إسلام ويب

الصوتيات

  1. الصوتيات
  2. محاضرات مفرغة
  3. أحمد القطان
  4. أول يوم من السنة الثانية للانتفاضة

أول يوم من السنة الثانية للانتفاضةللشيخ : أحمد القطان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • اليهود جنس شرير معادٍ للإسلام، لذلك حاربه الرسول صلى الله عليه وسلم وخلفاؤه الراشدون، وقد ذكرت الوثيقة التي كتبها عمر الفاروق عند استلام بيت المقدس ما يؤكد هذه النظرة الإسلامية إلى اليهود، لكن الأوضاع بعد ذلك انقلبت، ومؤامرات اليهود تطورت، وشرورهم انتشرت. وتضيف هذه المادة إلى ذلك نص مقابلة الرئيس الأمريكي (روزفلت) مع الملك عبد العزيز بشأن إيجاد موطن لليهود، وبعض القصص الواقعية المتعلقة بالموضوع.

    1.   

    وقفات مع تاريخ فلسطين المسلمة

    الحمد لله رب العالمين، الحمد لله أقصى عن الأقصى جموع الخائنين، وقدَّس في القدس أرواح الشهداء والمجاهدين، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، الذي بيَّن لنا طريق المعاملة مع اليهود، فقال: (تقاتلكم اليهود فتقتلونهم، حتى يقول الشجر والحجر: يا مسلم! يا عبد الله! هذا يهودي خلفي تعال فاقتله، إلا شجر الغرقد، فإنه من شجر يهود) ونحن نعترف بهذا الحديث، وسنظل نعمل به، فهو الذي يطالب بكامل التراب الفلسطيني.

    وارض اللهم عن الخلفاء الراشدين، والصحابة أجمعين، ومن دعا بدعوتهم إلى يوم الدين.

    أما بعد:

    أيها الأحباب الكرام! إني أحبكم في الله، وأوصيكم ونفسي بتقوى الله: وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ [الطلاق:2-3].

    اللهم إنا نسألك أن تنصر المجاهدين في فلسطين ، وقد أتم المجاهدون يوم أمس (8-12-1988م) عامهم الأول من الانتفاضة المباركة، ودخلوا اليوم عامهم الثاني، فنسأل الله أن يثبتهم، وأن ينصرهم وأن يؤيدهم، وأن يرينا في اليهود عجائب قدرته، فالذي كفل استمرار المجاهدين عاماً كاملاً هو الله، مع أنهم لا يملكون إلا الحجر والإيمان، ولو قرأت أنت في التاريخ مثل هذه القصة فإنك لا تصدق، لولا أننا عشنا هذه الفترة من حياة الجهاد الإيماني نسمع ونرى لما صدقنا.

    هل مر عليكم في التاريخ في عصر الرومان أو الإغريق أو اليونان، أو في أي حضارة من حضارات العالم، أو أي مرحلة من مراحل الاستعمار العسكري، أنه قام أطفال صغار بحجارة، واستمروا يحاربون الدولة المستعمرة التي تملك كل أنواع الأسلحة، واستمرت حربهم هذه عاماً كاملاً، لكن نحن عقيدتنا: إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [البقرة:20].

    وثيقة عمر .. نصها وبيانها

    وأعود معكم إلى التاريخ الإسلامي، إلى وثيقة الفاروق عمر، فهي فوق كل الوثائق، وتصريحه الخطير يوم أن استلم مفاتيح القدس فوق كل تصريح، يؤلمني كثيراً أنه في اليوم الثامن واليوم التاسع تطالعنا تصريحات الدولة الفلسطينية قائلة: (إن الدولة الفلسطينية تعترف بالكيان اليهودي).

    إن هذا يقتلني من الداخل، فأعود إلى وثيقة عمر، والتي وقعها أربعة من القادة والأمراء الفاتحين لأرض فلسطين والشام، ونتملاها كلمة كلمة، لنرى أن عمر يرفض العنصر اليهودي في القدس وفي فلسطين من ذلك التاريخ، مع أنه أذن للنصارى إن شاءوا أن يبقوا لهم كنائسهم وصلبانهم ودينهم لا يكرهون، ومنع اليهود.

    لقد كان عمر يدافع عن الدين الإسلامي وعن الدين النصراني، يدافع عن الدينين معاً ضد اليهود، لأن الله أعطاه نوراً وإلهاماً أن هذا الدين اليهودي يتآمر على جميع الأديان، قال عمر في وثيقته الخالدة:

    [بسم الله الرحمن الرحيم: هذا ما أعطى عبد الله عمر أمير المؤمنين أهل إيليا من الأمان، أعطاهم أماناً لأنفسهم وأموالهم، ولكنائسهم وصلبانهم، وسقيمها وبريئها وسائر ملتها، أنه لا تسكن كنائسهم ولا تهدم] حتى لما أدركته الصلاة وكانت الكنيسة أمامه أبى أن يصلي فيها وصلى خارجها، وقال: لو صليت فيها سيأتي المسلمون يبنون مكان صلاتي مسجداً، وفعلاً بنى المسلمون مكان صلاته خارج الكنيسة (مسجد عمر) إلى هذه الساعة موجود.

    [أنه لا تسكن كنائسهم ولا تهدم، ولا ينقص منها ولا من حيزها، ولا من صلبهم ولا من شيء من أموالهم، ولا يكرهون على دينهم، ولا يسكن بـإيليا معهم أحد من اليهود -النص واضح، لا يسكن في إيليا معهم أحد من اليهود- وعلى أهل إيليا أن يعطوا الجزية كما يعطي أهل المدائن وعليهم أن يخرجوا منها الروم واللصوص- الرومان المقاتلون يريدون السيطرة على فلسطين والقدس، فأخذها عمر منهم رغم أنوفهم، والتفت قيصر الروم (هرقل) إلى جبال الشام وهو يبكي، وقال: وداعاً يا جبال سوريا ! لا رجعة بعد اليوم- فمن خرج منهم فإنه آمن على نفسه وماله، حتى يبلغوا مأمنهم، ومن أقام منهم فهو آمن، وعليه مثل ما على أهل إيليا من الجزية، ومن أحب من أهل إيليا أن يسير بنفسه وماله مع الروم، ويخلي بيعهم وصلبهم، فإنهم آمنون على أنفسهم حتى يبلغوا مأمنهم، ومن كان بها من أهل الأرض فمن شاء منهم قعد وعليه مثل ما على أهل إيليا من الجزية، ومن شاء سار مع الروم، ومن شاء رجع إلى أهله، لا يؤخذ منهم شيء حتى يحصد حصادهم، وعلى ما في هذا الكتاب عهد الله وذمة رسوله، وذمة الخلفاء وذمة المؤمنين إذا أعطوا الذي عليهم من الجزية، شهد على ذلك خالد بن الوليد، وعمرو بن العاص، وعبد الرحمن بن عوف، ومعاوية بن أبي سفيان ] كتب وحضِّر سنة خمس عشرة هجرية بإمضاء وختم عمر بن الخطاب رضي الله عنه من يملك أن يبطل هذه الوثيقة؟

    حال اليهود بعد عمر بن الخطاب

    عمر بن الخطاب ينفي عن القدس وعن فلسطين اليهود فلا اعتراف بهم منذ ذلك التاريخ.

    واستطاع اليهود الخبثاء أن يتحكموا في سياسات دول كبرى، ألا ترون أثر اللوبي الصهيوني حتى على فيزة دخول أبي عمار إلى أمريكا ، وقد كنت فيها هناك أشاهد التلفاز الأمريكي وهو يعمل إحصائية عامة للشعب الأمريكي في قضية دخوله أو عدم دخوله، فكان الذين يوافقون لوصوله إلى هيئة الأمم أكثر من 66% من الشعب الأمريكي، مع أن الشعب الأمريكي شعب مضلل ومخدوع، معظم أجهزة الإعلام يسيطر عليها اليهود، ومع هذا كان أكثر من نصف الشعب الأمريكي يأذن بدخول ياسر عرفات إلى هيئة الأمم ، ولكن لتحتقر إرادة الشعب الأمريكي الذي ينظر كل يوم إلى تمثال الحرية، ولتحتقر عضوية جميع الدول في هيئة الأمم ، حيث اختارت مقرها هناك في أمريكا، ولتحتقر جميع الأعراف الدولية المتفق عليها، ولا يؤذن له ويسمى إرهابياً، ولا يسمون رابين وبيريز وشارون وأمثالهم إرهابيين، الذين في يوم من الأيام كانت صورهم تعرض في أمريكا كمجرمين وإرهابيين، فلما أصبحوا رؤساء دول ورؤساء جيوش أصبحوا هم الأبطال الذين يجب أن يطاعوا، وأن ترضخ لهم الحكومة الأمريكية والكونجرس الأمريكي، وأن تحطم وتلغى جميع الأعراف الدولية، لكي يعرف حقيقة من يعترف بدولة اليهود كيف يكون هؤلاء اليهود على حقيقتهم، وكيف كان الإسلام منذ عهد عمر إلى يومنا هذا، إلى أصغر طفل يحمل حجراً في وجه اليهود، وما هو منطق الإيمان وما هو منطق الكفر.

    وفي أحد مطارات أمريكا ، وكان سبب ذهابي وهدفه أمرين:

    الأمر الأول: تلبية دعوة اتحاد طلبة الكويت الدارسين في أمريكا لإلقاء محاضرات هناك.

    الأمر الثاني: تلبية دعوة اتحاد فلسطين لاحتفالهم بمرور عام كامل للانتفاضة، فكنت أنتقل أحيي الانتفاضة الفلسطينية في ولايات أمريكا رغم ريجن ورغم بوش ، فكانت هنالك مهرجانات كبرى فيها الصيحات، والتقينا بالمسلمين العرب يزيد عددهم عن مائة ألف مسلم فلسطيني منبث في الولايات المتحدة الأمريكية يحرص العدو الصهيوني أن يذوِّبهم ويطمس هويتهم وأن يقتلهم، فجاءت الانتفاضة خلال عام كامل تدفع زخم الإيمان والجهاد، حتى رأيت أطفالاً صغاراً لا يعرفون حرفاً واحداً من اللغة العربية، فهم مولودون في أمريكا ويتكلمون لغتها، يلفظون كلمة الحجر وكلمة الانتفاضة.

    وجاء والد يحمل طفله الصغير قال: هذا يريد أن يسلِّم عليك، فقلت له: لماذا؟ قال الطفل: لأن الشيخ ذكرني في خطبته في قصيدة، فقلت: أنا لا أعرف هذا الطفل، فكيف أذكره في قصيدة؟ قال: لا. استمع إليك وأنت تقول:

    في القدس قد نطق الحجر     

    لا مؤتمر لا مؤتمر

    أنا لا أريد سوى عمر

    وهذا ابني اسمه عمر قال: الشيخ يذكرني، الشيخ لا يريدني إلا أنا، انظر إلى أي عمق بلغت كلمات الانتفاضة! إلى أرواح الأطفال، ووالد آخر في نيويورك استقبلني فقال: الطفل الذي على كتفي الصغير هذا المولود أسميته شهيداً: لماذا يا أخانا؟ قال: تيمناً وتبركاً بقافلة الشهداء على أرض فلسطين شهداء الانتفاضة، فأصبح اسمهم وحروفهم وغبارهم وعرقهم وآلامهم، شعارات شعبنا المنبث على الأرض، أفنجهض هذا ونحبط هذا كله فنعترف بالكيان اليهودي؟ معاذ الله.

    نص مقابلة روزفيلد مع الملك عبد العزيز

    أيضاً: أعود إلى التاريخ الحديث كما عدت إلى التاريخ القديم، فأقرأ عليكم هذه الوثيقة المنقولة من كتاب المملكة لأحد الكتاب الأوروبيين، روبرت لويسي ماذا يقول؟ المقابلة على المدمرة الأمريكية كوينسي، والمقابلة بين الملك عبد العزيز وبين روزفيلد الرئيس الأمريكي.

    استمعوا إلى هذه المقابلة كيف يلهم الله الحجة لهذا الملك، دون أن يحتاج إلى مستشارين، أو خبراء، أو سكرتارية، أو ملفات، كان ببساطته على المدمرة، حتى أول ما ركب هذه المدمرة وكان الشعب الفلسطيني في هذه اللحظة يشن حرباً رهيبة على اللاجئين اليهود، في ذلك الوقت اليهود كانوا يسمون: لاجئين، والبريطانيون قد وهنوا، والشعب الفلسطيني في قمة انتصاراته، بكل بساطة الملك عبد العزيز ركب المدمرة، حتى أنه أخذ معه الذبائح حتى تكون على الطريقة الإسلامية، قال: لأن اللحم الموجود في المدمرة هذا فطيس للأمريكان أنا لا آكل منه، هكذا بالنص.

    وأشعل النار وعمل القهوة على المدمرة من فوق، وينام فوق المدمرة مع حرسه ورعاياه، واضطر الرئيس الأمريكي أن يضع له كرسياً على ظهر المدمرة وليس بالغرفة الخاصة أو الكبينة، ثم دار هذا الحوار قبل مؤامرة الجيوش العربية والزعماء العرب في (1948م) عندما سحبوا السلاح من الشعب الفلسطيني وتركوه يذبح بأيدي أعدائه، استمعوا إلى هذه المقابلة التاريخية:

    يقول روزفيلد : لقد عانى يهود أوروبا الوسطى الأمرَّين على يد هتلر ؛ من طرد وتعذيب وقتل جماعي، وإني أشعر بمسئوليتي الشخصية نحو هؤلاء البؤساء اليهود، وإني ألتزم فعلاً بالبحث عن حل لمشاكلهم، فهل توجد عند جلالتكم أي اقتراحات بهذا الشأن؟

    سؤال مطروح من روزفيلد إلى الملك: أعندك اقتراحات في حل المشكلة اليهودية؟

    فأجاب الملك عبد العزيز : أعطهم أحسن أراضي وبيوت الألمان الذين قاموا باضطهادهم.

    فقال روزفيلد : إن اليهود باتوا يخافون البقاء في ألمانيا خوفاً من تكرار ما حدث -هذا الكلام قبل الحرب العالمية الثانية، في عملية الإعداد لها، فماذا كان جواب الملك عبد العزيز؟

    قال: إن بريطانيا وأمريكا تخططان لإلحاق الهزيمة بـألمانيا ، لذا لا أرى سبباً لمخاوف اليهود.

    فقال روزفيلد: لكني أثق بالكرم العربي الأسطوري. فأكرمونا بأرض فلسطين لكي تكون لليهود.

    لم تعد قضية سياسية عند روزفيلد ، بل أصبحت الآن قضية عاطفية.

    فماذا كان الرد، قال الملك عبد العزيز : دع المعتدي والطاغية يدفع الثمن، هكذا نحارب نحن العرب، إن الذين ذبحوا اليهود هم الألمان وليس عرب فلسطين ، وأقترح أخيراً: لماذا لا يوزع اليهود على بلدان الحلفاء الواسعة، أما فلسطين فقد وصلها ما فيه الكفاية من اللاجئين اليهود.

    قال روزفيلد: أعتبر هذه الفكرة فكرة جيدة -التي هي توزيع اليهود على دول أوروبا وأمريكا وليس على دولة فلسطين، وفلسطين فيها الكفاية من اللاجئين -قال: أعتبر هذه الفكرة فكرة جيدة، ثم ذهب إلى الكونجرس الأمريكي، وأخبر بأن الشعب الأمريكي مغرر ومخدوع.

    ثم ألقى خطابه قائلاً: لقد تعلمت من ابن سعود عن مشكلة اليهود بخمس دقائق أكثر مما كنت سأتعلمه من خلال عشرات الرسائل المتبادلة.

    أرأيتم أيها الإخوة! كيف كانت حالة أكبر سياسي في أمريكا في ذلك الوقت؟ يوم أن كان الشعب الفلسطيني بيده البندقية، كانت البندقية تفرض على جميع الملوك والحكام في ذلك الوقت عزة الإسلام، وعزة الإيمان، لم يجد من عبد العزيز حرفاً واحداً أو كلمة واحدة يسلِّم فيها شبراً من أرض فلسطين ، واليهود اسمهم لاجئون، وإذا كنتم تحبونهم يا أمريكا وزعوهم على أمريكا ! وأوروبا وليس على أرض فلسطين .

    ولكن المؤامرة أكبر وأعظم، واستمروا في حيلهم ومكرهم حتى توصلنا في النهاية إلى يوم أمس وهذا اليوم على صفحات الصحف: إن الدولة الفلسطينية وليس أي دولة أخرى تعترف بالكيان اليهودي.

    أبا عمار هداك الجليل     أبغير الدواء يشفى العليل

    أبغير الوغى تعيد حمانا     وتكون العلا لنا والقبول

    لا وربي فما شفتنا الأماني     وكلام مع الرياح يميل

    فتمسك بالبندقية حلاً     ودع السلم إنه تضليل

    وتوكل على إله البرايا     فهو خل لمن جفاه الخليل

    وهو إن صحَّت العقيدة فيكم     خير عون على الأعادي كفيل

    هذه سيرة الرسول وفيها     لك إن شئت عبرة ودليل

    يوم ضاقت به صروف الليالي      ودهته من الأعادي خيول

    في دجى الغار والهلاك محيط      بهما عندما بكاه الزميل

    ما دعا غير ربه من عوين      لا ولا من سواه تأتي الحلول

    هكذا قوة اليقين تجلت     وتجلى من أجلها المستحيل

    إذ بنى عشه الحمام وحاكت     بيتها العنكبوت وهي تقول

    إنما نحن من إلهك جندٌ     قد أتانا فلا تخف يا رسول

    وكذا في نهج الصحابة أيضاً     قصص تستفيد منها العقول

    فتصفح تراثهم وتخير     ما به أرض المسلمين تئول

    أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

    1.   

    حوار اليهود باللسان والسنان

    حوار مع قاض يهودي

    الحمد لله رب العالمين، ولا عدوان إلا على الظالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    أما بعد: أيها الأحباب الكرام! وفي رحلتي الأخيرة التقيت في أحد مطارات أمريكا بقاضٍ يهودي في السبعين من عمره، تعرفنا عليه في المطار، فسألنا: من أنتم؟ ومن أي بلد؟ وكان معنا بعض الأخوة الفلسطينيين، فقالوا له: نحن من فلسطين، عند ذلك قال: إنني أستمع إلى إذاعة تتكلم باللسان الفلسطيني هنا في أمريكا، وكان الأخ الذي معي هو المسئول عن هذه الإذاعة، فأخذ هذا اليهودي يتحقق ويسأل عن مسئولها .. عن رقم هاتفه.. عن عنوانه، فقام الأخ وراوغ عنه يميناً وشمالاً وأعطاه أرقاماً كاذبةً، لأن الحرب مع اليهود خدعة، وقلت في نفسي: لا أقوم من هذا المقام حتى أغيظ هذا اليهودي، فإغاظة الكفار عبادة، وليس إرضاء الكفار والاعتراف بهم إنما إغاظتهم: وَلا يَطَأُونَ مَوْطِئاً يُغِيظُ الْكُفَّارَ [التوبة:120] عبادة، فقلت له: ما تقول في القصة؟ كان هناك امرأتان لكل واحدة منهما طفلة، فجاء الذئب فاختطف طفلةً منهما وترك الأخرى، فجاءت المرأتان واختصمتا في الطفلة الصغيرة، كل واحدة منهما تقول: هذه طفلتي، وطفلتك ذهب بها الذئب، واختصمتا، فذهبتا إلى النبي سليمان عليه السلام، وأراد أن يعرف الأم الحقيقية للطفلة فلم يستطع، عند ذلك قال سليمان: أحضروا السكين لنقطع الطفلة ونقسمها قسمين، ونعطي كل واحدة منها نصفاً، أما أمها الحقيقة فلم ترض بالتقسيم، وأما أمها المزيفة المدعية قالت: أنا أرضى بالتقسيم -لأن الدم الذي ينزل من الطفلة ليس دمها، ولم تحمل بها، ولم تخض آلامها وولادتها؛ فلما سمع سليمان كلام المرأة التي لم ترض بالتقسيم، قال: هذه الطفلة لك، فخذيها كاملة بدون تقسيم.

    ما تقول أيها القاضي! في هذه القصة، وأنت قاضٍ وأبرز صفة في القضاة: العدل في القضايا؟ فقال: يا لها من قصة جميلة، أحفظها منذ وأنا كنت طفلاً صغيراً، وأعجب بها إعجاباً كبيراً، قلت له: حسناً.. هذه الطفلة الصغيرة هي أرض فلسطين الغير قابلة للتقسيم، فبهت الذي كفر، وأخذ ينظر إليَّ نظرة غضب يكاد يقتلني من الحقد، ثم نهضت عنه وركبت الطيارة وتركته يحترق بآلامه وحزنه.

    نعم. أيها الأحباب: هذه هي أرض فلسطين، لها أمَّان؛ أم مزيفة، وأم حقيقية لا ترضى أبداً أن تفرط بظفر أو بقطرة أو خلية من خلايا ابنتها وحبيبتها وفلذة كبدها، وستصل في النهاية إلى ما وصلت إليه تلك الأم فتأخذ فلسطين كاملة بإذن الله رب العالمين، هذا وعد من الله ووعد من رسوله -فثقوا أيها الأحباب!- قال تعالى: فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيراً [الإسراء:7].

    الشهيد يوسف أبو درة وحياته الجهادية

    أحبابنا الكرام! هذا بطل مجاهد من أحفاد وأبناء المجاهد عز الدين القسام ، اسمه يوسف سعيد أبو درة ، من شهداء فلسطين رحمهم الله رحمة واسعة، وجعل قبورهم روضة من رياض الجنة.

    استشهد عز الدين القسام في معركة (أحراش يعبد) قرب جنين عام (1935م) ربَّى عز الدين القسام أبطاله على الجهاد في حركة الجهاد، وانطلق هذا الدور الجهادي بعد استشهاده انطلاقاً عظيماً عامي (1936م) و(1939م) وهي أعظم فترة جهادية في أرض فلسطين ، والقائد يوسف أبو درة من خيرة المجاهدين القساميين على أرض فلسطين .

    أبو درة ولد عام (1900م) فهو يجاهد وعمره في الثلاثينات، في عز شبابه، انتقل رحمة الله عليه إلى مدينة حيفا ، وعمل في السكة الحديدية.

    ثم بعد ذلك تعرف على عز الدين القسام وانضم إلى المجاهدين، ودخل يوسف أبو درة في تنظيم الشيخ القسام ، فلما استشهد القسام قام أبو درة مستلماً للقيادة يجاهد على أرض فلسطين.

    في أوائل عام (1938م) قام الشيخ عطية ومعه نائبه يوسف أبو درة على رأس أربع فصائل من المجاهدين المسلحين بالرشاشات والبنادق، وطوقوا مدينة جنين من جميع جهاتها، ونجحوا في الإغارة على جميع مراكز الشرطة والجيش البريطاني، واستولوا على ما فيها من ذخيرة وبنادق، وفي الوقت نفسه قام فصيل آخر من المجاهدين بمواجهة قوات الجيش البريطاني المتمركز في نابلس، ونصبوا له كميناً للدوريات العسكرية في نابلس وفي جنين، وقطعوا الطريق عليه وطريق إمداداته، وفي ختام المعركة انسحب المجاهدون بنجاح وسلام إلى الجبال حامدين الله على توفيقه ونصره.

    في إثر هذه المعركة الناجحة التي قام بها المجاهدون ضد الإنجليز واليهود توجه اللواء السادس عشر الإنجليزي إلى منطقة جنين ومشطها لكي يقضي على المجاهدين، ولكن المجاهدين استطاعوا باستخباراتهم الإسلامية أن يعرفوا تحركات العدو الإنجليزي ومن معه من يهود، ووزعوا أنفسهم على رءوس الجبال في كفر دان واليامون، وبدأت المعركة في الساعة العاشرة صباحاً يوم (3/3/1938م) دفع الإنجليز ثلاثة آلاف جندي مقاتل في مفرزة مع قوات حراسة حدود أردنية، وتسع طائرات مقابل ثلاثمائة مجاهد فلسطيني، ودارت معركة رهيبة قتل فيها أعداد كبيرة من الإنجليز ومن كان معهم، واستشهد بعض المجاهدين على رأسهم قائدهم الشيخ عطية رحمة الله عليه، واستلم القيادة من بعده يوسف أبو درة وأكمل المعركة وانسحب بقواته بنجاح متفوقاً على عدوه الذي كان يباغته بين الحين والحين، ويحقق انتصارات كبيرة بفضل الله رب العالمين.

    وأصبح يوسف أبو درة في معاركه التي يشنها على الإنجليز بطلاً رمزياً يرعب الإنجليز واليهود فلا يقر لهم قرار، وكان من أعماله أن هاجم سجن عتليت المحصن في جنوب حيفا، اقتحم سجن عتليت وحرر جميع السجناء الفلسطينيين الذين اعتقلتهم السلطات البريطانية الغاشمة.

    ثم إنه قام أحد المجاهدين الذين يعملون تحت رايته باغتيال السير موفاه حاكم جنين البريطاني، ومساعد حاكم نابلس في مكتبه، وذلك بعد أن اشتدت مضايقته للمجاهدين، ومن أكبر معاركه معركة الزينات في منطقة الكرمل في (28/11/1938م) حيث كان عدد المجاهدين بضع عشرات، والبريطانيون آلافاً تساندهم ثلاث عشرة طائرة، أي أن معركة بدر تتحقق على أرض فلسطين؛ ثلاث عشرة طائرة وآلاف الجنود، والمجاهدون عشرات.

    وأسفرت المعركة عن استشهاد خمسة من المجاهدين ومقتل عشرات من البريطانيين، وسرت شائعة بأن القائد يوسف أبو درة استشهد في هذه المعركة، فطبع منشوراً أعلن فيه أنه لم يصب بأذى، قال: أنا يوسف سعيد أبو درة، قد أصبت بضرر بسيط، وأنا لا زلت بحمد الله أتمتع بالصحة والعافية، وأعاهد الله وأعاهد رسوله على مواصلة الجهاد إلى النهاية، حتى تصل الأمة إلى ما تصبو إليه أو يقضي الله أمراً كان مفعولاً. وفرح الناس بسلامته، وكان خطيباً بليغاً مفوهاً رحمة الله عليه.

    وظل أبو درة وأصحابه المجاهدون ثابتين على الجهاد، حتى توقفت الثورة والجهاد عام (1939م) باشتعال الحرب العالمية الثانية، انسحب إلى دمشق، لكن مضايقات السلطة الفرنسية في دمشق اضطرته للمغادرة إلى الأردن، فاعتقلته الأردن وهو في الطريق، اعتقلته دوريه الجيش الأردني، واحتجزته لفترة في منطقة الكرك ، ثم سلمته إلى الجنرال أجدوب باش الذي سلمه إلى الانتداب البريطاني الذي حكم عليه بالإعدام شنقاً، نفذ في (30/9/1939م) رحمة الله عليه.

    أرأيتم من الذي يقتل الجهاد والمجاهدين ويتآمر عليهم، منذ ذلك التاريخ البعيد إلى يومنا هذا؟

    لهذا لا أمل إلا بهذا الدين ومن يرفع شعار هذا الدين، فنسأل الله أن يبارك في حماس حركة المقاومة الإسلامية على أرض فلسطين ، وأن ينصرهم نصره المؤزر، إنه على ذلك قدير، يا أرحم الراحمين برحمتك نستغيث.

    اللهم انصر المجاهدين على أرض فلسطين:

    قصيدة حماسية لمجاهدي فلسطين

    يوم التضامن بالأبطال يأتزر      أزهار غار مع التقدير ينظفر

    تهديه دوحتنا للقدس عطرها      دم الشهيد على الأسوار ينتشر

    اضرب فديتك حتى ينطق الحجر      ويأذن الله فالتاريخ ينتظر

    ما دمت ترمي فإن الأرض راضية       وأمك الأرض تعطي وهي تفتخر

    وتلك أمٌ على الآلام صامدة      يفنى الحديد ولا يفنى بها الحجر

    قد علمتها الليالي كل خافية      فعاشت الدهر للأبناء تدخر

    وصخرة القدس لا زالت بعزتها      مذ جاءها الفتح مذ صلى بها عمر

    اضرب فديتك حتى ينطق الحجر      ويبسم الجرح والأزهار والشجر

    من المكبر فاقطع من محاجره      إن المكبر بالتكبير يعتمر

    أسموه صهيون والتحريف ديدنهم      يأبى الصناديد والتاريخ والسير

    من كل تل تزوَّد والتقط حجراً      كالورد لوثه الأجداد والظفر

    ومن جبليا فخذ ما ترتجي حمماً      بالعزم قد جبلت بالنار تستعر

    ومن بلاطة في نابلس خذ مدداً      وارجم بها النذل حتى يخرس الخطر

    إن الرصاصة إذ تأتيك غادرة     تحمر من خجل بالدم تفتخر

    ما أبسط الموت والأبطال تحضنه     ما أعظم الطفل والآمال تزدهر

    ما أصغر النذل إذ يغتال سيدة     وهي الشهيدة بالأمجاد تأتزر

    يا أيها الشبل والرشاش يحصده     يا ابن الشهيد ومن تزهو به الصور

    إنا رأيناك تحت الموت مبتسماً     والجرح ينزف والأعضاء تنتشر

    أنت الذي ترقب الدنيا شجاعته     أنت الحبيب وأنت الوعد والخبر

    فوق الشجاعة ما تبديه يا بطلاً     فوق الأساطير فالأقلام تنكسر

    فليهنأ الوطن الغالي ستحفظه     هذي الملاحم والأحلام تنتشر

    من ينصر الله ينصره ولو جمعت     صهيون أجنادها فالحق منتصر

    جيل الحجارة تعلو اليوم قامتكم     قلوبنا معكم تدمى وتعتصر

    المجد من صنعكم يزهو بموقفكم     وثورة الحق حتماً سوف تنتصر

    اللهم إنا نسألك بأسمائك الحسنى وصفاتك العلا ووحدانيتك، يا منزل الكتاب، ومجري السحاب، وهازم الأحزاب، اهزم اليهود في فلسطين ، رحماك رحماك بالأطفال اليتامى، والنساء الثكالى، والشباب الحيارى.

    اللهم انصر المجاهدين على أرض فلسطين، وعلى أرض أفغانستان، وفي كل مكان، اللهم سدد رميهم، واجبر كسرهم، وفك أسرهم، واغفر ذنبهم، ووحد كلمتهم، وثبت أقدامهم، واربط بالخير على قلوبهم، واحفظ دينهم، واحقن دماءهم، وسلِّم أعراضهم، وصن أموالهم.

    اللهم إني أسألك لنا ولهم حسن الاعتقاد، ونور اليقين، وحلاوة الإيمان، وبرد الرضا، وصدق القول، والثبات في الأمر، والعزيمة على الرشد، وأنس الذكر، وإجابة الدعوة، وبركة الدعاء برحمتك يا أرحم الراحمين.

    هذا الدعاء ومنك الإجابة، وهذا الجهد وعليك التكلان، ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم.

    إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، يعظكم لعلكم تذكرون، فاذكروا الله يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.