إسلام ويب

سلسلة منهاج المسلم - (52)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • السفر قطعة من العذاب، وما سمي السفر سفراً إلا لأنه يسفر عن أخلاق صاحبه، ولذلك فعلى من أراد سفراً أو تلبس بالسفر أن يلتزم بالآداب التي شرعها وبينها رسول الله صلى الله عليه وسلم في سنته، حتى يكون المسلم في حله وترحاله مقتفياً لسنة النبي صلى الله عليه وسلم، متبعاً لآثاره، فينال الأجر الكبير والفضل العظيم.

    1.   

    تابع آداب السفر وأحكامه

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذه الليلة ليلة الخميس من يوم الأربعاء ندرس كتاب منهاج المسلم، وها نحن مع [ الفصل الحادي عشر: في آداب السفر وأحكامه].

    أحكام السفر

    عرفنا في الدرس الماضي من أحكام السفر ما يلي:

    أولاً: قصر الصلاة الرباعية كالظهر والعصر والعشاء، وأنا نصليهما ركعتين ركعتين.

    ثانياً: جواز المسح على الخفين للمسافر ثلاثة أيام بلياليها.

    ثالثاً: إباحة التيمم، فالمسافر إذا لم يجد ماء أو شق عليه طلبه يتيمم ويصلي.

    رابعاً: رخصة الفطر في الصوم، فالصائم له أن يفطر وهو مسافر، سواء شق عليه السفر أو لم يشق.

    خامساً: جواز صلاة النافلة على الدابة والسيارة والطيارة، إذ كان صلى الله عليه وسلم يصلي النافلة على راحلته.

    سادساً: جواز الجمع بين الظهرين أو العشائين، فيجوز للمسافر أن يصلي الظهر والعصر في وقت أحدهما أو المغرب والعشاء في وقت أحدهما. هذه الأحكام درسناها في الدرس الماضي، والآن مع الآداب.

    1.   

    آداب السفر

    الأدب الأول: أن يرد المظالم والودائع إلى أصحابها

    [ أولاً: على المسافر] أي: العازم على السفر رجلاً أو امرأة [ أن يرد المظالم والودائع إلى أصحابها ] ما كان من مظلمة يجب أن يعترف بها ويتسامح مع صاحبها، أو يرد إليه ما ظلمه فيه، وإن كانت عنده ودائع وأمانات فيجب أن يردها إلى أصحابها خشية أن يموت [ إذ السفر مظنة الهلاك ] فلهذا من آداب السفر أنه يشرع للمسافر عليه أن يرد المظالم التي ظلم فيها إخوانه في القرية أو البلد، والودائع التي تحته والأمانات كذلك، أو ينوب عنه من يقوم بأدائها.

    الأدب الثاني: أن يعد زاده ومن يعول من الحلال

    [ ثانياً: أن يعد زاده ] أن يهيئ زاده من طعام وشراب ولباس ونقود [ من الحلال ] فلا يسافر بمال حرام [ وأن يترك نفقة من تجب عليه نفقته ] فلا يترك أولاده أو زوجته أو أمه بلا شيء ويسافر، وقبل أن يسافر لابد وأن يهيئ نفقة من يسافر عنهم ويتركهم.

    الأدب الثالث: أن يودع أهله وإخوانه وأصدقاءه

    [ ثالثاً: أن يودع أهله وإخوانه وأصدقاءه ] هذه كلها آداب جاء بها الإسلام وفعلها سيد الأنام، وهي لنا إلى يوم الدين.

    الأدب الرابع: أن يخرج إلى سفره في رفقة ثلاثة أو أربعة بعد اختيارهم

    [ رابعاً: أن يخرج إلى سفره في رفقة ثلاثة أو أربعة ] فلا يسافر المؤمن وحده أو مع آخر فقط، على الأقل ثلاثة، فالسفر قد يحدث فيه ما يحدث، إن كان مع واحد فقط ما يفعلوا شيئاً، ما يستطيع، ولكن إذا كان ثلاثة فأكثر نعم [بعد اختيارهم ] في صلاحهم وقوتهم وأمانتهم.

    الأدب الخامس: أن يؤمر الركب المسافرون أحداً منهم

    [ خامساً: أن يؤمر الركب المسافرون أحداً منهم ] ثلاثة أو أربعة مسافرون أمروا واحداً عليهم: أنت أميرنا يا فلان، وإذا أراد شيئاً يستشيرهم ويطلب رأيهم، لكن لابد من إمارة، فالإسلام لا يعرف الفوضى أبداً حتى في السفر، يسافرون ثلاثة أو أربعة فلابد وأن يكون عليهم أمير، يرجعون إليه فيما اختلفوا فيه، ويجب احترامه وتقديره؛ لأنه إمامهم وأميرهم.

    الأدب السادس: أن يصلي قبل سفره صلاة الاستخارة

    [ سادساً: أن يصلي قبل سفره صلاة الاستخارة ] انتهينا في الدرس الماضي هنا.

    أيها المسافر إلى الشرق أو الغرب! يستحب لك أن تتوضأ وتصلي ركعتين وتطلب الخيار من الله في السفر أو عدمه، وصلاة الاستخارة لطلب الخيرة من الله في كل عمل مبهم، فقبل أن تسافر استخر الله، فإذا رأى الله خيراً في سفرك أعانك عليه وفتح لك الطريق، وإن لم يكن فيه خير صرفك عنه وأقعدك دونه؛ لأنك طلبت من مولاك أن يختار لك [لترغيب الرسول صلى الله عليه وسلم في ذلك، حتى إنه كان يعلمهم إياها كما يعلمهم السورة من القرآن الكريم ] يعلمهم كلام الاستخارة كما يعلمهم القرآن: ( اللهم إني أستخيرك بعلمك وأستقدرك بقدرتك وأسألك من فضلك العظيم، فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم، وأنت علام الغيوب، اللهم إن كنت تعلم في سفري هذا خيراً لي في ديني ودنياي وفي معاشي وعاقبة أمري فاقدره لي ويسره لي وأعني عليه، وإن كنت تعلم أنه لا خير لي فيه فاصرفه عني واصرفني عنه ) ويسمي سفره.

    لماذا؟ هذا عند البناء، عند الهدم، عند الزواج، عند الموت، عند كل حاجة تكون مبهمة ما تدري الخير في فعلها أو في تركها، فمن طلب الخيرة من الله خير الله له ولا يخيبه، والرسول صلى الله عليه وسلم كان يفعل ذلك ويدعو إليه [ وفي جميع الأمور ] تستخيرون الله عز وجل، أردت أن تفتح متجراً فقبل أن تفتح استخر، أردت أن تبني منزلاً قبل أن تبني استخر، أردت أن تصاحب شخصاً وتلازمه وتتقرب منه استخر، فالله عز وجل لا يخيب عبداً طلب منه الخيرة.

    الأدب السابع: أن يقول عند مغادرته المنزل: ( باسم الله، توكلت على الله.. )

    [ سابعاً] من الآداب [ أن يقول عند مغادرته المنزل: ( باسم الله، توكلت على الله ولا حول ولا قوة إلا بالله ) ] يقولها عند عتبة بابه وهو خارج من منزله في سفره [ ( باسم الله، توكلت على الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله، اللهم إني أعوذ بك أن أضل أو أضل، أو أزل أو أزل، أو أجهل أو يجهل علي ) ] هذه مستحبة.

    (اللهم إني أعوذ بك أن أضل أو أضل) أقع في الضلال أو يضللني أحد.

    (أو أزل أو أزل) أفعل زللاً أو أقع في الزلل (أو أجهل أو يجهل علي).

    [ فإذا ركب ] السيارة أو الطيارة أو الدابة أو الباخرة [ قال: ( بسم الله، وبالله، والله أكبر، توكلت على الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، سبحان الله الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين، وإنا إلى ربنا لمنقلبون، اللهم إني أسألك في سفرنا هذا البر والتقوى، ومن العمل ما ترضى، اللهم هون علينا سفرنا هذا واطو عنا بعده، اللهم أنت الصاحب في السفر، والخليفة في الأهل والمال، اللهم إني أعوذ بك من وعثاء السفر وكآبة المنظر وخيبة المنقلب وسوء المنظر في المال والأهل والولد ) ] هذه تحفظ، وعلى المؤمنين أن يحفظوها حتى يقولوها عند السفر.

    ومما يذكر: أن الطائرات السعودية تقول هذا الدعاء، وتسمعه الراكبين ويؤمنون معها. والذي يقولون: آمنا كالذي دعا. هؤلاء هم المسلمون حقاً، في أسفارهم يتميزون عن الخليقة كلها إنسها وجنها.

    الأدب الثامن: أن يخرج يوم الخميس أول النهار

    [ ثامناً: أن يخرج] في سفره [ يوم الخميس أول النهار ] فبدلاً من أن تسافر الأربعاء أجل إلى الخميس، وبدلاً من أن تسافر الجمعة قدم الخميس على الجمعة [ لقول الرسول صلى الله عليه وسلم: ( اللهم بارك لأمتي في بكورها ) ولما جاء عنه أنه كان يخرج إلى سفره يوم الخميس ] فالرسول كان يدعو وعلم أمته ذلك ( اللهم بارك لأمتي في بكورها ) أي: في عملها في الصباح، البكور جمع بكر وهو الصباح، البكرة والبكور أول النهار، فالعمل الذي يكون في أول النهار في الغالب صاحبه ينجح ويستفيد؛ لأن الله يبارك له في ذلك.

    إذاً: الخروج يوم الخميس أول النهار؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: ( اللهم بارك لأمتي في بكورها )، ودعوة الرسول لا ترد. يردها الله؟! والله ما ترد، فمن سافر بهذه النية فبدل أن يمشي الضحى أو بعد الظهر أو بعد العصر يتخير هذا الوقت وهو بعد صلاة الصبح، ويذكر هذا الحديث: ( اللهم بارك لأمتي في بكورها )؛ لأنك لست بمكره، فأنت مخير، إن شئت سافرت أول النهار أو آخره أو وسطه، فما دام النبي صلى الله عليه وسلم سافر أول النهار ورغب أمته في ذلك فلنفعل؛ لنؤجر من جهة ويحصل لنا الخير من جهة ثانية.

    الأدب التاسع: أن يكبر على كل شرف ومكان عال

    [ تاسعاً: أن يكبر على كل شرف (ومكان عال) ] إذا ارتفع فوق جبل.. فوق كدية.. فوق مكان مرتفع.. فوق رمال يكبر: (الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، أن يكبر على كل شرف أي: مكان مشرف عال [ لقول أبي هريرة رضي الله عنه: ( إن رجلاً قال: يا رسول الله! إني أريد أن أسافر فأوصني. قال: عليك بتقوى الله والتكبير على كل شرف ) ] رجل من المؤمنين قد يكون أبو هريرة ، يقول: سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم قائلاً: يا رسول الله! إني أريد أن أسافر فأوصني بوصية أنتفع بها. فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: عليك أولاً بتقوى الله.

    ما هي تقوى الله هذه التي يلزمها؟

    أي: بفعل الأوامر وترك النواهي، فأول شرط هو هذا، أن تفعل ما أوجب الله فعله وتترك ما نهى الله عن فعله، هذه هي التقوى، فبها تتقي سخط الله وعذابه، تقوى الله والتكبير على كل شرف، فلان شريف بمعنى عالي النسب، والشرف المكان المشرف العالي، إذا ارتفعت بدابتك.. بسيارتك على مكان عال فقل: الله أكبر الله أكبر الله أكبر.

    الأدب العاشر: إذا خاف ناساً قال: ( اللهم إنا نجعلك في نحورهم ونعوذ بك من شرورهم)

    [ عاشراً ] عاشر الآداب [ إذا خاف ناساً ] في طريقه من لصوص أو مجرمين [ قال: ( اللهم إنا نجعلك في نحورهم ونعوذ بك من شرورهم ) ] فهو مسافر لكن خاف أناساً أمامه، أو بعد ساعة أو ساعتين أو في الليل، ماذا يفعل؟ يلجأ إلى الله عز وجل، كيف يقول؟ يقول: ( اللهم إنا نجعلك في نحورهم ونعوذ بك من شرورهم ) اللهم اقتلهم وأعذنا منهم [ لقول الرسول عليه الصلاة والسلام ذلك ] فالرسول كان يقول ذلك، والمسافر قطعاً قد يعترضه ما يعترضه في ظروف متغيرة (اللهم إنا نجعلك في نحورهم ونعوذ بك من شرورك) والشرور جمع شر والعياذ بالله.

    ولو سئلت في يوم من الأيام وقيل لك: ماذا تقول إذا خفت أناساً في طريقك؟

    ستكون الإجابة: ( اللهم إنا نجعلك في نحورهم ونعوذ بك من شرورهم ) يؤمنك الله عز وجل ويهلك الظالمين.

    الأدب الحادي عشر: أن يدعو الله تعالى في سفره

    [ الحادي عشر] من آداب السفر [ أن يدعو الله تعالى في سفره ]؛ لأن دعوة المسافر لا ترد، [ويسأله من خير الدنيا والآخرة، إذ الدعاء في السفر مستجاب ] أي: يقبله الله ويجيبه، ويعطي السائل ما سأل، ونحن في حاجة إلى خير الدنيا والآخرة، وقد أتيحت الفرصة لنا كلما صلينا وكلما جلسنا وكلما فرغنا دعونا الله عز وجل، ونسأله خير الدنيا والآخرة ما دمنا مسافرين؛ لأن دعوة المسافرين لا ترد [ لقول الرسول عليه الصلاة والسلام: ( ثلاث دعوات مستجابات لا شك فيهن: دعوة المظلوم، ودعوة المسافر، ودعوة الوالد على ولده ) ] ثلاث دعوة لا ترد، يستجيبها الله عز وجل: دعوة المسافر، فمن هنا معشر المسافرين من الزوار ادعو الله الآن وفي الليل وما دمتم مسافرين، فإن دعوتكم مستجابة. كيف تهملون هذا الخير وقد وضعه الله بين أيديكم؟ ثلاث دعوات: دعوة المسافر، ودعوة المظلوم، فالمظلوم إذا دعا على ظالمه يحطمه الله ويكسره، فإذا صدق ودعا وكان مظلوماً فدعوته والله ما ترد، واستجابة الدعاء يستجيب الله متى شاء، وليس شرطاً أن يكون ذلك الوقت، إذا كنت من أوليائه وصاحب كرامة ممكن يتحطم أمامك، لكن لا تسأل متى يصيبه الله، فليس لك هذا، وأنت تعلم أن الله يستجيب لك ويهلك من ظلمك بفقد ماله.. بفقد زوجه وأولاده.. بفقد بصره فلا تقل: متى؟

    وكذلك من الدعوات المستجابات: دعوة الوالد على ولده، فاحذر يا بني أن تعق والدك أو تتعرض لأن يدعو عليك -والعياذ بالله- فدعوة الوالد على ولده لا ترد، ومن هنا على الآباء أن لا يدعو على أولادهم، بل يصبرون ويتحملون ولا يدعون عليه بالهلاك والشر.

    معشر المسافرين! أتيحت لكم الفرصة فلا تضيعوا الوقت وادعو حتى تعودوا إلى دياركم.

    والمظلوم إذا صبر ولم يدع فله أجره، يثاب على ذلك، ولكن إذا دعا وهو متألم متمزق حسرة فإن دعوته لا ترد، والمفهوم أننا يجب أن نتقي الله فلا نظلم أحداً خشية أن نظلم فيدعو علينا فنهلك، وما دمنا نريد لأنفسنا السلامة والنجاة والعافية فلنحذر الظلم خشية أن نظلم أحداً قريباً أو بعيداًفيدعو علينا.

    الأدب الثاني عشر: إذا نزل منزلاً قال: ( أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق )

    [ الثاني عشر: إذا نزل منزلاً قال: ( أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق ) ] إذا نزل داراً أو حديقة أو مكاناً أو فندقاً يقول: ( أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق ) يحفظه الله، وهذه دائماً المسافر بحاجة إليها ، ينزل فندقاً سكناً مكاناً فلا يدري ما فيه، فليجأ إلى الله عز وجل ويقول: ( أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق ) سواء حية أو عقرباً أو لصاً أو جاناً.

    [ ( وإذا أقبل الليل ) ] والليل مظلم وفيه ما فيه يقول [ ( يا أرض! ربي وربك الله، إني أعوذ بالله من شرك وشر ما فيك، وشر ما خلق فيك، وشر ما يدب عليك، وأعوذ بالله من شر أسد وأسود، ومن حية وعقرب، ومن ساكني البلد ومن والد وما ولد ) ] هذه الأدعية علمها رسول الله أصحابه وحفظوها وعملوا بها طول حياتهم، فإذا نزل المسافر منزلاً يقول: ( أعوذ بكلمات الله التامات من شرك ما خلق ) يؤمنه الله ويحفظه من كل أذى في تلك الليلة، ثم يقول بعد ذلك إذا أقبل الليل وجاء الظلام: ( يا أرض! ربي وربك الله، إني أعوذ بالله من شرك وشر ما فيك، وشر ما خلق فيك، وشر ما يدب عليك، وأعوذ بالله من شر أسد وأسود، ومن حية وعقرب، ومن ساكني البلد ومن والد وما ولد ) معناه: تعوذ بالله من كل شر، وكل طريق يصل به إلى الشر والأذى تعوذ بالله منه، فيبيت آمناً سليماً معافى، وفي نفس الوقت يتضرع إلى الله ويرفع أكفه إليه يدعوه، وهذه وحدها كافية، حتى ولو ما حصلت الاستجابة.

    الأدب الثالث عشر: إذا خاف وحشة قال: ( سبحان الملك القدوس رب الملائكة والروح..)

    الثالث عشر: [ إذا خاف وحشة ] لا يوجد من يؤنسه فاستوحش وهو مسافر [ قال: ( سبحان الملك القدوس رب الملائكة والروح، جللت السماوات بالعزة والجبروت ) ] إذا خاف وشعر بالوحشة ما معه أحد يفزع إلى الله عز وجل فيقول: ( سبحان الملك القدوس رب الملائكة والروح، جللت السماوات بالعزة والجبروت ) (جللت السماوات) أي: غطيت بالعز والجبروت.

    فهذا الدعاء وهذا الكلام والله لا أطيب منه، والذي يوفق له ويقوله لا تسأل عن نفسيته في تلك الحالة كيف هي، لكن الوحشة معنا لأننا لا نعرف هذه الأدعية ولا نذكر الله بها، الآن في بيتك.. مطلق أي مكان خفت فيه ووجدت وحشة افزع إلى الله وقل: ( سبحان الملك القدوس رب الملائكة والروح، جللت السماوات بالعزة والجبروت )، هكذا حال المسافرين من المؤمنين والمؤمنات، هل لليهود والنصارى في هذا ا نصيب؟ لا. الله أكبر، ولهذا صرفونا عن هذه التعاليم وأبعدونا عنها لنكون مثلهم، وليكون سفر المسلم كسفر اليهودي، ليس عنده شيء يميزه أبداً.

    الأدب الرابع عشر: إذا نام أول الليل افترش ذراعه

    الرابع عشر: [ إذا نام أول الليل افترش ذراعه ] إذا نام أول الليل ينام على ذراعه [ وإذا أعرس -أي: نام آخر الليل- نصب ذراعه وجعل رأسه في كفه حتى لا يستثقل نومه فتفوته صلاة الصبح في وقتها ] أما الافتراش أن يضع ذراعه تحت خده، وأما النومة بعد آخر الليل فيجعل رأسه على كفه فقط، لا ينام على ذراعه؛ حتى لا ينام نومة تفوته بسببها صلاة الصبح.

    والآن إخوانكم يسهرون على التلفاز والشاشات والأهواء والأباطيل والأضاحيك إلى منتصف الليل، ثم ينامون إلى الضحى، إذا ما كان لهم عمل، أما إذا كان له عمل فيقوم له كيف ما كان، أما الصلاة صلى أو ما صلى كله عنده سواء، ما سبب هذا؟ الجهل، أبعدونا عن العلم، حرمونا الهداية الإلهية، شغلونا بالأباطيل فضاع كل شيء وأصبحنا كاليتامى، كأنه لم يكن لنا رسول ولا كتاب ولا دين ولا إسلام.

    الأدب الخامس عشر: إذا أشرف على مدينة قال: (اللهم اجعل لنا بها قراراً..)

    [الخامس عشر] من آداب السفر [ إذا أشرف على مدينة ] إذا مرت سيارته أو دابته وقرب من مدينة من المدن [قال: ( اللهم اجعل لنا بها قراراً، وارزقنا فيها رزقاً حلالاً، اللهم إني أسألك من خير هذه المدينة وخير ما فيها، وأعوذ بك من شرها وشر ما فيها ) إذ كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول ذلك ] إذا ظهرت المدينة التي يريدها، وأشرف عليها يفزع إلى الله، ويتصل بالملكوت الأعلى.. بالرب المالك لكل شيء، فيقول: (اللهم اجعل لنا بها قراراً) يعني: سكناً نستقر فيه، والقرار معروف، وهو الاستقرار بدون قلق. (وارزقنا فيها رزقاً حلالاً) ليس بحرام (اللهم إني أسألك من خير هذه المدينة وخير ما فيها، وأعوذ بك من شرها وشر ما فيها) يتحصن بالله عز وجل ويطلب رضاه.

    فإذا دخلت مكة أو المدينة أو أي بلد تقبل عليه وظهر أمامك ارفع يديك إلى الله وقل: (اللهم إني أسألك من خير هذا البلد وخير ما فيه، وأعوذ بك من شره وشر ما فيه، اللهم اجعل لنا فيه قراراً، وارزقنا رزقاً حلالاً) هذه كلها أدعية واردة في هذا الباب.

    الأدب السادس عشر: أن يعجل الأوبة والرجوع إلى أهله وبلاده

    [ السادس عشر ] من آداب السفر [ أن يعجل الأوبة والرجوع إلى أهله وبلاده ] فلا يطيل المدة في باريس أو في دمشق، من سافر لمهمة -إذ عندنا لا يسافر مؤمن إلا لمهمة، فوالله العظيم ليس هناك من يبيح لك السفر بدون حاجة ولمجرد اللهو الباطل حرام- وذهب لحاجة إذا قضيت حاجته يجب أن يعجل العودة إلى أهله [إذا هو قضى حاجته من سفره ] ما دام ما قضى حاجته فلابد، لكن إذا قضى حاجته وتمت له فيعجل الأوبة والرجوع إلى أهله وبلاده [ لقوله عليه الصلاة والسلام: ( السفر قطعة من العذاب ) ] قال عروة بن الزبير : لولا أن الرسول قال: ( السفر قطعة من العذاب ) لقلت: العذاب قطعة من السفر، فالرسول الكريم صلى الله عليه وسلم قال: ( السفر قطعة من العذاب ) وصلة من العذاب، وعروة بن الزبير رضي الله عنه وخالته عائشة ، قال: لولا أن الرسول قال: ( السفر قطعة من العذاب ) لقلت أنا: العذاب قطعة من السفر؛ لأن السفر في تلك الأيام كان على بعير أو على فرس أو على رجليه من الرياض إلى المدينة شهر، من المدينة إلى مكة عشرة أيام، ويبيت في البر، ويواجه الحر والبرد.

    إذاً: السفر في تلك الأيام والله قطعة من العذاب، ومع هذا والله إلى اليوم المسافر يعاني ويجد، فمهما كان فالسفر قطعة من العذاب [ لقوله صلى الله عليه وسلم: ( السفر قطعة من العذاب، يمنع أحدكم طعامه وشرابه ونومه )، فالمسافر الجاد ليحقق مسائل يمنعه سفره من النوم، يمنعه من الأكل والشرب، فهو مشغول بمهمته، فهو لم يسافر ليضحك ويلعب [ ( فإذا قضى أحدكم نهمته- حاجته- ) ] أي: حاجته من سفره [ ( فليعجل إلى أهله ) ] لأن زوجته وأولاده وأمه في حاجة إليه ينتظرونه متى يعود.

    الأدب السابع عشر: إذا قفل راجعاً كبر ثلاثاً

    [ السابع عشر: إذا قفل راجعاً] ركب دابته وسيارته عائداً [ كبر ثلاثاً ] الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، بإمكان المسافرين أن يقولوها غداً في السيارة، وغداً أو بعد غدٍ في الطيارة، إذا قفل راجعاً وحمل حقيبته عائداً فليكبر ثلاثاً [ وقال: (آيبون تائبون عابدون لربنا حامدون) ويكرر ذلك لفعله صلى الله عليه وسلم ذلك] يكبر ثلاثاً: الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، ثم يقول: (آيبون تائبون عابدون لربنا حامدون) آيبون معناها: راجعون، تائبون من ذنوبنا، عابدون لربنا، حامدون له على فضله وإحسانه إذ هون علينا سفرنا وحفظنا فيه، هذه يقولها إذا قفل راجعاً وإذا قرب مدينته كذلك، وكان عليه الصلاة والسلام يقول هذا عند خروجه من مكة وعند قدومه المدينة.

    ومعنى هذا: أن المسلم الحق لا يفتر يذكر الله أبداً في سفره.. في حضره.. في قيامه.. في قعوده.. في نومه.. في أكله.. في شربه، والله ما يفارقه ذكر الله أبداً، يجلس فيقول: بسم الله، يقوم: بسم الله، يلقى أخاه يقول: السلام عليكم ورحمة الله، فذكر الله قرينه، وهذا هو الإسلام وهؤلاء هم أهله. فمن أبعدنا عنه وشردنا هذا التشريد؟ العدو، فلا يريد أن نسعد ويشقى هو، لا يريد أن نطهر ويخبث هو، لا يريد أن نعز ويهون هو، أبداً، فلهذا يعملون على أن نكون مثلهم في أكلنا.. في شربنا.. في ركوبنا.. في أزيائنا.. في لباسنا.. في كل شيء نكون مثلهم، يريدون أن يسعدون في دنياهم ونشقى نحن في دنيانا.

    الأدب الثامن عشر: أن لا يطرق أهله ليلاً

    [ الثامن عشر] من الآداب اللازمة للمسافر في سفره [ أن لا يطرق أهله ليلاً ] على بعيره.. على راحلته.. على دابته، لما يصل المدينة ينام في الطريق، فلا يفاجئ زوجته وأولاده في الليل.. نصف الليل.. في الظلام؛ فيزعجهم أو يخيفهم، بل ينزل على طرف المدينة وينام هناك؛ لأنه جاء على دابته كذا، حتى إذا طلع النهار فحينئذٍ يقرع الباب على أهله، أما أن يزعجهم ويفزعهم في الليل فلا ينبغي، فهذه أذية وأذية المؤمن حرام [ وأن يبعث إليهم من يبشرهم حتى لا يفاجئهم بمقدمه عليهم ] يقول: فلان! بلغهم أنني الآن في طرف المدينة أو غداً إن شاء الله آتي إليهم، حتى تستعد الزوجة وتتهيأ لزوجها، ولا يفاجئها في حالة ليست حميدة، والآن بالهاتف، لا بأس في ذلك.

    فلا يطرق أهله ليلاً ولا يدخل عليهم في الليل، بل يمشي ويسافر ويتحين الوقت الذي يدخل فيه بالنهار على أهله [ فقد كان هذا من هدي النبي صلى الله عليه وسلم ].

    الأدب التاسع عشر: أن لا تسافر المرأة سفر يوم وليلة إلا مع ذي محرم لها

    [ التاسع عشر: أن لا تسافر المرأة سفر يوم وليلة إلا مع ذي محرم لها ] من آداب السفر أن المرأة لا تسافر مسافة يوم وليلة إلا مع ذي محرم لها كالزوج والابن والأب والأخ.. وما إلى ذلك، أما أن تسافر وحدها مسافة سفر يوم وليلة فلا ينبغي؛ حفاظاً عليها وخشية أن تؤذى ولا يدفع عنها الأذى أحد، فلابد وأن تكون مع محرم لها، أما أقل من يوم وليلة فلا بأس [ لقول الرسول صلى الله عليه وسلم: ( لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر تسافر مسيرة يوم وليلة إلا مع ذي محرم عليها ) ] وذلك ليحميها ويصونها.

    وصلى الله على نبينا محمد وآله.