إسلام ويب

الصوتيات

  1. الصوتيات
  2. محاضرات مفرغة
  3. أحمد القطان
  4. الجنة بين الدنيا والآخرة

الجنة بين الدنيا والآخرةللشيخ : أحمد القطان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن الإيمان بالجنة أصل من أصول الاعتقاد له آثار عظيمة؛ فله أثر في واقع الحياة، وله أثر في عالم القتال، وله أثر في الحياة الأسرية، والحياة الاجتماعية والوجدانية، ولأجل ذلك؛ جاءت هذه المادة مرغبة في الجنة، دالة على الطرق الموصلة إليها، ذاكرة وصفها وموجباتها، وموضحة أن معها يهون كل شيء وأنها تستجلب بالدعاء.

    1.   

    الإيمان بالجنة أصل من أصول الاعتقاد

    الحمد لله رب العالمين, وأصلي وأسلم على خاتم النبيين والمرسلين, وارض اللهم عن خلفائه الراشدين, وأصحابه الغر الميامين, والتابعين ومن اهتدى بهديهم إلى يوم الدين.

    اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معاصيك، ومن طاعتك ما تبلغنا به جنتك, ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا, ومتعنا بأسماعنا وأبصارنا وقواتنا ما أحييتنا, واجعله الوارث منا, واجعل ثأرنا على من ظلمنا, وانصرنا على من عادانا, ولا تجعل مصيبتنا في ديننا, ولا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا, ولا تسلط علينا بذنوبنا من لا يخافك فينا ولا يرحمنا يا أرحم الرحمين!

    اللهم إنا نسألك العافية في الجسد, والإصلاح في الولد, والأمن في البلد برحمتك يا أرحم الراحمين!

    اللهم من أراد بنا وببلدنا هذا والمسلمين سوءاً فأشغله في نفسه, ومن كادنا فكده، واجعل تدميره في تدبيره.

    اللهم اجعلنا في ضمانك وأمانك, وبرك وإحسانك, واحرسنا بعينك التي لا تنام, واحفظنا بركنك الذي لا يرام, وارحمنا بقدرتك علينا، ولا نهلك وأنت رجاؤنا يا أرحم الراحمين!

    اللهم اجعل مجمعنا هذا مجمعاً مرحوماً, اللهم لا تجعل فينا شقياً ولا محروماً, اللهم ثقل ميزاننا, وحقق إيماننا, وفك رهاننا, واجعلنا برحمتك في الفردوس الأعلى, اشف مرضانا, وارحم موتانا, اللهم آنس وحشتهم، وارحم غربتهم واغفر زلتهم، واقبل حسنتهم واجمعنا وإياهم في مستقر رحمتك, اللهم حرم وجوهنا والحاضرين ووالدينا عن النار, وأدخلنا الجنة مع الأبرار الأخيار برحمتك يا أرحم الراحمين!

    أما بعد:

    أيها الأحباب الكرام: إني أحبكم في الله، وأسأل الله سبحانه وتعالى نداءه يوم القيامة على رءوس الأشهاد: (أين المتحابون في؟ اليوم أظلهم في ظلي يوم لا ظل إلا ظلي).

    وحديثي هذا اليوم أيها الأحبة الكرام! بعنوان: "الجنة بين الدنيا والآخرة".

    إن عقيدتنا في الجنة كثواب من الله ليست عقيدة مقطوعة مبتورة عن الحياة, بل إن إيماننا بالجنة له أثر في حياتنا في الدنيا قبل أن نأتي إلى ثواب الله في الجنة, وهذا من عظمة الإسلام أيها الأحباب, عندما يعطيك الإسلام العقيدة يجعل لهذه العقيدة متنفساً في واقع الحياة.

    من عقيدتنا أو أصل من أصول عقيدتنا: الإيمان بالجنة, والجنة غيب ما رأيناها بأعيننا, وما لمسناها بأيدينا, لكنا صدقنا محمداًصلى الله عليه وسلم وصدقنا القرآن الذي وصف الجنة بأكمل صفة, فأصبح لهذه العقيدة أثر في واقع الحياة, فتحولت حياتنا في الدنيا إلى جنة بسبب عقيدتنا بالجنة التي أنزلها الله سبحانه وتعالى، وأنزل أخبارها في كتابه الكريم وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم.

    1.   

    أثر الإيمان بالجنة

    سأضرب لكم الأمثال لتروا أثر هذه العقيدة بالجنة على واقع حياة الناس, فهذا النبي صلى الله عليه وسلم يكون في مكة وحيداً ليس له ناصر من البشر, يبحث يميناً .. يبحث شمالاً؛ فهذا يطرده: إنه لكاهن، إنه لساحر، إنه لشاعر، إن هذا لشيء يراد، إنه كذاب أشر, والإشاعات تظهر عليه من يمين وشمال, يذهب إلى الطائف فيرجمونه بالحجارة حتى يدمون قدميه الشريفتين صلى الله عليه وسلم, ثم يعود ليدخل مكة فيمنعونه من الدخول, لا يوجد معه لا إقامة ولا عدم ممانعة, ولا يدخل إلا بجوار أحد الكفار؛ كافر يجير محمداً صلى الله عليه وسلم لكي يدخل بيته! انظر إلى أي مرحلة من الأذى وصل إليها محمد صلى الله عليه وسلم!! في هذه الظروف الحالكة يبعث الله إليه الأنصار يبايعونه البيعة الأولى ستة نفر, ثم البيعة الثانية, ثم البيعة الكبرى بيعة العقبة سبعون رجلاً وامرأتان, وهذه التي أريد أن أذكرها وعلاقتها في إيماننا بالجنة.

    أنت لو جاء إليك إنسان وقال: إن الداعية الفلاني القائد المصلح جاءه سبعون وامرأتان يبايعونه على حرب روسيا وأمريكا, أتصدق؟ تقول أنت: سبعون رجلاً يحاربون روسيا وأمريكا كيف يستطيعون أن ينتصروا؟! بل كيف يرضون بهذه البيعة؟ بل ما الثمن الذي سيقدمه هذا القائد مقابل هذه التضحية العظيمة الكبيرة التي سيضحونها في حربهم مع أكبر دولتين عالميتين؟

    - أيها الإخوة! - أنا لا أقول هذا الكلام من الخيال, هذا حدث في عهد النبي صلى الله عليه وسلم, جاءه سبعون من الأنصار وامرأتان, ثم مد يده، فقال: (بايعوني على السمع والطاعة - فبايعوه على السمع والطاعة, وعلى أن يمنعوه مما يمنعون نساءهم وأموالهم وأولادهم - فقالوا له: ماذا لنا يا رسول الله؟ -انظر هنا أثر الجنة يا أحبابي في الله!، ماذا لنا يا رسول الله! إذا حاربنا الأبيض والأسود والأحمر وقدمنا نحورنا للعرب والعجم؟ - قال: لكم الجنة - فماذا قالوا؟ - قالوا: امدد يدك نبايعك لا نقيل ولا نستقيل).

    ولما عقدت هذه البيعة التاريخية وهي أخطر بيعة بثمن واحد لا غير ألا وهو الجنة ما وعدهم بالنصر, وما وعدهم برتبة, ولا وعدهم براتب, ولا بنجوم ونياشين وأشرطة, ما وعدهم بزيادة معاش, ولا وعدهم بإجازات دورية, ما وعدهم إلا بشيء لا يرونه ولا يلمسونه ولا يشمونه ولا يذوقونه, شيء نزل غيباً قال تعالى: الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ [البقرة:3] من هذا الغيب: الجنة.

    أتدرون ماذا فعل الله بهم؟! بعد خمس عشرة سنة من هذه البيعة التي تمت فتحوا أرض الروم وأرض الفرس, من يصدق ذلك؟ في المقاييس البشرية في زماننا يستحيل - أن سبعين يبايعون واحداً بعد خمس عشرة سنة يفتحون أمريكا وروسيا ، هذا في مقاييس الناس, لكن لا يوجد على الله مستحيل, أمره بين الكاف والنون سبحانه وتعالى.

    هؤلاء السبعون أنشأ بهم محمد صلى الله عليه وسلم الدولة على المدينة المنورة الرابضة على مرابض يثرب , ثم ضرب بهم قريشاً بمعركة بدر فانتصر, ثم غزواته صلى الله عليه وسلم ثم فتح مكة , ثم ضرب الروم في معركة مؤتة , ثم أرسل إلى الملوك كسرى وقيصر وجميع الأباطرة والملوك في الجزيرة العربية وما حولها يدعوهم إلى الإسلام, ثم توفي صلى الله عليه وسلم فأخذ الخلافة أبو بكر الصديق خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم, فبث الجيوش ووطن الجزيرة العربية على التوحيد, وحارب المرتدين ومانعي الزكاة, ثم أرسل جيوشه إلى الشام وإلى الفرس بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم بسنة واحدة.

    يعني: أن البيعة تمت في مكة , والرسول صلى الله عليه وسلم أمضى في المدينة ما يقارب من عشر سنوات أو إحدى عشرة سنة ثم ضع عليها سنتين تصبح ثلاث عشرة سنة, وأبو بكر الصديق حكم سنة والسنة الثانية حارب فيها الروم, فلو تجمعها كلها تصبح خمس عشرة سنة.

    خمس عشرة سنة فقط من تاريخ الدعوة الإسلامية استطاع سبعون أن يحاربوا جيش الروم فيهزمونه وجيش الفرس فيهزمونه في وقت واحد, إنها قدرة الله, ما الثمن الذي كان يعطيهم محمد مقابل هذه الحروب؟ الجنة, حتى الأنفال التي يريدونها، الله تعالى لم يجعلها لهم أصلاً، بل جعلها لله ولرسوله، وإذا كان يأتيهم خير فمن الله ورسوله صلى الله عليه وسلم, قال تعالى: يَسْأَلونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [الأنفال:1].

    أثر الإيمان بالجنة في واقع الحياة

    ثم أيها الأحباب الكرام الجنة بين الدنيا والآخرة أصبح لها أثر في واقع حياة الناس, فإن هذه العقيدة عقيدة الإيمان بالجنة كجزاء من الله حولت البخيل إلى كريم, والجبان إلى شجاع, والظالم إلى أعدل العادلين, وحولت ذلك الإنسان الماجن الذي يعبد الشهوات يغض الطرف عن أجمل النساء, حتى يفوز بالحور العين في الجنة.

    أيها الإخوة: إن لهذه العقيدة واقع حياة ملموس, وسأضرب لكم الأمثال: الرسول صلى الله عليه وسلم يمر على آل ياسر, وآل ياسر عائلة تتكون من ثلاثة أشخاص من الأسر الأولى التي آمنت بالإسلام, ياسر وسمية وعمار رضي الله عنهم, أما سمية فقد علقها الكفار بشعرها وأشعلوا النار تحتها, وجاءها أبو جهل يطعنها بالحربة في مكان عفتها, وأما ياسر زوجها فقد ربط في حصير وعلق وأشعلوا من تحته النار حتى يموت مختنقاً, وعمار جروه على الرمضاء وجلدوه بالسوط وأمروه أن يكفر بالله رب العالمين, هذه الأسرة المضطهدة المعذبة ما الذي كان يُصبِّرها يا إخوة؟ هل كان يقول لهم الرسول صلى الله عليه وسلم: صبراً يا آل ياسر فإن النصر قادم؟ صبراً يا آل ياسر حتى تقوم دولة الإسلام؟ صبراً يا آل ياسر فإني أعطيكم الوزارة؟ صبراً يا آل ياسر فإني أعطيكم الأموال؟

    لا. كان يقول: (صبراً آل ياسر فإن موعدكم الجنة) وهذا الوعد هو الذي كان البلسم الشافي والدواء الناجع, والحلاوة التي يمزجون بها مرارة العذاب, فتطغى حلاوة وعد الجنة على مرارة العذاب فيصبرون، حتى استشهد ياسر , واستشهدت سمية, وظل عمار ثابت على التوحيد والإيمان وقد ملئ بالإيمان إلى مشاشه، أي: إلى أطراف عظامه فهو مملوء بالإيمان رضي الله عنه وأرضاه.

    الإيمان بالجنة كثواب يجعلني أنا وأنت في عالم الصادقين والصديقين, أنت تسأل تقول: كيف؟ اسمع الحديث ماذا يقول الرسول صلى الله عليه وسلم، كان بإمكانه أن يقول: يا عبد الله! كن صادقاً, فتنتهي القضية لأنه لا أحد يخالفه, أو يقول: يا عبد الله كن وفياً, لا, لكن انظر كيف يعرض الصدق وقضية الكذب ويربطها بالجنة, قال صلى الله عليه وسلم: (إن الصدق يهدي إلى البر, وإن البر يهدي إلى الجنة, ولا يزال العبد يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقاً, وإن الكذب يهدي إلى الفجور, وإن الفجور يهدي إلى النار, ولا يزال العبد يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذاباً).

    إذاً أصبح لعقيدة الجنة واقع خلقي في حياتي, فإذا أردت أن أكذب خفت, وإذا أردت أن أصدق ازددت بالصدق, لتذكري الثواب العظيم الذي وعد به محمد صلى الله عليه وسلم, فأصبح عالم المؤمنين عالم الصادقين بفضل تلويح الرسول صلى الله عليه وسلم بهذا الثواب العظيم ثواب الجنة.

    لهذا أحبائي في الله لا يجوز أن نسأل بوجه الله أي شيء من متاع الدنيا والآخرة إلا شيئاً واحداً وهو الجنة, نهى صلى الله عليه وسلم أن نسأل بوجه الله أي متاع من الدنيا والآخرة إلا شيئاً واحداً الجنة, فنقول: نسألك بعزة وجهك الجنة والفردوس الأعلى, لأنها عظيمة غرسها الله بيديه, وجعل فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر, الرسول صلى الله عليه وسلم عندما يقول للصحابة: (موعدكم الجنة) كانوا يعرفون حقيقة هذه الجنة, يقول عنها صلى الله عليه وسلم: (لو أن ما يُقِلُّ أظفر -حمولة ظفر- مما في الجنة بدا لتزخرفت له خوافق السماوات والأرض, ولو أطلت امرأة من نساء الجنة بسوارها لطمس ضوؤه ضياء الشمس, ولو أطلت بخمارها لملأت ما بين السماء والأرض عطراً وطيباً) إذاً عندما يقول: (موعدكم الجنة) هذه كلمة خفيفة في اللسان لكن حقيقتها يسأل بها وجه الله, الذي لا يوجد أعظم من وجهه سبحانه وتعالى.

    أثر الإيمان بالجنة في عالم القتال

    ثم نرى أيها الأحبة الكرام! أثر هذه العقيدة في عالم القتال، اليوم إذا أرادوا أن يقاتلوا اليهود, ماذا يقولون للجيش؟ أول شيء .. يأتون لهم بفرقة موسيقية يضربون الطبول.. إلخ, لكي يجعلون الحماس في قلوبهم, المجاهدون الأولون في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم والفاتحون إذا أرادوا أن يحمسوهم فلا يأتون بفرقة موسيقية, وإنما يأتون بسورة الأنفال الذي فيها وصف الجنة والوعد بالجنة, وفيها نزول الملائكة على المجاهدين, يقوم واحد من القراء مثل أبي سفيان كان خطيباً وصوته قوياً ويقرأ سورة الأنفال والصحابة يسمعون كلهم عند ذلك يدخلون المعركة وينتصرون.

    الرسول صلى الله عليه وسلم في أول معركة من معارك الإيمان وهي غزوة بدر , خطب بهم خطبة من كلمات معدودات ربما عشر كلمات, ما استخدم زخارف القول، ولا استخدم مكبرات الصوت ولا استخدم الوعود والعهود الزائفة, إنما قال: (أيها الناس! أيما رجل قاتل المشركين اليوم صابراً محتسباً فقتل دخل الجنة, قوموا إلى جنة عرضها السماوات والأرض) فقط هذه خطبته, ربما عليه الصلاة والسلام قالها بصوت عادي, وتكلم فيها كلاماً سمعه من حوله, ولكن انظر أثرها على الصحابة رضي الله عنهم, لأن قلوبهم حية, كانوا يتلقون القرآن فيحسنون التلقي والفهم, والتطبيق, قام عمير بن الحمام وقال: (يا رسول الله! لئن قاتلت وقتلت يدخلني الله الجنة؟ قال: نعم, قال: بخ بخ يا رسول الله! وكان بيده تمرات فألقاها, وقال: لئن عشت حتى آكلك إنه لزمن طويل) طويل على الجنة, ثم جرد سيفه وكسر غمده, وارتجز إلى الكفار يجري وحده:

    ركضاً إلى الله بغير زاد     إلا التقى وطلب المعاد

    والصبر في الله على الجهاد     وكل زاد عرضة النفاد

    إلا التقى والبر والرشاد

    وقاتل واستشهد, وأدخله الله الجنة كما وعده محمد صلى الله عليه وسلم, إذاً كان المحرك للجيوش والذي يستنزل النصر من الله سبحانه وتعالى هو هذا الوعد الخطير الذي نحن الآن غافلون عنه ولا حول ولا قوة إلا بالله! افتح الإذاعات من أول ما تفتح في الصباح إلى أن تختم في الليل أنا أتحدى إذا استطعت أن تبين لي مذيعاً واحداً أو خطاباً أو مقالاً أو تحليلاً سياسياً أو كذا.. قال: أيها الناس إن موعدكم الجنة، لا تسمع إلا في إذاعة القرآن الكريم من الساعة 6 إلى الساعة 8 يقرأ له حديثين أو ثلاثة وآيتين وتنتهي المسألة ويؤدي الموظف دوره, الرسول صلى الله عليه وسلم كان يعالج القلوب المريضة بالجنة. أيها الإخوة! يعالج الأرواح المنهزمة الخاوية بالجنة, فتبث فيها الحياة من جديد، ويتحول الرجل الواحد إلى أمة, بل يتحول الرجل إلى ألف فارس.

    لنَرَ صلى الله عليه وسلم كيف يربي أصحابه على ذلك, استمع: (طوبى لعبد آخذ بعنان فرسه) طوبى: شجرة من أشجار الجنة يسير الراكب تحت ظلها مائة عام لا يقطعها, مائة سنة يمشي يمشي يمشي.. والظل ممتد, وجذعها من ياقوت وزمرد، وذهب وفضة, لا تظنون أنها مثل أشجار الدنيا، أوراقها تتساقط في الشتاء وتظهر في الصيف والربيع، لا: (طوبى لعبد آخذ بعنان فرسه مغبرة قدماه - اسمع الوصف - أشعث رأسه, إذا كان في الحراسة كان في الحراسة، وإذا كان في الساقة كان في الساقة, إذا شفع لم يشفع وإذا استأذن لم يؤذن له) سبحان الله! والله إنه وصف عجيب, هذا جندي مكلف, بل جندي متطوع مجاهد في سبيل الله, دائماً مستعد, آخذ بعنان فرسه أي: كأنه لا ينام ولا يأكل ولا يرتاح.. وأينما تراه يكون ماسكاً لفرسه وواقفاً آخذاً بعنان فرسه, (مغبرة قدماه) أي: لا يلمع (البستار) طوال النهار (مغبرة قدماه أشعث رأسه) ليس له وقت حتى يغسل شعره, إذا كان في الحراسة يحرس لا يعترض, وإذا كان في الساقة حوله من الحراسة إلى المشاة أيضاً في الساقة, وإذا أراد أن يشفع لشخص لا تقبل منه, لأنه إنسان رتبته صغيرة, وإذا استأذن لم يؤذن له, ومع هذا صابر محتسب مستعد للجهاد في سبيل الله, ما الدافع لذلك؟! والله إني أتحدى إذا كان هناك جندي في مثل هذا الظرف، وفي مثل هذه الحالة إذا شفع لا يشفع، وإذا استأذن لا يؤذن له, ومغبر شعره، ليس عنده وقت يغسل رأسه (وقدماه مغبرة) ودائماً مستعد في الليل والنهار للقتال, وعنده النفسية التي لا يعترض فيها, السبب أيها الإخوة! وجود هذا الجندي في جيش الإسلام بالوعد الأول: (طوبى) تذكر أنه سيستظل بعد هذا الحر, وبعد هذا الغبار, وبعد هذا العرق, وبعد هذا الشعر المشعث, وبعد هذه المهانة، الذي يشفع فلا يشفع، ويستأذن ولا يؤذن له, سيأتيه يوم يستظل تحت شجرة اسمها "طوبى" في جنة الله, في جنات النعيم, يسير تحت ظلها بالنعيم، ظلها وارف ودائم, وأكلها دائم, وظلها دائم مائة سنة لا ينقطع, عندما يتذكر ذلك تهون وتصير الدنيا عنده كجناح بعوضة أو كحفنة تراب, أنت إذا أردت أن تعرف أن الدنيا لا تساوي حفنة تراب, اذهب المقبرة إذا سمعت ميتاً يذاع في التلفاز، وقف على رأس القبر وانظر اللحد، وانظر كيف يدخل الناس هذا الإنسان الطويل العريض الذي كان يركب (رفريز) الآن أصبح بين حجرين, في مكان ضيق, وأكرم ما يكرمه به أولاده وأحبابه أن يحثوا عليه التراب, عند ذلك تعرف أن الدنيا لا تساوي حفنة تراب بيدك ترميها في هذا القبر.

    لهذا كانت قلوب الناس معلقة في الجنة, نعم عندهم الدنيا كلها لكن الدنيا كانت بأيدهم, وما كانت في قلوبهم, والدنيا إذا كانت في يدك إذا تعارضت مع دينك ترميها, لكن إذا كانت في قلبك واعترضت مع دينك قدمتها على الدين ولا حول ولا قوة إلا بالله! وهذا السر الذي جعل كثير من الناس وهو مسلم ويصلي ويقرأ القرآن ويذهب للعمرة والحج وفلوسه في البنك يأكل رباً! تقول له: يا أخي هذا حرام لا يجوز! تخلط عملاً صالحاً بعمل سيئ, هذا لو كان قلبه متعلقاً بالجنة لضحى بالدنيا كلها؛ لأن الدنيا لا تساوي عند الله جناح بعوضة.

    أثر الإيمان بالجنة في الحياة الأسرية

    الرسول صلى الله عليه وسلم يقول في أحاديثه التي يربي عليها الناس واسمع ماذا يقول عن المرأة: (نساؤكم من أهل الجنة - أي: المرأة التي ستكون في الجنة إن شاء الله- الودود الولود العئود على زوجها, التي إذا ما غضب عليها جاءته فوضعت يدها في يده وقالت: لا أذوق غمضاً حتى ترضى) والله يا أيها الإخوة! إن هذا علاج عجيب, علاج نبوي: (نساؤكم من أهل الجنة) المرأة المرشحة للجنة هذه صفاتها, إن تتصفي بهذه الصفات تذهبي إلى الجنة, وإذا ما اتصفت بهذه الصفات لن تحصلي على جنة, لا إله إلا الله: (الودود) التي يتدفق منها الود لوالدها ولأمها، ولزوجها ولأولادها، دائماً تعطف عليهم, وتحن, لا تعتمد على الهنديات والخدامات وتربية الأولاد، لا, وإنما ودها ينتقل إلى أولادها وإلى أهلها وجيرانها وأرحامها: (الولود) ذات الرحم المبارك الذي لا يعرف تحديد النسل إلا لظروف صحية فقط لا غير, أما ما ينشر في الصحف والجرائد: حتى تحافظي على قوامك، حتى تحافظي على رشاقتك، لا. الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: الولود هي التي تكون في الجنة: (تكاثروا فإني مباهٍ بكم الأمم يوم القيامة) (العئود على زوجها) أي: العوادة على الزوج, كلما طردها وزجرها وغضب عليها لا تكون هي كالتي تقول: حتى يأتي يقبل رأسي وإلا لا أذهب إليه, تعوذي من إبليس، الرجل له كرامته, والرجل إذا غضب سبحان الله إذا أنت ما تصبري من الذي يصبر؟! تقول: لا. يحمد الله أني صابرة عليه, وتنزل بالكلام، الرسول يقول: (إذا ما غضب عليها زوجها جاءته فوضعت يدها في يده وقالت لا أذوق غمضاً حتى ترضى) .

    إذاً الرسول صلى الله عليه وسلم يعالج قضايا أسرية اجتماعية، سلوكية أخلاقية وهو يتكلم عن نساء الجنة, هذا جمال ديننا, هذا عظمة الإسلام.

    أثر الإيمان بالجنة في الحياة الاجتماعية والوجدانية

    ويقول صلى الله عليه وسلم: (من صامت شهرها، وصلت فرضها، وحصنت فرجها، وأطاعت زوجها قيل لها: ادخلي من أي أبواب الجنة الثمانية شئت) انظر ذكاء الرسول صلى الله عليه وسلم في عرض القضايا, جانب تعبدي: الصلاة والصيام، ثم جانب خلقي سلوكي: تحصن الفرج، ويسبق تحصين الفرج غض الطرف، ثم بعد ذلك جانب اجتماعي أسري: طاعة الزوج, في النهاية: أبواب الجنة الثمانية مفتوحة تدخل من أيها شاءت, وهذا هو فن الدعوة, عندما نريد أن ندعو إلى الله نتلمس أسلوب محمد صلى الله عليه وسلم, لا يكفي أن أقول للناس: أنتم فيكم كذا.. فعلتم.. تركتم.. حرام.., لا يكفي هذا, انظر كيف أن الرسول صلى الله عليه وسلم عالج مشكلة أسرية, عالج مشكلة خلقية, عالج مشكلة تعبدية, عالج مشكلة صحية, حتى في الصوم يصح الإنسان, ومشكلة الناس اليوم هي التخمة.

    ولهذا تجده يربطها في أبواب الجنة الثمانية، كتشجيع للناس وتحفيز لأرواحهم وقلوبهم, ونراه صلى الله عليه وسلم أكثر من ذلك يتكلم عن عالم لم يكن موجوداً في زمانه, لما قامت الدولة الإسلامية وأصبحت قوية وفتح مكة وأصبحت جميع القبائل العربية تدخل في دين الله أفواجاً, تذكر صلى الله عليه وسلم طائفة اسمها الغرباء سيأتون من بعده - لا ندري ربما نحن منهم - قال صلى الله عليه وسلم: (طوبى للغرباء، أناس قليل في أناس سوء كثير) صفة عجيبة: أناس قليل، الآن أنت لو رأيت عالم الإسلام في عالم الكفر تجده قليلاً, ولوجدت عالم المؤمنين الإيمان الصحيح في عالم المسلمين تجدهم غرباء, المسلمون ألف مليون مسلم, لكن كثيراً منهم لا إسلام فيه إلا في شهادة الميلاد وشهادة الوفاة, لا يصلي ولا يصوم، ولا يزكي ولا يحج، ولا يعرف من دينه شيئاً والعياذ بالله, فقط مكتوب في الجواز: مسلم, نسأل الله العافية.

    إذاً عالم الإسلام في عالم الكفر غرباء, وعالم المؤمنين في عالم المسلمين غرباء, وعالم الدعاة الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر في عالم المؤمنين الآن غرباء, يعني: كم الآن عددكم يا من يجلس في المساجد؟ ولكن الحمد لله قد يكون في الكويت ظاهرة طيبة، ولكن في كثير من البلاد العربية المساجد مغلقة, والغبار عليها والعنكبوت، والمؤذن يفتح المسجل على الأذان ويتركه يؤذن، ثم يغلقه، ويذهب بعدها ينظر للتلفاز أو يذهب الملهى في كثير من الدول العربية نسأل الله العافية وألا يبتلينا, فالأحزاب الحاكمة التي ذبحت الإسلام باسم الإسلام, نحن الآن في نعمة هنا وبخير عظيم, نسأل الله أن يديمه ويحفظ ديننا وإيماننا.

    لهذا الرسول صلى الله عليه وسلم في هذه الحقيقة وهذه القضية يقول: (طوبى للغرباء) انظر الدعاة في عالم المؤمنين، أيضاً في عالم الدعاة غربة, ليس كل الدعاة على الطريق الصحيح, قد يكون داعية إلى الله، ولكن يكون منحرفاً في عقيدته, أو منحرفاً في خطته, أو منحرفاً بمنهجه, أو منحرفاً بأسلوبه في طريقة الدعوة, أو منحرفاً في سلوكه, يدعو الناس في مثاليات وهو سلوكه وواقعه يختلف, ولا حول ولا قوة إلا بالله!

    إذاً هناك غربة في عالم الدعاة, وعندما يقول محمد: (طوبى للغرباء) يحس هؤلاء الغرباء القابضين على دينهم كالقابضين على الجمر, بالروح والريحان وكأنهم وهم في غربتهم جالسون تحت ظل هذه الشجرة التي اسمها "طوبى" ويمتد ظلها مائة سنة ولا يقطعونه, فهم تحت هذا الظل يصبرون إلى أن يلتقون بها حقيقة هناك، يصبرون تحت ظلها العقيدي لكي يلتقوا بظلها الحقيقي هناك في جنات النعيم.

    ونراه صلى الله عليه وسلم في هذه القضية الخطيرة يربي أصحابه حتى تجد فيهم الثبات في أصعب اللحظات: في معركة أحد أشيع أن الرسول صلى الله عليه وسلم قُتل وسبعون من أصحابه, وبعض الصحابة ألقى السلاح, مرّ عليهم أنس بن النضر رضي الله عنه قال: ما لكم؟ قالوا: قتل رسول الله!! الموقف هنا المشاركة الوجدانية: يقعد يبكي معهم، حاله حالهم, لكن الذي ارتبط قلبه بهذه الجنة ارتباطاً وثيقاً قال: [قوموا فموتوا على ما مات عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم إني أجد ريح الجنة دون أحد] ثم ذهب وقاتل الكفار حتى أصيب بثمانين ضربة ما عرفته إلا أخته من أصابعه, فريح الجنة ثبته هذا الثبات العظيم حتى أصبحت عقيدته بهذه الجنة يشمها وهو على وجه الأرض.

    الرسول صلى الله عليه وسلم وهو يربي مجتمعه وانظر كيف يعالج القضايا الاجتماعية والوجدانية في عقيدة الجنة, كان هناك يتيم في المدينة عنده مزرعة نخل, فخرجت نخلة بين أرض اليتيم وأرض أحد الصحابة اسمه أبو لبابة رضي الله عنه, اليتيم يقول: هذه نخلتي, والصحابي يقول: نخلتي, فقال اليتيم: أختصم أنا وأنت إلى رسول الله, فذهبا فقام صلى الله عليه وسلم فنظر, فرأى النخلة في أرض الصحابي أبي لبابة وليست في أرض اليتيم, فقضى لـأبي لبابة بالنخلة فبكى اليتيم, ديننا الإسلامي ليس دين نصوص جامدة, ديننا لا يقول: القانون يقول كذا, ولا اعتبار للبواعث، لا. هذا ليس موجوداً في الإسلام ولا اعتبار للبواعث, الإسلام يعتبر البواعث؟! هذا يتيم أصبحت دموعه تنزل, والقرآن يقول: فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ [الضحى:9] فقال: (يا أبا لبابة! أعطه نخلتك ولك بها عذقٌ في الجنة) لكن أبا لبابة كان غضبان فاستدار ومشى، ولكن لحقه أبو الدحداح - صحابي آخر - قال: (يا رسول الله! إذا اشتريت نخلته بحديقتي كلها لي العذق في الجنة؟ قال: نعم، قال: يا أبا لبابة تبيعني نخلتك بحديقتي؟ قال: بعتك, فقال لليتيم: النخلة لك يا بني! فسكت من البكاء, وكفكف دموعه) وجاءت غزوة أحد واستشهد أبو الدحداح, فوقف النبي صلى الله عليه وسلم على رأسه والصحابة يسمعون قال: (رب عذق الآن مذلل لـأبي الدحداح في الجنة) ثماره نازلة على أبي الدحاح في الجنة.

    يعالج صلى الله عليه وسلم قضية عجيبة: كان هناك أحد الصحابة اسمه جليبيب دميم الخلقة, كلما ذهب يخطب لا يرغبون فيه, لأنها طبيعية بشرية عند الوالد يحب أن يكون زوج ابنته حسن الوجه حسن الثوب, ذا وجاهة, هذا شيء فطري, فهذا جليبيب كلما ذهب ليخطب طرد, فذهب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (يا رسول الله! أإذا مت على ما أنا عليه من إيمان يدخلني الله الجنة؟ قال: بلى إن شاء الله، قال: إذاًما بال أصحابك أعرض نفسي عليهم فلا يزوجوني؟! قال: اذهب إلى فلان وقل له: يقول لك رسول الله: زوجني ابنتك، فذهب، ولكن هذا الذي رآه أغلق الباب في وجهه, فقالت له امرأته: أين ضيفك؟ قال: يزعم كذا وكذا, فسمعت ابنته الحوار بين أمها وأبيها, فقالت: يا أبت! رددت رسول رسول الله! أما تخشى أن يفضحنا الله في القرآن؟ لقد رضيت به حظاً ونصيباً, أدرك الرجل، فلما أدركه ووافق عليه, جاءت غزوة أحد والرجل لم يتهنأ في الزواج يجهز نفسه للزواج, فلما انتهت المعركة يقول النبي صلى الله عليه وسلم للصحابة: ماذا تفقدون؟ قالوا: نفقد فلاناً وفلاناً، من وجهاء الصحابة, قال مرة ثانية: ماذا تفقدون؟ قالوا: فلاناً وفلاناً, ولم يذكروا جليبيباً أما أنا فإني أفتقد جليبيباً قوموا معي, فقاموا معه وبحث بين القتلى فرآه قد قتل سبعة من الكفار واستشهد, فحمل رأسه ووضعه على فخذه الشريفة وبكى ثم ابتسم ثم أشاح بوجهه, قال الصحابة: رأينا منك عجباً يا رسول الله؟! قال: بكيت على فقد أخي فانهمرت دموعي، وابتسمت لما أراني الله مكانه في الجنة, وأشحت بوجهي إذ رأيت زوجته من الحور العين تريد أن تنزل من الجنة لكي تكون بين جلده وثوبه ليرفع إليها) بأي مقام وصل جليبيب؟

    بالتقوى: إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ [الحجرات:13] وهذا الربط العجيب بين الجنة وبين هذا المغمور وبين تعليم الصحابة هو الذي نشأت عليه الدولة الإيمانية الإسلامية, حتى أصبح الولد ينافس أباه على الحرب والموت في سبيل الله, فهذا الرسول صلى الله عليه وسلم يعمل قرعة بين أسرة بني خيثمة وسعد بن خيثمة يقول له أبوه خيثمة بن سعد بعد أن أصبح الولد الآن سيقاتل والأب يقعد مع النساء في البيت, قال: يا بني! أنا أبوك وأنت ولدي آمرك أن تجلس وأنا أذهب مكانك, قال: لا يا أبي! إنها والله الجنة. أنا أرضى وأسمع كل شيء لكن الجنة لا, وذهب سعد بن خيثمة وقاتل واستشهد رضي الله عنه وأرضاه, تنافس بين الولد والوالد على ماذا؟

    على الجنة.

    لهذا عندما نرى زخرف الدنيا كثير منا من يسافر ليرى فنادق فاخرة, وقصوراً عامرة, وجسوراً كبيرة, ناطحات للسحاب, حاملات للطائرات, عابرات للقارات, أقماراً صناعية, تكنولوجيا حديثة, زينة الدنيا تموج وتهتز وتربو, ما الذي يهونها في عينك؟

    آية واحدة في كتاب الله: فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ [آل عمران:185] ليتعلق قلبك بهذه الآية يا أخي المسلم! الفوز أن تزحزح، النار تسحب .. والملائكة تسحب .. وأنت بينهما: فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ [آل عمران:185].

    1.   

    وصف الجنة ونعيمها

    والأحاديث في هذا الباب والآيات عجيبة أيها الإخوة.

    نرى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يدفع المجاهدين في سبيل الله لم يكن يقول: اعتماداً على أنفسنا.. وعلى قواتنا المسلحة.. وعلى ضربنا بالأعماق.. واعتمادنا على الكرملن أو البيت الأبيض, وإنهم سوف يبيعوننا صواريخ سام, أو طائرات أوكس, أو... إلخ, إنما كان يقول: (للشهيد سبع خصال: يغفر له عند أول قطرة من دمه, ويرى مكانه في الجنة, ويجار من عذاب القبر, ويؤمن من الفزع الأكبر, ويوضع على رأسه تاج الوقار الياقوتة منه خير من الدنيا وما عليها, ويزوج باثنتين وسبعين زوجة من الحور العين, ويشفع في سبعين من أقاربه) أين هذا الوعد من كل وعود الدنيا؟ والله إن الدنيا أمام الجنة كالشمعة أمام الشمس في وضح النهار.

    لنستمع أيها الأحباب! كيف كان صلى الله عليه وسلم يصور هذه الجنة حتى وصلت إلى مكانة رفيعة في قلوب الناس، استمع: ترابها المسك, نباتها الزعفران, لبنة من ذهب, ولبنة من فضة, وملاطها المسك, أمشاطهم الذهب, مجامرهم الألوة, لا يتفلون, ولا يتبولون, ولا يتغوطون, رشحهم المسك, لا تبلى ثيابهم، ولا يفنى شبابهم, على مسحة أبيهم آدم ستون ذراعاً في الفضاء, وعلى صورة يوسف الصديق, وقلب أيوب الراضي, للمؤمن في الجنة خيمة من لؤلؤة ارتفاعها في السماء ستون ميلاً، للمؤمن فيها أهلون لا يرى بعضهم بعضاً, تسقيها خمسة من أنهار الكوثر أبيض من اللبن, وأبرد من الثلج, وأحلى من العسل, ونهر من خمر لذة للشاربين, ونهر العسل المصفى, واللبن والماء الغير آسن, كلها تتدفق من الفردوس الأعلى, وسقف الفردوس عرش الرحمن, تنحدر منه الأنهار الخمسة, والله قد استوى على العرش, وهذه الجنة أكلها دائم, وظلها دائم, والإنسان فيها لا يمل ولا يكل؛ لأن مصيبة الناس في الدنيا الملل, ووالله لو أن الواحد عنده أجمل نساء أهل الأرض بعد سنة أو سنتين يملها, ويتزوج غيرها ويملها, ويتزوج غيرها ويملها, طبيعة البشر الملل, إذا أكل أحسن الأكلات بعد أسبوع يمل, يذهب يأكل شيئاً مالحاً أو مراً, ولكن هذا ليس موجوداً في الجنة, الله يقول: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلاً * خَالِدِينَ فِيهَا لا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلاً [الكهف:107-108] لأنهم إذا ملوها تحولوا, الله يقول: لا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلاً [الكهف:108] لا ملل؛ ينتقلون من لذة إلى ألذ, ومن حسن إلى أحسن, ومن نعمة إلى نعيم, وهكذا يستمتعون بهذه الجنة العظيمة التي خلقها الله: (فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر)، قال تعالى: فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [السجدة:17] يؤتى الرجل في الجنة قوة مائة رجل في الجماع, ونساؤه أبد الآبدين أبكار، قال سبحانه: إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً * فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَاراً * عُرُباً أَتْرَاباً * لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ [الواقعة:35-38] ألوانهم عجيبة ليست كألوان نساء الدنيا: فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ [الرحمن:56-58] الياقوت الشفاف الذي إذا وضعت فيه خيط إبرة بان, يقول لك: إن الحورية هكذا, تلبس السبعين الحلة فيرى مخ ساقيها من وراء سبعين حلة, ويرى وجهه في صفحة خدها, هذا الوصف مِن مَن؟ مِن فم الطهور محمد صلى الله عليه وسلم, والقرآن يصف أكثر من هذا الوصف: عَلَى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ * مُتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ * يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ * بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ * لا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلا يُنْزِفُونَ * وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ * وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ * وَحُورٌ عِينٌ * كَأَمْثَالِ الْلُؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ * جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً وَلا تَأْثِيماً * إِلَّا قِيلاً سَلاماً سَلاماً [الواقعة:15-26] هذا كلام الله وهو يصف الجنة سبحانه: إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ * عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ * تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ [المطففين:22-24] الإنسان إذا نظر إلى شيء يسره تراه في وجهه، وإذا رأى شيئاً يسوءه ينعكس السوء في وجهه, فكيف بمن ينظر إلى وجه الله؟

    وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ [القيامة:22-23] .. إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ * عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ * تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ * يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ * خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ * وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ * عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ [المطففين:22-28] وصف عظيم!! وقال سبحانه: إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازاً * حَدَائِقَ وَأَعْنَاباً * وَكَوَاعِبَ أَتْرَاباً * وَكَأْساً دِهَاقاً * لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً وَلا كِذَّاباً [النبأ:31-35] انظر إلى هذا الترتيب الجميل, عندما تدخل أنت بيتك وهو مرتب فإنك ترتاح, وقال: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ * لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ * فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ * لا تَسْمَعُ فِيهَا لاغِيَةً * فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ * فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ * وَأَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ * وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ * وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ [الغاشية:8-16] إنه تنظيم إلهي, الله الذي رتبها ونظمها.

    كل هذا عندما تسمعه وتقرؤه يطير قلبك شوقاً إلى الجنة, لهذا محمد صلى الله عليه وسلم في اللحظات الأخيرة يخيره الله بين الخلود في الأرض وكنوزها وبين لقاء الله والجنة, فيصيح: (بل الرفيق الأعلى.. بل الرفيق الأعلى.. بل الرفيق الأعلى..) تقول عائشة: [فعلمت أنه لا يختارنا إنما يختار الله] كيف لا يصيح هذه الصيحات الثلاث وهو الذي رأى الجنة بعينه ليلة المعراج, ودخل الجنة بقدميه ليلة المعراج, وسمع دف نعال بلال يسبقه أمامه، قال: (يا بلال! سمعت دف نعليك في الجنة أخبرني عن أرجى عمل تعمله, قال: ما توضأت وضوءاً إلا صليت بعده ما كتب الله لي من صلاة) انظر كيف أننا مقصرون في هذه النافلة وهذه السنة؟!

    1.   

    موجبات الجنة

    والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: (أنا وكافل اليتيم في الجنة كهاتين) يربط قضية اجتماعية، يعني: اللجان الشعبية الإسلامية التي تذهب لمكافحة مجاعة أفريقيا الآن، وتسعى على اليتيم والأرملة والمسكين والأخ المسلم المحسن الذي يدفع الأموال من جيبه لكي يطعم هؤلاء ويكسيهم، الله سبحانه وتعالى يبشره على لسان محمد صلى الله عليه وسلم: (أنا وكافل اليتيم في الجنة كهاتين) لصقة متلاصقة مع محمد صلى الله عليه وسلم, كالتصاق السبابة والوسطى, قال تعالى: فَلا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ [البلد:11] انظر كيف الله سبحانه وتعالى يجعل بينك وبين الجنة عقبات, مطبات ومعوقات, ثم تتلاشى كلها أمام مسحة على رأس يتيم أو لقمة في فم شخص واحد جائع, أو عتق إنسان مملوك, تنقله من الرق إلى الحرية والكرامة, قال الله تعالى: وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ [البلد:12] وبعدها يعطيك الحل لهذه العقبة المهولة، قال: فَكُّ رَقَبَةٍ * أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ * يَتِيماً ذَا مَقْرَبَةٍ * أَوْ مِسْكِيناً ذَا مَتْرَبَةٍ [البلد:13-16].

    هذه هي عظمة الإسلام, ليس الإسلام عقيدة نظرية أو تهويماً روحياً فكرياً مجرداً ليس له واقع في حياة الناس, إنما عقيدة الإسلام - وهذا جانب من جوانب العقيدة - الإيمان بالجنة فقط، كيف يعالج عندي اليتيم الجائع والعبد المملوك والإنسان المقهور المذلول؟ هذه هي عقيدتنا, عندما نريد أن ندعو الناس إلى العقيدة لا ندعوهم إلى علم الكلام: قال المعتزلة .. ما قال المعتزلة .. قال الخوارج .. ما قال الخوارج .., لا. انقلوا الناس من هذه العقيدة إلى المتنفس في واقع الحياة, حتى يروا عقيدتهم حية تمشي بين أيديهم, هكذا كان محمد صلى الله عليه وسلم ينقل الناس، ويربي القرآن الناس على ذلك.

    1.   

    الجنة تحتاج إلى دعاء

    أيها الأحبة الكرام: وحتى في عالم الدعاء كان محمد صلى الله عليه وسلم يربط الناس بهذه العقيدة برباط وثيق, فيقول: (الدعاء هو العبادة) هذه أول قضية, أي: لا تظن أن العبادة الصلاة والصيام والزكاة والحج، هناك عبادة اسمها الدعاء, ثم يعطيك في عالم الدعاء أدعية قمة في العظمة, يتفنن في اختيار الألفاظ والعبارات, أفصح ولد آدم محمد صلى الله عليه وسلم, تعال استمع إليه وهو يدعو ربه في قضية الجنة: (وأسألك قرة عينٍ لا تنقطع, وأسألك الرضا بعد القضاء, وأسألك برد العيش بعد الموت, وأسألك لذة النظر إلى وجهك, والشوق إلى لقائك, في غير ضراء مضرة, ولا فتنة مضلة, اللهم زينا بزينة الإيمان واجعلنا هداة مهتدين) هكذا كان محمد صلى الله عليه وسلم يدعو ربه في قضية الجنة, ويقول: (اللهم إني أسألك الجنة وما قرب إليها من قول أو عمل, وأعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول أو عمل) .. (من سأل الله الجنة بعد الصلاة ثلاث مرات أو سبع مرات وجبت له الجنة، أو سألت الجنة ربها أن يدخله فيها) كذلك من استعاذ من النار.

    الربط في عالم الدعاء بهذا الأصل من أصول العقيدة وهو الجنة، وهو شيء واحد أو قضية واحدة من قضايا الاعتقاد, كيف لها هذا الأثر؟

    فكيف إذا طرحنا قضية النار؟ كيف إذا طرحنا قضية الإيمان باليوم الآخر؟ كيف إذا طرحنا قضية القبر وعذاب القبر؟

    كيف إذا طرحنا قضية الحساب ويوم المحشر؟ كيف إذا طرحنا قضية الحوض والصراط والميزان؟

    كيف إذا طرحنا قضية سؤال الناس يوم القيامة: وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُولُونَ [الصافات:24]؟ والشفاعات التي تأتي من محمد والأنبياء والملائكة والمؤمنين؟

    وإذا بديننا الإسلامي يحول حياة الناس إلى نعيم, ويوم أن تفقد القضية قضية العقيدة من عالم الناس فيجهلون توحيد الله في أسمائه وصفاته, وتوحيد الله في أفعاله: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الشورى:11] .. وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ [الإخلاص:4] يوم أن تغيب هذه الحقيقة تتلاشى السعادة من عالم الناس, ويتحولون إلى عالم ذئاب, يفتك بعضهم ببعض كعالم الكافرين اليوم يلتزم بالخلق ما دام هناك عليه رقيب من البشر, أما ديننا لا، نؤمن أن هناك بعثاً وحساباً وجنة وناراً, فالظالم لا يموت ويموت الظلم معه, لا. قال سبحانه وتعالى: هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُؤُوسِهِمُ الْحَمِيمُ * يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ * وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ * كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ [الحج:19-22] هذه الآيات عندما يقرؤها الظالم يرتجف, ويقصر عن ظلمه, لأنه يعلم أن بداية المعركة ونهايتها ليست في الدنيا, في الدنيا: هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ [الحج:19] بدأت الخصومة بين أهل الحق وأهل الباطل, وفي النهاية؟

    قال: فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ [الحج:19] فبقية المعركة في النار, أما المؤمنون الذين يعملون الصالحات البداية هنا، وانظر أين تكون النهاية، إنها في الجنة، قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ * دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلامٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [يونس:9-10].

    1.   

    هوان كل شيء من أجل الجنة

    ما أعظم الإسلام! وما أجمل الإسلام لمن فهمه وعلمه وعمل به! يحول القلوب الضيقة إلى واسعة, فيتعلم كيف يعفو عن الآخرين, ويعلم أن الدنيا لا تساوي هم لحظة, ولا حزن لحظة.

    أذكر أنه لما جاءني أحد الإخوة وأنا هناك في أمريكا في المؤتمر الإسلامي، وأحضر الجريدة وقال: انظر! حكموا عليك بسجن ثلاثة شهور مع وقف التنفيذ من أجل الفنانين, قلت: اللهم إني عفوت عنهم أجمعين من القاضي إلى الراضي, قال: لماذا؟ قلت له: لأن الله يوم القيامة يرفع لواء العفو، ويقول: أين العافون عن الناس؟ والقرآن يقول: وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ [آل عمران:134] ويقول سبحانه: فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ [الشورى:40] عفوت عن كل مسلم اغتابني أو بهتني أو قذفني، اللهم إني تركتها له، عفوت ما بيني وبين عبادك فاعف ما بيني وبينك فأنت أجود وأكرم، وهكذا يجب -أيها الأحباب- فالدنيا وما عليها لا تساوي هم ساعة, فاصرف قلبك للتعلق بالجنة عرضها السماوات والأرض, أما يكفيك في الجنة أن ترى الله الذي طالما ركعت وسجدت وآمنت وصبرت واحتسبت سنين طويلة، وصمت واعتمرت وزكيت كل ذلك من أجل غاية الغايات أن ترى وجه الله يوم القيامة, فينسى أهل الجنة كل نعيم فيها إلا نعيم لذة النظر إلى وجه الله, وإذا عادوا إلى أزواجهم والحور قلن: إنا نراكم اليوم أحسن مما كنتم عليه بالأمس, يقولون: نعم. كيف لا نكون هكذا وقد جئنا من زيارة الرحمن الرحيم.

    اللهم إنا نسألك الجنة وما قرب إليها من قول أو عمل, ونعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول أو عمل, اللهم إنا نسألك الفردوس الأعلى لنا ولوالدينا، وأزواجنا وأحبابنا، وأرحامنا وجيراننا من المسلمين الموحدين, برحمتك يا أرحم الراحمين!

    اللهم لا تدع لنا ذنباً إلا غفرته, ولا هماً إلا فرجته, ولا ديناً إلا قضيته, ولا مريضاً إلا شفيته, ولا ميتاً إلا رحمته, ولا ضالاً إلا هديته, ولا تائباً إلا قبلته, ولا عسيراً إلا يسرته, ولا سوءاً إلا صرفته, ولا عيباً إلا سترته وأصلحته, ولا مسافراً إلا حفظته, ولا غائباً إلا رددته, ولا مجاهداً في سبيلك إلا نصرته, ولا عدواً إلا قصمته, ولا حاجة من حوائج الدنيا والآخرة هي لك رضاً ولنا فيها صلاح إلا قضيتها برحمتك يا أرحم الرحمين!

    اللهم استعملنا فيما يرضيك, ولا تشغلنا فيما يباعدنا عنك, واقذف في قلوبنا رجاءك, واقطع رجاءنا عمن سواك, حتى لا نرجو أحداً غيرك, اجعلنا هادين مهديين, غير ضالين ولا مضلين, سلماًلأوليائك، حرباً على أعدائك، نحب بحبك من أحبك, ونعادي بعداوتك من خالفك.

    اللهم أنت ملاذنا ومعاذنا، ونصيرنا وظهيرنا، وحسبنا ومولانا فنعم المولى ونعم النصير, اللهم ندرأ بك في نحور أعدائنا ونعوذ بك من شرورهم.

    اللهم عليك باليهود وأعوانهم, والنصارى وأنصارهم, والشيوعيين وأشياعهم, أرنا فيهم عجائب قدرتك, اللهم إنهم لا يعجزونك, رد المسلمين إلى الإسلام رداً جميلاً, وانصر إخواننا المجاهدين في كل مكان, اللهم ثبت أقدامهم, وسدد رميهم, واجبر كسرهم, وفك أسرهم, وحقق بالصالحات آمالهم, واختم بالطاعات أعمالهم, اللهم إنا نسألك دولة الإيمان والإسلام من مشارق الأرض إلى مغاربها, أنت ولي ذلك والقادر عليه, اللهم حقق وعدك الذي وعدت: وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ [الأنبياء:105] اللهم اجعلنا من الصالحين أنت ولي ذلك.

    والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.