إسلام ويب

بين يدي الاستسقاءللشيخ : أحمد القطان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن نزول المطر قد يكون رحمة بالعباد لحسن علاقتهم بالله سبحانه وتعالى، وقد يكون استدراجاً من الله إن لم يعدموه، وما ذاك إلا لمخالفات قد وقع فيها المجتمع، ولأجل ذلك؛ جاءت هذه المادة موضحة لجملة من تلك المخالفات، كعدم تحكيم الشريعة، والتعامل بالربا، وانتشار المخدرات، والخمور وفساد ذات البين، والفساد الإداري ... إلخ. وبينت كذلك أهمية التوبة من صغائر الذنوب وكبائرها، وحاجتنا إليها، مع بيان أن الجزاء من جنس العمل.

    1.   

    أمور متحتمة بين يدي الاستسقاء

    الحمد لله رب العالمين، غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب ذي الطول، الحمد لله مقيل عثرات العاثرين، وراحم المذنبين، وقابل توبة التائبين، وأصلي وأسلم على الصادق الأمين محمد، وارض اللهم عن خلفائه الراشدين، وأصحابه أجمعين والتابعين، وجميع الدعاة الصادقين إلى يوم الدين.

    عباد الله: جددوا إيمانكم بلا إله إلا الله، فإن الإيمان يخلق كما يخلق الثوب، وأكثروا من الصلاة على النبي، فمن صلى عليه صلاة صلى الله عليه بها عشراً.

    عباد الله: أوصيكم ونفسي بتقوى الله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ) [آل عمران:102] فالتقوى هي الطريق للموت على الإسلام والإيمان والقرآن، وهي التي تفرج الهموم، وتجلب الأرزاق، وتستنزل الأمطار: وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ [الطلاق:2-3].

    تحكيم الشريعة

    أحبتي في الله: صلَّت الكويت اليوم صلاة الاستسقاء، فقد مر موسم المطر ولم ينـزل من السماء شيء، وأنا أقدم "بين يدي الاستقاء" هذه الخطبة؛ لأنه لا يكون بلاءٌ إلا بذنب، ولا يرفع إلا بتوبة، فقبل الاستسقاء يجب أن نتحاكم إلى شريعة الله، وأن نحول القانون الوضعي إلى حكم شرعي، وهذا ثابت في الحديث، قال صلى الله عليه وسلم: (حدٌ من حدود الله يقام في الأرض خير من أن يمطر الناس ستون عاماً) لأن في إقامة الحدود، والتحاكم إلى الشريعة حياة في كل شيء: وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ [البقرة:179] .. أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ ) [المائدة:50].

    ترك التعامل بالربا

    ثانياً: أن نحرم الربا، هذا الداء الوبيل الذي يشن الله فيه حرباً ورسوله على آكليه في الدنيا والآخرة، فالله آذننا وأعلمنا: فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ [البقرة:279] ويوم القيامة يقول ابن عباس : [يقال لآكل الربا: خذ سلاحك، فيقول: لماذا؟ فيقال: لكي تحارب الله] ونحن نصر على الربا منذ زمنٍ بعيدٍ، واستحدثنا له من محدثات الأمور مؤسسات بين يدي الاستسقاء نطالب بتحويلها إلى مؤسسات إسلامية، المؤسسات الاقتصادية في العالم الآن تخسر، والمؤسسات الإسلامية لم تخسر، والسبب: أن للطاعة بركة، وللمعصية شؤماً، وتابعوا أخبار انخفاضات العملات، وأسواق الأوراق المالية والبورصة العالمية، لتعلموا حقيقة قوله تعالى: يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ [البقرة:276] نتخلص من الربا على المستوى الفردي والجماعي، فالحديث الصحيح يقول: (درهم رباً يأكله العبد وهو يعلم أشد عند الله من ستٍ وثلاثين زنية)، ويقول في الجامع الصغير للسيوطي: (الربا بضع وسبعون شعبة أهونها وأيسرها كأن يأتي الرجل أمه).

    المطر لا ينـزل على من يفعل ذلك إلا من رحم الله، سائل يسأل -وأنا أتوقع أن الأقلام السفيهة في الصحف غداً أو بعد غدٍ ستكتب هذا الكلام- يقول: هذه دول الكافرين الذين يخترعون أبواب الربا حتى بلغت أكثر من سبعمائة باب تنـزل عليهم الأمطار ليل نهار.

    أقول: إن النبي صلى الله عليه وسلم بين حقيقة: وهي أن الدنيا جعلت جنة الكافر، وأن الآخرة هي جنة المؤمن، وعلى الإنسان أن يختار .. إما عمراً قصيراً زهيداً مشوباً بالأمراض والأكدار مع الكافرين، أو حياة أبديةً بلا إله إلا الله، نقساً يخرج من فؤادك يكتب لك الخلود به في جنات النعيم، والنظر إلى وجه رب العالمين، وهم في استدراج من الله وإمهال، قال تعالى وهو يذكر المطر: وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ [الطارق:11] الذي هو المطر: وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ [الطارق:12] الذي هو النبات: إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ * وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ * إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً * وَأَكِيدُ كَيْداً * فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً [الطارق:13-17]. إنهم في المهلة، في الاستدراج.

    وآخر يقول: لماذا تستسقون؟ المطر يؤذينا، سياراتنا الفارهة المغسولة تتلوث، شوارعنا تتوحل، الأرزاق تأتينا من كل مكان براً وبحراً وجواً، إنما الذي يستسقي الذي يعيش على حليب الإبل في الصحراء، ونحن من زمن بعيد هجرنا ذلك، ومعظمنا الأطباء يقولون: أنت فيك سكر، وأنت فيك دهن، وأنت فيك ضغط، وأنت فيك علة، فلا تشرب من هذا، وإنما كُلْ خبزةً محروقة، أمراض المترفين، أمراض البطرين.

    نبي الله أيوب عليه السلام شفاه الله، وآتاه الله ماله وولده وأهله، وأنزل عليه جراداً من السماء ذهباً، هذا الكلام لا يصدق به العلمانيون، ذَهَبٌ ينـزل على هيئة جراد، فكان يحثو في جيوبه، وفي ملابسه، والله يقول له: ألم أغنك يا عبدي؟ فيقول: بلى. رب أغنيتني، ولكن ليس بي غنىً عن بركتك، فكان يسأل الله البركة.

    نعم. الله أغنانا حتى أصبح رفٌ واحدٌ من رفوف الجمعيات التعاونية فيه أرزاق عشرين دولة، ولكن هل نستغني عن البركة، البركة يحيا بها الإيمان، البركة تبارك العمر والأهل والمال والولد والأمن، وهل هناك أكثر من أموال الكافرين؟ ولكن لا بركة لهم، حياتهم شقية تعيسة: وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى [طـه:124] .. وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ [الزخرف:36].

    محاربة المخدرات والخمور

    ثالثاً: أن نحارب المخدرات والخمور، وكل ما يسكر ويخامر العقل، المخدرات التي تفتك بأبنائنا، الخمور التي تهرب، رجال الأمن يطاردونها أكثر من خمسة عشر عاماً، ثم نراها بازدياد، المخدرات كانت منذ عشرين عاماً تكاد تكون نسبتها واحد بالمائة، أما الآن فبإمكان كل مواطن أن يحصل على المخدرات بطريقة ما؛ لأن الكميات بالشاحنات، فكما تشحن الخضروات تشحن المخدرات، مَنْ رواء ذلك؟

    الله يعلم من وراء ذلك، وإن كان القانون لا يتعالم، ولا يعلم؛ لأن الله زرع الضمير الإيماني في قلوب الناس، فأصبح كل مسلم شرطيه معه، لأنه يراقب الله، أما الذي يراقب القانون فلا يبالي إذا ما نام القانون أو غفل.

    التوبة النصوح من الكبائر والصغائر

    رابعاً: أن نتوب توبةً نصوحاً من الكبائر ومن الصغائر، وأن نرد حقوق المظلومين، وما أكثرها على جميع المستويات، نردها إن كانت مادية، ونردها متحللين من أصحابها إن كانت معنوية، فإن لم نستطع فندعو لهم، ونستغفر لهم، ولنصل الأرحام المقطوعة: وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً [النساء:1] وأن يكون شعارنا أمام المنكر: (من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان) .. (وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل).

    تقوى الله وإصلاح ذات البين

    خامساً: أن تكون جميع المؤتمرات منطلقةً من قوله تعالى: فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [الأنفال:1] تقوى الله، إصلاح ذات البين، طاعة الله ورسوله، يثبت الإيمان في الميزان، حقيقة ثابتة في كتاب الله، مؤتمرات تنطلق من هذه الآية؛ تقوى الله في السر وفي العلن، في اللقاءات السرية، في اللقاءات الخاصة، لماذا؟ لأن الله يعلم خائنة الأعين، وما تخفي الصدور.

    إنقاذ المساكين في أرض لبنان وفلسطين

    سادساً: أن ننقذ هؤلاء المساكين الذين يذبحون هناك على أرض لبنان ، عشرات السنين والأعراض تنتهك، والصبايا تغتصب، والشيوخ والأرامل والنساء والأطفال في قصفٍ مستمرٍ، لا ناصر لهم ولا معين، يخرجون من هذا المخيم فيقذفهم ذلك الصاروخ، وتتلقاهم تلك القنبلة، ويستقبلهم ذلك الرشاش، ويدفعهم ذلك اللهيب، ثم يسحقهم المرض والجوع والظمأ، والرعب المستمر حتى كنا نرى رءوس أطفال في العاشرة قد شابت، وتغيرت ألوان جلودها، كما يقول الله يوم القيامة: فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ يَوْماً يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيباً * السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ [المزمل:17-18] فصار يومهم كيوم القيامة، شابت ولدانهم، وحتى هذه اللحظة نحن نتلاعب بالأموال، فنعطيها الظالمين الذين يزيدونهم عذاباً وتدميراً وتقتيلاً، أما لهذه عقوبة! أقلها أن تمسك السماء عن المطر؟

    الحرص على الإصلاح الإداري

    سابعاً: أن نحرص كل الحرص على الإصلاح الإداري؛ نبتعد عن الرشوة، المحسوبية، وما يسمى بالواسطة وابن القبيلة وابن العشيرة وابن العائلة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم بين أن المسلمين تتكافأ دماؤهم، وإذا بحثت عن أصلهم، فأصلهم من تراب، الناس تتساوى كأسنان المشط، وإذا أردت التفريق فاسمع عن التفريق: (لا فضل لعربي على أعجمي، ولا لأبيض على أسود إلا بالتقوى: إن أكرمكم عند الله أتقاكم).

    هذا هو الميزان المضبوط، ثم بعد ذلك لا ننس إخواننا المسلمين، وعلى رءوسهم الدعاة الصادقين المخلصين الذين يقبعون في أقبية السجون في فلسطين وفي لبنان، وفي كثير من ديار العروبة وديار الإسلام، إن لهم دعوات لنا أو علينا تصيبنا من قريب أو من بعيد، المسلمون يبادون في كل مكان وفي كل دولة؛ سجون، معتقلات، حرب إبادة، تهتيك أعراض، ولا تتكلم دولة واحدة، إنما جعلت منظمات كافرة تنوب عن المسلمين، وهل يحن قلب الكافر على المسلم؟ معاذ الله! أقلها سفير يتكلم، أقلها كتاب استنكار، أو احتجاج، أو شجب، كيف نلقى الله يوم القيامة على مستوى الدول الإسلامية، ويأتي المسلمون المستضعفون من النساء والولدان والرجال يشكون إلى الله سكوتنا وصمتنا, إن لهذا السكوت شؤماً أقله عدم نزول المطر.

    أحد الصالحين يقول: إنكم تستأخرون المطر، إني أستأخر الحجارة أن تنزل من السماء.

    تعديل قانون البلد على الأجانب

    أحبتي في الله: وإن في هذا البلد أيضاً كثيراً من العاملين في التربية، أو في الأوقاف، أوفي أي مؤسسة، مسلمون صالحون لا يستطيعون إحضار زوجاتهم، لو عشرة من هؤلاء وقفوا في الليل زوجته وأولاده بعيدون عنه، يجأر إلى الله شاكياً باكياً حاله، وهو عنده استعداد أن يعيش بمائة دينار على الخبز والزيت والملح، ولم يمد يده إلى أحد، ألا يستجيب الله دعوته في الجوف الأخير من الليل.

    العلاقة الجنسية الحرام رخيصة، يتوصل إليها الإنسان في كل لحظة، والحلال ممنوع، ثم إذا سقط هذا المسكين طبلوا وزمروا وصيحوا وكبروا عليه، وفضحوه في كل مكان، هذا له عقوبة بلا شك.

    عمر بن الخطاب يخاف من عقوبة عنزة تعثر في صخرة في العراق ، أو بغلة تقع في حفرة، وسليمان عليه السلام يراعي حقوق نملة في مملكته في وادي النمل، وهؤلاء بشر، لابد من تعديل مثل هذا القانون حتى يرضى الله علينا، وتجتمع الأسر والشمل.

    1.   

    حاجتنا إلى التوبة

    أحبتي في الله: إن الذي يحفظ أمننا وإيماننا، والخيرات التي تأتي لنا من كل مكان بقايا من عجائز ركع، وأطفال رضع، وبهائم رتع، والذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وينفقون من المحسنين، بيت الزكاة يكفل اثني عشر ألف يتيم في ثلاثة وعشرين دولة مسلمة، اثنا عشر ألف يتيم! إنما تأكلون وتشربون وتلبسون بأنفاس وبركة دعاء الأيتام في العالم: (إنما ترزقون بضعفائكم) هكذا كان يقول صلى الله عليه وسلم، ومثل هذا العدد، أو يزيد في اللجان الخيرية لـأفريقيا ، أو الأفغان، أو الفليبين ، أو المناصرة، أو التراث، أو الهيئة الخيرية، أو غيرها، ولكن الذي أخشاه أن يعلو صخب هذا الباطل، وضجيج ذلك الغناء المنبعث في الليل والنهار الذي زرع القلوب بالنفاق، وظلمات المؤامرات، فتقطع الطريق على فعل الخيرات: وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً [الأنفال:25].

    أحبتي في الله: لا تزال أبواب التوبة مفتوحة، لا تظنوا أن الذي يحيي سنته فقد أدى الذي عليه، أيها المسلمون! تعالوا إلى المصليات نحيي صلاة الاستسقاء، لقد أصيب المجتمع المثالي الأول في خير القرون، في خلافة عمر بن الخطاب بعام يسمى عام الرمادة، أصبحت الأرض كالرماد، ووجوه كالرماد من الجوع، ونزحت القبائل كلها إلى المدينة المنورة يريدون أن يموتوا فيدفنوا في البقيع ، وجوار رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعمر بن الخطاب يأكل خبزاً وملحاً، تغير وجهه، وقرقرت بطنه، يقول: [قرقري، أو لا تقرقري، والله لا تذوقي اللحم حتى يشبع جميع المسلمين منه] وأمر البنائين أن يبنوا قدوراً راسيات وجفاناً كالجواب تأتي إليها القبائل تأكل منها حتى وقف عمر بعد عام كامل من الجوع، وجمع الناس .. خليفتهم يتقدمهم لكي يصلي بهم ويستغيث، وأمرهم بالتوبة والاستغفار والرجوع إلى الله، ثم توجه عمر إلى الله، وقال: [اللهم إنا كنا نستسقي برسول الله صلى الله عليه وسلم، ورسول الله قد مات، وهذا العباس عم رسول الله، قم يا عباس ! واستسقِ الله لنا، فرفع العباس يديه، وقال: اللهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين] فثار السحاب من كل مكان، وسقوا، وانتهى القحط في خير القرون، عند أعدل إمام عرفه الوجود بعد صاحبيه رضي الله عنه وأرضاه، فماذا نقول نحن في عصر الظلمات والظلم؟

    لابد من توبة عامة تعلن في الجرائد والصحف والإذاعات، ويتقدم جميع المسئولين فيصلون الصلاة، ويتوبون من الربا، وسائر المعاصي، عند ذلك يرضى الله علينا، وإذا جاء مطر ونحن على هذه الحالة التي نحن عليها إنما هو إمهال واستدراج من الله رب العالمين.

    ربنا لا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا، لا تعاملنا بما نحن أهله، وعاملنا بما أنت أهله، أنت أهل التقوى وأهل المغفرة.

    اللهم لا تؤاخذنا بذنوبنا، لا تؤاخذنا بما فعل وما يفعل المبطلون، هذا بذنبنا، وتعفو عن كثير، يا أرحم الراحمين! اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، واجعله رزق إيمان، وعطاء إحسان، إن عطاءك لم يكن محضوراً.

    أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه.

    1.   

    الجزاء من جنس العمل

    الحمد لله رب العالمين، ولا عدوان إلا على الظالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وصفيه وخليله، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح لهذه الأمة، وتركها على المحجة البيضاء.

    عباد الله: اتقوا الله، اتقوا الله، اتقوا الله، اتقوا الله، قال تعالى في كتابه الكريم -انظروا إلى الرب: بين ظهور الفساد في البر والبحر، وبين السقيا من الله، أو عدمها-:

    أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ [الروم:41] هذا في سورة الروم إلى قوله تعالى: اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَاباً فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفاً فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ * وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ * فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحاً فَرَأَوْهُ مُصْفَرّاً لَظَلُّوا مِنْ بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ [الروم:48-51].

    إذاً: الكفر والإيمان له علاقة، ظهور الفساد في البر والبحر له علاقة، انتبهوا! انتبهوا! أحبتي؛ أحبتي في الله، الله لا يرضيه ما تفعله الأقلام السفيهة التي تتكلم على الله بغير علم، أيها الإخوة! معصية واحدة يأخذ الله بها أمماً، يكتب كاتب في الصحف، يستشهد بالآيات والأحاديث على جواز رقص الراقصة التي جاءت في الكويت، كيف يسقينا الله، ولم يرد عليه أحد لا على مستوى رسمي، ولا على غير رسمي؟

    يقول: أيها الناس! لماذا تقتلون الفرحة في قلوب الناس؟ هذه الطائفة -يعني: المتدينين؛ أصحاب الدين والغيرة والحمية- يقول: قتلوا الفرحة في قلوب الناس عندما طالبوا بمنع الراقصة من الرقص، ورسول الله قد أذن للحبشة أن يرقصوا في مسجده لتنظر عائشة إليهم، انظروا إلى أي مدى بلغ من الاستهزاء والسخرية بالدين! الحديث يقول: لعب الحبشة بالحراب، لعبة حربية بالحراب يقفزون بها، وعائشة طفلة صغيرة في العاشرة، أو تزيد قليلاً، وفي المسجد، ومعها رسول الله، وليس معهم أحد .. يساوي هذا برقص الراقصة على المسرح عاريةً والناس ينظرون، أين رجال الفتوى ترد عليه؟ يقولون: هذا سفيه لا نرد عليه. كيف والله جل جلاله قد رد على السفهاء: سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ [البقرة:142] وأمر الله أن يحجر على مال السفيه.

    هذه الأقلام يجب أن تحجر، أو على الأقل أن يكون في كل صحيفة باب خاص لوزارة الأوقاف والشئون الإسلامية والفتوى، ترد على مثل هذه الشبهات، لأن كثيراً من الناس ليس عندهم علم من الشرع، فيُخدعون بهذا الكلام ويصدقونه، فالجريدة سهلة، وقراءتها سهلة، ويستشهد بالآيات، ويستشهد بالأحاديث بأن هذا أمر جائز وحلال، وأنها فرحة يجب أن تدخل في القلوب، ثم ننتظر بعد ذلك أن يسقينا الله!! الله يريد أن ندافع عن نبيه، وعن رسوله، وعن أحاديثه، وعن دينه.

    اللهم إنا نسألك العافية في الأهل والمال والولد والعمل الصالح، ربنا لا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا، ولا تعاملنا بما نحن أهله. اللهم إنا نسألك بأسمائك الحسنى وصفاتك العلى ووحدانيتك، يا مغيث يا منان! لا إله إلا أنت رب السماوات السبع وما أظلت، ورب الأرضين السبع وما أقلت، ورب الشياطين وما أضلت، عز جارك، وجل ثناؤك، لا إله إلا أنت نسألك بجميع أسمائك الحسنى وصفاتك العلى ما علمنا منها وما لم نعلم؛ أن تسقينا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، اللهم أغثنا يا مغيث! غيثاً مغيثاً، عاماً طبقاً، وابلاً صيباً، ديمةً رهاماً، متداركاً نافعاً؛ عطاءَ إيمانٍ ورزقَ إحسانٍ، هنيئاً مريئاً تنبت به الزرع، وتملأ به الضرع، وتدفع به الوباء والداء، والضر والبلاء والغلاء برحمتك يا أرحم الراحمين!

    اللهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، اللهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، اللهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، وارحمنا به رحمةً تغنينا عن رحمة من سواك من الرحمات يا أرحم الراحمين!

    اللهم هذا الدعاء ومنك الإجابة، وهذا الجهد وعليك التكلان.

    ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم.

    إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهي عن الفحشاء والمنكر والبغي، يعظكم لعلكم تذكرون، فاذكروا الله يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.