إسلام ويب

الصوتيات

  1. الصوتيات
  2. محاضرات مفرغة
  3. أحمد القطان
  4. وقفات إيمانية مع غزوة بدر

وقفات إيمانية مع غزوة بدرللشيخ : أحمد القطان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • استعرض الشيخ في محاضرته هذه سبب غزوة بدر، وبعض الأحداث التي وقعت قبل الغزو، وكيف حرص النبي صلى الله عليه وسلم على التربية الإيمانية لأصحابه في كل المواقف؛ لربطهم بربهم جل وعلا، وكذا حرصه على استشارتهم؛ ليعمق مبدأ الشورى في حياتهم من بعده.

    1.   

    سبب نزول سورة الأنفال

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على محمدٍ الصادق الأمين، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    أما بعد:

    أيها الأحباب الكرام: إني أحبكم في الله، وأسأل الله أن يحشرني وإياكم في ظل عرشه ومستقر رحمته.

    اللهم تقبل صيامنا وقيامنا، واغفر لنا ذنوبنا برحمتك يا أرحم الراحمين.

    سورة الأنفال -أيها الأحباب الكرام- هي السورة التي تتكلم عن هذه الغزوة العظيمة غزوة بدر ، إلا أننا نلاحظ أن الله بدأ في هذه السورة من النهاية، ولم يبدأ من بداية المعركة، فماذا قال سبحانه؟

    يَسْأَلونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ [الأنفال:1] والأنفال: هي الغنائم الناتجة عن معركة بدر : قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [الأنفال:1] وهذه البداية العجيبة تبين بأن النصر ما تحقق إلا من خلال هذا الميزان المضبوط، الذي هو إصلاح ذات البين، لولا وحدة الصف القتالي، وتماسك الجبهة الداخلية واجتماعها على قيادة واحدة، ما استطاعوا أن يحققوا هذا النصر.

    وسبب نزول هذه الآية أن الصحابة اختلفوا على الغنائم لمن تكون؟

    المقاتلون قالوا: لنا، الحرس الخاص للنبي صلى الله عليه وسلم قالوا: لنا، الفرقة التي طاردت فلول قريش المنهزمة قالت: الغنائم لنا، فماذا قال الله؟

    يَسْأَلونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ [الأنفال:1] الأصل في الجندي المقاتل والداعية الرباني ينطلق من أجل ثواب الله لا من أجل ثواب الدنيا، ويوم أن يتعلق قلبه ساعة انطلاقته إلى الرتبة والراتب والنياشين، والمدح والثناء والمكافآت والجوائز، يوم أن تنقطع ينقطع، الأصل في المجاهد أن ينطلق إعلاءً لكلمة الله، لا يجعل من علائق الدنيا في نفسه شيء، فإن جاءت في الطريق أخذها دون تطلعٍ أو استشراف نفس، وإن لم تأت فهو ضامن حقه الوافر عند الله يوم القيامة، وكل مغنم يأتيه في الدنيا على حساب الأخرى، لهذا الشهيد الذي تذهب نفسه وماله ودابته في سبيل الله ولا يأخذ شيئاً هذا أخذ الدرجات العلى، وعلى قدر ما يحوز من دنياه على حساب ما يفقد من أخراه، لا يفقدها كلها، لكن لا يستوي عند الله من جاهد فقتل ولم يقبض شيئاً ومن جاهد وقبض، لهذا أعظم الشهداء عند الله من خذله أصحابه في لحظة الزحف وتولوا عنه، فتلفت يميناً وشمالاً فلم يجد إلا نفسه، فعلم ما لله عليه فتقدم إلى الله حتى أهرق دمه وعقرت دابته وذهب ماله، هذا أعظم درجات الشهادة. يَسْأَلونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ [الأنفال:1] والرسول كقيادة وقدوة، وإذا صار التخاصم دون أن يكون للقيادة والقدوة أمر وقرار وحكم تكون القضية فوضى، وهذا نشاهده نحن حتى مع الأطفال.

    فالرسول صلى الله عليه وسلم هو الذي يقسم الغنائم، ومع هذا هم ما طلبوا الغنائم حباً للدنيا، لا. هم إما مهاجرون، تركوا الدنيا خلفهم في مكة وهاجروا كما يشهد لهم القرآن: لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ [الحشر:8]، بل تركوا أموالهم هناك كـصهيب وابن عوف وغيرهم، إنما أرادوا الغنائم لكي تكون لهم عند الله يوم القيامة شهادات مادية محسوسة تدفن معهم في قبورهم، يلقون بها الله على حسن بلائهم؛ لأنها أول معركة، فكل صحابي حاز على قطعة ولو كان حبلاً أو خيطاً من هذه المعركة أوصى في وصيته أن تدفن معه في قبره، وإن كان القصد سليماً والنية حسنة تظل وحدة الصف متماسكة، والخطأ يظل خطأ ولو حسنت النيات.

    تختلفون على الأنفال وأنتم تنتصرون بوحدتكم واجتماعكم وتماسككم!

    1.   

    أثر إصلاح ذات البين على وحدة الصف

    فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [لأنفال:1].

    والملاحظ في هذه الآية أن إصلاح ذات البين على جميع المستويات، سواء على مستوى الفرد، أو الأسرة أو المجتمع المحلي أو المجتمع العربي أو المجتمع الإسلامي، أو الأمة الإسلامية، ما يتحقق إصلاح ذات البين إلا بهاتين القاعدتين في هذه الآية، (اتقوا الله)، (وأطيعوا الله ورسوله)، وبينهما (أصلحوا ذات بينكم)، إذا لم يكن هناك تقوى الله لا تحل مشاكلك الجامعة العربية ، ولا هيئة الأمم ولا مجلس الأمن ، ولا قرارات جنيف في فك الأسرى.

    الأصل تقوى الله، ثم طاعة الله ورسوله أي: الكتاب والسنة، هي التي تحدد ما لك وما عليك فرداً أو جماعة، حاكماً أو محكوماً، فإذا زغت انتهى، كم مؤتمر عقد لإصلاح ذات البين وللوفاق وللتسويات؟ ما النتائج؟ النتائج سلبية، لماذا؟

    لأنها خلت من هاتين القاعدتين الخطيرتين، (اتقوا الله) (أطيعوا الله ورسوله)، وفي الوسط (أصلحوا ذات بينكم)، وهذا هو مؤشر صدق الإيمان (إن كنتم مؤمنين) وستظل حرب لبنان قائمة، وستظل حروب كثيرة قائمة، وستظل مشاكل اقتصادية وسياسية واجتماعية وتعليمية قائمة ما دامت هاتان القاعدتان غائبتين في قضايا إصلاح ذات البين والوفاق والتسوية.

    (اتقوا الله) تقوى الله، عندما أتقدم للإصلاح لا أضع في اعتباري أمريكا أو روسيا أو فلاناً أو علانا، بل أضع اعتباري في الله: فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ [الأنفال:1].

    وفساد ذات البين خطورتها رهيبة، تستطيع إذا سئلت عن أخطر قنبلة أن تختار من هذه المجموعة التالية: ذرية ونيتروجينية وهيدروجينية ونابالم وعنقودية وفسفورية، فالعقل البشري الشيطاني هذا يصنع أهوالاً، لكن هنا قنبلة خطيرة في هذه الآية اسمها القنبلة الماحقة، قال صلى الله عليه وسلم: (ألا أدلكم على أفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة: إصلاح ذات البين، فإن فساد ذات البين هي الحالقة -الماحقة- ولا أقول تحلق الشعر ولكنها تحلق الدين).

    الكل يصلي لكن أين تماسك هذه الأمة؟

    معظمهم يصومون، والأرحام مقطوعة، وإذا كان هناك اتصالات فلأجل المصلحة لا من أجل الرحم، إلا من رحم الله، فهو يتصل كل ليلة في أمريكا من أجل المصلحة وأخوه جاره لا يزوره، وله أم لا يعرفها، وله أخت هاجرها، فقيرة وهو مليونير، فتنمحق البركة.

    وفهم هذه الآية واستقرارها في الدولة كدولة المدينة المنورة حلت عندهم جميع الأزمات، كانوا فقراء فانحلت الأزمة الاقتصادية، ولولا (أصلحوا ذات بينكم) ما قال: سعد بن الربيع لـعبد الرحمن بن عوف ولأمثاله هذا شطر مالي نصف لي ونصف لك، ثروتي نصفان، وعندي زوجتان اختر أرغبهما إلى نفسك أطلقها، فإذا انتهت عدتها تزوجتها، لو كان هناك تنافر بين القلبين ما تم هذا، لكن بينهما صلاحٌ وإصلاح، فقال عبد الرحمن بن عوف : [بارك الله لك في مالك دلني على السوق] لا يتسلق على حساب الدين، وينتظر حتى تصير هناك صحوة إسلامية ومؤسسات إسلامية، ويصير السوق والنقابات والجمعيات ويقول: والله هذه فرصة ويربي لحيته ويقصر ثوبه، ويأخذ تزكيات، من أجل أ، يغرف مثل الكيكة كل واحد يقص على حسابه وعلى حاجيته، لا. [بارك الله لك في مالك، وبارك الله لك في أهلك، دلني على السوق] الله أعطاني موهبة أستطيع أن أستفيد من هذه الموهبة، عندي عقلية تجارية، هذا عنده عقلية صناعية، فأمتنا أمة إنتاج، وأمة جهد وتحمل مسئولية، وأمة عمل ولا تلوكها الهموم، ولا الأحزان، ولا المصائب، ولا الفقر، ولا المحن، ولا البلاء، ودخل السوق وحقق نجاحاً تجارياً رهيباً يقول: [لو رفعت الحجر لو جدت تحته ذهباً].

    وبعد هذه الآية العظيمة -أيها الأحباب الكرام- يتحتم علينا كلٌ حسب موقعه أن نستفيد منها، (اتقوا الله) نتقي الله، (أصلحوا ذات بينكم) نمارس هذه العبادة المفقودة، أبحث أين فلان على خلاف مع زوجته من أقاربي أصلح بينهم؟ أين من هو هاجر لأمه وأبيه أصلح بينهم؟ أين من هم متخاصمون فأصلح بينهم؟ أبدأ أتجاوب مع القرآن، وكل ما يأتي بعد ذلك لفساد ذات البين كأني لا أسمعه، هذا اغتابني، هذا تكلم فيَّ، هذا أسمعني ما لا يرضي، إذا نزغ الشيطان بيني وبين إخوتي: وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوّاً مُبِيناً [الإسراء:53] وهل هناك أشرف من هؤلاء الجنود؟ وهذا القائد وتلك المعركة؟

    لا يوجد أشرف منه ومع هذا كان الشيطان بينهم بشهادة القرآن، وأصبح معظم الجنود متنازعين بسبب هذا الشيطان، وستأتي الآيات وستذكر هذه الحادثة، فماذا نقول نحن؟ نحن في جهاد وليس بيننا رسول ولا نحن صحابة، إذاً من باب أولى أن نكون في غاية الحذر من خطرات وأفكار وأوهام ووساوس الشيطان التي تفرق بين الزوج وزوجته، والولد وأبيه، والرحم ورحمه، والجار وجاره، فقد نزغ إبليس، وفتن بيني وبينك، أستغفر الله، نعوذ بالله من الشيطان، تعال نتصالح.

    إن يوسف ألقاه إخوته في البئر وعرضوه لامتحانات عظيمة وابتلاءات كبيرة وفي النهاية نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي [يوسف:100].. لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ [يوسف:92].

    بعد هذه الآية الخطيرة العظيمة، وهي أخطر آية موجودة في سورة الأنفال، بدونها لا يكون جهاد ولا إسلام .. تصير فوضى، أناس تحقد على أناس، وأناس تحفر لناس، وأناس تمكر، وأناس تكيد، وأناس تحقد، وأناس تحسد، أمة متعبة جداً، وهذه العقد التي يحملها كثير من العرب اليوم مع الأسف الشديد؛ بسبب هذا التمزق الرهيب الذي يحيونه بسبب الأحزاب الحاكمة؛ كل حزب يريد أن يصبغ شعبه مثلما يريد هو في أيدلوجيته وفكره، فالشعب الفلاني يحقد على الشعب العلاني بسبب رئيسه، لكن لو طبقت هذه الآية وعممت انظر إلى الحياة الطيبة الكريمة التي يحياها الناس.

    يوم أن عممت هذه الآية في عهد عمر بن عبد العزيز خرج الناس في أموال الزكاة يريدون فقيراً واحداً لم يجدوا، ماذا فعلوا؟ هل وضعوا الأموال في البنوك ورابوا فيها؟ لا. لا أخذوا يحررون البشر، يشترون العبيد ويعتقونهم، إنه مقصد سامٍ من مقاصد الزكاة، وتطورت القضية حتى وصلت في بعض أوقاتها أن جعلوا هناك لجاناً لرد الاعتبار وجبر القلوب المكسورة، إذا خرج خادم مثلاً مولاه أرسله لكي يحضر له مثلاً طبق فول، وبعد ذلك سقط منه الطبق وانكسر، فخاف أن يرجع إلى مولاه، هناك لجنة موجودة يذهب له ويقول له: انكسر مني الطبق؟ يقولون له: تفضل هذه قيمة الطبق اذهب فاشتر آخر .. هذه قيمة الفول اشتر فولاً واذهب به إلى مولاك حتى لا يضربك ولا يهينك، ولا يهجرك -هذا بالنسبة للخادم- أي مجتمع هذا وأي حياةٍ يحياها الناس في ظل جمال الإسلام ومعاني الإسلام؟

    1.   

    أثر التربية النبوية الإيمانية على الصحابة

    ثم بعد ذلك تبدأ الآيات تعطي مواصفات أولئك الجنود (إنما) أداة حصر: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ [الأنفال:2] هذه الانتفاضة لذلك القلب عند ذكر الله، كم مرة نحسها في اليوم أو بالأسبوع أو بالشهر أو في السنة؟ هذه الآية تجعلها سمة وصفة ثابتة لهذا الجيل القرآني الفريد: إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ [الأنفال:2-3] ويأتي الإنفاق مع الصلاة دائماً في أغلب الآيات؛ لأنك أنت في الصلاة تطلب من ربك، فإذا أردت أن يعطيك أعطيته، وكما انفتح قلبك في الصلاة لمولاك فلينفتح جيبك بالإنفاق للناس، تريد أن تأخذ ولا تعطي! لا يصح، فتأتي الصلاة فيها العطاء الرباني لك، تأتي الزكاة والإنفاق فيها العطاء منك للناس: وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقّاً لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ [الأنفال:3-4].

    وبعد هذا الوصف لهذا الجند بدأ القرآن يسرد القصة من أولها؛ قصة غزوة بدر ، وهذا فن في العرض، الاستهلال هذا يستفيد منه المدرسون، نحن في جمعية المعلمين لا تدخل في الموضوع مباشرة دون أن تهيأ له تهيئات، تجعل فيه إشارات وتشد الناس له، فبعد الآيات الأولى كل واحد متشوق لسماع الحديث عن بدر ، تفضل الآن بعد هذا الشد:

    كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ [الأنفال:5] إذاً إذا أردت أن تخرج من بيتك اخرج بالحق، فكم من خارجٍ من بيته في الباطل، اخرج بالحق إما في طلب رزق، أو صلة رحم، أو دعوة أو صلاة، وليس خارجاً من بيته تاركاً لزوجته المصون، وأولاده الأبرار وسكنه الهانئ المطمئن، وذاهب يسافر إلى تايلاند ، أو بانكوك أو ملاهٍ أو أغاني أو سمرات أو مخيمات فيها مخدرات وفيها.. ما هذا؟ هل تضمن أنك تعود مرة ثانية إلى البيت؟

    بأي وجه تلاقي الله وأنت خرجت في الباطل ما خرجت في الحق؟ وخاصة القرآن يعلمك دعاء: وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَاناً نَصِيراً [الإسراء:80] فالسلطان النصير ما يأتي إلا بالصدق والحق، أما أن تخرج من بيتك للباطل وتريد السلطان النصير، لا. هناك جن، هناك شياطين، هناك عين، هناك سحرة، هناك أعداء لا تعلمهم أنت.

    كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ [الأنفال:5] هذا الجزء من الآية يبين أن الجماعة الإسلامية وحتى نحن في هذا المكان يتفاوت إيماننا وتربيتنا وثباتنا، لا يمكن أن نكون في مستوى واحد، والسبب: أننا نتربى على معاني الإيمان فالذي تلقى منها وعمل زاد، والذي لم يتلق ولم يعمل ينقص، فالإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، والجماعة الإسلامية تتربى يربيها قائدها وحبيبها محمد صلى الله عليه وسلم، فيربيها على الثبات، والتضحية، والشهادة، والجهاد، ويربيها على الإنفاق، والصدقة ويربيها... وتنشأ، فلا تتعجب أنك ترى في يوم من الأيام شاباً متديناً يرتكب بعض الصغائر، أو يرتكب بعض الكبائر فلا تطبل ولا تزمر ولا تهول، ولا تقل: ألا تستحي! أنت كذا، أنت كذا، أنت كذا، بل خذه وانصحه وامسح على صدره وادع له وأرشده وبيّن له، وتعاون معه على الشيطان ولا تعنِ الشيطان عليه.

    هؤلاء صحابة ومعهم الرسول صلى الله عليه وسلم، وهم خارجون معه يجاهدون، ومع هذا يقول القرآن عنهم: وَإِنَّ فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ [الأنفال:5] أولاً أكد إيمانهم حتى لا تقل لي: هؤلاء منافقون، هؤلاء كفار، لا. هم من المؤمنين، لكنهم كارهون، من يحب القتل؟ من يحب القتال؟

    كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ [البقرة:216] لكن الذي تطيب نفسه يجعلنا نستقبله ونرضى به: وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ [البقرة:216] فيتم الرضا والتسليم لله مهما كانت النتائج.

    يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ [الأنفال:6] تشخيص لهؤلاء الذين يعانون من قضية المواجهة العسكرية لأول مرة؛ لأن الدراسات النظرية تظل نظرية في مجالها حتى تبدأ المناورات والمعارك الحية بالذخيرة الحية هنا يتمايز الناس، الدراسات في الكلية سهلة فكل واحد جالس ويسمع، لكن عندما يلبسون ويتسلحون ويخوضون الحرب ويبدأ النار والرصاص والدخان هنا يتمايز الناس، فتصوير القرآن لهم كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ [الأنفال:6] هنا أنت تتخيل ذلك الذي محكوم عليه بالإعدام ويجرونه إلى حبل المشنقة كيف يصفر وجهه، وتدور عيونه، وترتجف أوصاله، فلا القاضي نقص من عمره بحكم الإعدام، ولا الذين عفوا عنه زادوا في عمره؛ لأن الآجال مكتوبة ومحسوبة، وإذا دنت كان أكرمها القتل في سبيل الله، لكن تظل قضية التربية هي التربية؛ فالذين يربونهم على الرقص، والموسيقى، والمهرجانات والاحتفالات غير هؤلاء الصحابة الذين تربوا على ما وصف القرآن: يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ [الأنفال:6] فكيف ستحارب برقاصين ودمبكية؟!

    كيف ستحرر البلاد وتحفظ العباد وتحقن الدماء، وأمهات الأجيال ترقصهم كل سنة؟!

    هذا غير صحيح، بل إذا ما جاءنا واحد بمستوى هذه المسئولية العظيمة، من بيئة نظيفة ومجتمع راقٍ وبقيادة النبي صلى الله عليه وسلم، والتجربة الأولى انظر المعاناة فيها: وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ [الأنفال:7] إنه وعد إلهي إما القافلة أو الانتصار في الحرب، وهم على يقين في هذا، الواحد ما جاءنا من هيئة الأمم ولا من ( بوش )، فوعد ( بوش ) بوش مثله، لكن هذا وعد رباني إلهي، ضمان تام إما القافلة وهي الربح المادي ورد الاعتبار واستنـزاف قوى العدو، أو النصر الحاسم، قرارات القرآن ما فيها لعب. إما لا، أو نعم.

    1.   

    معركة بدر وأحداثها

    وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ [الأنفال:7].

    سبحان الله! للإنسان مراد وللرب مراد ولا يكون إلا ما أراد الله، ولو حقق الله مرادهم ماذا سيكتب التاريخ؟ المنصفون من المؤرخين سيقولون: بأن هؤلاء أناس مظلومون مسلوبون طردوا من مكة ، فاستردوا بعض أموالهم، أما غير المنصفين من المستشرقين وأعداء الدين وقد قالوها: خرج محمدٌ بعصابةٍ من قطاع الطرق قطعوا على أبي سفيان القافلة لكي يسرقوا ما فيها! هذا أقصى ما يكتب التاريخ إما هذه أو هذه، ونحن نسمع وننظر الآن الحرب الإعلامية الباردة وغير الباردة بين الدول عندما تشتعل، انظر إلى أشكال وألوان التهم، أين هذا مما كتب التاريخ والسير عن هذه المعركة الخالدة، التي الملائكة الذين قاتلوا فيها صاروا أفضل الملائكة في السماء، والبشر الذين قاتلوا فيها صاروا أفضل البشر في الأرض، ويومهم سماه الله يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ [الأنفال:41] وأصبحت كل معارك الإسلام حتى الفتح، حتى يومنا هذا إلى يوم القيامة تمشي على تشريعات بدر ، سواء الشورى أو الحرب كل القرارات أو الدستور العسكري الذي ذكره سعد بن معاذ في كلمته الخطيرة التي ألقاها.

    إذاً: مراد الله أفضل من مراد العبيد، لا خير إلا خيرك ولا طير إلا طيرك ولا إله غيرك، اللهم ردنا بقضائك، وبارك لنا في قدرك حتى لا نحب تعجيل ما أخرت ولا تأخير ما عجلت، واكفنا كل هولٍ دون الجنة، آميـن.

    لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ [الأنفال:8] هناك فئة من المجرمين تكره الحق، تكره أهله، ولابد من إحقاق الحق رغم أنوف هؤلاء المجرمين الفسقة، الذين هم سبب الفساد في كل مكان، سبب الخمور والفجور والمجون في كل مكان، رغم أنفهم يحق الله الحق ويبطل الباطل، مهما خططوا ومهما دبروا، فإن إحقاق الحق وإبطال الباطل بيد الله سبحانه وتعالى.

    في الطريق إلى بدر

    وتنقلنا بعد ذلك آيات من كتاب الله إلى غرفة العمليات العسكرية، وهي العريش الذي كان النبي صلى الله عليه وسلم يستغيث فيه ربه إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ [الأنفال:9] لكن بين هذه الآية والتي قبلها تمت أحداث مذكورة في السيرة لابد أن نعرج عليها.

    منها: أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يتعاون هو مع اثنين على بعير واحد، علي بن أبي طالب رضوان الله عليه ومرثد بن أبي مرثد ، والنبي عليه الصلاة والسلام على بعير واحد؛ لأنه كان معهم سبعون بعيراً تقريباً مقسم على ثلاثمائة وأربعة عشر أو ثلاثة عشر، فكل واحد يركب ساعة تقريباً وينـزل، ويركب الثاني وهذا يمشي فقال علي لـمرثد تعال نتنازل عن حقنا لرسول الله صلى الله عليه وسلم فيركب هو ونمشي نحن، يعني: من المحبة فقال علي : بأبي أنت وأمي يا رسول الله! إننا نتنازل لك عن الركوب فتركب ونمشي، فقال: (لا. لستما بأقوى على المشي مني، ولست بأرغب عنكما بالأجر) فأنا أقدر على المشي، وأنا أكثر حرصاً على الأجر، مع أنه مغفور له ما تقدم من ذنبه وما تأخر.

    والقضية قضية تراب وغبار على رجله، لكن انظر ميزان هذا الغبار عند الله يوم القيامة: (ما اغبرت قدما عبدٍ في سبيل الله فتمسهما النار) انظر إلى المعارك التي خضناها في الماضي أين كانت القيادة؟

    هذا في حفلة سكر، وذاك في حفلة غناء، وذاك على بلاجات، وهذا في جيبه ممثلة أو مغنية، ويصدرون الأوامر والجنود يروحون! انظر حتى تعرف أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يؤصل هذه الضوابط حتى لا يأتي واحد من بعده ويركب سيارة ويتجول على كيفه في غاية الراحة والمكيف وما عنده استعداد ليحط المنديل الحرير عن أنفه لينـزل في الخندق حتى لا تتسخ نعلاه! مثل هؤلاء الرويبضة لا تتم بهم الانتصارات، فالانتصارات تريد لها رجلاً خشناً، جمع الغبار عنده أحسن من البخور، لم يقل: خصصوا لي بعيراً للتمر المعقم، وبعيراً آخر للمياه الصحية! وتصير طابور المعارك كلها للقيادة، بل يمشي مثلما يمشون ويتعب مثلما يتعبون.

    والعسكر والجنود عندما يرون هذه الطبقية الخطيرة والعنصرية التي تدب لو يحصل له أن ينتقم ويثأر من قائده في زحمة القتال والغبار لفعل؛ لأنه يكون محروقاً من الداخل، فهو الذي يحقق النصر، وذلك الناعم يأخذ النياشين، والأنواط.

    استشارة النبي لأصحابه

    مشى عليه الصلاة والسلام مثلهم حتى وصل قريباً من الموقع، فوقف وقال: (أشيروا عليَّ أيها الناس!) المعصوم يستشير غير المعصومين، هو نبي معصوم مؤيد بالوحي صلى الله عليه وسلم، لو اتخذ قراراً إن كان صواباً مضى، وإن كان خطأً ينـزل جبريل يصحح، ومع هذا ما استبد ولا احتكر القرار، ولا قال: أنا وليذهب الجميع، وروجع في كثير من القرارات قبل المعركة، وتنازل عن رأيه في بعضها، وهكذا تكون الأمة الحرة، أمة تستخدم أفكار بعضها البعض وتتلاقح هذه الآراء ووجهات النظر والأفكار ويجرى الحوار وتنتعش الحياة ويثرى الفكر، لهذا وقف وقال: (أشيروا عليَّ أيها الناس!) وفتحها لكل الناس، حتى الذي عمره أربعة عشر وخمسة عشر لا يستغني عن رأيهم، حتى يؤصل قاعدة الشورى في كل الظروف والأحوال.

    قام أبو بكر وخطب رضي الله عنه، وقام عمر وخطب، وكل مرة يكرر نفس السؤال، ثم قام المقداد وخطب خطبة عجيبة ربط بين حدث تأريخي، وبين الواقع الذين هم فيه، قال: (يا رسول الله! امض حيث أمرك الله، فوالله لن نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى: فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون، ولكن نقول لك: فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون، والله يا رسول الله! لو ذهبت بنا إلى برك الغماد -أقصى موقع في اليمن - لسرنا معك، وجالدنا من دونه حتى تبلغه).

    وكان المقداد بن عمرو مهاجراً وهو يريد أن يسمع رأي الأنصار، فأعاد: (أشيروا عليّ أيها الناس!) إلا أن المعنى الذي طرحه فـالمقداد معنى عظيم، المقداد يعبر عن خوض حرب عالمية على مستواهم في ذاك الزمان؛ لأنه من موقع بدر إلى برك الغماد أربع عشرة قبيلة محاربة، وهو عنده استعداد أن يخوض الحرب مع هذه القبائل ويغطي مساحة ألفي ميل يسيطر عليها بجميع جغرافيتها، الجبال والسهول والصحاري، الثلاثمائة وأربعة عشر جندياً، التقرير عنهم أنهم (حفاةٌ فاحملهم، جياعٌ فأطعمهم، عراةٌ فاكسهم، عالة فأغنهم) هكذا قال عنهم الرسول صلى الله عليه وسلم في بدء المعركة، وقال: (إن تهلك هذه العصابة لا تعبد على الأرض) لا يوجد إلا هم، هذا اسمه ارتفاع الروح المعنوية، وارتفاع الروح المعنوية عند المقاتل لا يحتاج إلى فرقة قِرَب، وإلى فرقة ترفيه يحضرون له ممثلين وممثلات من أجل يفعل لهم واحد مثل صلاح الدين وواحد مثل كذا، لا. بل درس قرآن ودرس سنة، ورغبة في الجنة ينطلق مثل الصاروخ، لا تدق له قربة ولا تدق طبل.

    موقف الأنصار من غزوة بدر

    قال: (أشيروا عليَّ أيها الناس!) قال سعد بن معاذ ممثل الأنصار: (لكأنك تعنينا يا رسول الله؟!) انظروا إلى الأدب الجم في الحديث (قال: نعم.) اسمع الآن الدستور العسكري الذي دونه سعد بن معاذ لا يستغني عنه كل جيش، كل مادة تحتاج إلى تفصيل لكن الوقت لا يسمح قال: (يا رسول الله! آمنا بك) قاعدة الإيمان هذه هي قاعدة قبول العمل، بدونها لا يقبل عمل (وصدقناك) أنا قد أؤمن بشخصك لكن ما أصدقك على طول الخط، أما (صدقناك) تسليم تام لكل خطة عسكرية ترسلها، ولكل حكم يصدر منك؛ لأن المصدر الذي أنت تأخذ منه موثوق فيه، سواء استوعب العقل أو لم يستوعب، أليس هذا الذي تريده الآن الأوامر العسكرية يقولون للجندي: نفذ ولا تسأل ولا تحقق؟

    هو يقول: آمنا بك وصدقناك وأعطيناك على ذلك عهودنا -الذي هو البيعة على الجهاد- ومواثيقنا -مثلما ندافع عن أولادنا وأزواجنا وأموالنا ندافع عنك، ليس في حدود المدينة كما هو مذكور في البيعة، ولكن حتى خارج حدود المدينة، وهذا الذي يريده النبي صلى الله عليه وسلم، لا يريد أن يكلف أمته خارج نطاق حدود البيعة والقرارات ولائحة الضبط والربط، بحجة أنه هو أدرى بالمصلحة وأحرص على سلامة البلد، لا. فهناك مواد تضبط أصبر على شوكتها وألمها أفضل من أن أنتهك حرمتها وبعد ذلك أخسر كل شيء في المستقبل البعيد أو القريب، وإلا من يمنعه أن يقول: يا معشر الأنصار! أنتم بايعتموني داخل المدينة، والآن نحن خارج المدينة تدافعون عني رغماً عنكم، لا. لم يقل ذلك بل ظل يقول: أشيروا أشيروا أشيروا، لماذا لم يتكلم حتى ما أشار واحد منهم قال له: تكلم، بل ظل يكرر نفس الطلب حتى فهموها بعد ثالث مرة.

    قال: (لكأنك تعنينا يا رسول الله؟!) وبكامل الحرية عبر، (أعطيناك على ذلك عهودنا، ومواثيقنا، على السمع والطاعة) السمع والطاعة، مع السمع شيء آخر، أنا قد أسمع الأوامر لكن لا أنفذها ولا أطيعها، لكن أسمع وأطيع هذا هو المطلوب من الجندية الحقة، قال: سمعنا وأطعنا، (على السمع والطاعة) أيضاً قد أطيع، لكن لم أسمع الأمر كما هو، وإنما اجتهادات خاطئة، وارتجال في التنفيذ، قال: (على السمع والطاعة يا رسول الله! فوالله يا رسول الله! لو خضت بنا هذا البحر لخضناه معك ما تخلف منا رجلٌ واحد) هذا البحر وهم أناس لا يعرفون السباحة، ويخوضون: (خضناه معك)؛ لأنك أنت أول من يخوض، لا نقعد هناك بعيداً وأنت تذهب في المهلكة بل (لخضناه معك).

    (ما تخلف) هذا الذي يسمونه الضبط والربط في العسكرية يمين الحذاء قف. سر. انهض، لا يوجد تخلف ما يتخلف أحد عن الأوامر أبداً (ما تخلف منا رجلٌ واحد).

    (وإنا لا نكره أن تلقى بنا عدونا غداً) هذا الذي يسمونه حب لقاء العدو، وحب الشهادة في سبيل الله، والأنس في التحام الصفوف، وهذه روح عالية للقتال، لا يرمي وهو ينتفض، ويقدم رجلاً ويؤخر رجلاً، لا. بل في شوق (لا نكره أن تلقى بنا عدونا غداً).

    ثم يقول في هذا الدستور العسكري العظيم: (إنا صبرٌ عند اللقاء صدقٌ في القتال) إذا التقينا بالعدو لا يوجد أصبر منا، وإذا قاتلنا صدقنا، لا أذهب أرمي ذخيرتي تتحكم فيّ الأهواء؛ الأهواء القومية والعلمانية والمذهبية والحزبية والعشائرية، قد يكونون جنوداً في كتيبة واحدة، لكن كل واحد له فكرة، هيا يا عسكري أرم فيرمي بلا هدف لا يرمي الهدف، فتخسر الدولة الذخيرة، وتخسر النصر ويتحكم العدو، لا. بل (صدقٌ عند القتال) لا نرمي إلا بالحق.

    ثم يقول: (فلعل الله يريك منا ما تقر به عينك يا رسول الله!) وهذا تفاؤل مطلوب من الجنود، وليس كل واحد له رأي آخر ومناجاة، وكلما جلس أربعة أو خمسة يتبادلون الحديث: هل سننتصر أو لا ننتصر؟

    هم أكثر منا، وأقوى منا، وعندهم السلاح الفلاني، وعندهم كذا، وعندهم أمريكا, لا. بل تفاءل بالنصر يا أخي، (فلعل الله يريك منا ما تقر به عينك يا رسول الله).

    ثم بعد ذلك الختام العظيم لهذه الخطبة العظيمة، وهو التوكل على الله، وطلب البركة من الله الذي لا يستغني عنها جيش قال: (فسر على بركة الله يا رسول الله!) والذي لا يسير على بركة الله على ماذا يسير؟

    على الخطب الرنانة سنضرب في الأعماق، توسع يا بحر، تجوع يا سمك سنرمي فيك اليهود!! بل سر على بركة الله، ليس عندي سأضرب في الأعماق ثقة بنفسي وبقواتي المسلحة، لا. بل ثقة بالله الذي أنجز وعده ونصر عبده وأعز جنده وهزم الأحزاب وحده، هذه حقيقة يجب أن يفهمها المقاتلون.

    خطة المعركة بعد المشاورة

    ثم بعد هذه المشورة اطمأن على الجبهة الأنصارية والجبهة المهاجرية وقام عليه الصلاة والسلام يستكشف موقع القتال، وخاصة أن الكفار أعلنوا عن الموقع، فـأبو جهل لما بلغه أن القافلة نجت عاند وقال: لنأتين ماء بدر ، ولنذبحن الجزور، ونشرب الخمور، وتعزف فوق رءوسنا القيان -يعني: المغنيات- ويسمع بنا العرب فيهابوننا أبد الدهر.

    عرف الرسول صلى الله عليه وسلم موقع بدر فجاء واتخذ موقعاً، فقال الخباب بن المنذر : (هو أمر من الله يا رسول الله لا نقدم فيه ولا نؤخر أم الحرب والخدعة والمشورة؟ قال: بل الحرب والمشورة، قال: هذا ليس بموقع) ثم أعطاه خطة عجيبة وهي تعطيش العدو وتجويعه واستنزاف قواه حيث إنه سيأتي من مكان بعيد من مكة إلى موقع بدر يكون عطشاناً ومياههم انتهت فغوروا الآبار ودفنوها، وحدد موقع المعركة إذ جعل العدو على صخور، وهو على تراب متماسك، ثم بنى حوضاً لجنوده وعبأه بالماء الحلو، ووصل العدو وهو عطشان ولا يوجد ماء، وهذه أول صدمة نفسية للعدو، كان العدو يحسب حسابه على أنه يجد مياهاً عذبة ثم لا يجد شيئاً، فكانت صدمة نفسية قد تحقق نصف النصر، فحاول بعض أفراد العدو في بعض الحركات البطولية فخرج له علي بن أبي طالب وقطعه عن الحوض، قبل أن يشرب رضي الله عنه، وبدأت المعركة تأخذ لها طابعاً حاراً مبارزات من هنا ومن هنا.

    وهنا اتجه الرسول صلى الله عليه وسلم إلى عريشه -غرفة العمليات- ومعه أبو بكر رضي الله عنه وبدأ يستغيث: (اللهم إني أسألك وعدك الذي وعدت، إنك لا تخلف الميعاد) وأبو بكر يقول: (بعضاً من مناشدتك ربك إن الله محققٌ وعدك الذي وعدك يا رسول الله!) فتسقط البردة ويردها مرة ثانية.

    الملائكة ودورهم في معركة بدر

    معاناة روحية إيمانية عند القيادة، ليس عنده ذلك الكبرياء والغرور، لا. بل انكسار أمام الله الذي يملك النصر والهزيمة سبحانه وتعالى، هذا الانكسار فيه خير للجيوش وللأمم.

    وجلس فجاءته غشية من النعاس، ثم قام يبتسم قال: (أبشر يا أبا بكر هذا جبريل يقود الملائكة عند ثنايا الماء) وجبريل جاء على حصانه وتحولت الملائكة من طبيعة ملائكية إلى طبيعة بشرية مقاتلة حتى تكثر العدد وتفعل الأفاعيل العجيبة، وكان هناك نقاط مراقبة للكفار قد وضعوهم على جبل، اثنان يراقبان الموقع ويعلنان عن آية تحركات، وإذا بجبريل يمر عليهم ولا يرونه، فيضرب حصانه بالسوط ويقول: أقدم حيزوم، وكان اسم حصانه حيزوم، فواحد من الكفار لما سمع صرخة جبريل انخلع قلبه وسقط في الوادي ميتاً، والثاني نزل بدلاً من أن يركض إلى معسكره ركض إلى معسكر الرسول صلى الله عليه وسلم، فوجد نفسه أمام النبي فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله، ما هذا؟ ما هي الصرخة هذه ما قد سمعنا مثلها؟ (أقدم حيزوم).

    وهنا تتجلى الآيات العظيمة بأن الذي يقود المعركة والذي يرمي هو الله: إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ [الأنفال:12] وإذا البنان تتقطع، وتسقط السيوف والرماح من الأيدي بحركات عجيبة، نوافير الدم تطلع من الأيدي، والرءوس تتدحرج ولا تسمع إلا صليل السيوف، وقصف الرماح، وصراخ الأبطال، وتجندل الفرسان عن صهوات الجياد، وإذا بالملائكة تنـزل وتربط.

    وإذا بـأبي اليسر -رجل من الصحابة قصير القامة نحيف البدن- يأتي إلى العباس وقد كان مع جيش الكفار يخفي إيمانه وإسلامه داخل المعسكر، فيأتي أبو اليسر ويربط العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه وأرضاه ويجره فيقول: ربطته! قال: لا يا رسول الله، لقد أعانه عليَّ رجلٌ طويل لا أراه بينكم، قال: (أعانك عليه ملك) فأصبحت الملائكة تتدخل في قضية الأسر والتربيط.

    ويخرج الحبيب المحبوب ويأخذ من حصى وحجارة الأرض، ويا للحجارة ودورها القتالي عبر التاريخ ويرمي بها وجوه الكافرين، ويقول: (شاهت الوجوه) فما بقي وجه إلا وأصابه حجر: فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى [الأنفال:17].

    ونقول لأحبابنا في فلسطين : وما رميتم إذ رميتم ولكن الله رمى، فأصبح الحجر يطارد دورية ثلاث سنوات عجزت حكومة يهود على أن تقضي على الانتفاضة والجهاد في فلسطين ، ببركة تلك اليد المباركة التي أطلقت أول حجر إيماني في وجه الكافرين، فأصبح هو سلاح المستضعفين الذي يرمي به الله وجوه الكافرين.

    فنسأل الله أن يحقق النصر لهم في كل مكان، اللهم إنا نسألك نصرك المؤزر المبين، كنصر يوم بدر أن تنصر المجاهدين في فلسطين وأفغانستان ، وفي كل مكان إنك على ذلك قدير.

    أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم إنه هو الغفور الرحيم.

    والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.