إسلام ويب

سلسلة منهاج المسلم - (153)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الرهن توثيق دين بعين يمكن استيفاؤه منها أو من ثمنها، وهو جائز بالكتاب والسنة، ويلزم الرهن بالقبض، وليس كل شيء يرهن، بل ما يصح بيعه يصح رهنه، ويحق للمرتهن المطالبة بدينه عند حلول الأجل، كما أن الرهن أمانة في يد المرتهن لا يحق له التصرف فيه إلا بقدر نفقته عليه، وإذا مات الراهن أو أفلس فإن المرتهن أحق بذلك من سائر الغرماء.

    1.   

    الرهن

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه، ولا يضر الله شيئاً.

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    ثم أما بعد: أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذه الليلة ليلة الخميس من يوم الأربعاء ندرس كتاب منهاج المسلم، ذلكم الكتاب الحاوي - الجامع- للشريعة الإسلامية بكاملها، عقيدة وآداباً وأخلاقاً وعبادات وأحكاماً، وها نحن الآن وصلنا إلى الأحكام، وها نحن مع الرهن، وعلى المسلم أن يعلم أن طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة.

    تعريف الرهن

    [الرهن: أولاً: تعريفه: هو توثيق] أي: تمكين [ دين ] وإثباته [ بعين ] أي: مادة [ يمكن استيفاؤه ] وأخذه [ منها، أو من ثمنها ] إذا بيعت؛ حتى لا يضيع [ وذلك كأن يستدين شخص ] مسلم [ من آخر ديناً ] ألفاً أو ألفين [ فيطلب الدائن منه وضع شيء تحت يده ] ضماناً [ من حيوان أو عقارات أو غيرهما؛ ليستوثق دينه ] ويصبح واثقاً من دينه أنه سوف يرد إليه، وليكون على علم بأنه قادر أن يرجع إليه الدين [ فمتى حل الأجل ولم يسدد له دينه استوفاه مما تحت يده ] بأن يبيع ذلك الشيء فيأخذ دينه ويرد الباقي على الراهن [ فالدائن يسمى مرتهناً، والمدين يسمى راهناً، والعين المرهونة تسمى رهناً ] مثل: أن أقول لك: أنت لك علي ألف ريال فخذ هذه السيارة، فإذا جئتك بدينك أخذت سيارتي، أو خذ هذه الدار رهناً وأعطني عشرين أو ثلاثين ألفاً، فإذا جئتك بالدين بعد الوعد الذي تواعدناه سواء سنة أو سنتين أو خمسة أشهر فبها ونعمت وترد إلي داري، وإن لم تستوف دينك فبع الدار وخذ الدين. أو مثل أن أستدين منك وأقول لك: من فضلك أقرضني عشرين ألف ريال إلى سنة أو إلى نهاية الحج، فتقول لي: اجعل تحت يدي شيئاً رهينة أحتفظ به، فإما أن تأتيني بديني وإما أن أبيع الرهن وأخذ ديني، فإن لم أسدد الدين يبيع ذلك الرهن ويأخذ دينه ويرد الباقي إلى صاحبه. وهذا واضح.

    حكم الرهن

    [ ثانياً: حكمه: الرهن جائز ] غير ممنوع ولا محرم، وذلك [ بقوله تعالى: وَإِنْ كُنتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ [ البقرة:283 ] ] أي: إن كنتم مسافرين ولم تجدوا كاتباً يكتب بينكم الدين ولا من يشهد على ما أعطيتم سواء ألفاً أو ألفين فاجعل تحت يدك رهناً، فإذا رجعتم من سفركم ووصلتم البلاد ورد الدين فبها ونعمت، وإلا بعت الرهن وأخذت دينك. وهذه الآية من سورة البقرة وردت فيها كلمة الرهن، فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ [ البقرة:283 ] [ وبقول الرسول صلى الله عليه وسلم: ( لا يغلق الرهن من صاحبه الذي رهنه، له غنمه وعليه غرمه ) ] فإذا وضع تحتك سيارة أو دابة أو بيت أو كذا فلا يضيع عليه، بل له غنمه وعليك غرمه إذا ضاع. فهذا الحديث دليل واضح على مشروعية الرهن، وأنه جائز ومعمول به [ وقول أنس رضي الله عنه: ( رهن رسول الله صلى الله عليه وسلم درعاً ) ] وهو ما يلبس في الحرب [ ( عند يهودي ) ] أي: وضعها رهينة عند يهودي [ ( في المدينة ) ] النبوية [ ( وأخذ منه شعيراً لأهله ) ] فقد احتاج الرسول صلى الله عليه وسلم إلى أن يطعم أهله ولم يكن عنده مال، فأخذ درعه وأعطاه ليهودي فأعطيه ثلاثين صاعاً من شعير، فلما توفي الرسول صلى الله عليه وسلم ردوا الشعير لصاحبه وأخذوا الدرع. فهذا دليل قاطع أيضاً على جواز الرهن، فعمل الرسول يدل على الجواز، وليس في ذلك شك أبداً.

    1.   

    أحكام الرهن

    [ ثالثاً: أحكامه: أحكام الرهن ] قد بلغت ثلاثة عشر حكماً، و[ هي: ]

    أولاً: يلزم الرهن بالقبض

    [ أولاً: يلزم الرهن بالقبض ] الراهن لا المرتهن، يلزم الرهن عندما يُقبض، فإذا لم يقبض لم يلزم الرهن، فعندما تعطيه الشيء يكون رهناً، وأما قبل أن تعطيه فليس رهناً [ فلو أراد الراهن استرداد الرهن من يد المرتهن لم يكن له ذلك ] لأنه وضعه تحت يديه ليسترد به ماله الذي دانه وأسلفه وأقرضه إياه، فلا حق له في استرداده، فإذا استدنت منك ألفي ريال وقلت لي: ضع شيئاً تحت يدي حتى أعطيك، فوضعت بين يديك سيارتي، فليس لي أن أستردها [ أما المرتهن فإن له رده ] وألا يقبله ولا يبالي، ويقول: خذ ولا حرج، ويبقى الدين في ذمة الراهن، وكم من إنسان لا يقبل الرهن أبداً، ويقول: ديني في ذمتك [ إذ الحق حقه في ذلك ] فإذا استدنت من شخص عشرة آلاف ريال، فقال لك: لا أدينك إلا إذا وضعت شيئاً تحت يدي رهناً، فقلت: أضع تحت يديك سيارتي هذه، فلا يجوز لك أن تستردها، لكن الذي وضعت السيارة عنده يستطيع أن يقول لك: لن آخذ سيارتك، وديني في ذمتك وكفى، أو ذمتك تكفيني، ولا أقول: أعطني سيارتك أو دابتك أو أي شيء حتى ترد علي ديني، فيجوز هذا، ولا بأس به. هذا الحكم الأول.

    ثانياً: ما لا يصح بيعه لا يصح رهنه

    [ ثانياً: ما لا يصح بيعه من الأشياء لا يصح رهنه ] فلا ترهن شيئاً لا يباع، وإنما ترهن الشيء الذي يباع، فإذا لم تسدد الدين بيع هذا المرتَهَن، وأما الشيء الذي لا يباع فلا يصح رهنه، فلا يصح أن ترهن برميل خمر بألف ريال؛ لأنه لا يجوز بيعه، ولا أن ترهن عدداً من الخنازير؛ لأنه لا يجوز أن يبيعه هو، فيكون الرهن فيما يباع ويشترى، وأما المحرم الممنوع فلا [ إلا الزرع والثمر قبل بدو صلاحهما، فإن بيعهما حرام، ورهنهما جائز ] فالزرع الذي تزرعه لا يباع قبل أن يكون سنبلاً، والتمر عندما يكون بلحاً لم يستو لا يباع، وحرام بيعه، لكن في الرهن يجوز؛ لأن المدة طويلة حتى يصل إلى ذلك الوقت، فبيع الثمر أو الزرع قبل بدو صلاحهما حرام لا يجوز، لكن في الرهن يجوز؛ لأنك تضعه تحت يد المرتهن حتى يطيب أو يستوي بعد شهر أو شهرين أو سنة؛ لأن الدين مدته طويلة، فهو ينتظر حتى يستوي ذلك [ إذ لا غرر في ذلك ] أبداً [ على المرتهن ] فأنت لم تغرر به؛ لأنك أعطيته هذه النخل حتى إذا استوى الرطب باع واستوفى حقه، أو تأخذ أنت تمرك وترد عليه ما أقرضك إياه [ لأن دينه ثابت في الذمة ولو تلف الزرع أو الثمر ] فيبقى الدين ثابتاً في ذمته.

    ثالثاً: للمرتهن المطالبة بدينه عند حلول الأجل

    [ ثالثاً: متى حل أجلُ الرهن ] كأن يكون الرهن على سنة أو على ستة أشهر أو على طلوع كذا فيحل [ طالب المرتهن بدينه ] فإذا تواعدنا إلى نهاية الحج وانتهى الحج طالب المرتهن بدينه، وإن تواعدنا على أن تعطيني في أول رمضان فيطالب بدينه في الموعد المحدد [ فإن وفاه الراهن رد إليه رهنه، وإلا استوفى حقه من الرهن المحبوس تحت يده من غلته ونمائه إن كان، وإلا باعه واستوفى حقه، وما فضل رده على صاحبه، وإن لم يف الرهن بكل الدين فما بقي فهو في ذمة الراهن ] المدين، فإذا رهنت سيارة ولما باعها الراهن لم يستوف ماله أخذ القدر الذي باعها به ويكون الباقي في ذمة الراهن. وهذا واضح.

    رابعاً: الرهن أمانة في يد المرتهن

    [ رابعاً: الرهن أمانة في يد المرتهن، فإن تلف ] أي: ضاع ذلك الشيء المرتهن [ بتفريط منه أو تعد ضمنه ] لأنه أمانة، والأمانة إذا وضعت بين يديك واستهنت بها ولم تراعها ولا غير ذلك وضاعت فأنت مسئول عنها [ وإلا فلا ضمان عليه ] فإذا كان آمناً ومحافظاً عليها ولكن قدر الله ضياعه فلا شيء عليه كالأمانة [ ويبقى دينه في ذمة الراهن ] لأنه لم يفرط فيها ولم يضعها، فإذا وضعت تحت يدك ألف ريال ثم اغتصبت منك أو سلبت وأنت نائم فإنك لا تغرمها؛ لأنك ما فرطت، لكن إذا فرطت بها ولم تحترمها ولم تحافظ عليها فإنك تطالب بها.

    خامساً: جواز وضع الرهن تحت يد أمين غير المرتهن

    [ خامساً: يجوز وضع الرهن تحت يد أمين غير المرتهن؛ إذ العبرة بالاستيثاق وهو حاصل عند الأمين ] فإذا قلت لي: أقرضني عشرة آلاف ريال مثلاً، فقلت لك: ضع تحت يدي رهناً، فقال أحد الإخوان أو الجالسين: أنا أضمن، فهذا في معنى الراهن، ويجوز هذا، وكأن أضع سيارتي تحت شخص آخر وليس تحت المرتهن، كأن يقول له مؤمن: ضع هذا الرهن تحتي وأنا أضمنه وأحافظ عليه، فيجوز ذلك؛ لأنه كالأمانة، فما دام هذا الرجل أميناً وقال: أنا ضامن، فلا بأس ولا حرج، وقد أراحك أنت.

    سادساً: لو اشترط الراهن عدم بيعه عند حلول الأجل أو شرط المرتهن تملكه بطل الرهن

    [ سادساً: لو اشترط الراهن ] فقط [ عدم بيع الرهن عند حلول الأجل ] والوقت المحدد [ بطل الرهن ] كأن أسلفك عشرة آلاف وأقول لك: إلى سنة وأطلب منك رهناً من الرهائن فتقول: هذه سيارتي، فإذا حال الحول ولم تأتني بالعشرة آلاف أبيع السيارة، فإن اشترطنا هذا بطل الرهن، وإذا قال المرتهن: آخذ هذه العشرة آلاف على شرط أنك إذا حال الحول ولم تأت بالعشرة الآلاف أبيع الرهن لم يجز هذا الشرط، ولو اشترط الراهن وقال: على شرط ألا تبيع سيارتي لم يصح هذا الشرط؛ لأنه رهنه لأجل أن يبيعها ويسترد ما أقرضه، فإذا شرط هذا بطل الرهن [ كما لو اشترط المرتهن أنه متى حل الأجل ولم توفني ديني فالرهن لي يبطل الرهن ] ولا يصح، كأن ترهن سيارة على شرط أنك إذا لم تسدده يأخذ المرتهن السيارة فهذا لا يجوز، بل يبيعها ويأخذ الدين منها، أما أن يقول: نأخذ هذا المرتهن فلا يجوز، وكذلك إذا رهنته داراً مقابل عشرين ألفاً والدار تساوي مليوناً ولم تسدده لم يحق له أخذ الرهن، ولا يجوز له؛ لأنه لا يساويه، والرهن لي وليس لك، فإما أن تبيعه وتأخذ حقك فقط، أو آتيك بالثمن وآخذ رهني؛ وذلك [ لقوله صلى الله عليه وسلم: ( لا يغلق الرهن، الرهن لمن رهنه، له غنمه ) ] فإذا كان ينتج أشياء يأخذها هو [ ( وعليه غرمه ) ] إذا ضاع، فيسدد بدله.

    سابعاً: إذا اختلف الراهن والمرتهن في قدر الدين فالقول قول الراهن وإن اختلفا في الرهن فقول المرتهن

    [ سابعاً: إذا اختلف الراهن والمرتهن في قدر الدين ] كأن يقول هذا: أنا أقرضتك عشرة آلاف ريال، ويقول الآخر: لا، بل أربعة آلاف فقط أو تسعة فقط [ فالقول قول الراهن بيمينه ] فيحلف ويصدق قوله [ إلا أن يجيء المرتهن ببينة ] أو دليل على صدق مقالته، وأنك لم تعطني عشرة [ وإن اختلفا في الرهن، فقال الراهن: رهنتك دابة وابنها، فقال المرتهن: بل دابة فقط، فالقول قول المرتهن بيمينه إلا أن يجيء الراهن ببينة على دعواه؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: ( البينة على المدعي، واليمين على من أنكر ) ].

    ثامناً: إن ادعى المرتهن رد الرهن فأنكر الراهن فالقول قول الراهن

    [ثامناً: إن ادعى المرتهن رد الرهن فأنكر الراهن فالقول قول الراهن بيمينه، إلا أن يجيء المرتهن ببينة تثبت رده] فإذا قال المرتهن: أنا رددت لك رهينتك فأنكرها الراهن، وقال: أبداً ما رددت لي شيئاً، فالقول قول الراهن ولكن بيمينه، فيحلف، إلا أن يجيء المرتهن ببينة تثبت هذا وتدل عليه.

    تاسعاً: للمرتهن الانتفاع بالرهن بقدر نفقته عليه

    [ تاسعاً: للمرتهن أن يركب ما يركب من الرهن ويحلب ما يحلب بقدر نفقته على الرهن ] فإذا ارتهنت عندك نعجة أو خمس شياه فإنك تطعمها وتسقيها وحليبها لك، وإذا ارتهنت عندك فرساً أو حصاناً أو سيارة فالسيارة يشترى لها بنزيناً، المرتهن وليس الراهن، فإذا كان ينفق المرتهن مثلاً عشرة آلاف ريال في العام على السيارة أخذ من نتاج هذا الرهن عشرة آلاف [ وعليه أن يتحرى العدل في ذلك، فلا ينتفع منه بأكثر من نفقته عليه ] فإذا كان يطعم هذه الشاة في السنة - مثلاً- بألف ريال فلا يطالب بألفين أو ثلاثة، فهذا لا يجوز، وإذا زاد شيئاً رده إلى صاحبه؛ وذلك [ لقوله صلى الله عليه وسلم: ( الظهر يركب بنفقته ) ] فالظهر سواء كان فرساً أو حصاناً أو سيارة فإنه يركب بنفقته، فما دام يسقيه ويطعمه فإنه يركبه [ ( إذا كان مرهوناً، ولبن الدر يشرب بنفقته إذا كان مرهوناً، وعلى الذي يركب ويشرب النفقة ) ] وإذا رهن الأرض المزروعة فالزرع يكون لصاحبه إلا باتفاق جديد.

    عاشراً: غنم الرهن للراهن وغرمه عليه

    [ عاشراً: ثمار الرهن كإجارة وغلة ونسل ونحوها للراهن ] فإذا وضعت تحت يدك شاة رهن فولدت فولدها ونسلها للراهن، وللمرتهن فقط أن ينفق عليها ويحلبها، وأما الولد فللراهن [ وعليه سقيه وجميع ما يحتاج إليه لبقائه ] وذلك [ لقوله صلى الله عليه وسلم: (الرهن لمن رهنه، له غنمه وعليه غرمه ) ] فإذا مات فهو المسئول.

    الحادي عشر: إن أنفق المرتهن على الرهن بدون استئذان الراهن فلا حق له بالمطالبة بالقيمة

    [ الحادي عشر: إن أنفق المرتهن على الحيوان ] أو على الدار أو على السيارة [ الرهن بدون استئذان الراهن فلا يرجع به على الراهن ] إلا بعد إذنه [ وإن تعذر استئذانه لبعده مثلاً ] كأن يكون هذا في الصين وهذا في المغرب مثلاً [ فله مطالبته إن أنفق ما أنفقه بنية الرجوع على الراهن، وإلا فلا؛ لأن المتطوع لا يرجع بعمله ] فإن نوى أن يصلح هذا البناء أو هذه السيارة مقابل أن يطالب صاحب الدين فلا بأس بذلك، وإن فعله متطوعاً فلا شيء عليه ولا يطالِب بذلك.

    الثاني عشر: إن خرب الرهن فعمره المرتهن لم يحق له مطالبة الراهن إن لم يستأذنه

    [ الثاني عشر: إن خرب الرهن بأن كان داراً ] تهدمت مثلاً أو تحطمت السيارة أو ماتت الشاة أو الفرس، فإن تهدم الدار [ فعمره المرتهن ] من جديد [ بدون إذن الراهن ] ولم يطلب الإذن أبداً، وإنما فعله بنفسه فقط، ولم يخبر الراهن بشيء [ فلا شيء له يرجع به على الراهن إلا ما كان من آلة خشب أو حجارة؛ إذ يتعذر نزعها ] حينئذٍ [ فإن له الرجوع بها على الراهن ] فإذا ألصق بالبيت باباً أو غيره فله أن يطالب به، وأما أن يهدم البيت ويبنيه ثم يطالب فلا حق له في ذلك.

    الثالث عشر: المرتهن أحق بالرهن إذا مات الراهن أو أفلس

    [ الثالث عشر ] وأخيراً: [ إذا مات الراهن ] الذي وضع عندك سيارة [ أو أفلس ] ولم يبق له مال [ فالمرتهن أحق بالرهن من سائر الغرماء، فإذا حل الأجل باعه واستوفى منه دينه ] سواء سيارة أو بيت أو عمارة [ وما فضل رده ] على الورثة [ وإن لم يف فهو أسوة مع الغرماء في الباقي ] فيأخذ هذا القدر، ويبقى القدر الثاني مع الغرماء يطالبهم به.

    وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

    1.   

    نصيحة عامة

    معاشر المستمعين! قد تقولون -وخاصة العوام-: هذا الكلام لا يفيدنا، ولا نعرفه، وأقول: يجب علينا أن نتعلمه، أما قال الحبيب صلى الله عليه وسلم: ( طلب العلم فريضة على كل مسلم ). والمسلمة تابعة له.

    وهذه الشريعة كما عرفنا فيها الآداب والأخلاق والعبادات، ويجب أن نعرف الأحكام التي فيها الحلال وفيها الحرام، وفيها العدل وفيها الظلم، فلا بد من هذا، وقبل ذلك أنتم مأجورون على جلوسكم وسماعكم، ولو لم تفهموا شيئاً، ولكن لا بد من النية الصادقة؛ لقول الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم: ( من أتى هذا المسجد لا يأته إلا لعلم يعلمه أو يتعلمه كان كالمجاهد في سبيل الله ). فلا بد من النية، فإذا جئت إلى الحلقة لتتعلم كنت كالمجاهد في سبيل الله.

    وشيء آخر أيضاً: من أتى المسجد وصلى المغرب وجلس ينتظر العشاء ليصليها فوالله إن الملائكة لتصلي عليه، اللهم اغفر له، اللهم ارحمه، اللهم اغفر له، اللهم ارحمه، حتى يؤذن العشاء ويصلي ويخرج. وهذا الفضل لن نجده ولن نحصل عليه لا في الأسواق ولا في الدكاكين ولا في المقاهي ولا في الملاهي ولا في الملاعب، ولا في السينما ودور اللهو، ولهذا ألهانا عنه اليهود والنصارى، وعبثوا بنا، وأصبحنا لا نجتمع في بيوت ربنا، وإنما نجتمع في الملاهي والمقاهي والعياذ بالله.

    1.   

    الأسئلة

    حكم تكرار العمرة والإحرام لها من التنعيم في سفر واحد

    السؤال: فضيلة الشيخ! لقد كثرت الأسئلة عن الإحرام من التنعيم لمن أراد أن يأتي بالعمرة؟

    الجواب: اسمعوا وعوا، ومن فهم وعلم فليبلغ، ومن لم يفهم فيطالب بالفهم حتى يفهم. أيما مؤمن أحرم من ميقاته في الشرق أو الغرب أو الشمال أو الجنوب ودخل مكة فاعتمر وفرغ من عمرته، ثم قال: والدي لم يعتمر وقد مات رحمة الله عليه، أو أمي رحمة الله عليها لم تعتمر فيجوز له أن يعتمر عنها، ولو قال: سأرجع إلى بلادي وبعد عام أو شهر أعود وأعتمر عن أمي أو أبي فله ذلك، فليعد إلى بلاده ويسترح شهراً أو شهرين، أو عاماً أو عامين ثم يحرم بالعمرة من ميقاته عن أمه أو أبيه، وهذا ليس فيه خلاف.

    وإن قال: إن عدت إلى مصر أو إلى الشام أو إلى الهند أو إلى باكستان فقد لا أستطيع الرجوع، والنفقة صعبة، والأيام والظروف ليست هينة، فله أن يحرم من الميقات الذي أحرمت منه أم المؤمنين، وإليكم بيان ذلك: حجت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها وأرضاها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخيها عبد الرحمن حجة الوداع، فلما كانوا في الطريق - وكانوا يمشون عشرة أيام على الإبل حتى يصلوا إلى مكة من المدينة- حاضت، فنوت إحرامها بالحج ولم تعتمر، فقد دخلوا مكة واعتمروا وهي حائض، ثم خرجت إلى عرفة حاجة، فلما رجعوا من عرفة إلى منى ورموا الجمرات ونزلوا بمكة ليودعوا ويسافروا، قالت: يعود الناس بحج وعمرة وأنا أعود بحج فقط يا رسول الله؟! ولها حق أن تبكي، فكيف يعود الناس بحج وعمرة وأنا أعود بحج فقط يا رسول الله؟! فقال الرسول الكريم صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم: يا عبد الرحمن ! خذ أختك إلى التنعيم تحرم منه، وتأتي مكة فتطوف وتسعى. وحدد التنعيم لأنه خارج حدود الحرم، فهذا الحرم وذاك المباح الحلال، فالتنعيم ما بين الحرام والحلال؛ إذ لا يجوز الإحرام من داخل مكة، بل لا بد من خارج الحرم، ومكة حرم، والتنعيم أقرب إلى مكة من الحرم، وهو جبل يسمى التنعيم، فاغتسلت وأحرمت من التنعيم، وطافت وسعت، وعادت إلى المدينة فرحة مسرورة رضي الله عنها وأرضاها.

    وبعد هذا لا يجوز لنا أن نقول: لا يجوز لأحد أن يحرم من التنعيم؛ إذ هذا رد على رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولا نقول: ائت من المدينة أو من الطائف أو من الرياض أو من الشام أو من مصر ثم أحرم من التنعيم؛ لأن عائشة أحرمت منه، فهذا لا يقوله ذو علم أو بصيرة أبداً، فلا تتجاوز المواقيت لتحرم من التنعيم، فهذا حرام، ولا يقوله أحد، فافهموا هذا.

    فلا يصح لك أن تتجاوز ميقاتك ثم تقول: سأحرم من حيث أحرمت عائشة ، فـعائشة أحرمت من التنعيم لأنها في مكة وأرادت أن تعتمر، فأذن لها الرسول صلى الله عليه وسلم أن تحرم من التنعيم؛ لأنه من الحل؛ حتى تدخل محرمة. وكونك تقول: أنا لا أحرم من الميقات لا من البحر ولا من الجو وإنما سأدخل مكة وأحرم من التنعيم، فهذا ما قال به أحد من طلبة العلم ولا من الصحابة ولا التابعين ولا الأئمة، ولا يجوز أبداً، ومن فعل ذلك فعليه هدي، ذبح شاة أو صيام عشرة أيام، لكن الذي أحرم وأكمل إحرامه بعمرته أو حجه فإنه يجوز له أن يفعل كما فعلت عائشة ويحرم عن ميته من التنعيم.

    وبعض طلبة العلم قالوا: هذا لا يجوز، ووالله ما هم على علم، بل هم مخطئون. اللهم إلا إذا أراد الرجل أن يحرم عن نفسه بعمرة ثم يزيد عمرة ثانية، فهذا لا ينبغي، ويفعله الجهال، فتجده يعتمر فإذا أكمل عمرته استراح يوماً أو يومين ثم يقول: أزيد عمرة ثانية .. أزيد عمرة ثالثة، ويجلس شهراً يعتمر كل يوم، وهذا قد نهى عنه السلف وأنكروه، ولم يجيزوه أبداً، وأما الذي يحرم عن ميت للضرورة فيحرم من التنعيم ويعتمر عنه، والأجر له ولمن أحرم عنه.

    حكم تجاوز الميقات بدون إحرام لمن أراد الحج أو العمرة

    السؤال: يقول السائل: فضيلة الشيخ! جئت من المغرب للعمرة ونسيت ملابس الإحرام، فدخلت مكة بدون إحرام وأحرمت من التنعيم، فما الحكم؟

    الجواب: عليك أن تعود إلى الميقات لتحرم منه، أو عليك ذبح شاة، أو صيام عشرة أيام إن عجزت؛ لأنك تجاوزت الميقات بدون إحرام، ولا ينفعك الإحرام من التنعيم أبداً.

    حكم انتقاض الوضوء أثناء الطواف

    السؤال: يقول السائل: من انتقض وضوءه في الطواف وذهب للوضوء، فهل يبني على ما فات أو يستأنف من جديد؟

    الجواب: إذا كانت المدة وجيزة بأن ذهبت إلى زمزم وتوضأت بسرعة فأكمل طوافك فقط، وأت بالأشواط الباقية فقط، وأما إذا ذهبت إلى الفندق وطالت المدة فلا، وعليك أن تستأنف الطواف من جديد.

    فضل العمرة في رمضان

    السؤال: يقول السائل: هل العمرة في شهر رمضان لها فضل عن سائر الشهور؟

    الجواب: نعم. العمرة في رمضان أفضل، بدليل قول النبي صلى الله عليه وسلم في تلك المؤمنة التي لم تحج وبكت بين يدي الرسول صلى الله عليه وسلم: ( اعتمري في رمضان؛ فإن عمرة في رمضان تعدل حجة معي ). فعمرة في رمضان تعدل حجة مع النبي صلى الله عليه وسلم، وليس حجاً عادياً، بل حج مع النبي صلى الله عليه وسلم.

    وقد أفتيت فتيا هي مجرد اجتهاد فقلت لرجل دخل مكة في آخر شعبان ولم يعتمر في رمضان: لا بأس اعتمر في رمضان عمرة، والله أسأل أن تكون لك كحجة مع النبي صلى الله عليه وسلم. وهذا مجرد اجتهاد. وتكون في أي يوم من رمضان، سواء في أول رمضان أو في آخره، أو فيه كله.

    حكم دعاء الاستفتاح في صلاة الجنازة

    السؤال: يقول السائل: هل لصلاة الجنازة دعاء استفتاح؟

    الجواب: لا، فتستفتحها بقراءة الفاتحة: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [ الفاتحة:2 ]، أو بما كان أبو هريرة يقول: الحمد لله الذي أمات وأحيا، والحمد لله الذي له الحمد وهو على كل شيء قدير، الله أكبر. فيجوز هذا وهذا، وأما أن تستفتح وتقرأ الفاتحة فهي ليست كالصلاة لا نافلة ولا فريضة، وإنما تستفتح التكبيرة الأولى بذكر الله أو بقراءة الفاتحة، وتكبر التكبيرة الثانية وتصلي على النبي صلى الله عليه وسلم، ثم تكبر التكبيرة الثالثة وتدعو للميت.

    صفات الفرقة الناجية

    السؤال: يقول السائل: من هي الفرقة الناجية؟

    الجواب: سؤال مهم جداً، حدث الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم أصحابه في هذا المسجد المبارك فقال متأسفاً: (افترقت اليهود إلى إحدى وسبعين فرقة، وافترقت النصارى إلى اثنتين وسبعين فرقة، وستفترق هذه الأمة إلى ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة ففي الجنة، فقام رجل وقال: من هي الفرقة الناجية يا رسول الله!)، أي: من الثلاث والسبعين فرقة، فالمسلمون سيفترقون إلى ثلاث وسبعين فرقة، ( فقال صلى الله عليه وسلم: هم الذين يكونون على ما أنا عليه اليوم وأصحابي ). عقيدة وعبادة وآداباً وأخلاقاً وأحكاماً وقضاءً.

    فلهذا من خالف ما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم هلك، ومن خالف ما كان عليه أصحابه وأولادهم وأحفادهم هلك والعياذ بالله، فلهذا نقول: قل: أنا مسلم أعمل بكتاب الله وسنة الرسول صلى الله عليه وسلم، ولا تقل أنا كذا ولا كذا ولا كذا، بل قل: أنا مؤمن .. أنا مسلم، فدلني كيف أصلي، وكيف كان الرسول يصلي، وكيف كان يدعو، وكيف كان يصوم، حتى أفعل ذلك، فأنا تابع للرسول صلى الله عليه وسلم، وبهذا تنجو وتسعد وتكمل في الدنيا والآخرة، ومن قال: لا، أنا حنفي .. أنا مالكي .. أنا زيدي .. أنا أباضي .. أنا شيعي، فكل هذه أباطيل وترهات، وصاحبها قد يخرج من دائرة النجاة والعياذ بالله.

    فلما سئل رسول الله من هم الناجون؟ قال: ( هم الذين يكونون على ما أنا عليه اليوم وأصحابي ). في العقيدة .. في العبادة .. في الأدب .. في الأخلاق .. في القضاء والحكم، ومن خالفهم وتعمد خلافهم فهو والله في جهنم، وتقريراً لهذه الحقيقة أقسم الرب تبارك وتعالى بسبعة أقسام، فقال: وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا * وَالْقَمَرِ إِذَا تَلاهَا * وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا * وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا * وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا * وَالأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا * وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا [الشمس:1-8]. هذه سبعة أيمان، أقسم بها على قوله: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا [الشمس:9-10]. فقد أفلح من زكى نفسه وطيبها وطهرها، وفلاحه نجاته من النار ودخوله الجنة دار الأبرار، وقد خاب وخسر بدخوله النار من دسى نفسه، وخبثها ولوثها وعفنها بأوضار الشرك والكفر والفسق والفجور.

    وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.