إسلام ويب

الداعية الربانيللشيخ : أحمد القطان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الشيخ حسن أيوب داعية معاصر من مصر، وهو الداعية الرباني المقصود في هذه المحاضرة، التي ألقت الأضواء على جوانب هامة في حياته، ابتداءً من وصوله إلى الكويت، وجهوده الدعوية فيها، وحتى خروجه منها منتقلاً إلى السعودية. وهذه المادة تتضمن كلاماً هاماً عن علاقة الإنسان بالمكان، وطلب العلم، وأخوة الإسلام، والعلاقة الوطيدة بين الشيخ القطان (المحاضر) والشيخ حسن أيوب. وفي ختام هذه المادة قراءات مفيدة من كتاب الشيخ أيوب عن الجهاد والفساد وواقع الناس.

    1.   

    بداية المعرفة بالشيخ حسن أيوب

    الحمد لله رب العالمين، حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما ينبغي لجلال وجهه ولعظيم سلطانه، الحمد لله الإله الواحد، رب العرش الواحد، والكرسي الواحد، وكل العروش زائلة، وأصلي وأسلم على قائدي وقرة عيني محمد بن عبد الله، وارض اللهم عن آله وخلفائه الراشدين، ومن دعا بدعوتهم إلى يوم الدين، اللهم إني أسألك لأمة محمد في مشارق الأرض ومغاربها قائداً ربانياً يسمع كلام الله ويسمعها، وينقاد إلى الله ويقودها، ويحكم بكتاب الله وتحرسه، وأسألك أن تنصر جندك المجاهدين في سبيلك، اللهم سدد رميهم، واجبر كسرهم، وفك أسرهم، ووحد صفهم، واجمع شملهم، وحقق بالصالحات آمالهم، واختم بالطاعات أعمالهم، وأسألك اللهم أن تثبت إخواننا الغرباء القابضين على الدين كالقابضين على الجمر، المهاجرين من أوطانهم، الفارين بدينهم، المحاربين بعقيدتهم، اللهم ثبتهم بما تثبت به عبادك الصالحين، قهم فتنة الدنيا، وفتنة النساء، وفتنة الجاه، وفتنة تآمر الطواغيت عليهم.

    وأسألك اللهم أن تكرم الشهداء في عليين، وأن تلحقنا بهم بعد طول عمر وحسن عمل، وأن تجعل أرواحنا في حواصل طير خضر، ترتع من أنهار الجنة، وتأوي إلى قناديل معلقة بالعرش، وأسألك اللهم أن تفرج عن إخواننا المسجونين في فلسطين، والمسجونين في سجون طواغيت العرب، أسألك اللهم أن تكشف همهم، وتدفع ضيمهم، اللهم احقن دماءهم، وصن أعراضهم، واحم أموالهم، وسلم دينهم وعقولهم، وفرج عنهم يا رب العالمين! وأذقهم حلاوة الإيمان، ونور اليقين، وبرد الرضا، وأنس الذكر، إنك على ذلك قدير، اللهم اشف مرضانا، وارحم موتانا وأكرم محمداً في أمته، إنك على ذلك قدير.

    اللهم ألف على الخير قلوبنا، وأصلح ذات بيننا، واهدنا سبل السلام، ونجنا من الظلمات إلى النور، وأسألك اللهم تحرير فلسطين والأقصى، وارزقنا فيه صلاة طيبة مباركة، غير خائفين ولا وجلين من أعداء الدين يا رب العالمين!

    وأسألك اللهم أن ترينا في اليهود عجائب قدرتك، أحصهم عدداً، واقتلهم بدداً، ولا تبق منهم أحداً، اللهم عليك باليهود وأنصارهم، والنصارى وأعوانهم، والشيوعيين وأشياعهم، اللهم عليك بيهود العرب المتآمرين على الأقصى، الذابحين لمقدساته، المنتهكين لأعراض أهله، اللهم نشكو إليك ظلمهم وأنت أعلم بهم، وأنت الغني بعلمك عن إعلامنا لك، افتح بيننا وبينهم بالحق وأنت خير الفاتحين برحمتك يا أرحم الراحمين!

    منزل الكتاب، ومنشئ السحاب، ومجري الحساب، وهازم الأحزاب، اهزم أحزاب الباطل وانصر حزب الحق، رحماك بالأطفال اليتامى، والنساء الثكالى، والشباب الحيارى، رحماك يا رب العالمين! هذا الدعاء ومنك الإجابة، وهذا الجهد وعليك التكلان، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم!

    أحبتي في الله! أسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعل من شتات المسلمين دولة، وأن يجعل من يأسهم رحمة، ومن قنوطهم رجاء، وأن يوحدهم على كلمة الحق والدين، إنه على ذلك قادر.

    أحبتي! إني أحبكم في الله، إنه لشرف عظيم لي أن أجلس على هذا المكان، وهذا المنبر الذي جلس عليه شيخي وأستاذي فضيلة الشيخ : حسن أيوب، متعنا الله ببقائه سالماً غانماً، ولقد عدت بالذاكرة إلى الوراء إلى أواخر الستينات وأوائل السبعينات، يوم أن كانت بلدي هذه لا تعرف من الدعوة والداعية إلا القليل، فالشباب المسلم المتدين، رجعي متطرف متعصب ممقوت، وأما النساء فكاسيات عاريات مائلات مميلات رءوسهن كأسنمة البخت المائلة، تذهب البنت خلف أبيها تجري حتى يصل بها إلى باب المسجد وقد كشفت فخذيها (بالمنجوب) و(الميكروجوب) ولا ينكر عليه أحد إذ أصبح هذا الزي متعارفاً عليه كأنه عبادة، وأخذنا نتلفت ذات اليمين وذات الشمال، وظننا أن الفساد والفسوق قد تمكن، ولم نعلم أن الله سبحانه وتعالى له في الأرض أولياء ومجددون ودعاة ربانيون! ينقلهم من أرض إلى أرض، ومن جيل إلى جيل، وأينما حلوا كانوا كالعافية للبدن، وكالمطر للصحراء المجدبة، وكالرياح الطيبة التي تأتي لقاحاً لا عقيمة، ومنهم فضيلة الشيخ: حسن أيوب، ولا نزكيه على الله.

    أحبتي في الله! ذات يوم كنت جالساً في ديوان، فقال لي أحد الرواد لهذا الديوان: أما سمعت بهذا الخبر؟! قلت له: وما هو؟ قال: شيخ جاء من مصر اسمه حسن أيوب، وله محاضرة، محاضرته الأولى في مسجد العثمان، فهيا نذهب نستمع له، قلت: هيا بنا، وفي هذه الأيام كان اليسار والشيوعية تحيط بي من كل جانب، ويريدون إغوائي وتضليلي، وأبى الله إلا هدايتي، فجئت وجلست بجوار ذلك العمود، وأخذت أرمق هذا الشيخ، بعد أن صليت خلف إمامنا أبي ذر متعنا الله ببقائه، وتأثرت بقراءته وتلاوته، وكانت تتدفق من قلب قد عمر بالإيمان، فلما نظرت إليه وهلة، رأيت وجهه ليس بوجه كذاب، ورأيت له شخصية أخاذة غلابة، إذ وقف وأمسك بيمينه (المايكرفون)، وقد قربوا له كرسياً فنحَّاه وأبى أن يجلس عليه، ووقف وحمد الله وأثنى عليه، ثم أخذ يتكلم بأرواح المدافع لا بسيوف من خشب، أخذ يتكلم وكأن صوته الرعد، احمرَّ وجهُه واحمرت عيناه، وتفصد العرقُ من جبينه، فكأنه منذر جيش مصبحهم أو ممسيهم، وأخذت أنظر إليه، فأتأثر بشخصيته مرة؛ لأن الداعية بسمته دعوة، وبصوته مرة، وبإشارته مرة، وبعبارته مرة، وما إن انتهت المحاضرة إلا وأفقت إفاقة ذلك الذي كان يخوض معركة فجاء منهكاً وألقى بنفسه تحت ظل شجرة ليستريح، لقد خضت مع الشيخ من صلاة المغرب إلى صلاة العشاء معركة مع نفسي، ومعركة مع الشيطان، ومعركة مع المجتمع، ومعركة مع الشبهات التي في قلبي وفي عقلي، معارك كثيرة طاحنة ما كان الشيخ يخوضها بالسنان ولا بالسيف، وإنما كان يخوضها بتقوى الله، وأحسست أن كل حرف من حروف كلماته يحفر له موقعاً في قلبي، ويثبت نفسه، وأغمضت عيني وإذا بعباراته تتداعى كالشريط المشهود المنظور في ذاكرتي، فلما فرغ من الدرس وصلينا صلاة العشاء، انطلقت إليه أصافحه لكي تلتمس يدي يده فأحس بحرارة الإيمان عن قرب، فأحسست بها ولأول مرة في حياتي أرى النور، النور الحقيقي وقد كنت في ظلمات دامسة أتخبط: أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا [الأنعام:122].

    الهداية ولادة ثانية

    وبعد أن عدت إلى البيت عدت إنساناً آخر، ولدت ولادة جديدة غير الولادة التي ولدتني أمي، فإن الولادة الأولى ولادة جسد، أما الآن فهي ولادة روح وحياة وقلب، وشعور، ووجدان، وعاطفة، وكرامة، وعزة، ووجود حقيقي.

    نعم أيها الأحباب، كلنا نحتاج إلى هذه الولادة الثانية، ومن لم يذقها في حياته فليعلم أنه في عالم الأموات.

    الذي لم يذق طعم هذه الولادة التي ينطلق منها انطلاقاً مباشراً إلى الله، لا يلتفت ولا يتأخر فليعد مرة ثانية، يسجد ويبكي؛ لكي يذوقها ولو مرة واحدة في حياته، إنها الحياة الحقيقية والنور الحقيقي الذي إذا ما عصفت بك الأهواء، وادلهمت عليك الخطوب واضطربت عليك الخطى، وجدت نفسك على جسر الحياة ثابت الخطى رافع الرأس، شعارك:

    ركضاً إلى الله بغير زاد

    إلا التقى وطلب المعاد

    والصبر في الله على الجهاد

    وكل زاد عرضة النفاد

    إلا التقى والبر والرشاد

    العلاقة الوطيدة مع مكان الهداية

    أحبتي في الله! لم أتمالك عند أول محاضرة أن أقول: الآن عرفت طريقي! الآن أسير عليه! وأخذت في اليوم الثاني أزور هذا المسجد وليس فيه محاضرة، وإنما أصبح شكله ورائحته، وأزيز المكيفات القديمة التي كانت فيه، والرجفة التي تخرج من مراوحه، وروائح أقدام الناس البسطاء الذين لم يذوقوا رائحة البخور الفاخر، الذي يشترى بآلاف الدنانير، ولم يضعوا على أجسادهم (البرفان) والعطر الثمين، الذي يتهاداه الملوك في حفلاتهم، أصبح كل شيء وكل لحظة وكل زاوية في هذا المسجد بيني وبينها علاقة وإن كانت جماداً، ولا أتعجب! فهذا الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ينظر إلى صخر كان يسلم عليه مكة ، ويقول: (إني أعرفه، إذا مررت عليه يقول: السلام عليك يا رسول الله) ينظر إلى جبل وهو أحد، ويقول: (هذا أحد يحبنا نحبه) هذا جذع شجرة يحن ويبكي لما نزل عنه صلى الله عليه وسلم فوضعه على صدره الحنون، والتزمه حتى هدأ، فكيف لا أحس بهذا الشعور وأنا مسقط رأسي الحقيقي في هذا المسجد، ولادتي الحقيقية ليست في مستشفى الولادة وإنما هنا في هذا المسجد، فأصبحت أحن إليه، آتي في الأوقات التي ليس فيها دروس أبحث عن الأشرطة، واشتريت جميع الأشرطة كلها، وكان استماعي إليها عجيباً غريباً، إذ كانت تغنيني عن الطعام والشراب، وعن المنام، فلا أنام إلا ساعات قليلة، ولا آكل إلا لقيمات قليلة، وأمي تقول: ويحك ستموت من الجوع، أقول: لو تذوقين ما أذوق من غذاء لعلمتِ أنه هو الغذاء الحقيقي.

    الفرق بين السماع الأول والسماع الثاني

    نعم -أيها الأحباب- وبخلال شهر واحد استمعت إلى جميع أشرطة الشيخ متواصلاً في الليل والنهار حتى أتعب فأنام في مكاني الذي أنا فيه، فأستيقظ فأستمع إليه في كل مكان؛ في البيت، في السيارة، في المدرسة، في العمل، فلما استمعت إليها الاستماعة الأولى عدت مرة ثانية أستمع إليها استماعة طالب العلم.

    وشتان بين الأولى وبين الثانية، الثانية: بدأت أحس فعلاً أن هذا الداعية الرباني لم يكن إنساناً عادياً، إنما أودع الله فيه من الخصال والمواهب ما لم يودعها إلا في قليل من المجددين لهذا الدين على رأس كل مائة عام، فقد جمع العلم من أطرافه، ففيه حكمة الحكيم، وأدب الأديب، وفقه الفقيه، فبينما أنت تستمع إليه وهو يخطب، تحس أنك تسير خلف قائد إلى معركة، وتتمنى بعد كل خطبة أن يخوض فيك غمار الحرب إلى أن تقف في محراب الأقصى، تحس بهذا الشعور وأنت تستمع إليه.

    وإذا خرجت من باب المسجد اصطدمت بالحياة القاسية الأليمة ولا تملك إلا أن تتدفق العبرات من وجنتيك وعينيك، وتقول: يا لها من لحظات سعيدة كنت أعيشها في بيت من بيوت الله!

    ذوبان الانتماءات في رحاب الله

    وهكذا، أصبحت لنا محطة إيمانية هنا في هذا المسجد؛ في مسجد العثمان المبارك، إذا قست علينا الحياة وما أقساها بالنسبة للوافدين، فقد كان كل واحد منهم يعاني ما يعاني، ولا يخلو أحدنا من مشاكل اجتماعية أو اقتصادية أو سياسية أو تعليمية فكنا نأتي إلى هنا فتتبخر كل المشاكل وتذهب، ونجلس أحبة، ولأول مرة في مسجد من مساجد الكويت اجتمعت فيه كل الجنسيات، فتحققت أهداف الجامعة العربية التي هي في حقيقتها المفرقة العربية، تحققت بأنفاس قائد رباني، لا بشعارات زائفة، وولاء ومؤتمرات حقيقتها مؤامرات.

    اجتمعنا كلنا لا فرق بين كويتي وغير كويتي، وبين مصري وفلسطيني، كلنا أحبة يصافح بعضنا بعضاً، ويبتسم أحدنا في وجه أخيه، ونحس بهذا القرب العجيب، من خلال العيش الجماعي الذي نحياه في هذا المسجد.

    أحسسنا بآصرة ورابطة تفوق آصرة الحسب والنسب والقرابة، أحدنا يفدي أخاه بنفسه، وأحدنا يبذل ما في جيبه، فكم رجل فتح قلبه بالصلاة خلف الإمام أبي ذر للخالق، انفتح جيبه للإنفاق لإخوانه بعد تلك الصلاة مباشرة، فنراه وهو يجمع الصدقات، ونراه وهو يحث على الصدقات، فنتعجب من كرم هؤلاء الناس البسطاء؛ الذين لا يجد أحدهم في جيبه درهماً فيضع ساعته، حتى إن بعضهم يلقي مصباحه، ونجد أحياناً فيما نجمعه مصباحاً بسيطاً أراد صاحبه أن يعبر به، والذي لم يستطع أن يدفع شيئاً دفع دمعة من عينيه: تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَناً أَلّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ [التوبة:92] نعم، ورب دمعة تطيش في ميزان الحسنات فترجح على جميع السيئات.

    1.   

    تواضع الشيخ حسن أيوب ومحبته للبسطاء

    أحبتي في الله! وبدأ هذا المسجد يمتلئ إلى الشارع، وبدأت العمارات والبنايات تسمع بآذانها وبقلوب أهليها، وبدأت المرأة المسلمة تتدفق من كل مكان، وأخذ الشيخ جزاه الله خيراً يعيش بين هؤلاء؛ لأنه كان داعية شعبياً - إن صحت التسمية - ترك مسجد السالمية وجاء إلى مسجد العثمان، والسر في قدومه أنه يحب البسطاء، ويحب أن يكون معهم، وأن يحيا بينهم؛ لأنه من قرية فلاحية بسيطة عاش بين البسطاء وأحبهم، فلهذا ترك الوجاهة وجاء إلى البساطة، فوجد قلوباً تحيط به وتفديه.

    تعرض الشيخ حسن أيوب لحادث يؤثر في الناس

    وكان العبء أن بيته في السالمية وقدومه إلى هنا يشكل له عقبة في المواصلات، ويتبرع بعض الإخوة في إحضاره إلى الدرس إلا أنه أبى مع كبر سنه إلا أن يحل هذه المشكلة بنفسه، فأخذ يتدرب على القيادة، وكان أول مرة ركب فيها ليتدرب وأمسك بعجلة قيادة السيارة، وبينما هو يسير يتدرب إذ كبس على الفرامل كبسة قوية فاصطدم وجهه بعجلة القيادة، وانقطع أنفه من أسفله انقطاعاً حاداً، وحمل الشيخ إلى المستشفى وعالجوا أنفه، وأعادوا توصيله بشفتيه بأربع غرزات، وبينما هو في رجوعه من المستشفى يقول للسائق الذي يحمله: إلى أين أنت ذاهب؟ قال: إلى بيتك يا فضيلة الشيخ! قال: لا، علاجي ليس في بيتي، وشفائي ليس في بيتي، قال: إلى أين؟!

    قال: إلى مسجد العثمان، فقالوا له: الكلام يؤثر في الجرح ، الكلام سيفتح الجرح من جديد، قال: إن كان في أنفي جرح فإن أمامي آلاف القلوب المجروحة التي تنزف دماً، اذهبوا بي إلى المسجد، وجاءوا به إلى المسجد وجلس هنا، فنظرنا إلى وجهه ونرى الغرزات في أنفه، متصلة بشفته، فتعجبنا! وأخذت الخواطر والأوهام تغتال عقولنا! من هذا الذي ضربه على وجهه؟!

    من هذا الذي تجرأ عليه؟! وأصبح كل واحد منا يتمنى أن تكون الضربة فيه.

    ولله حكمة في أن يرينا شيخنا في هذا المظهر، حتى تتحرك العواطف في القلوب والمشاعر والأرواح، وما أن فرغ من خطبته ودرسه، حتى ثرنا إليه جميعاً نسأله عن مصابه، فابتسم وقال: إنني اصطدمت بعجلة القيادة وأنا أتدرب، فحمدنا الله على سلامته، وما مرت عليه أيام إلا وهو يقود السيارة قيادة ماهرة، وجاء بنفسه دون حراسة وموكب، وإنما ينتقل من السالمية إلى هنا، وهو الذي يحارب الأنظمة العميلة، والمنظمات التي تتاجر بالقضية، وكان لا يبالي ولا يأبه.

    جهود الشيخ حسن أيوب لإنشاء فصيلة جهادية

    كان اليهود والمارون يخوضون حرب لبنان، وحرب تل الزعتر، ويذبحون الفلسطينيين وهو لا يبالي، يخوض المعارك هنا، يدافع عن الأعراض، ويكشف الحقائق، ويهتك الأستار، بل إنه جزاه الله خيراً، لم يكتفِ بالكلمة وإنما أخذ يخطط لإنشاء فصيلة إيمانية إسلامية لكي ترفع راية الجهاد في سبيل الله هناك على أرض فلسطين، وعلى أرض لبنان.

    وبدأ الشباب المخلص يتقاطرون عليه من كل جانب.

    عجيب هذا الشيخ! يأتي إلى بلد ليس بلده، ومع هذا لا يأبه ولا يخاف، خوفه محصه لله رب العالمين، ومن خاف الله أخاف الله منه كل شيء، ومن خاف غير الله أخافه الله من كل شيء، هذه مقدمة ونتيجة عرفها حسن أيوب معرفة عملية، وليست نظرية، ولما بدأ يجهز الشباب ويعد العدة، ويرفع راية الجهاد، أطبقت المؤامرة عليه من كل جانب، وبدأوا يسعون من وراء الكواليس، ويهددون، ويحذرون، حتى إنهم ضيقوا عليه فخنقت فيه هذه البادرة المباركة التي لو ظلت إلى أيامنا هذه لآتت ثمارها، وآتت أكلها، وأنا أعلم أن كثيراًمن الشرفاء حتى هذه اللحظة يتلفتون يبحثون عن مثل هذه القيادة ومثل تلك الفصيلة، ولكنهم لم يجدوها.

    إن أبناء تل الزعتر، وأبناء صبرا وشاتيلا ، والبداري ، والنهر البارد ، وجنوب لبنان . كانوا يتمنون أن يمضوا تحت هذه الراية، ولكن لا نقول إلا: إنا لله وإنا إليه راجعون!

    وقد عشت لحظات التضييق على شيخي، حتى أنه كان يسهر الليل والهموم تجتاح قلبه، ويقول: يا ابني! يا أحمد! ماذا أفعل؟ التضييق في الداخل، والتضييق في الخارج، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم!! وأجهضت هذه الفكرة الجهادية العظيمة في مهدها.

    ومع هذا لم يُفل عضد الشيخ، وأخذ يواصل دعوته، حتى امتلأت المدارس والمساجد بالشبيبة الصالحة، والحجاب الإسلامي، ولأول مرة بفضل الله أصبحت المرأة المتبرجة شاذة، والمتحجبة هي الأكثرية والأغلبية: ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ [الجمعة:4].

    1.   

    تأثير الشيخ حسن أيوب على الناس

    وأخذنا نتلمس بركة هذا الشيخ فلا نحضر إليه إنساناً غافلاً إلا تنبه، أو ناسياً إلا تذكر، أو جاهلاً إلا تعلم، أو ضالاً إلا اهتدى، أو حائراً إلا عرف، فأخذنا نجذب الشباب من كل جانب، تعال فاسمع فإن كان لك عقل فتتبع، فوجدنا خيراً عظيماً، وانتشرت الأشرطة في كل مكان، وانتعشت المكتبات الإسلامية.

    أيها الأحبة الكرام! فلما رأى الشيخ أن الثورة الحماسية التي تدفقت منه إلى القلوب وصلت منتهاها وبلغت ذراها، لم يكتف عند هذا، وبدأ يؤصل منهجاً تعليمياً تدريسياً هنا في هذا المسجد، فأنشأ مدرسة العثمان، وحدد المنهج، ودرسنا على يديه: سبل السلام، والتفسير، والفقه، والنحو، والسيرة، والسلوك الاجتماعي.

    ولا ننسى تلك اللحظات الجميلة التي نحياها معه، وهو يفسر كتاب الله، وهو يتحدث عن قصة الإفك وسورة النور، وبينما هو يتدفق في حديثه الهادر، نراه يعرج مرة ثانية بعبارات رشيقة وكلمات أنيقة، يمزج اللهجة العامية المصرية باللغة العربية، فتتحول الأفواه المشدودة والحواجب المعقدة إلى سرائر مبتسمة ومبتهجة، هكذا كان يحرك المشاعر بالكلمات والعبارات.

    سير العظماء من وسائل التأثير

    أخذنا منه عبراً ودروساً، وكأنني أستمع إليه وهو يتكلم عن الداعية الرباني، وهو يصيح بأعلى صوته، تالياً كتاب ربه: إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ، نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ [فصلت:31] ونراه ينقلنا من حادث إلى حادث ومن موقف إلى موقف، ترى الأخت المسلمة أختها عبر التاريخ البعيد آسية زوج فرعون يوم أن تحدت ذاك الطاغوت الأول، والرياشة والقصور والحرير، وربطوها بالحبال، ووضعوا المنشار على رأسها، وهددوها بالتقطيع أو تترك دين الله، فقالت: والله لو قطعتموني إرباً إرباً ما ازددت في ربي إلا حباً: رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ [التحريم:11].

    ولا يتمالك السامع عندما يستمع إلى الشيخ وهو يستدل بهذه الآية على ذلك الموقف الرباني إلا أن يشارك بقلبه ودموعه تلك الأخت المسلمة، التي بينه وبينها آلاف السنين.

    أحبتي في الله! فضيلة الشيخ حسن أيوب، كنت أستمع إليه وهو يضرب على هذه المنضدة بيمينه ضربة تزلزل قواعد الشيطان، وتنسف أركان الباطل، وتقذف بالحق فإذا الباطل زاهق، ولا أنسى إشارته بإصبعه التي يرفعها إلى السماء عندما يشتد في خطابه، لا أنسى عينيه الثاقبتين الحادتين وهو يوجههما بعد صمت يقطع صوته في خطبته لكي يستجمع نقاط خطبته أو محاضرته من جديد، ثم ينطلق من جديد بمعركة ثانية وثالثة ورابعة وعاشرة، في الخطبة الواحدة، والدرس الواحد.

    ملازمة الشيخ حسن أيوب وفوائدها

    أحبتي في الله! لقد كان له الأثر البالغ في نفسي، لم أتمالك في عطل الصيف إلا أن أذهب فألازمه في بيته، فماذا وجدته؟ وجدته داعية في كل مكان، إذا دخل البيت وجد عشرات الرسائل تنتظره، فيجلس فأفتح له الرسائل رسالة رسالة، يقرؤها ويجيب عليها، ثم يأخذ الهاتف، ويفتي بنفس هادئ، وقلب حليم، وصبر عجيب، لا يتبرم على كثرة السائلين، وأفر وأجري إلى الباب أفتحه إلى ضيوف بعد ضيوف، فلا يقر له قرار، يبتسم في وجه هذا، ويسمع جدال هذا، ويستقبل لحاح ذاك، ونقاش هذا الثقيل، وكم من الثقلاء جاءوا، أحس إذا جلست بجوارهم أن الأرض قد ارتفعت بي وانخفضت بهم، ومع هذا كان يتحملهم الشيخ تحملاً عجيباً، وأنا يضيق صدري وهو لا يضيق صدره.

    فأخذت أتعلم منه، فإذا بلغ الأمر عنده منتهاه نظر نظرته الحادة، فقلت: اللهم استر سينفجر البركان لا محالة، فإذا انفجر كان انفجار الحليم، الذي لا يبقي ولا يذر.

    أحبتي في الله! تشرفت بغسل أطباق غذائه، تشرفت بصحبته وجواره، وأخذت منه علماً وفيراً، علم السلوك، فإن العلم النظري لا يكفي إذا لم تأخذ علم السلوك والتطبيق العملي.

    1.   

    جهود الشيخ حسن أيوب في الكتابة والإلقاء

    وقد رأيته يحمل القلم ويؤلف، وقد ألف رسائل المسجد في الصلاة، والزكاة، والحج، والصيام، والجهاد، والسلوك، والدعوة، والعقيدة، فلما رأيت هذه الطاقة العجيبة: أربعة دروس في الأسبوع، ودرس الخميس الثابت، وخطبة الجمعة، وتأليف الكتب صغرت في عينه، وكنت أظن أني شيء وعندي شيء، وبي شيء، وإذا بي أرى نفسي أمامه كالريشة في مهب الريح، فأخذت أدعو الله أن يوفقني كما وفقه.

    فقلت له: يا شيخي كيف استطعت أن تجمع هذه الطاقة؟! فقال: بدعاء كنت أدعو به ربي يوم أن كنت في السجن، لقد كان يبلغني ما كان يكتبه سيد قطب -رحمة الله عليه- على حواشي المصحف (في ظلال القرآن) وكانت تأتيني أقرؤها فأتعجب من فهمه للقرآن، فكنت أبكي في سجودي وأنا في السجن، وأقول: اللهم فهمني القرآن كما فهمته، أنا عبدك وابن عبدك وابن أمتك لا علم لي إلا ما علمتني إنك أنت العليم الحكيم، يا معلم آدم وإبراهيم علمني، ويا مفهم سليمان فهمني، ويا مؤتي لقمان الحكمة آتني الحكمة وفصل الخطاب.

    يقول: وبينما أنا كذلك في إحدى ليالي السجن، إذ أحسست أن الله قد فتح عليّ فتوحاً عظيمةً، ففررت إلى كتاب الله أتلوه من جديد، وإذا بالفهم والعلم يتفتح عليّ في كل حرف، وكل كلمة، وكل آية.

    أحبتي! إنه الدعاء والصدق والإخلاص، والإلحاح باللجوء إلى الله الذي بيده خزائن السماوات والأرض: وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً [طـه:114].

    حضور الشيخ حسن أيوب للمؤتمرات العالمية

    وازددت به معرفة يوم أن أكرمني الله بالسفر معه هناك في المؤتمرات الطلابية، رافقته في السفر الطويل إلى أمريكا في مؤتمرات رابطة الشباب العربي المسلم ، فوجدت الأعاجيب، كنت أظن أن الشباب بصغر السن، وما كنت أعلم أن الشباب بسعة القلب، وليس بصغر السن، فالقلب الواسع الذي يسع الناس كلهم، هو القلب الشاب كقلب محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الذي يسع البشرية كلها، كان يقول لأصحابه : (إن الله لا ينزل رحمته إلا على رحيم، قالوا: كلنا يرحم يا رسول الله! قال : ليس رحمة أحدكم صاحبه، إنما الناس جميعاً).

    وكان إذا حمد الله لا يحمد عن نفسه بل يحمد عن كل إنسان موجود على وجه الأرض، فيقول: (اللهم ما أصبح بنا من نعمة أو بأحد من خلقك فمنك وحدك لا شريك لك، فلك الحمد ولك الشكر).

    فهو يحمد عن جميع الخلق، إنه القلب الكبير الواسع، رأيت هذا في شيخي، إذ التقينا به في هذه المؤتمرات فوجدته يحاضر، وبعد المحاضرة يحيط به الشباب الغرباء هناك في أرض الكفر فيعصرونه بالأسئلة عصراً، لا يتركونه يتنفس؛ لأن كل واحد منهم عنده مخزون من الشبهات والأسئلة، كيف لا وهو يعيش في أرض كافرة ماجنة، شعارها: تدمير الدين والأخلاق؟!

    ثم رأيته بعد المحاضرة يقيم حلقة فقهية، ثم درساً، ثم يشارك في إعداد السمر الختامي، ثم يشارك في الندوة، ثم رأيته يشارك في الزيارات، وفي اجتماعات لجان المؤتمر لكي يخطط معهم للمؤتمر القادم، ورأيته يشارك في النكتة، وفي التمثيلية، وفي الأنشودة، وفي الموقف المحرج بروح شابة فتية تدخل السرور على القلوب، فقلت: سبحان الله! هذا من الله، وهذا فضل الله! وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَداً [النور:21] .. قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ [يونس:58].

    وأخذت أتعلم منه ذلك، نعم، أصبر على أذى الناس وعلى كثرة أسئلتهم، وذهبت إلى عشرات المؤتمرات بعده، وفي كل مؤتمر إذا ضاقت نفسي وأحسست بالشوق إلى أهلي تذكرت حسن أيوب ، فكانت صورته في المؤتمرات بفضل الله ومواقفه تثبتني، وتعيد إليَّ حلاوة الإيمان وأنس الطاعة، واستشعار الثواب، فأصبر وأصبر.

    دعوة الشيخ حسن أيوب في السعودية

    كان هذا الرجل بفضل الله ومنته خيراً نازلاً نزله الله سبحانه وتعالى، أينما يحل تجد فيه البركة والخير، ولما سافر من هنا، وذهب إلى السعودية ، وما أدراك ما السعودية ؟! امتلأ مسجده فوسعوه التوسعة الأولى، فامتلأ ووسعوه التوسعة الثانية، فامتلأ فجعلوا له ظلاً خارجياً، فامتلأ وبدأ الشباب من الجامعات ذكوراً وإناثاً يتوافدون عليه من كل جانب، وبتعاون منه شكل هناك لجنة للزكاة، كما هي لجنة الزكاة هنا، وبدأ هناك يؤسس مكتبة إسلامية، وبدأت الصحوة الإسلامية بتعاونه مع إخوانه العلماء في السعودية تنتشر من مشرقها إلى مغربها، ومن شمالها إلى جنوبها، وأصبحت الصحوة الإسلامية الآن نفساً من أنفاس هذا الشيخ وإخوانه العلماء السعوديين، حتى أصبحت الحاجز والسد المنيع أمام الزحف الباطني، وأمام اللوثة العقيدية التي تهدد المنقطة كلها.

    نعم، فوالله لولا أن الله أرسل مثل هذا ومثل إخوانه من العلماء العاملين، لكانت حالة المنطقة أمام هذه الشعارات المرفوعة البراقة في زخرف القول، التي يتأثر بها كل زاعق وناعق حالة غير حميدة.

    أحبتي في الله! حسن أيوب لا يزال يدعو وهو يتطلع شوقاً إلى أرض مصر كلما التقيت به قال: يا ليتني أعود إلى قريتي! يا ليتني أستقر فيها! فلها عليَّ معروف أريد أن أسدده قبل أن أموت؛ فإن فيها تعلمت، ومنها تخرجت، ويبدأ يتكلم، إنها الأصالة، إن حسن العهد من الإيمان، إنها المروءة التي تجعله يشعر هذا الشعور، ولكن الواجب الذي هو فيه، وحاجة الصحوة الإسلامية إليه هي التي جعلته يضحي بتلك العواطف وتلك المشاعر.

    1.   

    قراءات في كتب الشيخ حسن أيوب

    أحبتي في الله! وبعد هذه الجولة العابرة السريعة من حياة شيخي، أقرأ لكم بعض كلماته التي سقاها بنصبه وتعبه فدبت بها الحياة، لكي تسمعوا عنه من قرب.

    كلام الشيخ حسن أيوب عن الجهاد في لبنان

    هذه أحد كتبه: الجهاد والفدائية في الإسلام.

    ماذا كان يقول؟ استمعوا إليه، فهذه هي الرسالة الثامنة من رسائل المسجد: فقد آثرت أن أجعلها في مواضيع الجهاد والفدائية في الإسلام، بعد أن كنت مجمعاً أن أجعلها في موضوع المرأة المسلمة وما لها من حقوق وما عليها من واجبات، والسبب في ذلك: أن القتال في بيروت بين المسلمين من جهة وبين الصليبيين والصهيونيين من جهة أخرى كان على أشده أثناء البدء في هذه الرسالة، وكانت موجات التشكيك والتثبيط قد طغت على الفكر الإسلامي والعربي في المنطقة، حتى كنا نسمع أن الدولة الفلانية من الدول العربية تمد الكتائبيين بالأسلحة والمعونة والنصرة، وأن الفئات الإسلامية عديدة، ترى أن هذه الحرب اللبنانية حرب جاهلية لا صلة لها بالإسلام، ولا تمت إليه بصلة من قريب ولا من بعيد، بينما رأينا بأعيننا مسلمي لبنان بعد إحساسهم بالخطر يتحركون في البلاد العربية، ويتصلون بالأفراد والجماعات والأغنياء لكي يمدوهم بالمال، ويساعدوهم بالرجال؛ حتى يستطيعوا الدفاع عن أنفسهم ضد الخطر الزاحف عليهم، والذي لا يريد إلا إذلالهم أو استئصالهم، ووصل الأمر ببعض المتزعمين من المسلمين أن يقول: إن الذين يقتلون من المسلمين في لبنان دفاعاً عن أنفسهم ليسوا بشهداء، وبدأ الشيخ يشن حملة عجيبة يحارب فيها عبارات التشكيك في جهاد أرض لبنان وأرض فلسطين ، وإن هذا التشكيك كان يخدم اليهود، ويخدم الصليبيين وأعداء هذا الدين، فكان هنا بالكلمة والعبارة ينافح عن فلسطين وعن الأقصى.

    ونراه يشن حملة شعواء على بعض الأحزاب الحاكمة ولا يبالي، يقول: أمامي جريدة السياسة الصادرة بتاريخ (7/8/86م) وفيها العناوين الآتية عن معارك لبنان :

    مذابح انعزالية في حي النبعة.

    ذبح واستحلال المدنيين وهدم البيوت.

    شاهد من تل الزعتر يقول: الكلاب نهشت جثث الضحايا.

    والعدس أنقذنا من الموت جوعاً ..

    ترحيل جرحى تل الزعتر تحت طلقات القناصة ..

    خمس مائة قتيل وجريح في لبنان في يوم وقف إطلاق النار ..

    ثم يعلق الشيخ: وتقرأ تحت هذه العناوين الأعمال الوحشية التي يرتكبها نصارى المارون بـلبنان ضد المسلمين.

    إلى أن يقول: فإذا تصورت أن في المعسكر من الأطفال والشيوخ ما يزيد عن عشرين ألفاً، أدركت قسوة هؤلاء الصليبيين ووحشيتهم، وحقدهم الأسود ضد المسلمين، وأدركت أن الذين يأملون الخير منهم ليسوا إلا حمقى مستغلين أو مستغفلين.

    كلام الشيخ حسن أيوب عن الجهاد في العالم الإسلامي

    ويبدأ جزاه الله خيراً ينتقل من بؤرة لبنان الضيقة إلى العالم الإسلامي الرحب.

    ثم يقول: ويستوي في تعذيب المسلمين وتشتيتهم من كان في بلاد المآذن والمساجد ومن كان في بلاد الصلبان والكنائس، ومن كان في بلاد داس حكامها المسجد والكنيسة معاً، وهدموا جميع معابد الله تعالى، هناك مذابح حدثت للمسلمين في أثيوبيا وأريتيريا والصومال ، وبدأ يعدد الدول العربية دولة دولة ولا يبالي.

    ثم يقول: وهناك اضطهاد فكري وحركي لكل جماعة إسلامية، ثم ينتقل ويصيح بأعلى صوته يضرب بكلماته كما تضرب قنابل النابال وجوه الأطفال الأبرياء: كثيرون منهم يشنون الحرب على إخوان لهم في العروبة والإسلام حتى حرقوهم بقنابل النابال، وهدموا قراهم بالدبابات، وداسوا أطفالهم بالأحذية، وأمسكوا بالمصحف فرموا به في الأرض وداسوه بالأقدام، وأحرقوا عشرات الآلاف من الكتب الإسلامية، وسحبوا المسلمين على وجوههم مربوطين بالسيارات حتى مزقوهم شر ممزق، وفجروا بالفتيات العذارى، وأبادوا الوطنيين بالمئات، وجعلوا من الوطنِ سجناً كبيراً فيه ملايين المعذبين والمضطهدين والمكممين.

    كلام الشيخ حسن أيوب عن فساد الأثرياء والزعماء

    وتراه أيضاً ينتقل هناك عند بعض الأثرياء والأغنياء المترفين، والزعماء العملاء فيقول: عندنا زعماء متسلطون بقوة الحديد والنار على شعوب أنهكها الفقر، وأشقاها المرض، وأذلتها الحاجة، حتى صارت من كثرة الضياع كالأموات، يمر على أشلائها الطغاة فلا تتحرك، وتغتصب أعراضها فلا تأبه، وتسلب اللقمة من أفواهها فلا تزيد على نظرة حزينة مستكينة بيد اللصوص، وعندنا أغنياء جزارون بأيديهم جميع المدى لذبح الشعب وسلخه، وحكام لصوص يسرقون من الشعب قوته وعرضه، وشرفه وحياته، وأدباء وعلماء وكتَّاب هم أبواق لتبرير الإجرام، وإنشاء أنواع المسالخ والمجازر ومدارس الهدم والنفاق؛ ليموت الشعب باسم العلم عندنا، وباسم العلم يخدر الجميع، ويأكل الأفيون حتى لا يكون به حراك مهما أذل وأهين.

    أما كبار الموظفين فآلهة متربعون على عرش من البغي والكبر، والغرور والحمق، والخبل والجهل، وقذارة النفوس.

    كلام الشيخ حسن أيوب عن واقع الشعوب

    ثم ينطلق إلى الشعوب ويبدأ يفصل تفصيلاً عجيباً، ثم يقول: إن وحوش الحكام والأغنياء والمترئسين أوهموا الشعوب أنهم المخلصون والمنقذون والواقفون ضد الاستعمار والظلم بجميع أنواعه وأشكاله، وصدقت الشعوب ذلك منهم، فأعطتهم سلطة غير محدودة، وقدستهم قداسة الآلهة، ومكنت لهم في كل شيء، ولم تعلم الشعوب المضللة طبيعة الإنسان، حتى وجدت أولئك جميعهم يسحقون الشعب سحقاً، ويذبحونه ذبح النعاج، ويلغون كالكلاب في دمه وبقاياه.

    ونراه يصرخ بأعلى صوته وهو يفصل أولئك الحكام على طبقات وأنواع الحيوانات: إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ [الأنفال:55] ثم يصرخ صرخته: وهي الأصل في الإنسان سواء تحرك في صورة ذئب، أو ثعلب، أو أسد أو لبوة، أو حمار، أو خنزير، إلا في حالة واحدة وهي أن يقول: ربي الله، ثم يستقيم على دينه، عند ذلك يكون إنساناً حقيقياً.

    كلام الشيخ حسن أيوب عن الروح المؤمنة

    ونراه في هذا الخضم الزاخر، وفي هذه الأمواج، وفي هذا الدخان، في روائح الدم، في النابال، في البكاء، في صراخ الأطفال، يتكلم عن الروح المؤمنة، فيقول هذا الكلام العجيب، الوادع الهنيء، الذي يشعرك بأنس ذكر الله رب العالمين، فيقول: في حالة واحدة فقط يصير هذا الإنسان ملكاً رحيماً، وأخاً نبيلاً، وإنساناً سماوياً، ومصلحاً متواضعاً، وزعيماً أبوياً، ورئيساً خادماً، ونوراً يشع في جنبات الحياة، وأملاً لكل صاحب حاجة، وإنساناً يحمل أكرم معاني الإنسانية، وهي حالة تشبعه بالإيمان بالله، وامتلائه بالفهم والخضوع لأسمائه تعالى، وشعوره بالسعادة، وهو يدخل مدرسة محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ويشرب من عذب مائها، ويحيا بروح كلماتها، ويلبس ثياب فضائلها ومزاياها، إنه حينئذٍ شيء آخر تماماً؛ لأنه مع الله، إنه الروح السماوي الذي سرى في الجسد الأرضي، فهو إنسان رباني، وهو النور الرباني الذي أشرق في الكيان الحيواني، فهو حيوان سماوي، وهو الحكمة الإلهية في وعاءٍ من صنع الله وإبداعه، فهو إبداع إلهي، وهو الماء النازل من السماء على الأرض الطيبة المباركة، فهو عطاء بالخير والرحمة، وهو النهر العذب الصافي الذي يرسل في الأرض جداول ماء الحياة، فهو حياة أينما وجد، وليس معنى ذلك: أن ربانيته تعصم من خطايا بشريته، لكن معناه أن ربانيته تعيده إلى ربه، كلما غلبت عليه بشريته: (كل ابن آدم خطاء وخير الخطائين التوابون).

    أحبتي في الله! أرأيتم تلك العبارات، وسمعتم تلك الإشارات؟ إنها الروح الفياضة التي استقينا من نبعها الصافي سنين طويلة، وأياماً كثيرة عشناها.

    فنسأل الله أن يمتعنا ببقائه سالماً غانماً، وأن يعيد حرارة الإيمان إلى قلوبنا والمسلمين، وأن ينفعنا بعلمه، وأن يحفظنا ويحفظه بعنايته ورعايته وكفايته هو ولي ذلك والقادر عليه، وأن يمده بالعافية، وأن يزيده قوة على قوة، وأن يجعلنا ممن يعرفون حقه، فندعو له بظهر الغيب أن يشفيه ربنا من كل مرض، وأن يحفظ له كل جنب، وأن يغفر له كل ذنب، وأن يجعله ووالديه ووالدينا في عليين هو ولي ذلك والقادر عليه.

    اللهم لا تدع لنا ذنباً إلا غفرته، ولا هماً إلا فرجته، ولا ديناً إلا قضيته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا ميتاً إلا رحمته، ولا ضالاً إلا هديته، ولا تائباً إلا قبلته، ولا عسيراً إلا يسرته، ولا سوءاً إلا صرفته، ولا عيباً إلا سترته وأصلحته.

    اللهم إنا نسألك العافية، ودوام العافية، والشكر على العافية في الدنيا والآخرة.

    اللهم إنا نسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى، والصدق واليقين والمعافاة، اللهم اقض عنا الدين، وأغننا من الفقر، نسألك رحمة من رحماتك المغنيات المنجيات، يا أرحم الراحمين!

    اللهم إنا نسألك رحمة من عندك تغنينا بها عن رحمة من سواك، استعملنا فيما يرضيك، ولا تشغلنا فيما يباعدنا عنك، واقذف في قلوبنا رجاءك، واقطع رجاءنا عمن سواك حتى لا نرجو أحداً غيرك، أصلح أولادنا وبناتنا وأزواجنا وأرحامنا.

    اللهم اجبر قلوبنا المكسورة، وأرواحنا الحائرة، اللهم اهدنا إلى سواء السبيل يا أرحم الراحمين!

    هذا الدعاء ومنك الإجابة، وهذا الجهد وعليك التكلان، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم!

    أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.