إسلام ويب

سلسلة منهاج المسلم - (63)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الرحمة صفاء النفس، وطهارة الروح، ومن كان هذا حاله فإن الرحمة لا تفارقه، وللرحمة آثار على النفس وعلى الغير، وتتجلى الرحمة في الرفق بالحيوانات، والرحمة أن تعفو عمن أساء إليك وأن تحسن إليه، كما أن الرحمة تعم المعاملات مع جميع أصناف الناس.

    1.   

    خلق الرحمة

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، ثم أما بعد ..

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات، إننا على سالف عهدنا في مثل هذه الليلة ليلة الخميس من يوم الأربعاء ندرس كتاب منهاج المسلم، ذلكم الكتاب الحاوي للشريعة الإسلامية بكاملها، إذ الباب الأول في العقيدة، والثاني في الآداب، والثالث في الأخلاق، والرابع في العبادات، والخامس في المعاملات، وهذه شريعة الله عز وجل لعباده المؤمنين، وها نحن قد انتهى بنا الدرس إلى [ الفصل السادس: في خلق الرحمة]، فالرحمة خلق، وستعلمه إن شاء الله.

    الرحمة خلق المسلم

    قال: [المسلم] أي: المسلم الكامل الإسلام الذي أعطى قلبه ووجهه لله، ذلكم هو المسلم، أعطى قلبه لله فلا يتقلب إلا في طلب رضا الله، وأسلم وجهه لله فلا يرى إلا الله، هذا هو المسلم الحسن الإسلام [رحيم، والرحمة خلق من أخلاقه، إذ منشأ الرحمة صفاء النفس وطهارة الروح] فمكان ونشأة الرحمة صفاء النفس وطهارة الروح [والمسلم بإتيانه الخير وعمله الصالح وابتعاده عن الشر واجتنابه المفاسد هو دائماً في طهارة نفس وطيب روح، ومن كان هذا حاله فإن الرحمة لا تفارق قلبه؛ ولهذا كان المسلم يحب الرحمة ويبذلها ويوصي بها ويدعو إليها، مصداقاً لقوله تعالى: ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ * أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ [البلد:17-18]] فتأملوا هذه الآية من سورة البلد ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ [البلد:17] أي أوصى بعضهم بعضاً بالصبر على الطاعة وتواصوا بالرحمة [وعملاً بقول المصطفى صلى الله عليه وسلم] والمصطفى هو نبي الله، اصطفاه الله واختاره واجتباه وبعثه إلى عباده نبياً ورسولاً [( إنما يرحم الله من عباده الرحماء )] فلنحفظ هذا الحديث وندخله في قلوبنا كما ندخل الدينار في جيوبنا فرحين مسرورين، فمن لم يكن رحيماً لا يرحم، هذا خبر النبي صلى الله عليه وسلم، فلم يقل: بنو هاشم ولا البيض ولا السود، وإنما (يرحم من عباده الرحماء) ، هذا الحديث خير -والله- من ألف ريال، بل من مائة ألف ريال.

    ومن قال هذا واعتقده ودخل في قلبه ما قدر أن يؤذي مؤمناً ولو بنظرة شزراً؛ لأنه رحيم، والرحيم لا يؤذي [وقوله صلى الله عليه وسلم: ( ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء ) ] ارحموا من في الأرض من الناس والحيوانات يرحمكم الذي في السماء عز وجل، ومن يرحم يُرحم، فسنة الله لا تتبدل، ومعناه: إن لم ترحموا من في الأرض فلن يرحمكم من في السماء [واسترشاداً بقوله عليه الصلاة والسلام: ( من لا يرحم لا يُرحم )]، وقد حفظ العجائز هذا في الجاهلية أنه من لا يرحم لا يُرحم أبداً، فهذه سنة الله، فالذين يقتلون ويذبحون ويبقرون البطون ليس لهم من يرحمهم، وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( من لا يرحم لا يُرحم ) [ومن قوله صلى الله عليه وسلم: ( لا تنزع الرحمة إلا من شقي )] أي: لا تنزع الرحمة من قلب أحد إلا من قلب شقي -والعياذ بالله تعالى- كتب الله شقاوته، أما السعيد فالرحمة في قلبه ولا تفارقه أبداً [وتحقيقاً لقوله صلى الله عليه وسلم: ( مثل المؤمنين )] أي: الصادقين في إيمانهم العارفين بربهم [( في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى )] مثل المؤمنين: رجالاً ونساءً، بيضاً وسوداً، عرباً وعجماً مثلهم الحق الذي ينطبق عليهم مثل الجسد الواحد، إذا اشتكى من الجسد عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى، فإذا مرض أنفه مرض وتأذى الجسد كله، وإذا مرضت عينه مرض جسمه كله، وإذا مرضت يده مرض جسمه كله، بل حتى إذا مرض سنهُ فقط مرض بمرضه جسمه كله.

    هذا هو شأن المؤمنين، فالمؤمنين الصادقين في إيمانهم وتوادهم وتراحمهم وتعاطفهم مع بعضهم البعض كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى، أي: توالت الأعضاء كلها بالحمى والسهر.

    الآثار الخارجية للرحمة

    [والرحمة وإن كانت حقيقتها رقة القلب وانعطاف النفس] فالرحمة التي هي صفة المؤمن -وندعو الله أن نكون من أهلها وأن يرزقنا إياها- حقيقتها رقة القلب وانعطاف النفس [المقتضي للمغفرة والإحسان فإنها لن تكون دائماً مجرد عاطفة نفسية لا أثر لها في الخارج، بل إنها ذات آثار خارجية، ومظاهر حقيقية تتجسم فيها في عالم الشهادة ..] فالرحمة محلها القلب، ولكن لها آثار تظهر على العبد في الخارج، فليست في القلب فقط، بل إذا وجدت تجلت مظاهرها في الأعضاء كلها [ومن آثار الرحمة الخارجية: العفو على ذي الزلة] وبها يُعرف أن في قلبك رحمة، فإنك إذا أوذيت وتنازلت ولم تقتص من ذاك الذي آذاك وعفوت عنه؛ دل هذا على وجود رحمة [والمغفرة لصاحب الخطيئة] فيُعرف أنك ذو رحمة بأن نجدك تعفو عمن ظلمك، وتتنازل عمن آذاك [وإغاثة الملهوف، ومساعدة الضعيف، وإطعام الجائع، وكسوة العاري، ومداواة المريض، ومواساة الحزين .. كل هذه من آثار الرحمة وغيرها كثير] فالرحمة خلق في القلب ولكن تتجلى آثارها في الخارج.

    1.   

    مظاهر تتجلى فيها الرحمة وتبرز للحسِّ والعيان

    [ومن صور مظاهر الرحمة التي تتجلى فيها وتبرز للحسِّ والعيان ما يلي:]

    الأول: رحمة الأولاد وتقبيلهم والبكاء والحزن لفقدهم

    [أولاً: روى البخاري] والبخاري هو صاحب الصحيح إمام المحدثين [عن أنس بن مالك رضي الله عنه] وأنس بن مالك هو خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم [قال: ( دخلنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم على أبي يوسف القين ) ] الحداد، هذا لقبه [( وكان ظئراً لـإبراهيم ) ] أي: كانت امرأته مرضعة لـإبراهيم ابن النبي صلى الله عليه وسلم ابن مارية القبطية التي أهداها إليه ملك مصر، فلما تسراها النبي صلى الله عليه وسلم أنجبت له إبراهيم ، وما ولد له صلى الله عليه وسلم في المدينة إلا إبراهيم ، وباقي أولاده في مكة، فأعطاه -كعادة العرب- لمرضعة ترضعه، وكانت تسمى الظئر [( فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم إبراهيم ولده وقبله وشمه )] يقول أنس : دخلنا على مرضعة ابن النبي صلى الله عليه وسلم فأخذ الرسول ابنه وضمه إلى صدره وقبله وشمه، أي: شم رائحة الطيب منه، وهذه من مظاهر الرحمة [(ثم دخلنا عليه بعد ذلك في يوم آخر ) ] أي: لما مرض إبراهيم ، فقد مرض وبلغ الرسول صلى الله عليه وسلم الخبر فذهب ليزوره هو وأنس [( ثم دخلنا عليه بعد ذلك، وإبراهيم يجود بنفسه ) ] أي: عند الموت [( فجعلت عينا رسول الله صلى الله عليه وسلم تذرفان الدموع ) ] أي: يبكي [( فقال له عبد الرحمن بن عوف )] وهو صاحبه وأحد العشرة المبشرين بالجنة [( وأنت يا رسول الله؟! ) ] أي: حتى أنت تبكي؟ [( فقال: يا ابن عوف ! إنها الرحمة ) ] أي: ما بكيت من تلقاء نفسي ولكن الرحمة أبكتني [ثم قال: ( إن العين تدمع، والقلب يحزن، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا )] هذه كلمات رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذ هناك جهال يقولون كلمات يسخط الله بها عليهم، فلنقل الكلمة التي ترضي عنا ربنا.

    ثم قال: [( وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون )] والحزن هو الكمد والألم النفسي، هذا نبيكم صلى الله عليه وسلم الموصوف بالرحمة: بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ [التوبة:128] صلى الله عليه وسلم، فلنأتسي به، وليكن لنا رحمة في قلوبنا، فنقبل أطفالنا ونشمهم، وإذا مرضوا أو ماتوا حزنا وبكينا، ولكن لا نقول إلا ما يرضي ربنا عز وجل.

    قال: [فزيارة رسول الله صلى الله عليه وسلم لطفله الصغير وهو في بيت مرضعه وتقبيله إياه وشمه، ثم عيادته له وهو مريض يجود بنفسه، ثم ما أرسل عليه من دموع الحزن، كل ذلك من مظاهر الرحمة في القلب] ولولا الرحمة في القلب ما حدث هذا.

    الثاني: الرفق بالحيوانات

    [ ثانياً: روى البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( بينما رجل يمشي ) ] على الأرض [( فاشتد عليه العطش ) ] عطش واشتد عطشه [( فنزل بئراً -فيها ماء- فشرب منها )] أي: من البئر [( ثم خرج من البئر فإذا هو بكلب يلهث يأكل الثرى )] والثرى هو التراب المبلول [( فقال: لقد بلغ بهذا مثل الذي بلغ بي، فملأ خفه ثم أمسكه بفيه، ثم رقى فسقى الكلب فشكر الله، فغفر له )] أي: أصابه مثل الذي أصابني، فنزل البئر وملأ خفه وأمسكه بفمه وطلع بيده ثم سقى الكلب، فشكر الله تعالى له وغفر له [( قالوا )] أي الأصحاب الذين كان يحدثهم صلى الله عليه وسلم: [( يا رسول الله! وإن لنا في البهائم أجراً؟ )] أي: هل لنا في البهائم أجراً إذا نحن أطعمناها وسقيناها؟ [( قال: في كل ذات كبدٍ رطبة أجر )] وهذه الكلمة خير من ألف ريال، ففي كل كبد رطبة أجر، سواء كبد كلب أو بعير أو إنسان أو غيره؛ ولهذا الرحمة بين المؤمنين سائدة عامة، ولكن الواقع ليس كذلك؛ لأنهم ما علموا وما عرفوا، فلقد أبعدوهم عن الكتاب والسنة أكثر من سبعمائة سنة، فلا يجتمعون على قال الله وقال رسوله، إذاً كيف يعرفون؟ وكيف يرحمون؟ ومن أين لهم ذلك؟!

    آه ماذا فعلوا بنا؟ إنه الثالوث الأسود: المجوس، واليهود، والنصارى، عرفوا كيف يُنزلونا من عنان السماء إلى الأرض.

    قال المؤلف: [فنزول الرجل في البئر وتحمله مشقة إخراج الماء وسقيه الكلب العطشان .. كل هذا من مظاهر رحمته في قلبه، ولولا ذلك لما صنع الذي صنع ] نعم والله.

    قال: [وبعكسه] أي: هذا الحديث [ ما رواه البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( عذبت امرأة في هرة )] والهرة هي: القطة [(حبستها )] أي: أغلقت عليها الباب، أو حبستها في خزانة [( حتى ماتت )] حتى ماتت الهرة [( فدخلت فيها النار )] عذبها الله بالنار؛ لأنها عذبت هذا الحيوان وهو ذو كبد رطب [( وقيل لها: لا أنت أطعمتيها ولا سقيتيها حين حبستيها )] فلو أنها حبستها ثم أسقتها وأطعمتها فلا بأس، ولكنها حبستها في غرفة أو في خزانة من دون طعام ولا شراب [( ولا أنت أرسلتيها)] خارج بيتك [ (فأكلت من خشاش الأرض )]هذا الكلام قالوه لها الملائكة في النار، فهذا بعكس حديث ذاك الذي سقى الكلب فغفر الله له.

    قال: [إن صنيع هذه المرأة مظهر من مظاهر قسوة القلوب وانتزاع الرحمة منها] أي صنيع المرأة التي حبست الهرة [والرحمة لا تنزع إلا من قلب شقي] فالرحمة لا تنزع إلا من قلب شقي والعياذ بالله.

    الثالث: تخفيف الإمام للصلاة رحمة بالأم وولدها

    [ثالثاً: روى البخاري عن أبي قتادة رضي الله عنه] ونقول رضي الله عنه؛ لأن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم رضي الله عنهم، واقرءوا من سورة الفتح: لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا [الفتح:18] فالذي لا يترضى عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس بعبد مؤمن [أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( إني لأدخل في الصلاة )] هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: أدخل في الصلاة [( فأريد إطالتها )] أي: وأنا راغب في إطالة الصلاة لينتفع المصلون بذلك [( فأسمع بكاء الصبي )] ثم أسمع طفلاً يبكي [( فأتجوز مما أعلم من شدة وجد أمه من بكائه )] فأعجل بالصلاة؛ رحمة بهذا الطفل الذي يبكي وبأمه، لأن أمه تتألم، وإن شاء الله يفعل أئمتنا كذلك إذا سمعوا البكاء [فعدوله صلى الله عليه وسلم عن إطالة صلاته التي عزم على إطالتها ووجد الأم من بكاء طفلها مظهر من مظاهر الرحمة التي أودعها الله في قلوب الرحماء من عباده المؤمنين].

    الرابع: العفو عمن أساء إليك والإحسان إليه

    قال: [رابعاً: روي أن زين العابدين علي بن الحسين ] وهذا من أحفاد النبي صلى الله عليه وسلم واسمه علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ابن فاطمة [كان في طريقه إلى المسجد] ذاهباً إلى المسجد للصلاة [فسبه رجل] من ملوثي القلوب، من أصحاب الفتن [فقصده غلمانه] أي: رجال معه من خدمه وغلمانه [ليضربوه ويؤذوه] أي: يضربوا هذا الذي سب زين العابدين [فنهاهم] أي: منعهم ودفعهم من أن يضربوا هذا الذي سبه [وكفهم عنه رحمة به. ثم قال: يا هذا!] يخاطب ذاك الذي جاء ليسبه، بل سبه [أنا أكثر مما تقول] يعني الذي تقوله في من السب أنا أكثر منه [وما لا تعرفه عني أكثر مما تعرفه] يعني: ما تعرفه عني من العيب أكثر مما لا تعرفه [فإن كان لك حاجة في ذلك ذكرته] أي: إذا كان لك رغبة في بيان عيوبي ذكرتها لك، أخدمك فيها وأقضي حاجتك [فخجل الرجل واستحيا فخلع عليه زين العابدين قميصه، وأمر له بألف درهم] ونحن فقط لأدنى شيء من السب والشتم تقوم قائمتنا، لأننا ما ربينا في حجور الصالحين، وما علمنا الكتاب والحكمة، ولا زكيت أنفسنا بواسطة علماء الكتاب والسنة، ولكن عشنا كما تعيش الحيوانات والبهائم [فهذا العفو وهذا الإحسان لم يكونا إلا مظهراً من مظاهر الرحمة في قلب حفيد رسول الله صلى الله عليه وسلم].

    فلنعد، ولنرجع، فوالله لو أن أهل قرية من قرى العالم الإسلامي عرباً كانوا أو عجماً اجتمعوا كل ليلة من المغرب إلى العشاء يتعلمون الكتاب والحكمة ويعملون على تزكية أنفسهم، ما مضت سنة إلا وهم أشباه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأن سنة الله لا تتخلف، فالطعام يشبع، والماء يروي، والنار تحرق، والحديد يقطع وكذلك العلم يزكي النفوس ويطهرها: إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ [فاطر:28].

    لم لا تبلغون هذا؟! لم لا تعملون في قراكم ومدنكم على أن تتعهدوا وتلتزموا بمبدأ أن يصلى المغرب ثم يُجلس لتعلم الكتاب والسنة؟ ما المانع من ذلك؟

    وأخيراً: إخوانكم الجزائريون يطلبون منكم الدعاء للفتنة الدائرة في بلادهم، وبعض إخوانكم مرضى أيضاً يدعونكم لترفعوا أيديكم ليكشف الله ضرهم ويشفيهم، ونحن عبيد الله وأولياءه، فهذه أكفنا نرفعها إليه ..

    يا حي يا قيوم! يا حي يا قيوم! يا رءوف يا رحيم! يا ذا الجلال والإكرام! يا بديع السماوات والأرض! يا ولي المؤمنين ومتولي الصالحين! هذه أكفنا قد رفعناها إليك ضارعين سائلين، فأطفئ نار الفتنة التي بين عبادك الجزائريين، اللهم عجل بإطفائها، اللهم عجل بإطفائها، واجمع كلمتهم على الحق يا رب العالمين، واشف مرضانا ومرضى المؤمنين، اللهم اشف المرضى الذين بيننا وفي بيوتنا ومشافينا، وطهر قلوبنا، وزك أرواحنا، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

    اللهم ارزقنا الرحمة، اللهم ارزقنا الرحمة واجعلها من صفاتنا يا رب العالمين، وأمتنا عليها يا حي يا قيوم، وأحينا بها يا حي يا قيوم، إنك ولي ذلك والقادر عليه.

    وصلِّ اللهم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.