إسلام ويب

سلسلة منهاج المسلم - (107)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • هناك أحكام تتعلق بالميت بعد دفنه، منها أنه يستحب تسطيح القبر وتسويته، وألا يرفع أكثر من شبر، ويجوز تسنيمه، ولا يجوز البناء عليه أو تجصيصه، ويكره الجلوس عليه، ويحرم بناء المساجد على القبور، كما يحرم نقل القبر ونبشه إلا لضرورة، ويستحب تعزية أهل الميت بالتعزية المشروعة، وتجنب البدع المحدثة فيها، وتستحب الصدقة عن الميت، والدعاء له، وزيارة المقابر؛ لأنها تذكر بالآخرة.

    1.   

    ما ينبغي فعله بعد دفن الميت

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه، ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذه الليلة ليلة الخميس من يوم الأربعاء ندرس كتاب: (منهاج المسلم) الجامع للشريعة الإسلامية كاملة: عقيدة وآداباً وأخلاقاً وعبادات وأحكاماً.

    وها نحن مع أحكام الجنائز، وقد درسنا المادة الأولى وتتعلق بمرض الإنسان إلى وفاته، ودرسنا الثانية من الوفاة إلى الدفن، والآن مع المادة الثالثة ما الذي ينبغي بعد الدفن، ماذا نفعل بعد دفن الميت المسلم؟

    قال المؤلف: [ المادة الثالثة: فيما ينبغي بعد الدفن: ] أي: دفن الميت ذكراً كان أو أنثى.

    أولاً: الاستغفار للميت والدعاء له

    [ أولاً: الاستغفار للميت والدعاء له: ] أول واجب ينبغي أن نقوم به تجاه الميت: الاستغفار والدعاء له، اللهم اغفر له! اللهم ارحمه! [ يستحب لمن حضر الدفن ] يستحب بمعنى لا يجب كما تقدم [ أن يستغفر للميت ] وهو يدفن في قبره، أو بعد الفراغ من دفنه [ وأن يسأل له التثبيت في المسألة ] وأن يسأل لأخيه الميت التثبيت في المسألة لما يسأل في قبره: من ربك؟ من نبيك؟ ما دينك؟ [ لقوله صلى الله عليه وسلم: ( استغفروا لأخيكم وسلوا له التثبيت، فإنه الآن يسأل ) ] الحبيب صلى الله عليه وسلم يأمرنا بهذا المستحب لنفعله: (استغفروا لأخيكم) ذكراً كان أو أنثى (وسلوا له التثبيت فإنه الآن يسأل) ما إن نفارقه حتى يأتي الملكان منكر ونكير ويسألانه، والله يوفقه [ كان يقوله عند الفراغ من الدفن ] كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول هذا عند الفراغ من الدفن، هذا الدعاء للميت بعدما يفرغ من دفنه: اللهم اغفر له وثبته عند المسألة!

    [ وكان بعض السلف يقول: اللهم هذا عبدك نزل بك، وأنت خير منزول به، فاغفر له ووسع مدخله ] بعض السلف من الصحابة والتابعين وتابعيهم كانوا يدعون بهذا الدعاء، كانوا يقولون: (اللهم هذا عبدك نزل بك وأنت خير منزول به، فاغفر له ووسع مدخله) أي: قبره. هذا دليل على مشروعية الدعاء للميت والاستغفار له بعد دفنه.

    ثانياً: تسطيح القبر أو تسويته

    [ ثانياً: تسطيح القبر أو تسويته ] يستحب تسطيح القبر وجعله كالسطح، فلا يكون بارزاً ولا مرتفعاً، ويستحب أيضاً تسويته بالأرض [ ينبغي أن يسوى القبر بالأرض؛ لأمره صلى الله عليه وسلم بتسوية القبور بالأرض ] أي: لا ترتفع [ غير أن تسنيم القبر جائز ] تسنيم القبر أي: جعله كالسنام، وهذا جائز [ وهو رفع القبر قدر شبر مسنماً، واستحبه الجمهور؛ لأن قبر النبي صلى الله عليه وسلم كان مسنماً ] واستحب الجمهور التسنيم اقتداء بقبر الرسول صلى الله عليه وسلم فإنه كان مسنماً [ ولا بأس ] أي: يجوز [ بوضع العلامة على القبر ليعرف بها من حجر ونحوها ] يجوز، ولا بأس، ولا مانع، ولا إثم على أن نضع علامة على القبر لنعرف به صاحبه من هو.. عمي أو أخي أو أبي [ لأنه صلى الله عليه وسلم علَّم قبر عثمان بن مظعون ] وهو أخوه من الرضاعة، وهو أول من توفي في المدينة من المهاجرين، علم قبر عثمان بن مظعون رضي الله عنه، بماذا؟ [ بصخرة ] وضعها على قبره ليعرفه بذلك [ وقال: ( أتعلم بها قبر أخي، وأدفن إليه من مات من أهلي ) ] فائدتان: الأولى: يعرف قبر أخيه، والثانية: إذا مات له ميت من أهله يدفنه إلى جنبه، هذا عثمان بن مظعون أخٌ للنبي صلى الله عليه وسلم من الرضاعة، أول من مات بالمدينة من المهاجرين.

    إذاً: عرفنا جواز التسنيم للقبر وجواز وضع العلامة عليه.

    ثالثاً: تحريم تجصيص القبر والبناء عليه

    [ ثالثاً: تحريم تجصيص القبر أو البناء عليه ] حرام أن يجصص القبر بالجص، وهي هذه المادة التي يبنى بها، أو يبنى عليه بناية عالية أو منخفضة [ لما روى مسلم : ( أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يجصص القبر أو يبنى عليه ) ] مسلم يروي أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يجصص القبر بالجص، ماذا يسمون الجص الآن؟ يسمونه الجبس وما إلى ذلك، هذه المادة التي يبنون بها، ونهى أيضاً عن البناء على القبر، فلا يبنى عليه قبة ولا غير القبة.

    رابعاً: كراهية الجلوس على القبر

    [ رابعاً: كراهية الجلوس على القبر: يكره للمسلم أن يجلس على قبر أخيه ] يكره لك يا عبد الله أن تجلس على قبر أخيك [ أو يطأه برجله ] كما لا ينبغي أن يجلس كذلك لا يمشي عليه برجله [ لقوله صلى الله عليه وسلم: ( لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها ) ] لا تجعل القبر أمامك وتصلي إليه [ وقوله صلى الله عليه وسلم: ( لأن يجلس أحدكم على جمرة فتحرق ثيابه فتخلص إلى جلده خير من أن يجلس على قبر ) ] وبعض أهل العلم قالوا: هذا الوعيد الشديد قد يدل على أن الجلوس هنا هو التغوط والتبول على القبر، والكل حرام لا البول ولا التغوط ولا الجلوس، وكذلك الصلاة إلى القبور لا تجوز.

    إذاً: يقول صلى الله عليه وسلم: ( لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها ) فلهذا يمنع أن ندفن ميتاً في مسجد حتى لا نصلي إلى قبره.

    خامساً: تحريم بناء المساجد على القبور

    [ خامساً: تحريم بناء المساجد على القبور ] هذه الأحكام الشرعية [ يحرم بناء المساجد على القبور، واتخاذ السرج عليها ] والشموع والمصابيح؛ وذلك [ لقوله صلى الله عليه وسلم: ( لعن الله زوارات القبور والمتخذات عليها المساجد والسرج )، وقوله: ( لعن الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد ) ] قد يقول لك قائل: هذا مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه قبر أبو بكر وعمر ورسول الله قبلهما؟ فكيف تخرج من هذه الفتنة؟

    أولاً: قل له: والله! ما دفن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أبو بكر ولا عمر في المسجد، والله! إنهم دفنوا في حجرة عائشة من حجر النبي التسع، إلا أن المسجد مجاور لهما.

    ثانياً: والله! إن المسجد بناه رسول الله، وأبو بكر وعمر ، هم الذين بنوا المسجد.

    إذاً: فلا الرسول ولا صاحباه في المسجد، ولا المسجد على القبر ولا القبر في المسجد أبداً، فقط المسجد النبوي مجاور لحجراته وهو الذي بناه، وكان يخرج من غرفته إلى المسجد، أما أننا نأتي بميت فندفنه في مسجد، والله! لا يجوز. كما نجد ميتاً فنبني عليه مسجداً نصلي فيه، والله لا يجوز هذا، فإن فعلنا ذلك فقد خالفنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وعصيناه.

    سادساً: تحريم نبش القبر ونقل رفاته

    [ سادساً: تحريم نبش القبر ونقل رفاته ] تحريم نبش القبر وحفر القبر وأخذ العظام والرفات منه [ يحرم نبش القبور ونقل رفات أهلها أو إخراج أصحابها منها إلا لضرورة أكيدة كأن يدفن بلا غسل مثلاً ] دفنوه بدون تغسيل نخرجه ونغسله ولا حرج وننبش القبر [ كما يكره نقل الميت الذي لم يدفن بعد من بلد إلى بلد ] يكره أن تنقل الميت من الرياض إلى القاهرة، أو من القاهرة إلى الإسكندرية، من بلد إلى بلد [ إلا إذا كان المنقول إليه أحد الحرمين الشريفين: مكة أو المدينة أو بيت المقدس كذلك؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: ( ادفنوا القتلى في مصارعهم ) ] لكن نقل الميت إلى الحرمين لما لهما من فضيلة أجازه أهل العلم من الصحابة وغيرهم.

    سابعاً: استحباب التعزية

    [ سابعاً: استحباب التعزية ] يستحب للمؤمن أن يعزي أخاه المؤمن [ تستحب تعزية أهل الميت رجالاً كانوا أو نساء قبل الدفن وبعده إلى ثلاثة أيام، إلا أن يكون أحد المعزين غائباً أو بعيداً فلا بأس إن تأخرت ] تعزيته عن الأيام الثلاثة؛ وذلك [ لقوله صلى الله عليه وسلم: ( ما من مؤمن يعزي أخاه بمصيبة إلا كساه الله عز وجل من حلل الكرامة يوم القيامة ) ] فضيلة عظيمة! (ما من مؤمن يعزي أخاه بمصيبة) قطعاً هي مصيبة الموت (إلا كساه الله عز وجل من حلل الكرامة يوم القيامة) مقابل تعزيته لأخيه في الدنيا.

    ثامناً: معنى التعزية

    [ ثامناً: معنى التعزية ] ما هي التعزية؟ ما معناها؟

    [ والتعزية: هي التصبير ] حمل المصاب على الصبر [ وحمل أهل الميت على العزاء والصبر؛ بذكر ما يهون عليهم المصاب، ويخفف عنهم شدة الحزن، وتؤدى التعزية بأي لفظ كان، ومما يروى عنه صلى الله عليه وسلم في ذلك قوله لابنته وقد أرسلت إليه أن ابناً لها قد مات ] بنت الرسول بعثت للرسول: إن ولدي مات [ ( فأرسل إليها من يقرئها السلام ) ] أولاً: اذهب وسلم عليها [ ( ويقول لها: إن لله ما أخذ وله ما أعطى، وكل شيء عنده بأجل مسمى، فلتصبر ولتحتسب ) ] هذه بنت الرسول صلى الله عليه وسلم توفي ولدها فبعثت إلى الرسول صلى الله عليه وسلم تخبره، فأجابها: (إن لله ما أخذ وله ما أعطى وكل شيء عنده بأجل مسمى، فلتصبر ولتحتسب).

    [ وكتب بعض السلف يعزي أحداً بوفاة ولده فقال: من فلان إلى فلان، سلام عليك، فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، أما بعد؛ فأعظم الله لك الأجر، وألهمك الصبر، ورزقنا وإياك الشكر، فإن أنفسنا وأموالنا وأهلنا من مواهب الله الهنيئة، وعواريه المستودعة، متعك الله به في غبطة وسرور، وقبضه منك بأجر كبير، الصلاة والرحمة والهدى إن احتسبته، فاصبر ولا يُحبِط جزعك أجرك فتندم، واعلم أن الجزع لا يرد ميتاً، ولا يدفع حزناً، وما هو نازل فكأن قد، والسلام ] أي: فكأن قد نزل. هكذا عزى الأولون بعضهم بعضاً.

    [ وقد يكفي في التعزية قول: أعظم الله أجرك، وأحسن عزاءك، وغفر لميتك ] معشر المستمعين! الكلمة الرخيصة السهلة غير الصعبة هي أن تقول لأخيك: (أعظم الله أجرك، وأحسن عزاءك، وغفر لميتك) هذه يحفظها كل مؤمن.

    [ ويقول المعزى: آمين، آجرك الله، ولا أراك مكروهاً ] يرد المعزى على من عزاه، فيقول: آمين؛ لأنه دعا له فقال: (أعظم الله أجرك، وأحسن عزاءك، وغفر لميتك) هذا دعاء، يقول المعزى: آمين، ويزيد: آجرك الله، ولا أراك مكروهاً، (آجرك الله) أي: جعل لك أجراً. (ولا أراك مكروهاً).

    تاسعاً: بدعة المآتم

    [ تاسعاً: بدعة المآتم: ومما يجب تركه والابتعاد عنه ما ابتدعه الناس لغلبة الجهل من الاجتماع في البيوت للتعزية، وإقامة المآدب، وصرف الأموال من أجل المباهاة والفخر؛ إذ السلف الصالح لم يكونوا يجتمعون في البيوت، بل كان يعزي بعضهم بعضاً في المقبرة، وعند الملاقاة في أي مكان، ولا بأس أن يقصده إلى محله إن لم يتمكن من مقابلته في المقبرة أو الشارع، إذ المحدث هو الاجتماع الخاص المعد إعداداً متعمداً ] خاصاً، هذا المحدث المبتدع.

    عاشراً: اصطناع المعروف لأهل الميت

    [ عاشراً: اصطناع المعروف لأهل الميت: يستحب صنع الطعام لأهل الميت، ويقوم بذلك الأقارب أو الجيران يوم الوفاة؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: ( اصنعوا لآل جعفر طعاماً، فإنه قد أتاهم أمر يشغلهم ) ] لما استشهد جعفر في الشام قال الرسول صلى الله عليه وسلم لأهل بيته: ( اصنعوا لآل جعفر طعاماً، فإنه قد أتاهم أمر يشغلهم ) وهو الكرب والحزن [ أما أن يصنع أهل الميت أنفسهم الطعام لغيرهم فهذا مكروه لا ينبغي؛ لما فيه من مضاعفة المصيبة عليهم ] أصيبوا في ميتهم ثم في أموالهم وجهدهم [ وإن حضر من تجب ضيافته كغريب مثلاً استحب أن يقوم الجيران والأقارب بضيافته بدلاً عن أهل الميت ].

    الحادي عشر: الصدقة على الميت

    [ الحادي عشر: الصدقة على الميت: يستحب الصدقة على الميت؛ لما روى مسلم عن أبي هريرة : ( أن رجلاً قال: يا رسول الله! إن أبي مات وترك مالاً ولم يوصِ فهل يكفر عنه أن أتصدق عنه؟ قال: نعم )، ولما ماتت أم سعد بن عبادة رضي الله عنهما، قال: ( يا رسول الله! إن أمي ماتت أفأتصدق عنها؟ قال: نعم، قال: فأي الصدقة أفضل؟ قال: سقي الماء ) ] أيام كان الماء عزيزاً وقليلاً، وما يزال إلى الآن الماء فيه صدقة.

    الثاني عشر: قراءة القرآن على الميت

    [ الثاني عشر: قراءة القرآن على الميت: لا بأس أن يجلس المسلم في المسجد أو في بيته فيقرأ القرآن، فإذا فرغ من تلاوته سأل الله تعالى للميت المغفرة والرحمة، متوسلاً إلى الله عز وجل بتلك التلاوة التي تلاها من كتاب الله تعالى ] هذا مشروع [ أما اجتماع القراء في بيت الهالك ] أي: الميت [ على القراءة وإهداؤهم ثواب قراءتهم للميت، وإعطاؤهم أجراً على ذلك من قبل أهل الميت فهذا بدعة منكرة يجب تركها ].

    قال: [ ودعوت الإخوة المسلمين إلى اجتنابها والابتعاد عنها؛ إذ لم يعرفها سلف هذه الأمة الصالح، ولم يقل بها أهل القرون المفضلة، وما لم يكن لأول هذه الأمة ديناً لم يكن لآخرها ديناً بحال من الأحوال ] يجوز أن تقرأ في بيتك.. في المسجد على ميتك وتدعو الله له متوسلاً بالقراءة، أما أن تأتي بطلبة القرآن إلى البيت للعشاء والغداء والمال، وهم يقرءون، ويهبون الثواب، فهذه بدعة منكرة، ولكن هذه البدعة انتشرت في العالم الإسلامي لما غطاهم الجهل وعمهم.

    الثالث عشر: استحباب زيارة القبور

    [ الثالث عشر: حكم زيارة القبور: زيارة القبور مستحبة؛ لأنها تذكر بالآخرة، وتنفع الميت بالدعاء والاستغفار له؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: ( كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها؛ فإنها تذكركم بالآخرة ) ] أي: بالدار الآخرة؛ فلهذا زيارة القبور مستحبة [ إلا أن تكون المقبرة أو الميت على مسافة بعيدة يضطر الزائر معها إلى شد رحل وسفر خاص، فإنها حينئذٍ لا تشرع؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: ( لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى ) ] فكيف إذن تركب سيارة أو طيارة لتزور ميت في قبره، أو تركب دابتك أو بعيرك؟! أما إذا كان القبر حولك وقريباً منك فلا بأس أن تزوره وينتفع بزيارتك.

    الرابع عشر: ما يقوله زائر القبور

    [ الرابع عشر: ما يقوله زائر القبور: يقول الزائر لقبور المسلمين ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقوله إذا زار البقيع، وهو: ( السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، أنتم فرطنا ونحن لكم تبع، نسأل الله لنا ولكم العافية، اللهم اغفر لهم، اللهم ارحمهم ) ] هكذا نقول عند زيارة القبور البقيع وغير البقيع.

    الخامس عشر: حكم زيارة القبور للنساء

    [ الخامس عشر: حكم زيارة القبور للنساء: لم يختلف أهل العلم في حرمة كثرة تردد المرأة على المقابر لزيارتها ] أجمع أهل العلم على أن التردد والإكثار من الزيارة محرم [ وذلك لقوله صلى الله عليه وسلم: ( لعن الله زوارات القبور ) ] أي: كثيرات الزيارة [ وأما مع عدم الكثرة والتكرار فبعض كره الزيارة مطلقاً للحديث السابق، وبعض أجاز لما ثبت أن عائشة رضي الله عنها زارت قبر أخيها عبد الرحمن ] وقد توفي في طريقه ما بين مكة والمدينة [ فسئلت عن ذلك فقالت: ( نعم. كان قد نهى عن زيارة القبور ثم أمر بزيارتها ) ] فالمسألة خلافية، والذي عليه أكثر العلماء: أن زيارة القبور مكروهة للنساء، لكن لو فرضنا أن امرأة بكت على ولدها أو بكت على أبيها واضطرت إلى أن تقف على قبره فيعفى عنها [ ومن أجاز زيارة النساء القليلة اشترط عدم فعلها أي منكر كان، كأن تنوح عند القبر، أو تصرخ، أو تخرج متبرجة، أو تنادي الميت وتسأله حاجتها.. إلى غير ذلك مما شوهد فعله من النساء الجاهلات بأمور الدين في غير ما زمان ومكان ] من أجاز زيارة النساء القليلة كالمرة في العمر كما فعلت عائشة رضي الله عنها اشترط: عدم فعلها أي منكر كان، كأن تنوح عند القبر -وهذا موجود- أو تصرخ بأعلى صوتها، أو تخرج متبرجة إلى المقبرة، أو تنادي الميت: يا أبي! يا أخي! يا كذا، وتسأله حاجتها.. إلى غير ذلك مما شوهد فعله من النساء الجاهلات بأمور الدين في غير ما زمان ومكان. والله تعالى أسأل أن ينفعنا بما نسمع ونعلم.

    1.   

    الأسئلة

    حكم الدعاء عند القبر للميت بعد دفنه وتأمين الحاضرين

    السؤال: نلاحظ بعد الفراغ من دفن الميت قيام شخص بالدعاء للميت عند القبر، وقيام الحاضرين بالتأمين على هذا الدعاء، فهل هذا الفعل جائز؟

    الجواب: يقول السائل: نرى أن بعض المؤمنين لما يدفن الميت يقوم رجل فيقول: ادعوا لأخيكم واستغفروا له، فالجواب: أن هذه سنة، الرسول صلى الله عليه وسلم أمر بها وفعلها أصحابه؛ لأنهم لا يعرفون الدعاء، فهو يدعو ويقول: أمّنوا، إذا كانوا جهلة. والمفروض أن يقول: يرحمكم الله ادعوا لأخيكم، استغفروا له. قولوا: اللهم اغفر له.. اللهم ارحمه.. يعلمهم هكذا، لكن إذا كانوا جاهلين لا يعرفون فيدعو بهم وهم يقولون: آمين.

    حكم البقاء عند القبر بعد الانتهاء من الدفن للدعاء للميت

    السؤال: هل يسن لمشيعي الجنازة البقاء عند القبر بعد الفراغ من الدفن للدعاء للميت، وما هو مقدار الوقت؟

    الجواب: يقول السائل: إذا شيعنا جنازة ووقفنا حتى دفنت، فهل يستحب لنا البقاء بعد ذلك عند القبر؟ هذا ورد عن عمرو بن العاص ، أوصاهم إذا دفنوه أن يقفوا دقائق حتى يستأنس بهم عندما يأتيه الملكان. هذا الوارد في هذه القضية فقط، قال: إذا دفنتموني فلا تبرحوا مكانكم حتى أستأنس بكم عندما يأتي الملكان. هذه نظرية عمرو بن العاص رضي الله عنه.

    لكن الذي عليه عوام الناس وينسبونه إلى المذهب الشافعي: أن أحدهم قد يعطى نقوداً ويقال له: ذكر ميتنا -ذكره- فيجلس إلى القبر ويخرج الناس من المقبرة ويقول: يا فلان بن فلان! اذكر العهد الذي خرجت عليه من دار الدنيا. إذا سئلت من ربك؟ فقل: ربي الله.. ويلقنه. ويسمونه بتلقين الميت، وهذا خطأ، فتلقين الميت يكون عند الاحتضار وهو على فراش الموت، فيلقن بلا إله إلا الله؛ ليموت عليها، أما بعد موته ودفنه فكيف يلقن؟ من أين لك أنه يسمعك ويستجيب لك فتنادي يا فلان بن فلان؟! هذه بدعة انتشرت بين المسلمين، ودونت حتى في كتب الفقه، وهي خطأ.

    حكم نبش القبور ودفن الآخرين فيها

    السؤال: فضيلة الشيخ! ذكرتم -حفظكم الله- أنه لا يجوز نبش القبر إلا للضرورة، ولكن في بعض المقابر تمتلئ بالقبور فيضطر العاملون إلى نبش القبر وجعل رفاته في جانب من القبر، ثم دفن الميت، فهل يجوز هذا الفعل؟

    الجواب: إذا كانت ضرورة كأن لم يجدوا أرضاً أخرى وقد ضاقت الأولى فلا بأس أن يدفنوه معه، أما إذا كان في الأرض متسع فلِم ينبشون القبر ويدفنونه معه؟ وسبق أن قلنا: إلا من ضرورة أكيدة تتطلب ذلك.

    الجمع بين النهي عن الصلاة إلى القبر وصلاة النبي على قبر المرأة التي كانت تقم المسجد

    السؤال: يقول السائل: قلتم -حفظكم الله-: أنه لا يجوز الصلاة إلى القبر، ونعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قد صلى على قبر تلك المرأة التي كانت تقم المسجد، فكيف نوفق بين الأمرين؟

    الجواب: هذا السائل صاحبه بهلول ما يعرف ما يقول! نقول: لا يجوز أن تصلي الفريضة والنافلة إلى القبر، وليس صلاة الجنازة، فالرسول صلى الله عليه وسلم وقف على القبر يصلي على الجنازة لا يركع ولا يسجد، إنما كانت صلاة جنازة يدعو لها فقط.

    حكم الصلاة على الميت بغير وضوء

    السؤال: هل يجوز الصلاة على الميت بغير وضوء؟

    الجواب: هل تصح الصلاة على الميت بدون وضوء؟ لا تصح لا تصح لا تصح، يدعو له ولا يصلي عليه، الدعاء يكفيه، أما يصلي: الله أكبر، لا تصح إلا إذا كان على وضوء.

    حكم وضع لوحة أو صخرة على القبر يكتب عليها اسم الميت

    السؤال: هل يجوز وضع صخرة أو جدار أو مبنى على رأس قبر الميت ثم يكتب عليه الاسم وتاريخ الوفاة؟

    الجواب: هذه بدعة منكرة، موجودة في عالمكم الإسلامي؛ يضعون لوحة على القبر ويكتبون عليها تاريخ وفاته واسمه كذا وكذا.. هذه منكرة وبدعة محدثة، لا يجوز إلا كما قدمنا: حجر.. صخرة، تعلم بها الميت فقط، كما فعل الرسول صلى الله عليه وسلم.

    حكم المشي بالنعال في المقابر

    السؤال: هل يجوز المشي بالنعال -أكرمكم الله- في المقابر؟

    الجواب: هل يجوز المشي بالنعال؟ يستحب عدمه، لو مشيت حافياً لكان أفضل لك؛ لأن الأرض توسدها إخوانك وهم تحتها، وورد هذا في الحديث، لكن ليس بلازم ولا واجب ولا مكروه، لكن يستحب المشي بغير نعال في المقبرة.

    حكم قراءة سورة (يس) عند الميت

    السؤال: ما حكم قراءة سورة (يس) عند الميت؟

    الجواب: لا تقرأ سورة (يس) عند الميت، ولكن تقرأ عند المريض الذي يموت، إذا حضرت العبد الوفاة واستعصى خروج روحه يقرأ عليه سورة (يس) ليهون الله عليه خروج الروح: ( اقرءوا على موتاكم يس )، هكذا الحديث، والمراد بالموتى: من حضره الموت، وهو المحتضر على فراش الموت، إذا استصعب عليه خروج الروح، وكثير ما يقع، فيقرأ عليه سورة (يس)، ويدعى الله أن يخفف عنه ألم الموت وتستريح روحه.

    حكم إهداء ثواب قراءة القرآن إلى الميت

    السؤال: يقول الله تعالى: وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى [النجم:39]، فما هو الدليل على جواز إهداء ثواب قراءة القرآن للميت؟

    الشيخ: يقول السائل: الله تعالى يقول: وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى [النجم:39]؟ حقاً وصدقاً، والله ما لك إلا ما سعيت وعملت. فكيف إذن يهدي ثواب القراءة للميت، وهو لم يسع فيها؟

    أولاً: قلنا ليس هناك إهداء. نقول: أنت تقرأ القرآن تتوسل بتلك التلاوة لربك ليغفر لهذا الميت ويرحمه، وهكذا الصدقات تتصدق بصدقة فتتوسل بها إلى الله أن يغفر لميتك ويرحمه، وليس نقل ثوابها، فأنت لا تملك هذا.

    إذاً: فالذي يقرأ ويقول: اللهم اجعل ثواب قراءتي لفلان، هذا الكلام باطل باطل ، فأنت لا تملك هذا، بل الذي يكون لك أن تسأل الله عز وجل أن يغفر لميتك ويرحمه، وأن يعلي درجته ويرفع مقامه، اسأل له المغفرة والرحمة، فأما إهداء ثواب فلا تملكه ، وهذا من عمل العوام.