إسلام ويب

سلسلة منهاج المسلم - (149)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الإجارة عقد لازم على منفعة مدة معلومة بثمن معلوم، وقد دل على جوازها الكتاب والسنة، ويشترط فيها معرفة وإباحة المنفعة، ومعرفة الأجرة، كما أن لها أحكاماً كثيرة وتفاصيل مبثوثة في ثنايا هذه المادة..

    1.   

    الإجارة

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، ثم أما بعد ..

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذه الليلة؛ ليلة الخميس من يوم الأربعاء ندرس كتاب منهاج المسلم، ذلكم الكتاب الحاوي -أي: الجامع- للشريعة الإسلامية بكاملها عقيدة وآداباً وأخلاقاً وعبادات وأحكاماً، وقد انتهى بنا الدرس إلى الأحكام، فهيا بنا نتدارس حكماً من تلك الأحكام.

    [المادة الرابعة: في الإجارة].

    تعريف الإجارة

    [أولاً: تعريفها: الإجارة هي عقد لازم على منفعة مدة معلومة بثمن معلوم] هذا هو تعريف الإجارة، عقد لازم على منفعة مدة معلومة بثمن معلوم. مثل أن أقول: خذ هذا الثوب خطه لي. فإن أخاطه أعطيته عليه أجرة، وهذا في مدة معلومة، والقيمة معلومة كذلك. فالإجارة هي عقد من العقود لازم.

    على ماذا هذا العقد؟ على منفعة يستفيدها صاحب الإجارة، وهي معلومة بثمن معلوم.

    حكم الإجارة

    [ثانياً: حكمها: الإجارة جائزة؛ وذلك لقوله تعالى: لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا [الكهف:77]] جاء في كتاب الله: لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا [الكهف:77] [وقوله تعالى: إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ [القصص:26]] وهذه قضية شعيب وبناته مع موسى: قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ [القصص:26] وهو موسى عليه السلام. هذا دليل أيضاً.

    وثالث دليل: [ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ [القصص:27]] قالها شعيب لموسى: عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ [القصص:27] أن يرعى الغنم مقابل تزويجه أحد بناته.

    [وقول الرسول صلى الله عليه وسلم: ( قال الله عز وجل )] ماذا قال؟ [( ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة )] يقول الرسول الكريم: ثلاثة أنفار من أمتي أنا خصمهم يوم القيامة -والعياذ بالله- من هؤلاء الثلاثة؟ [( رجل أعطى بي ثم غدر )] هذا الرجل يكون الرسول خصمه؛ لأنه أعطى باسم الله ثم غدر [( ورجل باع حراً فأكل ثمنه )] والحر لا يباع، بل يباع المملوك، أيام كانت المماليك، وهذا الرجل باع حراً وأكل ثمنه، فمن يكون خصمه؟ الرسول صلى الله عليه وسلم يوم القيامة [( ورجل استأجر أجيراً )] وهذا محل الشاهد [( فاستوفى منه عمله ولم يوفه أجره )] فالرسول خصمه يوم القيامة. وهذا الثالث معناه: أن رجلاً استأجر أجيراً فاستوفى له الأجير عمله ولكن لم يوفه أجره، أي: لم يعطه الأجرة.

    والدليل الثالث: [ولاستئجاره صلى الله عليه وسلم مع أبي بكر ] استأجر الرسول أجيراً مع أبي بكر من مكة إلى المدينة يدلهم على الطريق بأجرة معينة [في هجرتهما رجلاً خريتاً] أي: جغرافياً يعرف الطرق والمسالك [من بني الديل] أي: من قبيلة بني الديل [يرشدهما إلى دروب المدينة ومسالكها].

    فالرسول عليه الصلاة والسلام استعمل الأجرة مع أبي بكر حين استأجر رجلاً خريتاً يعرف الطرق، وأعطاه أجراً على أن يدلهم على الطريق إلى المدينة.

    هذه أدلة على أن الاستئجار جائز، والأجرة أخذها جائز، ولكن مع شروط. فحكم الإجارة جائز، مثل استئجار بيت أو سيارة ليس في ذلك شك، ولكن لا بد من معرفة شروطها وأحكامها.

    1.   

    شروط الإجارة

    [ثالثاً: شروطها].

    أولاً: معرفة المنفعة

    [أولاً: معرفة المنفعة] التي من أجلها استأجرت [كسكنى الدار أو خياطة الثوب مثلاً] كأن تعطيه ثوباً ليخيطه [إذ هي كالبيع، والبيع لا بد فيه من معرفة المبيع] فإذا أجرتك داراً لا بد وأن تعرفها وترى ما فيها، وهل تتسع لك أو لا تتسع؟ وإن أعطيتك ثوباً لتخيطه لا بد وأن تخيطه كما هو.

    إذاً: معرفة المنفعة التي من أجلها استأجرنا كسكنى الدار؛ فأنا أجرتك هذه الدار للسكنى؛ أي: لتسكن فيها، أو خياطة الثوب، فأنا أعطيتك ثوباً لتخيطه فالعلة هي الخياطة، إذ هي كالبيع والبيع لا بد فيه من معرفة المبيع، فإذا بعتك سيارة أو داراً أو أمة فلا بد وأن تعرفها قبل البيع.

    ثانياً: إباحة المنفعة

    [ثانياً: إباحة المنفعة] فلو استأجرت أمة لتزني بها فلا يجوز، أو داراً لتبيع فيها الخمر أو تفتح فيها باباً للزنا فلا يجوز، لا بد وأن يكون المستأجر مباحاً.

    [فلا يجوز استئجار أمة للوطء] وهذا أيام كانت الإماء موجودة، فيستأجرها يومين أو ثلاثة للوطء، وهذا كنكاح المتعة والعياذ بالله [أو امرأة للغناء] أو للبكاء أو للنياحة، فلا يجوز استئجار امرأة مغنية للعرس؛ لأن الغناء حرام فكيف تستأجر امرأة للغناء؟! كذلك إن كانت امرأة معروفة بالنوح والبكاء والصراخ، كأن يموت لك ولد فتقول: تعالي يا فلانة ابكِ عندنا ولكِ من الأجر كذا. فيستأجرها للبكاء، وهذا لا يجوز.

    فلا بد من إباحة المنفعة التي من أجلها استأجرنا، فلا يجوز استئجار أمة للوطء، أو امرأة للغناء أو النوح مثلاً.

    [أو أرضاً لتبني كنيسة] لا يجوز كذلك [أو مخمرة] أو دار بغاء وزنا.

    ثالثاً: معرفة الأجرة

    [ثالثاً: معرفة الأجرة] كم وما هي؟ [لقول أبي سعيد رضي الله عنه: ( نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن استئجار الأجير حتى يبين له أجره )] فإذا استأجرت من يبني أو من يهدم لا بد وأن تعلمه بالأجرة، ليس أن يشتغل يومين أو أسبوعاً وهو لا يدري، فلا بد من معرفة الأجرة، فأنت تعرفها والأجير يعرفها، فلا يقول: أعطني ألفاً، فتقول: لا. نعطيك مائة! فلا بد من معرفة الأجرة من الجانبين؛ لقول أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: ( نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن استئجار الأجير حتى يبين له أجره ) أي: ما يستحقه في اليوم أو في الشهر.

    1.   

    أحكام الإجارة

    [رابعاً: أحكامها].

    أولاً: جواز استئجار معلم لتعليم علم أو صناعة

    [أولاً: جواز استئجار معلم لتعليم علم أو صناعة] والدليل: [لمفاداة النبي صلى الله عليه وسلم بعض أسرى بدر بتعليمهم عدداً من صبيان المدينة الكتابة].

    فإذا استأجرت لابنك أو لأخيك أو لأهل القرية من يعلمهم علماً أو صناعة فهو جائز، والدليل: مفاداة النبي صلى الله عليه وسلم بعض أسرى مكة في بدر بتعليمهم عدداً من صبيان المدينة الكتابة، يعني ما كان عندهم مال يفدون به أنفسهم، فكلفهم بتعليم الكتابة لأولاد المدينة، وهذا استئجار للتعليم. فقد كان هناك سبعين أسيراً في بدر، بعضهم كان عنده مال فدى نفسه، وبعضهم ما كان عنده، فكيف يفدي نفسه؟ قال الرسول: تعال علم أولادنا الكتابة ونعطيك أجرة.

    ثانياً: جواز استئجار الشخص بطعامه وكسوته

    [ثانياً: جواز استئجار الشخص بطعامه وكسوته] كأن تستأجر شخصاً ليعمل عندك مقابل الطعام والشراب، تقول له: تعال كل واشرب عندنا وارع الغنم أو احرس كذا.. أو مقابل أن يأكل ويشرب وتكسوه أيضاً، وقد استأجر شعيب موسى -عليهما السلام- على هذا.

    [لقوله صلى الله عليه وسلم وقد قرأ: طسم [الشعراء:1] حتى بلغ قصة موسى، فقال: ( إن موسى آجر نفسه ثماني حجج )] أي: ثماني سنوات [(أو عشراً على عفة فرجه وطعام بطنه )] حتى يتزوج بنت شعيب فلا يفجر، وعلى طعامه وشرابه. ومعناه: جواز استئجار الشخص بالأكل والشرب واللباس ولا حرج أن يفعل كذا وكذا وكذا.

    فالإنسان بم يستأجر؟ بطعامه وشرابه وكسوته، وعلى ماذا؟ على أن يحفر أرضاً أو يبني أو يغرس.. على حسب الحاجة. والدليل من السنة: قوله صلى الله عليه وسلم وقد قرأ صلى الله عليه وسلم: طسم [الشعراء:1] حتى بلغ قصة موسى، فقال: ( إن موسى آجر نفسه ثماني حجج أو عشراً على عفة فرجه وطعام بطنه ).

    ثالثاً: صحة استئجار دار إلى مدة معينة يغلب على الظن بقاؤها إليها

    [ثالثاً: صحة استئجار دار إلى مدة معينة يغلب على الظن بقاؤها إليها] أي: إلى تلك الأجرة. فعليك أن تستأجر داراً يغلب على ظنك أن بقاءها لازم فلا تنهدم ولا تسقط ولا غيره، فلا تستأجر داراً قد تهدمها غداً البلدية مثلاً، فلا بد من هذا العلم.

    رابعاً: إذا أجره شيئاً ثم منعه من الانتفاع به مدة سقط من الأجرة بقدر مدة المنع

    [رابعاً: إذا أجره شيئاً ثم منعه من الانتفاع به مدة سقط من الأجرة بقدر مدة المنع، وإن ترك المستأجر الانتفاع من نفسه فعليه الأجرة كاملة] أي: إذا أجره شيئاً ثم منعه من الانتفاع به مدة، سقط من الأجرة بقدر المدة التي منعه فيها من الانتفاع بالعين المؤجرة، فإذا أجره سيارة -مثلاً- ثم أوقفها عنده أربعة أيام أو سبعة فلم يأخذها ولم يركبها، فعندما يدفع الإيجار يدفع مقدار الأيام التي اشتغل فيها فقط، أما المدة التي لم يعمل فيها فلا يدفع أجرتها.

    أو أجره -مثلاً- قلماً ليكتب به ثم منعه من الانتفاع به، أو أجره داراً، ثم قال له: أجرتك هذه الدار لكن لا تسكنها إلا بعد سبع سنين أو سبعة أشهر أو سبعة أيام، فحدد له موعداً، فإنه يسقط من الأجرة بقدر ذلك القدر الذي منعه.

    أو أجره بستاناً ثم منعه من الانتفاع بالذي آجره مدة كشهر أو شهرين أو ثلاثة، سقط من الأجرة التي كانت ألفاً مثلاً لتصبح سبعمائة، أي: بقدر المدة التي منعها، وهكذا إذا منع يوماً أو يومين أو أسبوع؛ وإن ترك المستأجر الانتفاع من نفسه فعليه الأجرة كاملة.

    خامساً: تفسخ الإجارة بتلف العين المؤجرة

    [خامساً: تفسخ الإجارة بتلف العين المؤجرة] أي: تبطل بتلف العين التي أجرت (المؤجرة) [كسقوط الدار] إذا استأجر داراً ثم سقطت [أو موت الدابة مثلاً] كأن يستأجر بقرة أو حماراً أو بعيراً ليركبه ثم يموت [وعلى المستأجر أجرة المدة السابقة التي انتفع فيها بالعين المؤجرة] فلا بد وأن يدفع الأجرة للفترة التي استغلها فيها.

    إذاً: تفسخ الإجارة بتلف العين المؤجرة كسقوط الدار أو موت الدابة مثلاً، وعلى المستأجر أجرة المدة التي انتفع فيها بالعين المؤجرة؛ فإذا استأجر داراً وجلس فيها شهرين ثم سقطت، دفع أجرة الشهرين التي سكنها فقط، لا بد وأن يدفع هذا القدر، أو استرجع أجرته ساقطاً منها مقابل السكن الذي سكنه.

    سادساً: من استأجر شيئاً فوجده معيباً فإن له الفسخ

    [سادساً: من استأجر شيئاً فوجده معيباً فإن له الفسخ ما لم يكن قد علم بالعيب ورضي به ابتداء] من استأجر شيئاً من الأشياء فوجد فيه عيباً حق له فسخ تلك الإجارة، ما لم يكن قد علم بالعيب ورضي به ابتداء؛ فإذا استأجرت سيارة وأنت لا تدري أن فيها عيباً حق لك أن تأخذ ما قدمته، أما إن كنت تعلم أن فيها عيباً ورضيت بالأجرة فيجب أن تسددها.

    [وإن انتفع بالمؤجر مدة فعليه أجرتها] من استأجر شيئاً: كدابة أو سيارة -أو قل ما شئت- ووجد فيه عيباً أو نقصاً فإن له فسخ هذه الأجرة، اللهم إلا إذا كان قد علم بهذا العيب قبل الاستئجار فلا يحق له النقض، وإن انتفع بالمؤجر مدة فعليه أجرتها، فإذا استأجر منزلاً وسكن فيه شهرين أو ثلاثة ثم تبين له العيب فيه بعد ذلك فله أن يسترجع دون أجرة الشهر أو الشهرين التي سكن فيها.

    سابعاً: الأجير المشترك كالخياط والحداد يضمن ما أتلفه بفعله

    [سابعاً: الأجير المشترك كالخياط والحداد يضمن ما أتلفه بفعله] فإذا أعطيت الخياط ثوباً ليخيطه لك أو سروالاً ثم أتلفه بفعله هو أو بضياعه كان ضامناً، أما إذا دخل سارق وأخذ البضائع فصاحب الدكان مصاب لا ضيع ولا فرط [لا ما ضاع من دكانه] فهذا الدكان أو هذا المصنع إذا سرق أو أخذ منه شيء بدون إرادة من صاحبه فليس عليه شيء، ولا يطالب، لم؟ [لأنه حينئذ يكون كالوديعة، والودائع لا تضمن].

    فإذا تركت عندك هذا الثوب أو هذه السيارة لتحفظها لي حتى أجيء ثم ضاعت فإنك لا تضمن أبداً وديعة من الودائع، أو استودعتك مالاً في جيبك ثم ضاع أو أخذ منك فلا تؤديه، بل هو وديعة تراعها ما استطعت فإن أخذت بدون إرادتك فليس عليك شيء.

    فالخياط أجير مشترك مع الناس كلهم، والحداد كذلك يصنع للناس كلهم، وهذا وذاك يضمن ما أتلفه بفعله هو لا ما ضاع من دكانه؛ لأنه حينئذ يكون كالوديعة، والودائع لا تضمن [ما لم يفرط صاحبها] أما إذا ترك بابه مفتوحاً مثلاً فلا بد وأن يضمن، لكن إذا كان متحفظاً حارساً ثم غُلب فلا شيء عليه، فإذا استودعتك ألف ريال ثم ضاعت منك فلا شيء عليك، أما إذا أهملت أو فرطت فلا بد وأن تضمن.

    [والأجير الخاص كمن استأجر شخصاً يعمل عنده خاصة، لا ضمان عليه فيما أتلفه ما لم يثبت أنه فرط أو تعدى] فإذا استأجرت أجيراً ليعمل عندك ثم أضاع شيئاً فلا ضمان عليه، إلا إذا تعين أنه أراد بذلك الضياع والتفريط فلا بد وأن يوافى ويؤخذ من أجرته.

    إذاً: الودائع لا تضمن ما لم يفرط صاحبها، والأجير الخاص كمن استأجر شخصاً ليقود سيارة أو يركب دابة لا ضمان عليه فيما أتلفه، ما لم يثبت حقاً أنه فرط أو تعدى، أي: فرط في تلك الأمانة التي يعملها واعتدى عليها.

    ثامناً: تلزم الأجرة بالعقد ويتعين دفعها بعد استيفاء المنفعة أو تمام العمل

    [ثامناً: تلزم الأجرة بالعقد ويتعين دفعها بعد استيفاء المنفعة أو تمام العمل] فإذا عملت ساعات بعقد تعين دفع الأجرة بعد استيفاء المنفعة أو تمام العمل [إلا أن يكون قد اشترط دفعها عند العقد] إلا إذا اشترط دفع القيمة عند العقد فله ذلك [لحديث النبي صلى الله عليه وسلم: ( لكن العامل إنما يوفى أجره إذا قضى عمله )] فإذا اشترطتُ عند العقد أن تدفع لي الأجرة حالاً فلا حرج، فالأجرة تلزم بالعقد الذي يتم بين المستِأجر والمستَأجر.

    فالأجرة يتعين دفعها بعد استيفاء المنفعة أو تمام العمل، أي: ليس من أول يوم يعمل فيه اللهم إلا أن يكون قد اشترط دفعها عند العقد، فإذا اشترط ووافق المستأجر جاز ذلك؛ لحديث النبي صلى الله عليه وسلم: ( لكن العامل إنما يوفى أجره إذا قضى عمله ) أي: فرغ منه.

    تاسعاً: للمستأجر حبس العين حتى يستوفي أجره

    [تاسعاً: للمستأجر حبس العين حتى يستوفي أجره إذا كان عمله ذات تأثير في العين كالخياط مثلاً] يحق للمستأجر أن يحبس العين كثوب مثلاً حتى يستوفي أجرته إذا كان عمله ذات تأثير في العين [وإن كان لا تأثير فيه] في تلك المادة [كمن أُجِّر على حمل بضاعة إلى مكان كذا فليس له حبسها بل يوصلها إلى محلها ويطالب بالأجرة].

    إذاً: للمستأجر حبس العين، أي: المادة أو الثوب أو البضاعة أو الحيوان حتى يستوفي أجره، وهذا إذا كان العمل ذا تأثير في تلك الذات كالخياط مثلاً، ليس أنه تأخير في خياطته، وإن كان لا تأثير فيه كمن أُجر على حمل بضاعة إلى مكان كذا فليس له حبسها بل يوصلها إلى محلها ويأخذ أجرته، أي: ليس له أن يقف في الطريق.

    عاشراً: من عالج أو داوى مريضاً بأجرة فأتلف شيئاً فعليه ضمانه

    [عاشراً: من عالج أو داوى مريضاً بأجرة] كالأطباء [ولم يكن قد عرف بالطب] أي: لم يكن قد عرف بين الناس أنه طبيب حقيقة، ولكنها دعوى فقط [فأتلف شيئاً فعليه ضمانه] فإذا ادعى أنه طبيب ثم قدمت له وجهك لأن عينيك كمريضة فأعماها فهو الضمان. هذا إذا تبين أنه يدعي الطب وليس بطبيب.

    إذاً: من عالج أو داوى مريضاً بأجرة ولم يكن قد عرف بالطب فأتلف شيئاً أو أفسده فعليه ضمانه لماذا؟ [لقوله صلى الله عليه وسلم: ( من تطبب ولم يعلم منه طب فهو ضامن )] أي من ادعى الطب، وما عرف أنه طبيب فهو ضامن لما أتلفه من العين أو الرجل أو غيرها ..

    نكتفي بهذا القدر، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

    1.   

    الأسئلة

    عذاب الميت ببكاء أهله عليه

    السؤال: يقول السائل: فضيلة الشيخ! هل صحيح أن الميت يعذَّب ببكاء أهله عليه؟

    الجواب: إي نعم، إذا كان أوصاهم بذلك وأعطى أجرة لنائحة لتبكي عليه، فإنه يعذب ببكاء أهله، أما إذا ما وصى ولا أذن ولا أمر ثم هم بكوا من أنفسهم فهم الآثمون وهو بريء ولا إثم عليه.

    فإذا وصاهم وأمرهم بأن تبكي عليه فلانة فهو آثم آثم آثم، وإذا كان ما وصى ولا أمر ولا كان يرضى بذلك فلا إثم عليه، والآثمون هم الباكون.

    سماع الأموات لمن يلقي عليهم السلام وردهم عليه

    السؤال: يقول السائل: فضيلة الشيخ! هل إذا دخلت البقيع وسلمت على أهل البقيع يردون السلام؟ وهل يشعرون بالذين يزورونهم؟

    الجواب: إي نعم، يعلمون ويردون ويفرحون، فأرواحهم في الجنة، والاتصال بين القبر والروح متصل كالكهرباء الآن ولا حرج، فأيما مؤمن يسلم على أهل مقبرة إلا عرفوا وردوا عليه السلام.

    حكم صنع أهل الميت للطعام وتقديمه للزائرين والمعزين

    السؤال: يقول السائل: فضيلة الشيخ! هل يجوز لأهل الميت أن يصنعوا طعاماً للذين يأتون للعزاء؛ لأنني سمعت حديث النبي صلى الله عليه وسلم: ( اصنعوا لآل جعفر طعاماً

    الجواب: لا يجوز؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( اصنعوا لآل جعفر طعاماً )، فلما استشهد جعفر في تبوك قال الرسول لقومه ولإخوانه: ( اصنعوا لآل جعفر طعاماً فقد جاءهم ما يشغلهم ).

    أقول: إذا كان جيرانك وأحباؤك وإخوانك هم الذين صنعوا الطعام للزوار والمعزين فلا حرج، أما أن تقوم أنت صاحب الميت بهذا فقد كلفت نفسك ما لم تكلف، ولا تفعل.

    حكم إهداء ثواب الطواف بالبيت للميت

    السؤال: يقول السائل: هل يجوز للإنسان أن يطوف بالبيت ويهدي أجر هذا الطواف لوالديه؟

    الجواب: لا يجوز لا يجوز، والذي يجوز كلما طفت شوطاً ادع لمن تريد بالجنة والنجاة من النار، أما أن تهب له أجر هذا الطواف فأنت لم تملكه حتى تهبه، أنت تتوسل إلى الله، فإذا طفت ادع للميت بالمغفرة والرحمة.

    حكم الأذان والإقامة على النساء

    السؤال: سائل كريم يقول: هل يشرع للنساء في بيوتهن أذان وإقامة للصلاة؟

    الجواب: لا يشرع. الأذان من أجل أن يسمع الناس فيحضروا، والإقامة حتى يقوموا ويحضروا، فالمرأة تقيم الصلاة ولا حرج، أما الأذان فلا داعي له، وصوتها ممنوع لا يسمع فكيف ترفع الصوت بالأذان؟ لا يجوز لا يجوز.

    مكان تأدية الرجل للصلاة حال فواتها مع جماعة المسجد

    السؤال: يقول السائل: إذا فاتت الرجل الصلاة في المسجد مع الجماعة فهل يصليها في المسجد أم في البيت؟

    الجواب: تصليها في المسجد لا في بيتك، فإذا كنت لم تخرج من بيتك بعد وعلمت أن المسجد انتهى والصلاة انتهت فصلِّ في بيتك، أما وقد جئت من بيتك إلى المسجد فخطواتك محسوبة لك بالأجر، فتدخل إلى المسجد وتصلي، وقد يجيء من يصلي معك، أو قل لأحدهما: قم صلِّ معي -ولا حرج- ممن صلوا حتى تكون جماعة.

    حكم صلاة المنفرد خلف الصف

    السؤال: يقول السائل: ما حكم صلاة المنفرد خلف الصف؟

    الجواب: إن كان في إمكانه أن يدخل في الصفوف ويصلي معهم ورفض ذلك وأبى فصلاته باطلة، وإن كان لم يجد مكاناً والصفوف ممتلئة وما جاء أحد معه وصلى منفرداً فصلاته -والله- صحيحة؛ لأن الرسول حدد، ووالله لو ما قال هذا الكلام لكان أصحاب الغنى واللباس الجميل كلهم يصلون وحدهم لا مع الصفوف. أيكون ثياب وعطر وغنى ثم يدخل مع الفقراء والمساكين؟! لن يقبل هذا وسوف يصلي وحده، فمن ثمَّ منع هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلا بد وأن تصلي مع الصفوف فقراء كانوا أو مرضى أو قل ما شئت.

    مداخلة: وكيف يدخل إلى الصف؟

    يستأذن بلمسة فإذا استجاب فبها ونعمت، أما بالعنف فحرام عليه، بل يمسه من كتفه ليفهم الآخر، فإن تراجع معه رجع والآخرون ضموا أنفسهم إلى بعضهم، أما أن يقول: تعال معي صلِّ فلا يجوز هذا.