إسلام ويب

سلسلة منهاج المسلم - (197)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الجناية على الأطراف هي التعدي على الآخر بأن يفقأ عينه أو يكسر رجله أو يقطع يده، وحكمها القصاص إذا استوفت شروطها وهي: أن يؤمن من الحيف في الاستيفاء، وأن يكون القصاص ممكناً، وأن يكون العضو المراد قطعه مماثلاً في الاسم والموضع للموضع المتلف، وأن يستوي العضوان المتلف والمراد أخذه في الصحة والكمال، وإذا كان الجرح في الرأس أو الوجه فلا قصاص فيه إلا إذا كان لا ينتهي إلى العظم.

    1.   

    الجناية على الأطراف

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذه الأمسية من يوم الأربعاء ليلة الخميس ندرس كتاب منهاج المسلم، ذلكم الكتاب الحاوي -أي: الجامع- للشريعة الإسلامية بكاملها عقيدة وآداباً وأخلاقاً وعبادات وأحكاماً. فو الله لم يخرج عن جماعة المسلمين لا في حكم ولا في عبادة ولا في أدب ولا في خلق، بل هو منهج الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وقد انتهى بنا الدرس إلى [ المادة الثالثة: في الجناية على الأطراف] وتقدم في الدرس الماضي الجناية على النفس وأنواعها: وهي العمد، وشبه العمد، والخطأ، وذكرنا شروط وجوب القصاص ثم أحكام الجناية، وشروط وجوب القصاص هي أربعة:

    الأول: أن يكون المقتول معصوم الدم.

    الثاني: أن يكون القاتل مكلفاً.

    الثالث: أن يكافئ المقتول القاتل في الدين، يماثله في الدين والحرية والرق.

    الرابع: أن لا يكون القاتل والداً للمقتول، أي: أباً أو أماً.

    وأما شروط استيفاء القصاص، فهي:

    الأول: أن يكون صاحب الحق مكلفاً.

    الثاني: أن يتفقوا أولياء الدم على القصاص.

    الثالث: أن يؤمن في حال استيفاء التعدي.

    الرابع: أن يكون القصاص بآلة حادة.

    ثم درسنا التخيير بين القود والدية والعفو. وها نحن اليوم مع الجناية على الأطراف.

    قال: [المادة الثالثة: في الجناية على الأطراف] كاليد والرجل والعين والأذن.

    أولاً: تعريف الجناية على الأطراف

    [أولاً: تعريفها: الجناية على الأطراف أن يتعدى امرؤ على آخر فيفقأ عينه أو يكسر رجله أو يقطع يده مثلاً] الجناية على الأطراف هي: أن يتعدى إنسان على آخر فيفقأ عينه أو يكسر رجله أو يقطع يده.

    ثانياً: حكم الجناية على الأطراف

    [ثانياً: حكمها: إن كان الجاني عامداً وليس والداً للمجني عليه] لأننا عرفنا أن الوالد إذا قتل ولده فلا يقتص منه، وكذلك إذا فقأ عينه لا يقتص منه؛ لأن الولد له، هو ولده [وكان المجني عليه مكافئاً للجاني في الإسلام والحرية] فلا يقتل مسلم بكافر أبداً، ولا يقتل حر بعبد [فإنه يقاد منه للمجني عليه بأن يقطع منه ما قطع، ويجرح بمثل ما جرح؛ لقوله تعالى: وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ [المائدة:45] إلا أن يقبل المجني عليه الدية أو العفو] إذا قال المجني عليه: نأخذ دية عن هذا الجرح أو عفا فلا حرج.

    إذاً: حكم هذه الجناية: إذا كان الجاني عامداً متعمداً وليس والداً للمجني عليه لا أباه ولا أمه، وكان المجني عليه مكافئاً للجاني في الإسلام والحرية -أما إذا كان أحدهما مسلماً والثاني كافراً، أو أحدهما حراً والثاني عبداً فلا- فإنه يقاد منه للمجني عليه بأن يقطع منه ما قطع، ويجرح بمثل ما جرح؛ لقول الله تعالى: وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ [المائدة:45] إلا أن يقبل المجني عليه الدية فلا بأس، أو يقبل العفو ويعفو فلا حرج.

    1.   

    شروط القصاص في الأطراف

    [ثالثاً: شروط القصاص في الأطراف: يشترط لاستيفاء القصاص في الأطراف ما يلي: ]

    أولاً: أن يؤمن من الحيف في الاستيفاء

    [أولاً: أن يؤمن من الحيف في الاستيفاء] عندما يريد أن يقتص يجب أن يؤمن أنه لا يحيف ولا يجور بل يأخذ عضواً كالعضو المُتلف [فإن خيف الحيف فلا قصاص] كمن يريد أن يقطع أصبعاً فيقطع يداً كاملة لا يجوز هذا.

    ثانياً: أن يكون القصاص ممكناً

    [ثانياً: أن يكون القصاص ممكناً، فإذا كان غير ممكن ترك إلى الدية] إن كان القصاص ممكناً يقتص، أما إن كان غير ممكن فيُترك للدية وكفى.

    ثالثاً: أن يكون العضو المراد قطعه مماثلاً في الاسم والموضع للعضو المتلف

    [ثالثاً: أن يكون العضو المراد قطعه مماثلاً في الاسم والموضع للعضو المتلف، فلا تقطع يمين في يسار] أو رجل يمين برجل يسار [ولا يد في رجل] الرجل شيء واليد شيء [ولا أصبع أصلي في زائد مثلاً] من كان عنده أصبع زائد -ستة أصابع مثلاً- فإنه لا يقطع به أصبع أصلي.

    إذاً من شروط القصاص: أن يكون العضو المراد قطعه مماثلاً في الاسم والموضع للعضو المتلف، فلا تقطع يد يمنى في يد يسرى ولا تقطع اليد بالرجل أو الرجل باليد، ولا أصبع أصلي بأصبع زائد مثلاً.

    رابعاً: استواء العضوين المتلف والمراد أخذه في الصحة والكمال

    [رابعاً: استواء العضوين المتلف والمراد أخذه في الصحة والكمال، فلا تأخذ اليد الشلاء في الصحيحة، ولا العين العوراء بالسليمة].

    لابد من استواء العضوين -المتلف والمراد أخذه- في الصحة. أي: لابد أن يكونا مستويين في الصحة والكمال، فلا تأخذ اليد التي بها شلل في اليد الصحيحة، ولا العين العوراء بالعين السليمة، ولكن الدية فقط.

    خامساً: إن كان الجرح في الرأس أو الوجه فلا قصاص فيه إلا إذا كان لا ينتهي إلى العظم

    [خامساً: إن كان الجرح في الرأس أو الوجه وهي الشجة فلا قصاص فيه إلا إذا كان لا ينتهي إلى العظم] أي: فوق العظم فقط [وكل جرح لا يمكن فيه الاستيفاء لخطورته فلا يقتص به، فلا قصاص في كسر عظم ولا في جائفة، وإنما الواجب فيه الدية] الدية كافية.

    إذاً: إن كان الجرح في الرأس أو الوجه -وهو يسمى بالشجة- فلا قصاص فيه اللهم إلا إذا كان لا ينتهي الجرح ذاك إلى العظم، وكل جرح لا يمكن فيه الاستيفاء لخطورته فلا يقتص فيه أبداً، فلا قصاص في كسر عظم ولا في جائفة، وإنما يُكتفى بالدية.

    1.   

    تنبيهات

    أولاً: تقتل الجماعة بالواحد

    [أولاً: تقتل الجماعة بالواحد] والجماعة ثلاثة فما فوق، ولو كانوا مائة فإنهم يقتلون بالواحد [ويؤخذ أطراف جماعة في طرف واحد إذا اشتركوا في الجناية اشتراكاً مباشراً؛ لقول عمر رضي الله عنه: لو تمالأ عليه أهل صنعاء لقتلتهم به جميعاً] أي: في حال تجمع واتفق عليه أهل صنعاء لقتلتهم به جميعاً [قال ذلك بعد أن قتل سبعة كانوا قد قتلوا رجلاً من أهل صنعاء] فإذا اشترك ثلاثة أو أربعة في جناية، فالقصاص عليهم جميعاً سواء جراحة أو موت.

    ثانياً: سراية الجناية مضمونة وسراية القود هدر

    [ثانياً: سراية الجناية مضمونة، فلو جنى أحد على آخر بقطع أصبعه ثم لم يندمل الجرح حتى شلت يده بكاملها أو مات فإن القصاص يكون أو الدية بحسب ذلك].

    إذاً: الجناية التي تسري في الأعضاء مضمونة، فلو جنى أحد على آخر بقطع أصبعه ثم لم يندمل الجرح حتى شلت اليد بكاملها أو مات، فإن القصاص يكون أو الدية بحسب ذلك.

    وأما سراية القود فهدر، فلو قطع أحد يد أحد فاقتص منه بقطع يده ثم لم يلبث أن مات متأثراً بالجرح فلا شيء له، إلا إذا كان هناك حيف حال القصاص بأن كان القطع بآلة كالّة أو مسمومة مثلاً فتضمن السراية حينئذ].

    إذاً: سراية القود -وهو القصاص- هدر، فلو قطع أحد يد أحد فاقتص منه بقطع يده ثم لم يلبث أن مات متأثراً بالجرح فلا شيء له، إلا إذا كان هناك حيف وجور حال القصاص بأن كان القطع بآلة كالّة أو مسمومة مثلاً فتضمن السراية حينئذ.

    ثالثاً: لا يقتص في جرح أو عضو قبل برئه

    [ثالثاً: لا يقتص في جرح أو عضو قبل برئه؛ لنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن القود في الجرح قبل البرء؛ لأنه لا يؤمن أن يسري الجرح إلى باقي الجسد فيتلفه، فلذا لو خالف أحد واقتص قبل البرء ثم سرى جرحه فأتلف له عضواً آخر، فلا حق له في المطالبة في السراية لمخالفته النهي عن القود قبل البرء].

    إذاً: لا يقتص في جرح أو عضو قبل برئه.

    لماذا؟ لنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن القود في الجرح قبل البرء؛ نهى أن نقتص في الجرح قبل أن يبرأ المجروح، فإذا برأ نعم؛ لأنه لا يؤمن أن يسري الجرح إلى باقي الجسد فيتلفه، فلذا لو خالف أحد واقتص قبل البرء ثم سرى جرحه فأتلف له عضواً آخر، فلا حق له في المطالبة في السراية لمخالفته النهي عن القود قبل البرء.

    معاشر المستمعين والمستمعات! هذا هو شرع الله، هذا هو دين الله، هذه هي أحكام الله، أعرض عنها المسلمون في الشرق والغرب باستثناء هذه المملكة منذ عبد العزيز إلى اليوم، والعالم الإسلامي أكثر من ثلاثين دولة لا يقيمون هذه الحدود أبداً، ولا يلتفتون إليها ولا يبحثون عنها. لماذا؟ هذا هو الإعراض عن ذكر الله وكتابه، والله نسأل أن يتوب عليهم وأن يرجعوا إلى الحق، والله إقامة حد في الأرض خير من أن تمطر السماء بأمطار كذا، فهناك فضل كبير في إقامة حدود الله بين عباده المؤمنين. اللهم تب عليهم واجمعهم على الحق يا رب العالمين.

    1.   

    الأسئلة

    حكم الحج أو العمرة عمن مات وهو تارك للصلاة

    السؤال: فضيلة الشيخ! سائل يسأل ويقول: إن أخاه أو قريبه توفي وهو تارك للصلاة فهل يعتمر عنه؟

    الجواب: تذكرون ما بينته مئات المرات وقلت: إذا حضر الموت وأنت معه وقال: لا إله إلا الله محمد رسول الله، ومات عليها فنعم؛ يُحج عنه ويُعتمر وهو إن شاء الله من أهل الجنة وإن عذب في النار؛ لقول الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم: ( من مات وآخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة )، ولهذا المطلوب من إخواننا إذا مرض أحدهم أن يلزموه وأن لا يتركوا هذا التلقين: ( لقنوا موتاكم لا إله إلا الله )، فتقول عنده: لا إله إلا الله، ولا تقل له: قل! لئلا يغضب ويقول: لا أقول. فيهلك، ولكن قل إلى جنبه: لا إله إلا الله. مرة أو مرتين أو ثلاثاً، فإذا قالها اسكت، وإذا تكلم بعد ذلك أو شرب فأعدها عليه حتى يكون آخر كلامه لا إله إلا الله.

    أما إذا مات تارك الصلاة على غير لا إله إلا الله فلا ينفع عنه حج ولا عمرة، ولا تحج عنه ولا تعتمر.

    حكم إعطاء الزكاة لتارك الصلاة الفقير

    السؤال: إذا كان الإنسان لا يصلي وهو حي فهل يعطى من الزكاة إذا كان فقيراً؟

    الجواب: لا تعطه الزكاة، ولكن ما المانع أن يصلي؟ فلو قلت له: صلِّ وأعطيك الزكاة، سيقوم ويصلي، فلماذا تتركه؟! هل الصلاة فيها تعب؟! هل فيها مشقة؟! هل فيها ذهاب مال أو ذهاب عقل؟! ما هي إلا غفلة شيطانية فحسب، كيف لأخيك أن يبقى يومين أو ثلاثة لا يصلي أو عاماً أو عامين، أين أنتما؟! لابد وأن يصلي، فإن قال: لن أصلي! فلا يعطى زكاة.