إسلام ويب

سلسلة منهاج المسلم - (27)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • علماء الدين وأئمة الإسلام لهم مكانة عظيمة في الدين، فيجب معرفة منزلتهم ومكانتهم، وتوقيرهم واحترامهم، والأخذ عنهم فيما وافقوا فيه الدليل من الكتاب والسنة، ومن أخطأ منهم فيجب التماس العذر له وعدم أخذ الخطأ عنه؛ فإنهم بشر يخطئون ويصيبون، كما يجب على المسلم أن يعرف لولاة الأمور حقهم، وأن يلزم طاعتهم في طاعة الله، فإن أمروا بمعصية فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، ولا يجوز الخروج عليهم، أو شق العصا والتمرد على طاعتهم، فإن ذلك فتح لباب فتنة عظيم.

    1.   

    تابع ذكر ما يجب اعتقاده تجاه أئمة الإسلام

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة.

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذه الليلة، ليلة الخميس من يوم الأربعاء ندرس كتاب: منهاج المسلم، وها نحن مع آخر العقائد.

    وأذكر السامعين والسامعات: بأن العقيدة الإسلامية إذا صحت وسلمت فصاحبها حي، يقدر على أن يسمع ويعي، ويقدر على أن يأخذ ويعطي، فإن فقدها فهو ميت، وإن داخلها الزيادة أو النقص فهو ضعيف مريض، يقوى أحياناً على أن يقول ويعجز أحياناً أخرى.

    والمطلوب: أن نصحح عقيدتنا، وهي أن نعلن وضوح وصراحة أنه لا إله إلا الله، ولا يرانا الله أبداً في يوم من الأيام نسأل غيره، أو نستعيذ بسواه، أو نستغيث بغيره، بل حياتنا كلها موقوفة على الله عز وجل، هو الذي نستغيث به: يا رب! هو الذي نستعيذ به: يا رب! أعذنا، هو الذي نسأله حوائجنا ورغائبنا في الدنيا والآخرة، وهو الذي نرهبه ونخافه، وترتعد فرائصنا منه، وتجل قلوبنا عند ذكره؛ إذ ليس لنا إله إلا هو، والله لا إله إلا الله، وأما الآلهة المصنوعة المزورة الباطلة فهي ضلالات أوحى الشيطان بها إلى الناس؛ ليهلكوا بهلاكه، وليدخلوا النار ويخلدوا فيها بخلوده وهلاكه.

    هذه العقيدة أركانها التي تنبني عليها ستة، ومتى سقط ركن منها سقطت وبطلت، جاءت مبينة في الكتاب والسنة، فيجب على كل مؤمن ومؤمنة أن يعرف أركان الإيمان الستة، وأن يحفظها ويعيش على نورها، وهي: الإيمان بالله، وبملائكته، وبكتبه، وبرسله، وباليوم الآخر، وبالقدر خيره وشره.

    إذاً: الإيمان بالله واليوم الآخر من أعظم أركان الإيمان، والذي يضعف إيمانه بالله أو باليوم الآخر لا يستطيع أن يستقيم أبداً، ولا يقوى على أن يفعل الواجبات، وأن يتخلى عن المحرمات، وفي القرآن الكريم يقول تعالى: إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ [النساء:59]، فقووا عقيدتكم بأركانها الستة، وأعظمها الإيمان بالله، والإيمان بلقاء الله واليوم الآخر.

    وآخر ما انتهى إليه الدرس عندنا في باب العقيدة: هو الإيمان بوجوب محبة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأفضليتهم، فيجب على كل مؤمن ومؤمنة أن يحب أصحاب رسول الله حباً أكثر من حبه لنفسه، وأن يعتقد أفضليتهم وخيريتهم على سائر الناس، وأن عليك إذا ذكر الصحابي - سواء عرفت من هو أو لم تعرفه- أن تقول: رضي الله عنه، فتلك علامة حبك، وتفضيلك له على سائر الناس.

    كما يجب علينا أيضاً: إجلال أئمة الإسلام، أهل الكتاب والسنة، أهل الحديث والفقه من أئمة هذه الأمة، يجب علينا إجلالهم. أي: تعظيمهم وإكبارهم والاعتراف بفضلهم، كما يجب علينا طاعة ولاة أمور المسلمين، وبينا هذا والكثير منه.

    وانتهينا إلى هذه الفقرات فقلنا:

    رابعاً: اعتقاد جواز الأخذ بما دونه أحد هؤلاء الأعلام من مسائل الفقه والدين

    [ رابعاً: يرى أن الأخذ بما دونه أحد هؤلاء الأعلام من مسائل الفقه والدين جائز ] علينا يا معشر المستمعين والمستمعات! أن نعتقد أن الأخذ والعمل بما دوَّنه أحد هؤلاء الأعلام من مسائل الفقه والدين جائز، أي: الأخذ به جائز [ وأن العمل به عمل بشريعة الله عز وجل ] لأنهم أخذوا من الكتاب والسنة، فاستدرك قال: [ ما لم يعارض بنص صريح صحيح من كتاب الله أو سنة رسوله صلى الله عليه وسلم ] وإذا عارض قول أحمد أو مالك أو الشافعي الكتاب والسنة [ فلا يترك قول الله أو قول رسوله صلى الله عليه وسلم لقول أحد من خلقه كائناً من كان ] إذا لم نجد في الكتاب والسنة، ووجدنا في كلام الأئمة نأخذ به، لكن إذا كان كلام إمام منهم أو إمامين عارض (قال الله وقال رسوله) فإنه يضرب به عرض الحائط، ولا يتلفت إليه، ولا يعمل بذلك إلا المؤمن المسلم السني [ وذلك لقول الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا [الحجرات:1] ] لبيك اللهم لبيك [ لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ [الحجرات:1] ] امش وراءه، أما أن تتقدم برأيك، أو تأخذ عن اليمين والشمال فلا، دائماً قال الله قال رسوله، لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ [الحجرات:1]، لا قولاً ولا رأياً ولا فهماً ولا ذوقاً [ وقوله تعالى: وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا [الحشر:7] ] وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ [الحشر:7] وما أعطاكم أيام أن كان الرسول صلى الله عليه وسلم بينكم من مال أو طعام خذوه، وما نهاكم عنه اتركوه، والآن وإلى يوم القيامة ما جاء به رسول الله، وقدمه لنا وأعطاه إيانا؛ يجب ألا نتركه، وما نهانا عنه وحذرنا منه؛ يجب أن نترك ونبتعد عنه؛ لهذه الآية الكريمة من سورة الحشر: وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا [الحشر:7] [ وقوله تعالى: وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ [الأحزاب:36] ] ليس من شأنهما أبداً [ إِذَا قَضَى اللَّهُ [الأحزاب:36] ] حكم [ قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ [الأحزاب:36] ] ليس هناك خيار، وقراءة سبعية: وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ [الأحزاب:36].

    كان الرجل إذا ربى وتولى إنساناً، وأصبح ابناً له بالتربية والولاء؛ فإنه يعتبر كولده، إذا تزوج ومات عن زوجته لا يتزوجها الذي رباه، وهذه كانت عادة سائدة في بلاد الكفر من مكة وغيرها، وأراد الله أن يبطل هذه العادة، وقد ألفها الناس قروناً، وكان للنبي صلى الله عليه وسلم مولى- خادم صغير- رباه، اسمه: زيد بن حارثة رضي الله عنه، وقد زوجه رسول الله صلى الله عليه وسلم زينب بنت جحش ، فلم يطق البقاء معها؛ لأنها شريفة، فطلقها، فزوجها الله تعالى رسوله، وعقد عليها في الملكوت الأعلى، وأصبحت أماً للمؤمنين وتباهي نساء الرسول صلى الله عليه وسلم، وتقول: ما منكن واحدة إلا تولى فلان- أبوها أو أخوها- عقد نكاحها، وأنا تولى الله عقد نكاحي: فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا [الأحزاب:37]، لماذا يا رب؟! لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ [الأحزاب:37].

    وكان قد خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم زينب لمولاه زيد ، ووليها أخوها عبد الله أول قائد سرية في الإسلام، فظنت زينب رضي الله عنها لما خطبها أنه يخطبها لنفسه؛ فهشت وبشت وفرحت، ثم تبين لها أنه يخطبها لمولاه؛ فقالت: لن يكون هذا، وقال عبد الله : لن تتزوج شريفة وضيعاً، مولى من موالي الناس لا تتزوجه زينب بنت جحش ، والله أراد ذلك، فأنزل تعالى هذه الآية: وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ [الأحزاب:36]، فطأطأت زينب رأسها، وسلمت نفسها لمولى، وطأطأ عبد الله وسلم.

    والشاهد عندنا: وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا [الأحزاب:36] بالحل أو بالحرمة، أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ [الأحزاب:36]، ليس هناك خيرة، فإذا أوجب الله الصيام بنوع ما يجب أن تقبله وتصومه، لم يبق للؤمن ولا لمؤمنة أن يختار ما يريد فيما حكم الله به ورسوله، فهمتم هذه؟ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبِينًا [الأحزاب:36].

    [ وقوله صلى الله عليه وسلم: ( من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد ) ] مردود عليه، لا يقبل أبداً [ وقوله: ( لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به ) ] هذا معنى: أن ما قدمه أئمة الإسلام الأربعة نقبله ما لم يتعارض بالكتاب والسنة: وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا [الحشر:7]، وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى [الأحزاب:36] بمعنى: حكم أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ [الأحزاب:36]، والرسول نفسه يقول: ( من عمل عملاً ليس عليه أمرنا ) فهو مردود على صاحبه.

    خامساً: اعتقاد أن الأئمة الأربعة بشر يصيبون ويخطئون

    [ خامساً: يرى ] أي: العبد الصالح منكم [ أنهم ] أي: الأئمة الأربعة [ بشر ] ناس [ يصيبون ويخطئون ] لا نرى أن مالكاً لا يخطئ أبداً، وأن الشافعي لا يخطئ، هذا كلام باطل! والله إنهم ليصيبون ويخطئون وليسوا بمعصومين. هكذا نعتقد [ فقد يخطئ أحدهم الحق في مسألة ما من المسائل لا عن قصد وعمد ] لا والله! [ حاشاهم، ولكن عن غفلة أو سهو أو لنسيان أو عدم إحاطة؛ فلهذا المسلم لا يتعصب لرأي أحدهم دون آخر، بل له أن يأخذ من أي واحد منهم، ولا يرد قولهم إلا لقول الله وقول رسوله صلى الله عليه وسلم ] هذه الفقرة بالذات أين أهلها؟! إذ قيل لمسلم: يا عبد الله! ضع يديك على صدرك يقول: أنا مالكي، وإذ قيل لآخر: يا عبد الله! ارفع يديك يقول: أنا حنفي، يا فلان! يقول: أنا حنبلي، وهذا لا يجوز، فلسنا نحن بحنابلة ولا أحناف ولا مالكية ولا شافعية، وإنما نحن مسلمون، والأئمة مشايخنا ومعلمونا وهداتنا جزاهم الله خيراً، فلا نفضل قول فلان على فلان، إلا إذا لاح نوره بقال الله قال رسوله، آه لو أن الأمة عرفت هذا!

    فلهذا هذه أيام الفتنة في الأحزاب والجمعيات والتكتلات أنصح- والله يعلم- كل مسلم يقول: أنا مسلم، لا حزبي ولا جماعة ولا فلان، أنا مسلم فقط؛ لأن التحزبات والتكتلات والتجمعات أثارت العداءات والبغضاء والنزاع بين المسلمين، بل أوقدت نار الفتن والحروب والعياذ بالله تعالى، والذي يشارك في فتنة؛ كل دم يراق وكل نفس تزهق هو مشارك ومسئول عنها؛ فلهذا أنت مسلم، مرني بما أمرني ربي، وانهني عما نهاني ربي أطعك، لا قال فلان ولا فلان ولا فلان.

    يقول مالك إمام المسجد النبوي: كل منا يؤخذ من قوله ويرد إلا صاحب هذا القبر، ما منا أحد إلا ويؤخذ من قوله ويرد، يؤخذ الصحيح ويرد الباطل إلا صاحب هذا القبر لا يرد قوله؛ لأنه لا يخطئ. يقول تعالى: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ [الحجرات:10]، ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم: ( المسلم أخو المسلم )، ويقول أيضاً: ( المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً )، ويقول تعالى: وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ [التوبة:71].

    سادساً: أن يعذرهم فيما اختلفوا فيه من بعض مسائل الدين الفرعية

    قال: [ سادساً: يعذرهم فيما اختلفوا فيه من بعض مسائل الدين الفرعية ] أيها المسلم الصادق الإسلام! أنت تعذر الأئمة فيما اختلفوا فيه من بعض مسائل الدين الفرعية، فهم يختلفون ونحن نعذرهم ونقبل عذرهم؛ لأن هذا اجتهاد، فيجب أن نعيش على هذا المبدأ، ومعنى المسائل الفرعية: غير العقيدة، كالصلاة والصيام والحج وغير ذلك [ ويرى أن اختلافهم لم يكن جهلاً منهم، ولا عن تعصب لآرائهم، وإنما كان إما أن المخالف لم يبلغه الحديث ] لم يصله حديث الرسول صلى الله عليه وسلم [ أو رأى نسخ هذا الحديث الذي لم يأخذ به، أو عارضه حديث آخر ] وصادمه [ بلغه فرجحه عليه، أو فهم منه ما لم يفهمه غيره، إذ من الجائز أن تختلف الأفهام في المدلول اللفظي؛ فيحمله كل على فهمه الخاص، ومثال هذا: ما فهمه الإمام الشافعي رحمه الله تعالى من نقض الوضوء بمس المرأة مطلقاً ] فالإمام الشافعي خالف شيخه مالكاً وتلميذه أحمد ، وخالف أبا حنيفة في هذه المسألة. يقول: إذا مس الرجل امرأة انتقض وضوؤه مطلقاً. قال: [ ومثال هذا ] وهو الاختلاف بينهم في مسائل بحسب الأدلة، وفهمهم لها، فالإمام الشافعي رحمه الله يرى نقض الوضوء بمس المرأة مطلقاً، بلذة أو بدون لذة [ فهماً من قوله تعالى: أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ [النساء:43] ]، هذا من نواقض الوضوء، فقد فهم منها أن من لامس امرأته بطل وضوؤه وعليه أن يتوضأ [ فقد فهم من أَوْ لامَسْتُمُ [النساء:43]: المس ] أما ابن عباس كان إذا سأله الرجل عن أَوْ لامَسْتُمُ [النساء:43] ما معناها؛ يدخل أصبعيه في أذنيه ويقول: ناكها- أي: ناكحها- يستحي أن يتكلم بهذا، فابن عباس الحبر كان يرى معنى: أَوْ لامَسْتُمُ [النساء:43]: جامعتم وليس (مسستم) فلما يسأله طالب من الطلاب، يستحي أنه يقول تلك الكلمة أو يسمعها، بل يغلق أذنيه ويقولها حتى لا يسمع هذه الكلمة!

    قال: [ ولم ير غيره، فقال بوجوب الوضوء لمجرد مس المرأة، وفهم غيره ] من الأئمة الآخرين [ أن المراد من الملامسة في الآية: الجماع، فلم يوجبوا الوضوء بمجرد المس أبداً، بل لا بد من قدر زائد ] كأن يقصد التلذذ، أو يتلذذ وله ما قصد؛ حينئذٍ انتقض وضوئه، إذا أراد أن يتلذذ بامرأته ووضع يده؛ انتقض وضوؤه، أو أنه لم يرد، لكن لما مس انتعش ذكره ووجد؛ انتقض وضوؤه وعليه أن يتوضأ [ بل لا بد من قدر زائد، كالقصد أو وجود اللذة، وقد يقول قائل: لم لا يتنازل الشافعي عن فهمه ليوافق باقي الأئمة؟ ] قد يقول قائل هذا: لم لا يتنازل الشافعي [ ويقطع دابر الخلاف عن الأمة؟

    الجواب: أنه لا يجوز له أبداً أن يفهم عن ربه شيئاً لا يخالجه فيه أدنى ريب، ثم يتركه لمجرد رأي أو فهم إمام آخر ] إذا فهمه عن الله ولم يفهم سوى هذا لا يتنازل عن فهمه لرأي آخر وفهم إنسان آخر [ فيصبح متبعاً لقول الناس، تاركاً لقول رب الناس، وهو من أعظم الذنوب عند الله سبحانه وتعالى ].

    قال: [ نعم. لو أن فهمه من النص عارضه نص صريح من كتاب أو سنة؛ لوجب عليه التمسك بدلالة النص الظاهرة، ويترك ما فهمه من ذلك اللفظ الذي دلالته ليست نصاً صريحاً ولا ظاهراً، إذ لو كان الدلالة قطعية لما اختلف فيه اثنان من عامة الأمة فضلاً عن الأئمة ] الأربعة؛ وذلك لأن غيره فهموا فهماً من الآية فقط، ليس بنص صريح.

    1.   

    ذكر ما يجب علينا تجاه ولاة أمور المسلمين

    قال: [ وأما ولاة أمر المسلمين ] أي: الحكام، يا مسلمون! حكامكم البيض والسود، والعرب والعجم، اسمعوا شرع الله فيهم وبلغوا، واعملوا.

    أولاً: وجوب طاعتهم

    قال: [ أولاً: يرى المسلم الحق وجوب طاعتهم؛ لقوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ [النساء:59] ] وأولو الأمر الذين يحلون ويعقدون هم الحكام [ ولقول الرسول صلى الله عليه وسلم: ( اسمعوا وأطيعوا وإن تأمر عليكم عبد حبشي، كأن رأسه زبيبة ) ] قال هذا سيد الحكماء رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل إمامهم وأستاذهم؛ وذلك لعلمه بما ينتجه الخلاف والصراع والدمار. قال: ( اسمعوا وأطيعوا وإن تأمر عليكم عبد حبشي، كأن رأسه زبيبة ) [ وقوله: ( من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن أطاع أميري فقد أطاعني، ومن عصى أميري فقد عصاني ) ] هذا كلام سيد الحكماء وأستاذهم، ثم استدرك فقال: [ ولكن لا يرى طاعتهم في معصية الله عز وجل ] لو قال الحاكم: ازن لا طاعة! لو قال الحاكم: اكفر لا طاعة! لو قال الحاكم: لا تصل لا طاعة! هذا كله فيما هو جائز الفعل والترك. تأملوا! [ ولكن لا يرى طاعتهم في معصية الله عز وجل؛ لأن طاعة الله مقدمة على طاعتهم في قوله تعالى: وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ [الممتحنة:12] ] سبحان الله! الله يقول للمؤمنات ويخاطب رسوله صلى الله عليه وسلم: لا يعصينك النساء في معروف، أما في باطل فلهن أن يعصينك، لا إله إلا الله! وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ [الممتحنة:12] أي: ولا يعصيك النساء يا رسول الله! في المعروف، أما في المنكر يعصينك، فإذا أمرت بغير المعروف لا حق لك في الطاعة! قال: [ ولأن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: ( إنما الطاعة في المعروف ) ] إذا قال لك: صم تصوم. قال لك: زك تزكي. قال: صل تصلي. قال: بر والديك تبر والديك. قال: ابعد من الشارع لا تسد الطريق أطعه. قال: تجنب لجيشه تجنب، لكن إذا أمر بمعصية فلا تطعه: ( إنما الطاعة في المعروف )، لا في المنكر. قال: [ ولأن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: ( إنما الطاعة بالمعروف )، وقال أيضاً: ( لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق ) ] لو قالت لك أمك: احلق لحيتك وإلا لا تقابلني لا تطعها، لكن إذا قالت لك أمك: ائتني بالمشوي الآن لنأكله؛ وجب عليك أن تطيعها. قالت لك أمك: بع هذا الثوب الزائد واشتر لي ثوباً آخر؛ وجب عليك أن تطيعها في المعروف لا في المعصية [ وقال: ( لا طاعة في معصية الله )، وقال أيضاً عليه الصلاة والسلام: ( السمع والطاعة على المرء- أي: على الإنسان المؤمن- المسلم فيما أحب وكره ما لم يؤمر بمعصية، فإذا أمر في معصية فلا سمع ولا طاعة ) ] إذا أمرك شخص بمعصية الله ورسوله فلا سمع ولا طاعة.

    ثانياً: حرمة الخروج عليهم أو إعلان معصيتهم

    [ ثانياً: يرى حرمة الخروج عليهم ] يرى المسلم البصير حرمة الخروج عليهم [ أو إعلان معصيتهم؛ لما في ذلك من شق عصا الطاعة على سلطان المسلمين؛ ولقول الرسول صلى الله عليه وسلم: ( من كره من أميره شيئاً فليصبر، فإنه من خرج من السلطان شبراً مات ميتة جاهلية ) ] بلغوا إخواننا الجزائريين الذين لم يعرفوا هذا: ( من كره من أميره شيئاً فليصبر فإنه من خرج من السلطان شبراً مات ميتة جاهلية ) [ وقال صلى الله عليه وسلم: ( من أهان السلطان أهانه الله ) ] ونحن نكفرهم ونلعنهم، ونحرش عليهم ونتجمع ضدهم، كأننا ما عرفنا الله ولا رسوله ولا سمعنا بالإسلام! ألا تسمعون كيف يكفرون؟! مررنا في أمريكا بنزل، وأردنا أن ندخل فوجدناهم كتبوا عند الباب لوحة فيها: تكفير حاكم من حكام المسلمين، هؤلاء عميان وضلال وجهال، ما الفائدة من تكفير حاكمك، وكتب اللوحة في الباب؟! ماذا تنتج لك؟! هل ستمطر السماء؟! فكر ما هي النتيجة؟! إلا الجهل والعمى، وهذه نتيجة من يبعد عن نور الله؛ فليعش في الضلال يتخبط.

    ثالثاً: الدعاء لهم بالصلاح والسداد

    قال: [ ثالثاً: أن يدعو لهم بالصلاح والسداد ] العجب العجاب أن علماء ينتقدون في كتاباتهم: لم أئمة المملكة يدعون لخادم الحرمين؟! إذاً: هذا مرض، والله كما تسمعون لا يحبون أن يدعوا لهم، يجب أن تدعو للحاكم ولو كان فاسقاً وفاجراً، فادع له بالهداية والصلاح والإصلاح، لكنها نزغة يهودية لتمزيق حال المسلمين وضربهم، إن الإسلام يوجب الدعاء لأئمة المسلمين، فادعوا لهم بالخير والهداية والصلاح، لكن هؤلاء يدعون عليهم بالشر- أعوذ بالله! أعوذ بالله!

    قال: [ ثالثاً: أن يدعو لهم بالصلاح والسداد والتوفيق والعصمة من الشر، ومن الوقوع في الخطأ، إذ صلاح الأمة في صلاحهم، وفسادها بفسادهم، وأن ينصح لهم في غير إهانة وانتقاص كرامة لهم؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: ( الدين النصيحة. قلنا: لمن يا رسول الله؟! قال: لله ولكتابه ولرسوله، ولأئمة المسلمين وعامتهم ) ] أي: حكامهم، فلو أن العلماء- وخاصة هذا النوع- عرفوا كيف يطيعون الحكام، ويدخلون عليهم ويحبونهم؛ لنزلوا بهم إلى مقامات الكمال، أما التكفير واللعن والهجوم فهي نزغة شيطانية إبليسية من اليهود؛ للقضاء على أية أمة إسلامية، لكننا نحن لم ننصح حتى لأنفسنا فضلاً عن الأئمة والأمة!

    رابعاً: الجهاد وراءهم والصلاة خلفهم وإن فسقوا وارتكبوا المحرمات

    [ رابعاً: أن يجاهد وراءهم ويصلي خلفهم وإن فسقوا وارتكبوا المحرمات التي هي دون الكفر؛ لقوله صلى الله عليه وسلم لمن سأله عن طاعة أمراء السوء. قال: ( اسمعوا وأطيعوا، فإنما عليهم ما حملوا وعليكم ما حملتم ) ] افرض أن هذا الحاكم يشرب الخمر أو يزني، هذا شأنه! لا يعطل حكم طاعته هذا ولا ينتقض، إلا إذا لبس برنيطة أو صليباً، وقال: أنا كافر! أنا يهودي! أو نصراني! فهذا لا يحل أبداً طاعته والسكوت عنه،حتى وإن كان يصلي ويقول: أنا مسلم قل له: أنت لست مؤمناً، بل أنت كافر [ ولقول عبادة بن الصامت : ( بايعنا رسول صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا، وعسرنا ويسرنا، وألا ننازع الأمر أهله. قال: إلا أن تروا كفراً بواحاً عندكم فيه من الله برهان ) ] حين يقول الحاكم: أنا يهودي! أنا صليبي! أنا شيوعي! لا أؤمن بالله ولا بلقائه، هذا هو الكفر البواح، أما كونه ما حكم الشريعة لجهله ولفساد الأمة التي معه فإنه لا يكفر بهذا، نعم. ظلم أو فسق، لكن الكفر لابد من اعتقاد معه.

    والله تعالى أسأل أن يهدي إخواننا، ولن يهتدوا حتى يجتمعوا على كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    1.   

    الأسئلة

    بيان ما يفعله المسلم عند اختلاف الزمن في صيام عاشوراء من بلد إلى بلد آخر

    السؤال: تبين لنا أن أول محرم في ديارنا مختلف عن بداية محرم في المملكة، فكيف نصوم التاسع والعاشر؟

    الجواب: إذا كنت تثق بالمملكة وأنها خير من بلادك في الدين والحكم والشرع اترك قول بلادك واتبع المملكة، وصم اليوم التاسع والعاشر بحسبها، وإذا كنت ترى أنكم أولى وأفضل وأعلم- وهذا والله كذب، والله لا يوجد بلد أقدس ولا أطهر ولا أطيب ولا أحكم لشريعة من هذا البلد في العالم كله من إندونيسيا إلى موريتانيا- فلم نغالط أنفسنا، ونجحد الحق؟! كما أن هذه المسألة ليست ذات قيمة، صم التاسع والعاشر، وإن قدمت وأخرت فكله خير، ولا مشكلة في ذلك.

    حكم جماع الرجل زوجته بعد انتهاء الحيض وقبل الاغتسال

    السؤال: هل يجوز وطء المرأة عند انتهاء دم الحيض، أو لا بد أن يكون بعد الاغتسال؟

    الجواب: السائل يقول: هل يجوز للرجل أن يطأ زوجته بعد انقطاع دم الحيض أو لابد من الغسل أولاً؟

    لابد من الغسل؛ لأن الله قال: فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ [البقرة:222]، فمعنى تطهرن: اغتسلن، فلا يصح أن ينكح امرأته بعد الحيض إلا بعد أن تغتسل، وإذا لم تجد الماء أو لم تستطع تتيمم، كالذي لم يجد الماء للصلاة.

    حكم من لم يبت في مزدلفة

    السؤال: من لم يبت بمزدلفة هل عليه فداء، علماً أننا كنا طوال الليلة في الحافلة، ولم نخرج منها إلا في الصباح؟

    الجواب: الذي قلته وكتبته -وإن لم يوافقني بعض العلماء- نظراً إلى رحمة الرسول صلى الله عليه وسلم أقول: كل من عجز عن النوم والمبيت بمزدلفة لعذر -كمرض، أو أن أصحاب السيارة منعوه، أو مشى ولم يصل إلا آخر الليل- معفو عنه وليس عليه شيء، لكن الذي يأبى أن ينام فيها ويبيت عليه هدي، والإثم أعظم؛ لأن الله يقول: فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ [البقرة:198]، لكن إذا كان للعجز- أضعاف، نساء، سيارات،لم يستطيعوا- معفو عنهم إن شاء الله، لكن لا بد أن ينزلوا ويذكروا الله هناك، ويكبروا ويهللوا ويصلوا المغرب والعشاء.

    وجوب البحث في اختلاف العلماء للوصول إلى الحقيقة

    السؤال: في بعض المسائل نجد من العلماء من يقول بتحريمها، ومنهم من يقول بتحليلها، فمن أتبع؟

    الجواب: السائل يقول: بعض المسائل اختلف العلماء فيها، منهم من يقول: حرام، ومنهم يقول: حلال، دلنا على واحد منهما.

    على الدخان؟! أو على حلق اللحية؟! أو على التبرج؟! أو كشف الوجوه؟

    كل من يقول: الدخان حلال فهو مخطئ وما عرف شرع الله، ما بلغه أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: ( إن الملائكة تتأذى مما يتأذى بنو آدم )، من أجل أكل الثوم والبصل؛ فكيف بالرائحة الكريهة؟!

    والذي يقول: حلق الوجوه ليس بحرام، هذا ما عرف الشريعة، ما سمع قول الرسول صلى الله عليه وسلم: ( خالفوا اليهود والنصارى )، ( خالفوا المجوس )، ( خالفوا المشركين )، ( أعفوا اللحى وحفوا الشوارب )، لابد وأن يكون المسلم بصورة تميزه عن اليهود والنصراني، وعن الفاسق والفاجر، فإذا اختلف العلماء في مسألة اختلافاً حقيقياً- وهذه نادرة- إذا ما أطمأنت نفسك إلى من حرم اسأل عالماً آخر؛ لأن العلماء ليسوا في مستوى واحد أبداً، فلابد من البحث حتى تصل إلى النتيجة.

    حكم من أراد أن يسدد ديناً عليه ولم يجد صاحبه

    السؤال: يقول: أعطاني أحد الإخوة مبلغاً مقداره خمسمائة ريال، وبعد ذلك لم ألتق بهذا الأخ إلى اليوم، فماذا أفعل؟

    الجواب: قال: أعطاني رجل خمسمائة ريال وما لقيته بعد.

    اصبر حتى تلقاه، لم تمض عشر سنين ولا عشرون سنة، سوف تجده إن شاء الله، وإذا انقطع السبيل ولم تلتق به؛ تصدق به عليه، وهو في ذمتك بهذا الشرط، إذا جاء يوم وطلبك أعطيته إياه.

    وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه.