إسلام ويب

سلسلة منهاج المسلم - (34)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • ينبغي على المؤمن أن يؤدب نفسه ويهذبها، وذلك بمحاسبتها على ما عملت وتعمل كل يوم محاسبة التاجر الحصيف في تجارته وماله، كما ينبغي عليه أن يجاهد نفسه؛ فإنها ميالة إلى الشر، محبة له، فرارة من الخير، أمارة بالسوء، فعليه أن يجاهدها بأطرها على الحق والطاعة، وإلزامها بها، وبمنعها من الشر والمعصية والمخالفة، هذا هو سبيل عباد الله المؤمنين، الذين يرجون رحمة الله ويخافون عذابه.

    1.   

    الأدب مع النفس وطرق تربيتها وتأديبها

    الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة.

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذه الليلة.. ليلة الخميس من يوم الأربعاء ندرس منهاج المسلم، وقد فرغنا من العقيدة، ونحن في [ الفصل الخامس: في الأدب مع النفس] وعرفنا من الآداب التي ينبغي أن نؤدب بها أنفسنا:

    أولاً: التوبة

    أولاً: التوبة من كل ذنب صغر أو كبر، قل أو كثر. إذا أذنب عبد الله أو أمته ذنباً من الذنوب وجب أن يتوب على الفور، بأن يستغفر الله بعد ترك ذلك الفعل أو القول الذي فعله، ثم الندم الممض في النفس، والاستغفار، فالتوبة مما نؤدب به أنفسنا.

    ثانياً: المراقبة

    ثانياً: المراقبة، وعرفنا المراقبة، وهي: أن نراقب ربنا تعالى في كل ما نعتقد ونقول ونعمل، ولا نُغفل أبداً جانب ربنا، إذا أردنا أن نقول ننظر هل هذا القول يرضي ربنا أم لا، أردنا أن نفعل.. كذلك.

    ثالثاً: المحاسبة

    ثالثاً: انتهينا إلى المحاسبة، كما تؤدب النفس بالتوبة تؤدب بالمحاسبة، وعرفنا في الدرس الماضي معنى المحاسبة ونعيده هنا:

    قال: [ المحاسبة: وهي أنه لما كان المسلم عاملاً في هذه الحياة ليل نهار ] قطعاً لا نفرغ من العمل أبداً [على ما يسعده في الدار الآخرة، ويؤهله لكرامتها ورضوان الله فيها، وكانت الدنيا هي موسم عمله ] وفصل العمل [ كان عليه -إذاً- أن ينظر إلى الفرائض الواجبة عليه كنظر التاجر إلى رأس ماله ] ينظر إلى الفرائض الواجب القيام بها كما ينظر التاجر إلى رأس ماله [ وينظر إلى النوافل نظر التاجر إلى الأرباح ] والمكاسب التي يكسبها [ الزائدة ] قطعاً [ على رأس المال، وينظر إلى المعاصي والذنوب كالخسارة في التجارة ] في عمله وتجارته [ ثم يخلو بنفسه ساعة من آخر كل يوم يحاسب نفسه فيها على عمل يومه، فإن رأى نقصاً في الفرائض لامها ووبخها ] لأنها نقصت [ وقام إلى جبره في الحال، فإن كان مما يقضى قضاه، وإن كان مما لا يقضى جبره بالإكثار من النوافل ] وعوضه [ وإن رأى نقصاً في النوافل عوض الناقص وجبره، وإن رأى خسارة بارتكاب المنهي استغفر وندم وأناب وعمل من الخير ما يراه مصلحاً لما أفسد. هذا هو المراد من المحاسبة للنفس، وهي إحدى طرق إصلاحها وتأديبها وتزكيتها وتطهيرها].

    [ وأدلتها ما يلي: ] أي: أدلة المحاسبة [ قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ [الحشر:18]، فقوله تعالى: (ولتنظر نفس) هو أمر بالمحاسبة للنفس على ما قدمت لغدها المنتظر ] (ولتنظر نفس ما قدمت لغد) معناها: فلتحاسب نفسك وتنظر ماذا قدمت ليوم القيامة[ وقال تعالى: وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [النور:31] ] وكيف تتم التوبة إذا لم تحاسب نفسك وتعرف نقصها أو زيادتها؟![ وقال صلى الله عليه وسلم: ( إني لأتوب إلى الله وأستغفره في اليوم مائة مرة). وقال عمر رضي الله عنه: حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ] يعني: يوم القيامة، حاسبوها في الدنيا قبل أن تُحاسب في الآخرة ولا ينفعها الحساب[ وكان رضي الله عنه إذا جنَّ عليه الليل ] أي: أظلم [ يضرب قدميه بالدرة ] عصاً رقيقة [ ويقول لنفسه: ماذا عملت اليوم؟ ] هذا عمر المبشر بالجنة، إذا خلا في الليل بنفسه ضرب رجليه بالعصا وقال لنفسه: ماذا عملت اليوم؟ يحاسبها [ وأبو طلحة رضي الله عنه لما شغلته حديقته عن صلاته ] وهو يصلي فيها وينظر إلى الثمار والغلال والزهور، فشغلته عن الخشوع فقط لا عن ترك الصلاة [ خرج منها صدقة لله تعالى ] حديقة كاملة قريبة من المسجد النبوي الآن دخلت المسجد من الجهة الشمالية، وكان البئر موجوداً في الحديقة [ فلم يكن هذا منه إلا محاسبة لنفسه، وعتاباً لها وتأديباً ] يخرج من حديقة بكاملها لله مقابل أنها شغلته عن الخشوع في صلاته [ وحكي عن الأحنف بن قيس -رحمه الله تعالى- أنه كان يجيء إلى المصباح ] أيام كانت المصابيح بالزيت [فيضع أصبعه فيه حتى يحس بالنار ] والاحتراق [ ثم يقول لنفسه: يا حنيف ! ما حملك على ما صنعت يوم كذا؟ ما حملك على ما صنعت يوم كذا؟ ] عجباً هذه المحاسبة! يأتي إلى المصباح ويضع أصبعه فيه حتى يحترق ثم يقول لنفسه: يا نفس حنيف ! ما حملك على ما صنعت يوم كذا؟ ما حملك على ما صنعت يوم كذا وكذا؟ هذه المحاسبة هل لنا منها نصيب؟ [ وحكي أن أحد الصالحين كان غازياً ] يغزو مجاهداً في سبيل الله [ فتكشفت له امرأة فنظر إليها، فرفع يده ولطم عينه ففقأها، وقال: إنك للحاظة إلى ما يضرك ] إنك يا عين للحاظة إلى ما يضرك. أية محاسبة أعظم من هذه المحاسبة؟! أين الذين يحاسبون أنفسهم؟! اللهم اجعلنا منهم [ ومر بعضهم بغرفة ] من الغرف جميلة قبل العمارات هذه ذات السبع طبقات، غرفة جميلة [ فقال: متى بنيت هذه الغرفة؟ ثم أقبل على نفسه فقال: تسأليني عما لا يعنيك؟! لأعاقبنك بصوم سنة فصامها ] تسأليني عما لا يعنيك؟! ما معنى: من بنى هذه الغرفة أو متى بنيت؟ هذا يعنيني أنا؟ لم تسألينني عما لا يعنيني؟ إذاً: لأعاقبنك بصوم سنة، فصام السنة.

    أين هؤلاء الرجال؟! لقد مضى بهم الزمان، هل لهم من بقايا؟ هل لهم من خلف يخلفهم؟ لو تربينا على مثل هذا لوجد بيننا من يخلفهم، ولكن ما سمعنا بهذا قط ولا علمنا به![ وروي: أن أحد الصالحين كان ينطلق إلى الرمضاء ] الأرض الحارة بالرمال في الصيف [ فيتمرغ فيها ] كما يتمرغ الحمار [ ويقول لنفسه: ذوقي، ونار جهنم أشد حراً ]. هذه آداب، يخلو بنفسه ويأتي إلى الأرض الحارة في الصيف في الرمال فيتمرغ فيها، ثم يقول لنفسه: ذوقي، ونار جهنم أشد حراً [ أجيفة بالليل بطالة بالنهار؟ ] هكذا يخاطب نفسه، أجيفة بالليل لا تقومين الليل ولا تصلين، وبالنهار بطالة لا تعملين [ وإن أحدهم رفع يوماً رأسه إلى سطح فرأى امرأة فنظر إليها، فأخذ على نفسه أن لا ينظر إلى السماء ما دام حياً ] محاسبة شديدة للنفس هذه! رفع رأسه، لم رفعت رأسك حتى تشاهد المرأة، أنت مأمور بالنظر إلى السماء؟ إذاً فقال لها: لا أنظر بعد إلى السماء، عقوبة لك يا نفس ما دمت قد ورطتني ونظرت إلى امرأة لا تحل لي [ هكذا كان الصالحون من هذه الأمة يحاسبون أنفسهم عن تفريطها، ويلومونها على تقصيرها، يلزمونها التقوى، وينهونها عن الهوى؛ عملاً بقول الله تعالى: وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى [النازعات:40-41] ] المنزل والمستقر، نهى النفس عن الهوى: لم تنظر فوق أنت حتى تشاهد المرأة؟ لم تنظر في عمارة الناس؟ أنت مسئول عنها؟ لا تنظر إليها.

    لا إله إلا الله! والله إنهم كانوا علماء بصراء فالعلم هو الذي وصل بهم إلى هذا المستوى فحاسبوا أنفسهم بهذا الحساب، وعمر على جلالته يضرب رجليه بالدرة ويقول: يا عمر !

    رابعاً: المجاهدة

    [رابعاً: المجاهدة] بعد المحاسبة تأتي المجاهدة، الآن نحن عاجزون عن المحاسبة، لكن المجاهدة ممكنة، فهيا نبدأ من الليلة نجاهد أنفسنا، أم أنه حرام علينا جهادها؟ بل هو واجب [وهي أن يعلم المسلم أن أعدى أعدائه إليه هو نفسه التي بين جنبيه] أول خطوة. من منا يفكر هذا التفكير؟ أعدى أعدائي إليَّ نفسي التي بين جنبي، أكبر من عدوٍ يهودي أو نصراني أو مجوسي أو حاسد أو مجرم. فالمجاهدة هي أن يعلم المسلم أن أعدى أعدائه إليه هو نفسه التي بين جنبيه. هذه أول خطوة؛ حتى لا يمكنها منه [ وأنها بطبعها ميالة إلى الشر ] إي والله، بغريزتها وطبعها الذي طبعت عليه ميالة إلى الشر [ فرارة من الخير ] تهرب من الخير [ أمارة بالسوء ] داعية إلى ما يسيء إليها [ وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ [يوسف:53] ] هذه كلمة يوسف الصديق ابن الصديق [ تحب الدعة والخلود إلى الراحة، وترغب في البطالة، وتنجرف مع الهوى، تستهويها الشهوات العاجلة وإن كان فيها حتفها وشقاؤها ] هذه حقيقة النفس [ فإذا عرف المسلم هذا عبأ نفسه لمجاهدة نفسه، فأعلن عليها الحرب، وشهَّر ضدها السلاح، وصمم على مكافحة رعوناتها، ومناجزة شهواتها، فإذا أحبت الراحة أتعبها، وإذا رغبت في الشهوة حرمها، وإذا قصرت في طاعة الله في طاعة أو خير عاقبها ولامها، ثم ألزمها بفعل ما قصرت فيه، وبقضاء ما فوتته أو تركته، يأخذها بهذا التأديب حتى تطمئن وتطهر وتطيب، وتلك غاية المجاهدة للنفس، قال تعالى: وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ [العنكبوت:69] ] فأول حالها أنها أمارة بالسوء، فإذا جاهدتها وأدبت وبالغت في التأديب تنزل إلى درجة أخرى وهي أن تكون لوامة، فإذا قصرت عن الخير تلوم، إذا فعلت شر تلوم، فواصل الجهاد والمجاهدة حتى لا تطمئن إلا إلى العمل الصالح، واقرءوا: لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ * وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ [القيامة:1-2]، وقوله تعالى: يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي [الفجر:27-30] فالنفس أول ما تكون: أمارة بالسوء، تأمر بالشر والباطل، فإن جاهدتها فترة من الزمن تنزل إلى أن تصبح لوامة، تفعل السوء ثم تلوم نفسها على فعله، فإذا واصلت جهادك لها تصبح لا تطمئن إلا إلى العمل الصالح، ولا ترضى إلا بما فيه رضا الله عز وجل [ والمسلم إذ يجاهد نفسه في ذات الله لتطيب وتطهر وتزكو وتطمئن، وتصبح أهلاً لكرامة الله تعالى ورضاه، يعلم أن هذا هو درب الصالحين وسبيل المؤمنين الصادقين، فيسلكه مقتدياً بهم، ويسير معه مقتفياً آثارهم، فرسول الله صلى الله عليه وسلم قام الليل حتى تفطرت قدماه الشريفتان -وتشققتا- وسئل عليه السلام في ذلك فقال: ( أفلا أحب أن أكون عبداً شكوراً؟ ) أي مجاهدة أكبر من هذه المجاهدة وايم الله؟!

    وعلي رضي الله عنه يتحدث عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقول: والله لقد رأيت أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم وما أرى شيئاً يشبههم، كانوا يصبحون شعثاً غبراً صفراً قد باتوا سجداً وقياماً يتلون كتاب الله يراوحون بين أقدامهم وجباههم، وكانوا إذا ذكر الله مادوا كما يميد الشجر في يوم الريح، وهملت أعينهم حتى تبل ثيابهم.

    وقال أبو الدرداء رضي الله عنه: لولا ثلاث ما أحببت العيش يوماً واحداً ] أي: لولا ثلاث والله ما أحببت الحياة مرة واحدة. هذه الثلاث هي [ الظمأ لله بالهواجر ] الصيام أيام القيض والحر [ والسجود له في جوف الليل] الثانية [ ومجالسة أقوام ينتقون أطايب الكلام كما ينتقى أطايب الثمر ] وهذه هي الثالثة، أي: هذه المجالس، ما عندنا إلا هذا المجلس ونحن راغبون عنه، مللنا، لا نريده. أين مجالس هؤلاء؟ أين هم؟ [ وعاتب عمر بن الخطاب رضي الله عنه نفسه على تفويت صلاة عصر في جماعة، وتصدق بأرض من أجل ذلك تقدر قيمتها بمائتي ألف درهم ] هذا عمر فاتته صلاة العصر فقط ما صلاها مع الجماعة، ما فاتته حتى دخل الليل، فتصدق بأرض قيمتها مائتا ألف درهم [ وكان عبد الله بن عمر رضي الله عنهما إذا فاتته صلاة في جماعة أحيا تلك الليلة بكاملها، وأخر يوماً صلاة المغرب حتى طلع كوكبان فأعتق رقبتين مقابل تأخير المغرب. وكان علي رضي الله عنه يقول: رحم الله أقواماً يحسبهم الناس مرضى وما هم بمرضى. وذلك من آثار مجاهدة النفس. والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: ( خير الناس من طال عمره وحسن عمله ). وكان أويس القرني رحمه الله تعالى يقول: هذه ليلة الركوع، فيحيي الليل كله في ركعة، وإذا كانت الليلة الآتية قال: هذه ليلة السجود، فيحيي الليل كله في سجدة. وقال ثابت البناني رحمه الله: أدركت رجالاً كان أحدهم يصلي فيعجز أن يأتي فراشه إلا حبواً. وكان أحدهم يقوم حتى تتورم قدماه من طول القيام، ويبلغ من الاجتهاد في العبادة مبلغاً ما لو قيل له: القيامة غداً ما وجد مزيداً ] الطاقة قد استنفذها [ وكان إذا جاء الشتاء يقوم في السطح ليضربه الهواء البارد فلا ينام، وإذا جاء الصيف قام تحت السقف ليمنعه الحر من النوم ] فأين هؤلاء؟[ وكان بعضهم يموت وهو ساجد ] وكم وكم ممن مات وهو ساجد؟ [ وقالت امرأة مسروق رحمه الله تعالى: كان مسروق لا يوجد إلا وساقاه منتفختان من طول القيام، ووالله إن كنت لأجلس خلفه وهو قائم يصلي فأبكي رحمة له ] هذه زوجته [ وكان منهم إذا بلغ الأربعين من عمره طوى فراشه فلا ينام عليه قط ] بلغ الأربعين ما بقي شيء يطوي فراشه فلا ينام عليه قط [ ويروى: أن امرأة صالحة من صالحي السلف يقال لها: عجرة مكفوفة البصر، كانت إذا جاء السحر نادت بصوت لها محزون: إليك قطع العابدون دجى الليالي يستبقون إلى رحمتك وفضل مغفرتك، فبك يا إلهي أسالك لا بغيرك أن تجعلني من أول زمرة السابقين، وأن ترفعني لديك في عليين في درجة المقربين، وأن تلحقني بعبادك الصالحين، فأنت أرحم الراحمين وأعظم العظماء وأكرم الكرماء يا كريم! ثم تخر ساجدة ولا تزال تدعو وتبكي إلى الفجر ] أين هؤلاء؟ ما سمعنا بهم ولا عرفنا عنهم، والله تعالى أسأل أن يرزقنا ما رزقهم، وأن يهبنا ما وهبهم وأعطاهم، إنه جواد كريم.

    وصل اللهم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.

    1.   

    الأسئلة

    مجاهدة النفس والشيطان

    السؤال: كيف أفرق بين جهاد النفس وجهاد الشيطان؟ وما هي الوسيلة الأنجع لذلك؟

    الجواب: السائل يقول: كيف أفرق بين جهاد النفس وجهاد الشيطان؟

    الجهاد وجب عليك فيهما معاً، جاهد النفس، وجاهد الهوى، وجاهد الدنيا، وجاهد الشيطان، فالشيطان هو الذي يزين لك كبير الذنوب، ويوسوس لك ويرغبك. إذا شعرت به فقل: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ثلاث مرات. وقل: آمنت بالله. يفر هارباً ويتركك. والنفس ملازمة لك، ليست كالشيطان، الشيطان إذا استعذت بالله فارقك وتركك، والنفس جهادها ملازم.

    فإن قلنا: ما الفرق؟ نقول: وسوسة الشيطان تأتي لحظات وتفارقك إذا استعذت وتفطنت. أما النفس فملازمة لك في ليلك ونهارك.

    وكل من دعاك إلى معصية الله سواء كانت النفس، أو كان الشيطان، أو كان إنساناً من الناس، كل من دعاك إلى المعصية فالعنه وفر منه وهو عدوك، ولا ترضى به.

    حكم تأخير صلاة الوتر إلى قبيل الفجر

    السؤال: هل يجوز أن أؤخر صلاة الوتر إلى ما قبل أذان الفجر بربع ساعة؟

    الجواب: سائل يقول: هل يجوز لي أن أؤخر صلاة الوتر إلى ما قبل الفجر بربع ساعة؟ الجواب: يجوز، جائز جائز جائز، فإن كنت تقوم آخر الليل فسوف تضطر إلى أن تؤخر الوتر إلى قبيل الفجر؛ لأنك تتهجد قبل ذلك وتختم تهجدك بالوتر، سواء قبل الفجر بدقائق أو بربع ساعة، والكل واسع وجائز، بل هذا الأفضل.

    حكم الصلاة بحضرة الطعام ومدافعة الأخبثين

    السؤال: قد ورد عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه: ( لا صلاة بحضرة طعام، ولا وهو يدافع الأخبثين )، يقول: ماذا يجب عليَّ إذا دخلت المسجد في صلاة الفجر وأقيمت الصلاة وقد أحسست بالبول ولكن بشكل خفيف ثم ازداد في الركعة الثانية، فهل يخرج من الصلاة أم يكملها؟

    الجواب: (لا صلاة بحضرة طعام) إذا وضع الطعام أطعم حتى لا تفتن بالطعام عن صلاتك، كُلْ واشرب حتى تفرغ لتتفرغ للصلاة، فإن كان الطعام إلى جنبك وأنت جوعان فأنت ملتفت بقلبك ونفسك له، صلاتك ما أديتها على الوجه المطلوب، ومن رحمة الرسول بالمؤمنين وعلمه بما في نفوسهم وشهواتهم قال: ( لا صلاة مع حضرة طعام ) ، أما: ( وهو يدافع الأخبثين ) نعم، الذي يدافع البول والغائط ما يصلي؛ لأن صلاته تفقد الخشوع منه، إلا كما قدمنا إذا كان من ذاك الذي يوسوسه الشيطان، يحدث بين أليتك شبه فساء أو كذا فالرسول قال: ( لا يترك صلاته حتى يشم ريحاً أو يسمع صوتاً )، أما مدافعة الأخبثين: البول والغائط فلا يدخل الصلاة بهما، وإذا حصل وهو يصلي يمسك بأنفه ويخرج ليتبول.

    حكم قراءة الفاتحة حال الوضوء

    السؤال: رأيت أحد الأشخاص عندما كان يتوضأ يقرأ الفاتحة وذلك باستمرار، فهل عمله هذا صحيح؟

    الجواب: يقول: رأيت أحداً إذا أخذ يتوضأ يقرأ الفاتحة. فهذه بدعة ليست مشروعة أبداً، بعضهم ابتدع أيضاً إذا تمضمض دعا، وإذا استنشق دعا، وإذا غسل وجهه دعا.. وهكذا أدعية أحدثوها، والشارع ما بينها ولا شرعها، فتركها هو الواجب كما قدمنا، فقط يقول (بسم الله) عند بداية الوضوء فقط، وعند نهايته ترفع طرفك إلى السماء وتتشهد وتصلي على النبي صلى الله عليه وسلم.

    حكم ملامسة المرأة الأجنبية من جهة نقض الوضوء

    السؤال: هذا بائع في السوق يقول: إذا لمست امرأة بالخطأ وأنا آخذ منها المال أو أسلمه إياها فهل هذا اللمس ينقض الوضوء؟

    الجواب: يقول: هو يتبايع مع النساء، فإذا أخذ منها أو أخذت منه قد تمس يديه يدها أو يدها يده، فهنا حاول ما استطعت أن لا تمس يدها ولا تمس يدك، فإن حصل وانتعشت باطنتك وشككت فيجب أن تتوضأ، فإن لم تجد أي شهوة فلا وضوء.

    تحذير النساء من الخروج إلى الأسواق لغير حاجة وبدون حجاب

    السؤال: هذه مناسبة فضيلة الشيخ أن تقدم نصيحة للنساء بأن يحتجبن ويلبسن القفازين؟

    الشيخ: يقول المعقب: هذه مناسبة والنساء يسمعن والفحول يبلغوهن، نعم، لا يحل لمؤمنة غير العجوز أن تخرج إلى السوق لتشتري أو تبيع إلا في حال الضرورة القصوى، وإذا خرجت للضرورة فينبغي أن تستر كل جسمها، وأن تلف على كفيها خرقة أو ما يسمى بالقفاز ولا تكشف عن يديها، وترمي بالشيء هكذا ولا تمده يداً بيد، وقد مرت بنا حادثة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو: أن امرأة زوجها خرج للجهاد واضطرت إلى أن تخرج إلى السوق لتشتري تمراً لأولادها في غيبة زوجها، فما إن أخرجت يدها حتى ملأ الشيطان عيني هذا التاجر وأكب يقبل كفها، ثم استيقظ لما ذكرته بالله، فوالله من سوق المدينة إلى أحد وهو يحثو التراب على رأسه ويصرخ ذهاباً وإياباً، فجاء إلى الصحابة فسأل أبا بكر فدفعه، سأل عمر فدفعه، ثم بعد ذلك صلى الرسول بالمؤمنين المغرب وسأله، فقال: ( حضرت معنا الصلاتين؟ قال: نعم. قال: ما بين الصلاتين كفارة لما بينهما إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ [هود:114] قبَّل فقط، وضع فمه على هذه اليد؛ فلهذا لا يحل لمؤمنة أن تخرج للسوق إلا من ضرورة، حاجة لابد منها، وإذا خرجت تخرج محتجبة مغطاة مستترة من قمة رأسها إلى قدمها، وإذا أخذت أو أعطت فليس شرطاً أن تمس يد البائع أو المشتري، ترمي بين يديه.

    الحكم على حديث: (لا يظهر من المرأة إلا وجهها وكفاها)

    السؤال: سائل يسأل عن حديث أسماء رضي الله عنها، يقول: ( خرجت على النبي صلى الله عليه وسلم فقال لها: لا يظهر من المرأة إلا وجهها وكفاها )، هل هذا الحديث صحيح؟

    الجواب: أولاً: أسماء أخت زوجته، وهو يتكلم معها في بيته، فلما كشفت بدنها أدبها، مع أنه يجوز لها فهي جالسة مع أختها، ثم أغلب الظن أن هذا منسوخ إذ كان قبل نزول آية الحجاب؛ لأن الحجاب كان في السنة السادسة، ست سنوات والنساء والرجال يختلطن في المدينة حتى نزلت آية الحجاب، فالقول الصحيح في هذا الحديث: أنه كان قبل نزول آية الحجاب، وأخذ بعضهم بهذا الحديث وسمح للنساء أن يكشفن عن وجوههن وأكفهن، ومن ثم انتشرت الفاحشة وانتشر الباطل، ونسي آيات الحجاب في القرآن الكريم.

    ذكر ما ورد من الدعاء في الصلاة على الميت إذا كان طفلاً

    السؤال: ما هو الدعاء الذي يقال عند الصلاة على الطفل بما أنه مرفوع عنه القلم؟

    الجواب: يقول السائل: ما هو الدعاء الذي ندعو به للطفل وهو لا يحاسب ولا يسأل؛ لأنه صغير؟

    الدعاء الوارد عن النبي صلى الله عليه وسلم أن تقول: ( اللهم إنه عبدك ابن عبدك ابن أمتك أنت خلقته وأنت رزقته، وأنت أمته وأنت تحييه، اللهم فاجعله لوالديه سلفاً وذخراً وفرطاً وأجراً، وثقل به موازينهما، وأعظم به أجورهما، ولا تحرمنا وإياهما أجره، ولا تفتنا وإياهما بعده )، هذا هو الدعاء، دعاء لأبويه ليس له هو، وفيه بعض الزيادة أيضاً: ( اللهم ألحقه بسلف الصالحين في كفالة أبيه إبراهيم، وأبدله داراً خيراً من داره وأهلاً خيراً من أهله، وعافه من فتنة القبر وعذاب جهنم )، ورد هذا أيضاً، هذا يحفظ ويدعى به للطفل ذكراً كان أو أنثى.

    حكم زواج الرجل بمن زنى بها

    السؤال: يقول السائل: إنه أنجب بنتاً من امرأة قبل أن يعقد عليها ثم تدارك الموقف بعد أن حملت وعقد عليها وأسقطت هذا الجنين ثم حملت حملاً آخر، فقيل له: إن العقد هذا باطل، فهل يجدده أم يستمر عليه؟

    الجواب: الله أعلم، الله أعلم.

    وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.