إسلام ويب

سلسلة منهاج المسلم - (12)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • أدلة وجوب الإيمان بالأنبياء والرسل كثيرة وجلية، وأفضلية نبينا محمد صلى الله عليه وسلم على سائر الأنبياء واضحة في حديث الشفاعة في المحشر حين يعتذر أولو العزم ويشفع محمد صلى الله عليه وسلم في الموقف ليقضى بين الخلائق، كما أن الأدلة النقلية على رسالة محمد صلى الله عليه وسلم سواء في التوراة أو الإنجيل كلها شاهدة على صدق نبوته.

    1.   

    ثمار العقيدة الإسلامية الصحيحة

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذه الليلة ليلة الخميس من يوم الأربعاء ندرس كتاب منهاج المسلم، وها نحن مع العقائد.

    وهنا أذكر الناسين وأعلم غير العالمين: أن العقيدة الإسلامية الصحيحة هي بمثابة الروح للجسد، فاقدها ميت، ومالكها حي، ومن ملكها مع ما فيها من تقديم أو تأخير أو زيادة أو نقصان فهو كالمريض، فالعقيدة الإسلامية التي مصدرها قال الله جل جلاله قال رسوله صلى الله عليه وسلم هي العقيدة التي كان يعيش عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه وأبناؤهم وأحفادهم في القرون الذهبية الثلاثة، وتلك العقيدة بمثابة الروح للجسد، صاحبها حي، يسمع ويبصر، ويقول ويأخذ ويعطي، وفاقدها كالميت.

    والبرهنة والدليل على هذا: أن أهل الكتاب من يهود ونصارى إذا كانوا يعيشون تحت ظل راية لا إله إلا الله محمد رسول الله -أي: كانوا أهل ذمة، وأهل الذمة يعيشون بين المسلمين- فهؤلاء -أهل الذمة- لا يكلفون أبداً فإذا أهل هلال رمضان لا يقال لهم: صوموا؛ لأنهم أموات.

    وإذا نادى منادي الله أن: حي على الصلاة لا يقال له: صل يا عبد الله! لأنه ميت.

    وإذا حان وقت الزكاة لا يقال له: هات زكاتك يا عبد الله! لأنه ميت.

    وهذا أكبر دليل على أن فاقد العقيدة الإسلامية كالميت، لا يؤمر ولا ينهى، وهو لا يسمع ولا يبصر أيضاً، هذه العقيدة إذا داخلها ما داخلها من تأويلات وتحريفات -عرفت عند المعتزلة وغيرهم- فصاحبها كالمريض، يسمع أحياناً ولا يقدر أحياناً أخرى، ويعطي في وقت ويعجز في الوقت الآخر، شأنه شأن المريض، لما كان قادراً صلى قائماً، فلما مرض صلى قاعداً؛ لمرضه. ومعنى هذا: أنه يجب أن تكون عقيدتنا عقيدة رسولنا صلى الله عليه وسلم.

    وإليكم البرهنة القاطعة: كان صلى الله عليه وسلم يوماً في هذا المسجد النبوي يعلم أصحابه الكتاب والحكمة ويزكيهم، فقال لهم مخبراً ومعلماً: ( لقد افترق اليهود إلى إحدى وسبعين فرقة كلها في النار، وافترق النصارى إلى اثنتين وسبعين فرقة، وستفترق هذه الأمة إلى ثلاث وسبعين فرقة ). بزيادة فرقة عن النصارى، وفرقتين عن اليهود، ومن أراد أن يطلع على هذه الفرق فرقة بعد أخرى في قائمتين فليراجع تفسير القرطبي من سورة آل عمران عند قول الله تعالى: وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ [آل عمران:103]، يجد قائمة بأسماء الفرق التي تنتسب إلى الإسلام، وهي فرق باطلة.

    فقال: ( كلها في النار )، أي: الثلاثة والسبعين ( إلا واحدة ففي الجنة ). اللهم اجعلنا منهم! ( فقال قائل: من هي الفرقة الناجية يا رسول الله! أو من هم الناجون؟ ) واحفظ الجواب. ( قال: هم الذين يكونون على ما أنا عليه اليوم وأصحابي ). لا رافضية ولا زيدية، ولا معتزلة ولا ماتريدية ولا أشعرية، بل ما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فتلك هي العقيدة الإسلامية.

    فلما سأله: من هم يا رسول الله! الناجون؟ فأجاب فداه أبي وأمي وصلى الله عليه ألفاً وسلم: ( هم الذين يكونون على ما أنا عليه اليوم وأصحابي ) فاعمل يا عبد الله! واعملي يا أمة الله! أن تكون عقيدتك كعقيدة رسول الله صلى الله عليه وسلم، بلا زيادة ولا نقصان.

    1.   

    أركان العقيدة الإسلامية

    هذا وقد علمنا أن أركان العقيدة الإسلامية ستة، وواجب كل مؤمن ومؤمنة أن يحفظها، وأن يفهم معناها، وأن يعتقدها، ولا تنحل عقدتها حتى الموت.

    أركان العقيدة الإسلامية ستة، وهي: الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره. كم ركناً هذه؟ ستة. جاءت في القرآن الكريم خمسة أركان في سورة البقرة، والسادس في سورة القمر، وجاءت في حديث جبريل، وهو من أصح الأحاديث في رواية مسلم وغيره، لما كان الرسول جالساً بين أصحابه يعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم إذ أتى جبريل في صورة دحية بن خليفة الكلبي ، وكان من أجمل الناس وأحسنهم هيئة، وشق الصفوف وجلس بين يدي رسول الله، متنكراً للناس، ثم أسند ركبتيه إلى ركبتي الرسول ووضع يديه على فخذيه، وسأله: ما الإسلام؟ ما الإيمان؟ ما الإحسان؟ ما الساعة، فأجابه الحبيب صلى الله عليه وسلم عن كل أسئلته، إلا عن الساعة اعتذر وقال: ( ما المسئول عنها بأعلم من السائل )، أي: أنا وأنت سواء؛ إذ علمها عند الله، ثَقُلَتْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ [الأعراف:187]. لا تأتينا إلا بغتة.

    ودرسنا الركن الأول والثاني والثالث، وها نحن مع الركن الرابع، وهو الإيمان بالرسل،

    1.   

    وجوب الإيمان بالأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام

    وقد علمنا أن عدد الرسل الذين أرسلهم الله إلى أقوامهم وأممهم عددهم (314) رسولاً، أولهم نوح عليه السلام، وخاتمهم نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، عرفنا هذا ويجب علينا أن نعرفه.

    أما عدد الأنبياء فهم (124000) ونحن لسنا مأمورين بالإيمان التفصيلي بهم، بل مأمورون بالإيمان الإجمالي، فكل نبي نؤمن به نبياً من الله، وكل رسول نؤمن به رسولاً من الله، إلا من ذكروا في القرآن بأسمائهم فيجب أن نعرفهم بأسمائهم، و(18) منهم في سورة الأنعام، وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ [الأنعام:83]، إلى قوله: الْعَالَمِينَ [الأنعام:86]. (18)، والباقي (7) موزعون في القرآن، والمجموع (25)، فيجب معرفتهم، ونعرفهم بسؤال أهل العلم، فاجلس إلى عالم وقل له: حفظني هذه الأسماء لأحفظها. أو دلني أين توجد؟ يدلك.

    1.   

    ذكر أولي العزم من الأنبياء وبيان مواقفهم في عرصات القيامة

    وعلمنا أن أولي العزم منهم خمسة، وتضمنتهم آية من سورة الأحزاب، إذ قال تعالى: وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا [الأحزاب:7]. (منك) الكاف ضمير يعود على رسول الله، فهو الذي يخاطبه الله ويوحي إليه وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ [الأحزاب:7] على هذا الترتيب.

    وفي حديث عرصات القيامة المشهور: لما يطول الموقف بالبشرية وهي على صعيد واحد، والعرق من أعقابهم إلى ركبهم.. إلى أنصافهم.. إلى أفواههم، يذهبون إلى آدم، وقد أخبرنا بهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويستحيل أن يكذب على الله، بل هو يتلقاه من الله.

    (يا آدم! يا أبا البشر! خلقك الله بيديه ونفخ فيك من روحه وأسجد لك ملائكته، اسأله)، اطلب منه (أن يقضي بيننا) وينتهي هذا الموقف الصعب، والله يعتذر آدم، ويقول: (إن ربي قد غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله ولا بعده مثله) وكيف أخاطبه؟ (ويذكر خطيئته). استحى من الله أن يقول: رب! عبيدك يطالبون بأن تقضي بينهم! ذكر خطيئته، وهي أكله من الشجرة التي نهي عنها، خطيئة واحدة، فما قتل نفساً ولا أكل مال أحد، وإنما نهي عن الأكل من شجرة معينة، فزين له الشيطان أكلها وغرر به، فأكل منها فأبعد من دار السلام، فيقول: (عليكم بنوح) .

    اعتذار نوح عليه السلام من الشفاعة

    (فيأتون نوحاً عليه السلام، فيعتذر ويذكر خطيئته ) وقد مكث ألف سنة إلا خمسين سنة، قضاها نبياً ورسولاً، ما أخطأ فيها خطأً إلا مرة واحدة، (950) عاماً وهو يعبد الله، وخطيئته أفضل من إصاباتنا، وهي لما دعا وقال: رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا [نوح:26]، ما أراد الله ذلك، فقد يخرج من أصلابهم المؤمنين والمؤمنات، فلم تدعو عليهم جميعاً بالهلاك؟ يذكر هذا فيستحي من الله أن يخاطبه، فيقول: ( عليكم بإبراهيم).

    اعتذار إبراهيم عليه السلام من الشفاعة

    ( فيأتون إبراهيم ) وإبراهيم خليل الرحمن وأبو الأنبياء، فيعتذر ويذكر غضب الله، ويقول: كيف أكلمه أو أخاطبه وقد كذبت ثلاث كذبات؟

    وقد عاش عليه السلام مائة وعشرين سنة أو أكثر، ونحن نكذبها في اليوم الواحد ثلاثاً إلا من رحم الله، وكذباته خير من صدقنا؛ إذ كذب لله ولم يكذب لنفسه.

    وأول كذبة: أنه لما كان مع قومه المشركين البابليين - بابل العراق- وكان الوحيد الذي يعبد الله وحده، والبشرية كلها هلكى تعبد الشياطين، وكان يتألم، بل ويتحسر من شرك المشركين وضلال الضلال وبخاصة أباه. كيف تأكله النار؟ وكان للمشركين يوم عيد يخرجون خارج البلاد للمرح والتنزه. ولا أدري ماذا يفعلون؟ كأعياد النصارى، وحتى المسلمين عندهم أعياد، وأستغفر الله! فما عندنا إلا عيدان: الأضحى والفطر، نهاية رمضان والعاشر من ذي الحجة، ففي الأول نصلي ونذكر ونكبر ونتصدق، وفي الثاني نهلل ونكبر ونذبح الذبائح ونتصدق باللحوم، فليس عندنا مرح ولا قضاء عطلة كذا.

    فظهر لإبراهيم أن يكيد لهم، فقد كانوا عندما يخرجون يوم عيد الفصح هذا بنسائهم يتركون بعض الأطعمة تحت الآلهة؛ ليباركها الآلهة، فإذا عادوا يأخذونها مباركة، فجاء الخليل عليه السلام بهراوة وقد ذهبوا وقبل أن يخرجوا قالوا: ألا تخرج معنا يا إبراهيم! تنفس على نفسك؟ هذا يوم عيد فصح. فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ * فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ [الصافات:88-89] أوهمهم؛ لأنهم يعبدون النجوم، فأوهمهم أنه ينظر إلى الآلهة، وقال: إِنِّي سَقِيمٌ [الصافات:89]، وهو في الحقيقة سقيم في نفسه من شركهم وباطلهم وفسادهم، ولكن اعتبرها كذبة عندما قال: إِنِّي سَقِيمٌ [الصافات:89]، فلما خرجوا انهال على تلك الأصنام، فكسرها وحطمها وجعلها جذاذاً لهم إلا كبير الآلهة ربط الفأس في عنقه ليقولوا: هذا الذي فعل، وتمت محاكمة عجيبة، ومنها قضوا عليه بأن يلقوه في النار، وحكموا بإحراقه لما تبين لهم أنه هو الذي فعل، وأبكتهم لما قال: سلوا هذا الذي يفعل، وليس أنا، وأشار بإصبعه.. مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا [الأنبياء:59].. قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا [الأنبياء:63]. وهو يشير إليه بأصبعه، ومع هذا حكموا عليه بالإعدام، فأججوا النار، وكانوا يساهمون فيها تبركاً وتطوعاً بالحزم، حتى إن الوزغ ساهمت فكانت تنفخ في النار حتى تتقد، وعلم ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمر بقتل الوزغ، وكانت أم المؤمنين عائشة تضع جريدة من النخل في حجرتها؛ لتقتل بها الوزغ؛ لأنها كانت تنفخ وتأجج النار.

    فهذه اعتبرها كذبة، لما قال: بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا [الأنبياء:63]، وهو يشير إلى أصبعه بقلبه والإله أمامه، وهم فهموا أن الإله هو الذي كسر الإلهة. هذه الثانية.

    ثالثاً: لما هاجر من أرض العراق واتجه غرباً نحو أرض فلسطين والشام ومصر، ومعه سارة بنت عمه، وهي زوجته، وخرج معهما لوط ابن أخيه، فتركوه في أرض الشام أو الأردن، وذهب هو يدعو إلى ربه مع زوجته، فلما انتهيا إلى الديار المصرية رآهما بعض من يسميهم العوام بالقوادين، وعندنا في المدينة نسميهم الجرارين، فقالوا لذلك الحاكم الملك: إن امرأة من أحسن النساء جاءت مع زوجها، ولا تليق إلا بك أنت، والعياذ بالله! فقال: ائتوني بها، فلما عرف إبراهيم أنهم يأتونها قال: أي فلانة! إذا سألك عني فلا تقولي: زوجي، فيأمر بقتلي، ولكن أخي، فوالله ما يوجد على الأرض من أخ إلا أنا وأنت، فمن عدانا كلهم كفار، فأنت أختي في الإسلام وأنا أخوك، فلا تقولي: زوجي، وتمت كرامة عظيمة، كلما يدنو منها ويضع يده يصاب بالشلل الفوري، ثلاث مرات، حتى قال: أخرجوا عني هذه وأبعدوها، وصنعها -كما يقولون- أعطاها جارية، وأعطاها مع الجارية بغلة. فاعتبر إبراهيم هذه كذبة. والشاهد عندنا: أن إبراهيم اعتذر من أن يكلم الله ويقول: عبادك يسألونك أن تقضي بينهم، فقد طال وقوفهم، واليوم مثل خمسون ألفاً من أيامنا، فاستحى من الله عز وجل: ( وقال: عليكم بموسى ).

    اعتذار موسى عليه السلام من الشفاعة

    فأتوا موسى فاعتذر؛ لأنه قتل القبطي قتل خطأ، فقد شدد الخناق على الإسرائيلي فلكمه فمات. قال: كيف أكلمه وأنا قتلت نفساً ( عليكم بعيسى ).

    اعتذار عيسى عليه السلام من الشفاعة

    فأتوا إلى ابن مريم عليه السلام، فلم يذكر ذنباً قط، مع أنه عاش (33) سنة مضت وسيعيش (30) سنة أخرى، لم يذكر ذنباً قط، وسر هذه الحماية وهذه الصيانة الإلهية دعوة جدته، حنة امرأة عمران كانت لا تنجب، لا تلد، وحنت إلى الولد، وهذا شأن النساء، فرأت عصفوراً يزق أفراخه في حديقتها، فسألت ربها إن رزقها ولداً أن تجعله له خاصة، يعبد الله، وشاء الله وتحمل بـمريم ، حملت بـمريم بنت عمران أم عيسى عليه السلام، لما حملت بـمريم وجاءها المخاض والطلق قالت: رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ [آل عمران:35-36]، أي: خادمة الله وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ [آل عمران:36]. هذه دعوة حنة .

    ( وإني أعيذها) أحصنها وأحفظها بك وذريتها أيضاً ( من الشيطان الرجيم)، عجيب حنة هذه، حصنت بنتها وما تلد بنتها أيضاً؛ ولهذا دعوة الآباء والأجداد تنفع الأبناء والأحفاد.

    إذاً: فحفظ الله البتول مريم العذراء، فما قارفت ذنباً قط، ثم شاء الله عز وجل أن يخلق في بطنها عيسى بكلمة التكوين، فقد جاءها جبريل يقول لها: إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ [آل عمران:45]، الآية. فلما وضعته -في ساعة فقط- شاهدت تلك الكرامة وكلامه معها.

    فعيسى عليه السلام - والشاهد عندنا- بركة دعوة حنة ، فما قارف ذنباً قط، مع أنه عاش (33) سنة، وسينزل إلى الأرض ويعيش (30) سنة؛ ليكون عمره كعمر الحبيب صلى الله عليه وسلم، ويدفن مع الرسول في الحجرة أيضاً، فما ذكر ذنباً قط، فالرسول لما يقص هذا يقصه للعبرة والعظة؛ لنتجنب معاصي الله عز وجل، فلا يسجل علينا ذنباً من الذنوب وإن كان فنتوب إلى الله ليمحى أثره ويزول، ( فيأتون عيسى فلا يذكر ذنباً قط ولكن يقول: عليكم بمحمد صلى الله عليه وسلم ).

    شفاعة الرسول صلى الله عليه وسلم للخلق في الموقف يوم القيامة

    فيأتون محمداً صلى الله عليه وسلم، فمحمد صلى الله عليه وسلم عنده وعد سابق من الله في سورة بني إسرائيل، إذ قال تعالى: وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا [الإسراء:79]. وعسى من الله تفيد التحقيق، وقد كان صلى الله عليه وسلم يقوم من الليل حتى تتورم قدماه، وهو يأمل في هذا الموقف العظيم. قال: ( فآتي ربي فأخر ساجداً بين يديه فيلهمني محامد ما كنت أعرفها، فأحمده بها، ثم يقول: محمد ارفع رأسك، واسل تعط، واشفع تشفع ).

    إذاً: أولوا العزم: أولهم نوح، خاتمهم محمد صلى الله عليه وسلم.

    1.   

    كفر من آمن ببعض الرسل وكذب بالبعض الآخر

    آمنا برسل الله إيماناً جازماً كاملاً وعلمنا أن من يكذب رسولاً كفر وخرج من الإسلام، فلو قلت: أنا أؤمن بكل الرسل إلا بموسى فلا أؤمن به فلست بمسلم، لأن من أنكر أو كذب رسولاً من الرسل الذين ذكرهم الله في كتابه أو أعلن عنهم رسوله صلى الله عليه وسلم يعتبر كافراً؛ لأن هذا ركن الإيمان بالرسل انهدم وسقط، فسقط إسلامه.

    1.   

    الأدلة النقلية على رسالة محمد صلى الله عليه وسلم

    وكنا في الدرس الماضي مع خاتم الرسل والأنبياء نبينا صلى الله عليه وسلم، وقد استعرضنا أدلة الكتاب والسنة، ولا يشك مؤمن في أن محمداً رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخبار الله وأخباره صلى الله عليه وسلم عن نفسه عشرات لا ترد، وهذا ينتفع به غير المسلمين لو يدرسون أو يعلمون، والآن مع شهادة التوراة والإنجيل من الأدلة النقلية.

    شهادة التوراة ببعثة الرسول صلى الله عليه وسلم ورسالته ونبوته

    قال: [ رابعاً: شهادة التوراة والإنجيل ببعثته صلى الله عليه وسلم وبرسالته ونبوته، وتبشير كل من موسى وعيسى به صلى الله عليه وسلم، قال تعالى فيما حكاه عن عيسى: وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ [الصف:6]. وقال تعالى: الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ [الأعراف:157] ] والله لموجود في التوراة والإنجيل [ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ [الأعراف:157] ] فهذا كلام الله على لسان موسى وعيسى عليهما السلام.

    قال: [ وجاء في التوراة: (سوف أقيم لهم نبياً مثلك من بين إخوانهم، وأجعل كلامي في فيه) ] أي: في فمه [ ويكلمهم بكل شيء آمره به، ومن لم يطع كلامه الذي يتكلم به باسمي فأنا أكون المنتقم من ذلك) ] هذه في التوراة.

    [ فهذه البشارة الثابتة في التوراة اليوم تشهد بنبوة نبينا صلى الله عليه وسلم ورسالته، ووجوب اتباعه ولزوم طاعته، وهي حجة على اليهود، وإن تأولوها وجحدوها، فقوله تعالى: ( سوف أقيم لهم نبياً) يشهد بلا شك لنبوته ورسالته ] هذه كلمة الله في التوراة [ إذ المخاطب هنا هو موسى عليه السلام، وهو نبي ورسول، ومن كان مثله فهو نبي ورسول. وقوله: ( من بين إخوانهم) صريح في أنه محمد صلى الله عليه وسلم. وقوله: ( أجعل كلامي في فيه) لا ينطبق إلا على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم؛ لأنه هو الذي يقرأ كلام الله ويحفظه، وهو القرآن الكريم. وقوله: ( يكلمهم بكل شيء) شاهد كذلك، إذ النبي صلى الله عليه وسلم تكلم بغيب لم يتكلم به نبي سواه، إذ أخبر ببعض ما كان وما يكون إلى يوم القيامة].

    قال: [ وجاء في التوراة ] أيضاً [ ما نصه: يا أيها النبي! إنا أرسلناك مبشراً ونذيراً، وحرزاً للأميين، أنت عبدي ورسولي، سميتك المتوكل، ليس بفظ ولا غليظ، ولا صخاب في الأسواق، ولا يدفع السيئة بالسيئة، ولكن يعفو ويصفح ويغفر، ولن يقبضه الله حتى يقيم به الملة العوجاء بأن يقولوا: لا إله إلا الله، فيفتح به أعيناً عمياً وآذاناً صماً وقلوباً غلفاً].

    قال: [وجاء فيها أيضاً ] أي: في التوراة [ هم أغاروني بغير الله، وأغضبوني بمعبوداتهم الباطلة، وأنا أغيرهم بغير شعب وبشعب جاهل أغضبهم ] والشعب الجاهل العرب الأميون [ فقوله: ( وشعب جاهل) صريح في أنه الشعب العربي، إذ هو الشعب الجاهل قبل بعثته صلى الله عليه وسلم، حتى إن اليهود كانوا يسمون العرب بالأميين.

    كما جاء فيها: كذلك قوله: فلا يزول القضيب من يهوذا والمدبر من فخذه حتى يجيء الذي له الكل، وإياه تنتظر الأمم. فمن ذا الذي تنتظره الأمم سوى نبينا محمد صلى الله عليه وسلم؟ ولا سيما اليهود، فقد كانوا أكثر الناس انتظاراً له باعترافاتهم الصريحة، ولكن الحسد هو الذي حرمهم الإيمان به واتباعه صلى الله عليه وسلم، قال تعالى ] في سورة البقرة: [ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ [البقرة:89] ].

    كان اليهود يقولون للعرب: سينزل الوحي وسيجيء نبي ونؤمن به ونقاتلكم وننتقم منكم، هذا في الجاهلية. فقوله: ( يستفتحون) أي: يقولون: سنكون ننتصر عليكم في الأيام من الأيام عندما يأتي الرسول الجديد.

    بشارات الإنجيل ببعثة الرسول صلى الله عليه وسلم وصدق رسالته ونبوته

    قال: [ كما جاء في الإنجيل البشارات التالية: ] أول بشارة في الإنجيل: [ أولاً: في تلك الأيام جاء يوحنا المعمداني يكرر في برية اليهود قائلاً: توبوا لأنه قد اقترب ملكوت السموات. فقوله: ( قد اقترب ملكوت السموات) إشارة إلى محمد صلى الله عليه وسلم، كما هو بشارة بقرب بعثته، إذ هو الذي ملك وحكم بقانون السماء.

    ثانياً: قدم لهم مثلاً آخر قائلاً: يشبه ملكوت السموات حبة خردل أخذها إنسان وزرعها في حقله، وهي أصغر جميع البذور، ولكن متى نبتت فهي أكبر البقول. فهذه العبارة في الإنجيل هي عين ما ذكره تعالى في القرآن الكريم، إذ قال تعالى: وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ [الفتح:29] المراد بذلك محمد وأصحابه صلى الله عليه وسلم.

    [ ثالثاً: ] قال في الإنجيل: [ انطلق لأني إذ لم أنطلق لم يأتكم البارقليط، فأما إن انطلقت أرسلته إليكم، فإذا جاء ذاك يوبخ العالم على خطيئته. أليست هذه الجملة من الإنجيل صريحة في التبشير بمحمد صلى الله عليه وسلم، من هو البارقليط إن لم يكن محمداً؟ ومن هو الذي يوبخ العالم على خطيئته سواه؟ إذ هو الذي بعث والعالم يسبح في بحور الفساد والشرور، والوثنية ضاربة أطنابها حتى في أهل الكتاب، ومن هو الذي جاء بعد رفع عيسى يدعو إلى الله رب السموات والأرض غير محمد صلى الله عليه وسلم؟ ] لا أحد.

    1.   

    الأدلة العقلية على رسالة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم

    والآن مع [ الأدلة العقلية ] النقلية تقدمت من القرآن والتوراة والإنجيل فهيا نستخدم عقولنا مع الأدلة العقلية.

    أولاً: إرسال الرسل قبل نبينا عليه الصلاة والسلام

    [ أولاً: ما المانع من أن يرسل الله محمداً رسولاً وقد أرسل من قبله مئات المرسلين وبعث آلاف الأنبياء؟ ] فلم ينكر محمد؟ وما الذي يستدعي ألا نؤمن به وقد أرسل قبله مئات الرسل (314)، ونبأ (124) ألف نبي؟ فكيف تنكر الرسالة؟ عقلياً ما تنكر أبداً [ وإذا كان لا مانع من ذلك عقلاً ولا شرعاً فبأي وجه تنكر رسالته وتكفر نبوته إلى عموم الناس؟ ].