغير وجه الرسول صلى الله عليه وسلم، ولكن ما يتكلم، ولا يجفو، ولا يقسو، ولا يأمر ولا ينهى، ولكن يظهر ذلك في وجهه من حيائه.

    الحياء خير وفضل

    [ والمسلم إذ يدعو إلى المحافظة على خلق الحياء في الناس وتنميته فيهم إنما يدعو إلى خير، ويرشد إلى بر ] فالمسلم إذا دعا إلى هذا الخلق ورباه في أولاده ومن معه ودعا الناس إليه فمعنى ذلك: أنه يدعو إلى خير، ويرشد إلى بر، والبر والخير بمعنى واحد [ إذ الحياء من الإيمان، والإيمان مجمع كل الفضائل ] والحسنات؛ إذ الحياء من الإيمان، وهذا قد استقر عندنا، ونحلف عليه بالله، والإيمان مجمع كل الفضائل، إذ هي مجموعة في الإيمان [ وعنصر كل الخيرات ] فكل الخيرات تنتج عن الحياء، فما من خير تفعله إلا والحياء هو الباعث لك على ذلك [ وفي الصحيح ] من أحاديث المصطفى صلى الله عليه وسلم [ ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر برجل يعظ أخاه في الحياء ) ] أي: في الشارع وجد رجلاً يعظ ولده أو أخاه في الحياء، ويقول له: ما هذا الحياء الذي يمنعك حقك؟ ما هذا الحياء أنت كالمرأة؟ وهكذا، [ ( فقال ) ] له الرسول صلى الله عليه وسلم [ ( دعه ) ] اتركه [ ( فإن الحياء من الإيمان ) ] أي: كان الرجل يلوم أخاه أو ابنه ويقول له: فرطت في أمورك أو كذا من حيائك، فإلى متى هذا الحياء؟ فقد كان يعظه في الحياء ليتخلى عنه؛ لأنه تسبب في ضياع ماله أو غيره، فما كان من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أن قال: ( دعه) أي: اتركه؛ ( فإن الحياء من الإيمان)، أفتريد أن تنزع الإيمان منه، فالحياء ناتج عن الإيمان، وهو مؤمن فلا عجب [ فدعا بذلك صلى الله عليه وسلم إلى الإبقاء على الحياء في المسلم ] بهذا الأمر الذي قال فيه: ( اتركه؛ فإن الحياء من الإيمان) [ ونهى عن إزالته ] أي: الحياء [ ولو منع صاحبه من استيفاء بعض حقوقه وأخذها كاملة ] فلا يترك الحياء، ولو منعه من بعض حقوقه، ولم يأخذها كاملة، فقد قال: ( دعه؛ فإن الحياء من الإيمان )، أي: اتركه؛ لأنه وجده يترك بعض أموره من حيائه، فالحياء إذاً صفة من صفات الكمال، يقبله العبد ويصر عليه ولو أضاع له بعض حقوقه؛ [ إذ ضياع بعض حقوق المرء خير له من أن يفقد الحياء ] وهذا قطعاً، فضياع بعض حقوقي أفضل لي من أترك الحياء [ الذي هو جزء إيمانه وميزة إنسانيته ومعين خيريته ] فالحياء جزء الإيمان، وهو ميزة إنسانية، فالحياء لا يوجد في البغال والحمير والحيات والعقارب والذئاب، فهو لا يوجد في الحيوانات، وإنما هو نوع ميزة من ميزات الإنسان، فكونه إنساناً يعني: أنه معه حياء، فإن فقد الحياء فقد أصبح حيواناً، والحياء معين خيريته، فالخيرية تصدر من الحياء، فإذا رأيت في المرء خيراً فاعلم أن هذا ناتج عن حيائه [ ورحم الله امرأة كانت قد فقدت طفلها ] خرج من البيت وضاع ففقدته [ فوقفت على قوم تسألهم عن طفلها ] هل مر بهم أو رأوه؟ [ فقال أحدهم: تسأل عن ولدها وهي منتقبة؟ فسمعته فقال: لأن أرزأ في ولدي خير من أرزأ في حيائي أيها الرجل! ] وهي ليست من خريجات الجامعات، فقد ضاع ولدها وقد يكون أبوه ميتاً، فخرجت في الشارع تبحث عنه، فمرت بجماعة جالسين فسألتهم، فقال أحدهم لبعضهم البعض: تسأل عن ولدها وهي منتقبة؟ فسمعته يقول هذه الكلمة بين أصحابه، فقالت: والله لأن أرزأ، بمعنى: أصاب بفقد ولدي خير من أن أرزأ في حيائي فأفقده أيها الرجل! فأدبته، وهذا مصداق كون الحياء قد يكون سبباً في فقدك بعض الأشياء ولا تبالي بها، فقد يمنعك الحياء من أن تفعل شيئاً أو تأخذ حقك كاملاً فتتنازل فهذا خير لك من غيره، فهذه المرأة بينت الواقع، قالت: لأن أرزأ في ولدي خير لي أن أرزأ في حيائي وأفقد حيائي بين الناس؛ لأن الحياء إيمان، والحياء من الإيمان.

    الحياء لا يمنع من قول الحق

    [ وخلق الحياء في المسلم غير مانع له أن يقول حقاً أو يطلب علماً ] فخلق الحياء في العبد المسلم لا يمنعه أن يطلب حقاً من حقوقه، أو يطلب علماً، فالحياء الكامل لا يمنع صاحبه أن يطلب حقاً أو يطلب علماً، هذه حقيقة مسلمة، فخلق الحياء في المسلم غير مانع له أن يقول حقاً إذا تطلب الأمر ذلك [ أو يأمر بمعروف ] يترك بين يديه [ أو ينهى عن منكر، فقد شفع مرة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم أسامة بن زيد حب رسول الله وابن حبه ] فـزيد هو مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأسامة ولده، وهو حبه وابن حبه صلى الله عليه وسلم شفع في قضية، أراد أن يشفع لصاحبها عند النبي صلى الله عليه وسلم؛ حتى يرحمه، [ فلم يمنع الحياء رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقول لـأسامة في غضب: ( أتشفع في حد من حدود الله يا أسامة ؟ ) ] فقد كانت هذه المرأة سرقت، فأمر الرسول بقطع يدها، فجاء أسامة ليشفع؛ حتى لا تقطع يدها، فقال الحبيب صلى الله عليه وسلم [ ( والله لو سرقت فلانة - فاطمة - لقطعت يدها ) ] فلم يمنع الحياء الرسول من أن يقول هذا المعروف، مع أنه أشد حياء من البكر في خدرها، ولكن مع الحق لا يوجد حياء.

    [ ولم يمنع الحياء أم سليم الأنصارية ] امرأة من الأنصار أم سليم ما منعها الحياء [ أن تقول: ( يا رسول الله! إن الله لا يستحي من الحق، فهل على المرأة من غسل إذا هي احتلمت؟ ) ] امرأة تسأل هذا السؤال! وما منعها الحياء أن تطلب العلم؟ قالت: ( يا رسول الله! إن الله لا يستحي من الحق) فقدمت له بمقدمة، ( فهل على المرأة من غسل)؟ يعني: غسل جنابة، ( إذا هي احتلمت) في النوم [ ( فيقول لها الرسول صلى الله عليه وسلم ) ] ولم يمنعه الحياء [ ( نعم إذا رأت الماء ) ] لا هي منعها الحياء أن تطلب العلم، ولا الرسول منعه الحياء أن يبين لها الحكم. فإذا احتلمت المرأة وخرج منها ماء، أي: رأت في منامها أن زوجها يجامعها أو رأت جماع غير زوجها وخرج منها الماء وجب الغسل، والرجل كذلك إذا نام فرأى في منامه أنه يجامع أو لم ير وخرج المني منه وجب عليه الغسل من الجنابة. ومن رأى في منامه أنه يجامع ولم يخرج منه المني فلا غسل عليه، فلا غسل على من احتلم في منامه إلا إذا خرج منه المني، وهو ماء أبيض ثخين، وإن وجده في ثوبه ولم يدر متى احتلم يجب أن يغتسل وأن يصلي، وإن وجد المني في ثوبه بعد العصر فيغتسل ويعيد الصلاة من آخر نومة نامها في هذا الثوب، فإذا كانت قبل الظهر اغتسل وصلى الظهر والعصر، وإذا كانت في البارحة فقط اغتسل وصلى الصبح والظهر والعصر، فيغتسل ويصلي من آخر نومة نامها في ذلك الثوب.

    [ وخطب عمر مرة ] عمر خليفة المسلمين وإمامهم خطب في هذا المنبر [ فعرض لغلاء المهور ] وتعرض لغلاء المهور يريد أن يبعدها [ فقالت له امرأة: أيعطينا الله وتمنعنا يا عمر ؟! ألم يقل الله: وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَارًا فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا [النساء:20] ] وهذه ليست جامعية، وإنما درست في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فـعمر خطب الناس يوم الجمعة وتعرض لغلاء المهور وفحشه، ( فقالت امرأة له: أيعطينا الله وتمنعنا أنت يا عمر ؟! ألم يقل الله تعالى: وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَارًا فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا [النساء:20]) من سورة النساء [ فلم يمنعها الحياء أن تدافع عن حق نسائها، ولم يمنع عمر أن يقول معتذراً: كل الناس أفقه منك يا عمر ! ] أي: حتى النساء، وأين يوجد هذا الخلق؟ امرأة تقول هذا لإمام المسلمين، وإمام المسلمين وحاكمهم وجنرالهم وقائدهم يقول: كل الناس أفقه منك يا عمر ! هذه هي الأخلاق الإسلامية التي فقدناها من قرون، فلم يمنع الحياء عمر أن يقول هذا، ولم يمنع الحياء المرأة أن تقول هذا، فالحياء لا يمنع أن تقول الحق أو تنطق به، أو تأمر بمعروف وتنهى عن منكر، وإنما الحياء يمنع الغلظة والجفاء وسوء المعاملة [ كما خطب مرة في المسلمين ] أي: عمر أيام خلافته [ وعليه ثوبان ] أي: نوعين من الثياب [ فأمر بالسمع والطاعة ] أي: أمر المسلمين أهل المسجد بالسمع والطاعة لإمام المسلمين [ فنطق أحد المسلمين قائلاً: فلا سمع ولا طاعة يا عمر ! عليك ثوبان وعلينا ثوب واحد ] أين الذين يتبجحون بحقوق الإنسان والديمقراطية والعدالة وهم كافرون بالإسلام بعيدون عنه لا يعرفون عنه شيئاً؟ عمر يخطب الناس فيأمرهم بالعدل بالاستقامة والطاعة، فيقوم رجل فيقول: ( لا سمع ولا طاعة لك يا عمر !)، ويعلل فيقول: ( عليك ثوبان وعلينا ثوب واحد)، فلا نطيعك ولا نسمعك [ فنادى عمر بأعلى صوته : يا عبد الله بن عمر ! فأجابه ولده ] فقال: [ لبيك أبتاه! فقال له ] عمر : [ أنشدك الله أليس أحد ثوبي هو ثوبك أعطيتنيه؟ قال: بلى والله، فقال الرجل: الآن نسمع ونطيع يا عمر ! ] لا إله إلا الله، هذا العصر الذهبي لأمة الإسلام، ثلاثة عصور، عصر الصحابة وعصر أولادهم وعصر أحفادهم، والرسول قال: ( خير القرون قرني، ثم الذي يليه، ثم الذي يليه )؛ لأنهم كانوا يجتمعون على دراسة كتاب الله وهدي رسوله صلى الله عليه وسلم [ فانظر ] يا عبد الله! انظر كيف لم يمنع الحياء الرجل أن يقول، ولا عمر أن يعترف ] فما منع الحياء الرجل أن يقول ما قال، ولا منع عمر أن يعترف بالحق، مع أنهما من أهل الحياء؛ إذ الحياء من الإيمان، وكله إيمان.

    الحياء من الله

    [ والمسلم ] الذي أسلم قلبه ووجهه لله فأطاع الله فيما أمر به وفيما نهاه عنه [ كما يستحي من الخلق ] أي: الناس [ فلا يكشف لهم عورة، ولا يقصر في حق وجب لهم عليه، ولا ينكر معروفاً أسدوه إليه، لا يخاطبهم بسوء، ولا يجابههم بمكروه ] فالمسلم الحق كما يستحي من الخلق فلا يكشف لهم عورة ولا يقصر في حق وجب لهم عليه، بل يعطيه ويقدمه، ولا ينكر معروفاً أسدوه إليه، ولا ينكر الفضل والإحسان، فهو مع هذا لا يخاطبهم بسوء، ولا يجابههم بمكروه [ فهو يستحي من الخالق، فلا يقصر في طاعته، ولا في شكر نعمته؛ وذلك لما يرى من قدرته تعالى عليه، وعلمه به، ممتثلاً قول ابن مسعود ] رضي الله عنه: [ استحوا من الله حق الحياء ] فيا عباد الله! استحوا من الله حق الحياء [ فاحفظوا الرأس وما وعى، والبطن وما حوى، واذكروا الموت والبلى ] هذه موعظة ابن مسعود رضي الله عنه، يقول وهو يخطب الناس: ( استحوا من الله حق الحياء) فلا تخرجوا عن طاعته، وإذاً ( فاحفظوا الرأس وما وعى) من السمع والبصر واللسان، ( والبطن وما حوى، واذكروا الموت والبلى) [ وقول الرسول صلى الله عليه وسلم: ( فالله أحق أن يستحيا منه من الناس ) ] رواه البخاري . وتمام هذا الحديث وهو عن أبي هريرة قال: ( قلت: يا رسول الله! عوراتنا ما نأتي منها وما نذر؟ ) دلنا عن عوراتنا ما نأتي منها وما نترك؟ ( قال: احفظ عورتك إلا من زوجك أو من ما ملكت يمينك ). فلا تظهر فرجك ولا فخذيك إلا لزوجتك أو ما ملكت يمينك، أي: الجارية التي تتسرى بها ( قلت: يا نبي الله! إذا كان القوم بعضهم في بعض مختلطين؟ قال: إن استطعت ألا يرى عورتك أحد فلا يراها، قلت: إذا كان أحدنا خالياً؟ قال: فالله أحق أن يستحيا منه من الناس ). حتى وأنت وحدك في الفضاء لا تكشف عورتك فيها، استحي من الله عز وجل.

    والله تعالى أسأل أن يرزقنا وإياكم الحياء، وأن يحيينا ويميتنا عليه.

    وصلى الله على نبينا محمد وآله وأصحابه وسلم.