إسلام ويب

جيل الصحابة[1]للشيخ : أبو إسحاق الحويني

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن جيل الصحابة الكرام هو الجيل الذي اختاره الله واصطفاه لصحبة نبيه صلى الله عليه وسلم ونشر الدين والدعوة. وقد تميز هذا الجيل الفريد بأنه تربى على يد النبي صلى الله عليه وسلم، فأحسن تربيته، وظهرت آثار تلك التربية واضحة جلية في مواقفهم وجميع شئون حياتهم، ومن تدبر حياتهم، وتأمل في حالهم علم أنهم خير أمة أخرجت للناس، وخير جيل أبصرته البشرية، بهم نفاخر أهل الأرض -بل وأهل السماء- وعلى منهاجهم نسير وبخطاهم نقتدي، ومن يتبع غير سبيلهم فقد ضل ضلالاً مبيناً، ومن انتقصهم فقد خلع ربقة الإسلام من عنقة، وحارب الله ورسوله والمؤمنين.

    1.   

    مواقف من حياة الصحابة رضوان الله عليهم

    إن الحمد لله تعالى نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102].

    يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1] .

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71].

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

    قال الله عز وجل: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ [آل عمران:110] .

    قال جماعة من أهل العلم -من المحققين منهم-: إن هذه الآية خاصة بأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم لا تتعداهم إلى غيرهم.

    وقال آخرون: بل تتعدى إلى غيرهم إذا كانوا على نهج الصحابة.

    وعلى أي حال، فإن الآية نزلت فيهم، فهم المقصودون أولاً بها: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ [آل عمران:110] .

    وأنت إذا تدبرت حياة الصحابة ومواقفهم، وهجرتهم، وتركهم الأموال والضياع والأولاد والبيوت لله عز وجل، علمت أنهم كذلك، فليس هناك جيل على الإطلاق يساويهم، لا رجالهم ولا نساءهم.

    وهذه مواقف من مواقفهم حتى تعلم أن هذا الجيل ينبغي أن لا يمس بسوء وفينا عين تطرف، فليس لنا جيل مشرق في حياتنا نفاخر الدنيا به إلا هذا الجيل.

    قصة سعد بن أبي وقاص مع أمه

    سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه -وهو أحد العشرة المبشرين بالجنة- قالت له أمه: إنك تقول: إن دينك جاء بمكارم الأخلاق وصلة الأرحام -وكان سعد من أبر الناس بأمه- فوالله ما أطعم طعاماً ولا أشرب شراباً حتى تكفر بدينك، فإذا مِتُّ عُيِّرت بي؛ فيقال: يا قاتل أمه! وكانوا إذا أرادوا أن يطعموها فتحوا فمها بالعصا، لأنها تأبى أن تأكل وتشرب، حتى يعير سعد بها طيلة العمر، وكما قلت لكم كان من أبر الناس، فقال لها: يا أم! كلي أو دعي، فوالله لو كان لك مائة نفس، فخرجت نفساً نفساً ما كفرت بديني؛ فأنزل الله عز وجل قوله: وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا [العنكبوت:8] .

    فطاعة الوالدين لها حدود، إلا طاعة الله ورسوله، فطاعتهما مطلقة، وكل إنسان في الدنيا طاعته مقيدة بقيدين: القيد الأول: الاستطاعة. والقيد الثاني: المعروف، فإذا أُمرت بما لا تستطيع سقط الأمر وسقط وجوبه، وإذا كان مستطاعاً، لكنه حرام، سقط وجوبه، لكن طاعة الله ورسوله مطلقة لا حد لها.

    مثلاً: أمر النبي صلى الله عليه وسلم بإعفاء اللحية، فجاء الوالد، فقال: احلق لحيتك، فحينئذ تعارض أمران، تعارض أمر النبي صلى الله عليه وسلم مع أمر الوالد، لماذا يثور الوالد على أمر النبي عليه الصلاة والسلام؟!

    حينئذ يأتي إنسان ليستفتي، فنفتيه بالفتوى الآتية، الأب هذا يقول له: إذا لم تحلق فاخرج من البيت، فنقول له: أطع ربك وأطع أباك، لا تحلق لحيتك واخرج من البيت، لا تجلس في البيت على رغم والدك، لأنك خروجك من البيت مستطاع ويطاق، فلا تخالف أمره إذ أمرك بالخروج.

    إذاً: أطع أمر والدك واخرج من البيت، وأطع أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا تحلق!

    لكن كثيراً من الناس يجور على حق النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا لا يجوز، بعض الذين يدركهم الخور والضعف يعصون النبي صلى الله عليه وسلم ويطيعون آباءهم، وهذا ليس له نظير عند الصحابة، فالصحابة ما كانوا يفعلون ذلك ولا قليلاً من ذلك، وهذا سعد بن أبي وقاص يضرب لنا المثل ويضرب لنا الأسوة، يقول لأمه التي هو أبر الناس بها: (والله لو كانت لك مائة نفس فخرجت نفساً نفساً ما كفرت بديني).. هناك حدود فاصلة لا يتعداها الإنسان على الإطلاق.

    حديث سلمة بن الأكوع

    موقف آخر لصحابي لا تعرفه الجماهير، لكنه بطل مغوار وفارس شجاع، روى الإمام مسلم في صحيحه خبره العجيب، وهو سلمة بن الأكوع ، وسلمة كان رجلاً شجاعاً، وعداءً سريعاً لا يلحق.

    يقول إياس بن سلمة : حدثني أبي قال: (خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في الحديبية ونحن أربع عشرة مائة -ألف وأربعمائة- وعليها خمسون شاة لا ترويها. قال: فقعد النبي صلى الله عليه وسلم على جبا الركية -على شاطئ البئر- فإما دعا وإما بصق، فجاشت فسقينا واستقينا. قال: ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعانا للبيعة في أصل الشجرة. قال: فبايعته أول الناس، ثم بايع وبايع، حتى إذا كان في وسط من الناس قال: بايع يا سلمة ؟ قلت: قد بايعتك يا رسول الله في أول الناس. قال: وأيضاً، قال: ورآني عزلاً -أي ليس معه سلاح- فأعطاني رسول الله صلى الله عليه وسلم حجفة أو درقة، ثم بايع. حتى إذا كان في آخر الناس قال: ألا تبايعني يا سلمة ؟ قال: قلت: يا رسول الله! قد بايعتك في أول الناس وفي أوسط الناس! قال: وأيضاً، قال: فبايعته الثالثة. ثم قال لي: يا سلمة ! أين حجفتك أو درقتك التي أعطيتك؟ قال: قلت: يا رسول الله! لقيني عمي عامر عزلاً فأعطيته إياها. قال: فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: (إنك كما قال الأول: اللهم أبغني حبيباً هو أحب إلي من نفسي)، ثم إن المشركين راسلونا الصلح حتى مشى بعضنا في بعض، وكنت تبيعاً لـطلحة بن عبيد الله أسقي فرسه وأحثه، وآكل من طعامه، وتركت أهلي ومالي مهاجراً إلى الله ورسوله، قال: فلما اصطلحنا نحن وأهل مكة، واختلط بعضنا ببعض، أتيت شجرة، فكسحت شوكها، فاضطجعت في أصلها. قال: فأتاني أربعة من المشركين من أهل مكة، فجعلوا يقعون في رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأبغضتهم، فتحولت إلى شجرة أخرى، وعلقوا سلاحهم على الشجرة، قال: فبينما هم كذلك، إذ نادى منادٍ من أسفل الوادي: يا للمهاجرين! قتل ابن زنيم . قال: فاخترطت سيفي -أخرجته من جرابه- ثم شددت على أولئك الأربعة وهم رقود، فأخذت سيوفهم فجعلتها ضغثاً في يدي. قال: ثم قلت: والذي أكرم وجه محمد لا يرفع أحدكم رأسه إلا ضربت الذي فيه عيناه. قال: ثم جئت بهم أسوقهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    قال وجاء عمي عامر برجل من العبلات يقال له مكرز يقوده إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على فرس مجفف في سبعين من المشركين، فنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (دعوهم يكن لهم بدء الفجور وثناه)، فعفا عنهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنزل الله عز وجل في ذلك: وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ [الفتح:24] قال: ثم خرجنا راجعين إلى المدينة، فنزلنا منزلاً بيننا وبين بني لحيان -وهم المشركون- فاستغفر رسول الله صلى الله عليه وسلم لمن رقى هذا الجبل الليلة قال سلمة : فرقيت تلك الليلة مرتين أو ثلاثاً، ثم قدمنا المدينة، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم بظهره مع رباح غلام رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا معه -الظهر: الإبل والبغال والحمير- وخرجت معه بفرس طلحة، فلما أصبحنا إذ عبد الرحمن الفزاري قد أغار على ظهر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاستاقه أجمع وقتل راعيه. قال: وقلت: يا رباح: خذ هذا الفرس، فأبلغه طلحة بن عبيد الله ، وأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن المشركين قد أغاروا على سرحه، قال: ثم قمت على أكمة، فاستقبلت المدينة، فناديت ثلاثاً: يا صباحاه! ثم خرجت في آثار القوم أرميهم بالنبل وأرتجز أقول:

    أنا ابن الأكوع واليوم يوم الرضع

    - الرضع هم اللئام، يقال: لئيم راضع: لأن اللئيم إذا أراد أن يشرب من لبن الشاة يرضع ويمص لبنها من ثدي الشاة حتى لا يسمع الناس أنه يشرب ويشاركونه في اللبن، فيقال: لئيم راضع، فاليوم يوم الرضع أي: هذا هو يوم اللئام- قال: فألحق رجلاً منهم، فأصك سهماً في رحله حتى خلص نصل السهم إلى كتفه، قال: قلت: خذها:

    أنا ابن الأكوع واليوم يوم الرضع

    قال: فوالله ما زلت أرميهم وأعقر بهم، فإذا رجع فرس أتيت شجرة فجلست في أصلها ثم رميته فعقرت به، حتى إذا تضايق الجبل -دخلوا في تضايقه- علوت الجبل فجعلت أرديهم بالحجارة. قال: فما زلت كذلك أتبعهم حتى ما خلق الله من بعير من ظهر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا خلفته وراء ظهري، وخلوا بيني وبينه، ثم تبعتهم حتى ألقوا أكثر من ثلاثين بردة وثلاثين رمحاً يستخفون -يستخف نفسه لكي يفر، فأي شيء يسبب ثقل الحركة والمشي يتركونه- قال: ولا يطرحون شيئاً إلا جعلت عليه آراماً من الحجارة يعرفها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، حتى إذا أتوا متضايقاً من ثنية، فإذا هم قد أتاهم فلان بن بدر الفزاري فجلسوا يتضحون (أي: يتغدون) وجلست على رأس قرن. قال الفزاري : ما هذا الذي أرى؟ قالوا: لقينا من هذا البرح والله ما فارقنا منذ غلس، يرمينا حتى انتزع كل شيء في أيدينا. قال: فليقم إليه نفر منكم، فصعد إلي أربعة منهم. فلما أمكنوني من الكلام قلت: ألا تعرفوني؟ قالوا: لا. قلت: أنا سلمة بن الأكوع والذي كرم وجه محمد لا أطلب رجلاً منكم إلا أدركته، ولا يطلبني رجل منكم فيدركني. قال أحدهم: أنا أظن -يعني: لا يستطيعون ذلك- فرجعوا، فما برحت مكاني حتى رأيت غبار فوارس رسول الله صلى الله عليه وسلم يتخللون الشجر. فإذا أولهم الأخرم الأسدي على أثره أبو قتادة ، وعلى أثره المقداد بن الأسود الكندي . قال: فأخذت بعنان الأخرم . قال: فولوا مدبرين. وقلت: يا أخرم احذرهم لا يقتطعوك حتى يلحق رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه. قال: يا سلمة ! إن كنت تؤمن بالله واليوم الآخر وتعلم أن الجنة حق والنار حق، فلا تحل بيني وبين الشهادة. قال: فخليته فالتقى هو وعبد الرحمن الفزاري . قال: فعقر بـعبد الرحمن فرسه، وطعنه عبد الرحمن فقتله، وتحول على فرسه، ولحق به أبو قتادة فارس رسول الله صلى الله عليه وسلم -بـعبد الرحمن- فطعنه فقتله، فوالذي كرم وجه محمد صلى الله عليه وسلم اتبعتهم أعدو على رجلي، حتى ما أرى ورائي من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ولا غبارهم شيئاً -كان عداءً سريعاً جداً- حتى يعدلوا قبل غروب الشمس إلى شعب فيه ماء يقال له: ذو قرد ليشربوا منه وهم عطاش، قال: فنظروا إلي أعدو وراءهم، فحليتهم عنه (أي: أجليتهم عنه) فما ذاقوا منه قطرة. قال: فيخرجون فيشتدون في ثنية. قال: فأعدو فألحق رجلاً منهم، فأصكه بسهم في نغص كتفه. قال: قلت: خذها وأنا ابن الأكوع واليوم يوم الرضع

    قال: يا ثكلة أمه! أكوع بكرة؟! قال: قلت: نعم يا عدو نفسه أكوعك بكرة.. قال: وإذا بلال قد ذبح ناقة من الإبل الذي استنقذت من القوم، وإذا هو يشوي لرسول الله صلى الله عليه وسلم من كبدها وسنامها. قال: قلت: رسول الله! خلني أنتخب مائة رجل، فنتبع القوم -نفسه طويل- فلا يبقى منهم مخبر إلا قتلته، قال: فضحك النبي صلى الله عليه وسلم وقال: أو كنت تفعل ذلك يا سلمة ؟ قال: نعم والذي كرمك. قال: فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ضحك حتى بدت نواجذه في ضوء النهار، فقال عليه الصلاة والسلام: إنهم الآن ليقرون في أرض غطفان ... إلى آخر الحديث.

    قال سلمة : فوالله ما لبثنا إلا ثلاث ليالٍ حتى خرجنا إلى خيبر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: فجعل عمي عامر يرتجز:

    تالله لولا الله ما اهتدينا

    ولا تصدقنا ولا صلينا

    ونحن عن فضلك ما استغنينا

    فثبت الأقدام إن لاقينا

    وأنزلن سكينة علينا

    فقال عليه الصلاة والسلام: من هذا المرتجز؟ قال: أنا عامر قال: يرحمك ربك أو قال: يغفر لك ربك، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا استغفر لرجل يخصه بذلك استشهد، فقال عمر بن الخطاب لما سمع ذلك: يا رسول الله: ألا متعتنا بـعامر ؟ علم أنه سيموت، لما استغفر له علموا أنه سيقتل في المعركة.

    فلما وصلوا إلى خيبر خرج مرحب -وكان ملكهم- يقول مرتجزاً:

    قد علمت خيبر أني مرحب

    شاكي السلاح بطل مجرب

    إذا الحروب أقبلت تلهب

    فخرج عامر بن الأكوع وقال:

    قد علمت خيبر أني عامر شاكي السلاح بطل مغامر

    قال: فاختلفا ضربتين فوقع سيف مرحب في ترس عامر وذهب عامر يسفل له فرجع سيفه على نفسه فقطع أكحله فمات. فقال جماعة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: بطل عمل عامر! قتل نفسه! قال سلمة : فجئت رسول الله صلى الله عليه وسلم أبكي، فقال: ما يبكيك يا سلمة ؟ قلت: يا رسول الله! قال جماعة من أصحابك: بطل عمل عامر . قال: كذب من قال ذلك، بل له أجره مرتين. قال: ثم أرسلني إلى علي بن أبي طالب وهو أرمد فقال: لأعطين الراية غداً رجلاً يحبه الله ورسوله ويحب الله ورسوله. قال: فأتيت علياً فجئت به أقوده وهو أرمد حتى أتيت به رسول الله فبصق النبي صلى الله عليه وسلم على عينيه فبرأ وأعطاه الراية، وخرج مرحب وقال:

    قد علمت خيبر أني مرحب

    شاكي السلاح بطل مجرب

    إذا الحروب أقبلت تلهب

    فقال علي بن أبي طالب :

    أنا الذي سمتني أمي حيدرة

    كليث غابات كريه المنظرة

    أوفيهم بالصاع كيل السندرة

    ثم تبارزوا فقتله علي بن أبي طالب .

    وهناك مواقف لو أردنا أن نحصيها عداً لتعبنا، فهذه حياتهم، كان النبي صلى الله عليه وسلم أغلى شيء لديهم، لا يضعون في مقابله أحداً كائناً من كان، عادوا من أجله الآباء والأبناء، وذوي القرابة، وما غرهم ذلك وما وهنوا.

    إذا قدمنا القرابة على أمر الله ورسوله فهذا ضعف وخور، وليس حياءً وليس حسن خلق، والله ورسوله أحق بالتقديم.

    قتل كعب بن الأشرف

    محمد بن مسلمة وأبو نائلة فـأبو نائلة أخو كعب بن الأشرف من الرضاعة، ومحمد بن مسلمة ابن أخت كعب ، فلما كثر إيذاء كعب للنبي عليه الصلاة والسلام، قال: (من لـكعب بن الأشرف

    ؛ فإنه أذى الله ورسوله؟
    )، فقام محمد بن مسلمة قال: أنا له. وقال أبو نائلة : وأنا كذلك. قال محمد بن مسلمة : (يا رسول الله! أتأذن أن نقول له شيئاً -نكذب عليه، نغرر به- قال: نعم) فجاء محمد بن مسلمة إلى كعب وقال: إن هذا الرجل -يقصد رسول الله صلى الله عليه وسلم- قد عنانا -كل يوم يطلب صدقة، ونحن تعبنا من هذا الموضوع- وجئنا نستسلفك صاعاً أو صاعين من شعير. فقال كعب: -والله لتملنه أي: هذه البداية فقط، لكن أيضاً ستملونه- قال محمد بن مسلمة : إنا لا نريد أن نخالفه حتى نرى إلى أي شيء ينتهي أمره، لكن جئت أستسلفك وسقاً أو وسقين. فقال كعب : ارهنوني نساءكم. فقال محمد بن مسلمة : أنعطيك نساءنا وأنت أجمل العرب؟! إذاً: يفتنَّ بك، فقال: ارهنوني أبناءكم. قال: هذا عار علينا، يسب أحدهم يوماً فيقال: رهن بوسق من شعير أو وسقين، ولكن نعطيك اللأمة.

    اللأمة: هي الدرع والسيف، وهذه كانت مبادرة ذكية من محمد بن مسلمة ؛ لأنه لو جاء بالسيف لخاف كعب ولظن أن في الأمر شيئاً، فتواعدوا إلى اليوم الثاني، وكان كعب قد تزوج حديثاً من امرأة من العرب، يقال أنها أعطر العرب، أحسن امرأة تصنع العطر، وفي اليوم الموعود جاء محمد بن مسلمة وأبو نائلة في منتصف الليل، فناداه أبو نائلة : يا كعب ! قال: من؟ قال: أبو نائلة .. انزل -هناك موعد-. فقالت امرأة كعب : إني أسمع صوتاً يقطر منه الدم -امرأة ذكية، صوت أبي نائلة وهو ينادي كأنه يقطر دماً، كيف تنزل في هذه الساعة؟- فقال لها: إن الكريم إذا دعي إلى طعنة بليل أجاب، لو أن إنساناً يستغيث في الشارع أنجده، فكيف وهذا رضيعي أبو نائلة؟!

    وكانوا قد جهزوا الخطة أن محمد بن مسلمة يمسك رأسه والبقية يضربون بالسيوف، فنزل كعب ينفح منه ريح الطيب؟! فقال محمد بن مسلمة : ما رأيت كاليوم عطراً! فقال كعب متبجحاً: كيف لا وعندي أعطر العرب. فقال محمد بن مسلمة : أتأذن لي أن أشم رأسك؟ قال: نعم. فأعطاه رأسه فشمه وتركه، ولم يهجم من البداية. لكي يعطيه الأمان، وكل واحد من الموجودين جعل يشم رأسه ويتركه أيضاً، فقال محمد بن مسلمة : أتأذن لي أن أشم رأسك مرة أخرى؛ فحينئذ أمسك محمد برأسه ثم قال: دونكم عدو الله فاضربوه، فضربوه فقتلوه، ومحمد بن مسلمة هو ابن أخته وأبو نائلة أخوه من الرضاعة، لكن إذا كان الأمر يقتضي ذلك والآمر بذلك النبي عليه الصلاة والسلام فلا يتخلفون.

    فالصحابة رضوان الله عليهم استطاعوا في عشر سنوات أن يكونوا دولة، والعرب جنس لا يصلح إلا بدين، كانوا قبل الإسلام أمة على هامش الدنيا، لا قيمة لها على الإطلاق، لم يكن لها دين، وإنما كانت الأرض آنذاك لفارس والروم، وكان العرب بدواً رحلاً، رعاة شاء، فجاء الإسلام فرفعهم إلى منزلة سامية، قادة أمم.

    واليوم العرب أمة لا قيمة لها تعيش على ضفاف نهر الحياة، لأنها تخلت عن دينها، فلو رجع المسلمون اليوم إلى دينهم؛ لغزوا فارس والروم، وأخذوا أمريكا، وسيطروا على الفرس، لكنهم تركوا دينهم.. وحكموا القوانين الوضعية التي صنعها الغرب وأصبح الرجل لا يمشي في بلد من بلاد المسلمين بأمان الإسلام كما يمشي بأمان القانون، فالإسلام في المساجد فقط، تدخل المسجد الكتاب يحكمك، تخرج من المسجد القانون يحكمك وليس الإسلام، وشريعة الله عز وجل لا تحكم.

    فهم الآن مثل أجدادهم الأوائل لا يتمسكون بدين؛ فلا قيمة لهم، لكن الصحابة تمسكوا بالدين، ففي عشر سنوات صارت لهم دولة!

    أخبروني عن أي جيل من بني آدم عليه السلام إلى الآن استطاع أن يكون له دولة في عشر سنوات، وهي المدة من بعد هجرة النبي صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة إلى وفاته، لماذا؟ لأنه كان عندهم مثل هذا الصنف النفيس من الصحابة الكرام.

    وقد سئل علي بن أبي طالب رضي الله عنه حين قامت الفتن في عصره، فقال له قائل: لم ثارت الفتن في عصرك ولم تثر في عصر عمر؟! قال: لأن عمر كان والياً على مثلي، وأنا وال على مثلك..!

    اختلفت نوعية الرجال، وأزمتنا في الحقيقة أزمة رجال، لذلك نذكر الجماهير بحياة الصحابة، فهم الأسوة العملية، والذين يطعنون الآن في الصحابة قد طعنوا في الإسلام كله، ولله در الإمام النسائي رحمه الله لما جاءه رجل فقال: إن رجلاً يتكلم في معاوية بن أبي سفيان، فقال الإمام النسائي رحمه: إنما الإسلام دار والصحابة الباب، فمن نقر على الباب إنما أراد الدخول، ومن أراد الصحابة إنما أراد الإسلام.

    ولما قيل لـأبي زرعة الرازي رحمه الله: إنهم يتكلمون في الصحابة. قال: (يريدون أن يطعنوا في شهودنا، وهم أولى بالطعن، وهم زنادقة).

    يريدون أن يطعنوا في الصحابة وهم الذين نقلوا إلينا الدين، إذا سلمنا بالمقدمة سلمنا بالنتيجة، الصحابي نقل دين الله، فإذا قلت: هذا الصحابي ليس بعدل، قلت: الذي نقله كذب، فالذين يتكلمون على الصحابة يريدون الطعن في الدين؛ لأجل هذا كان ينبغي علينا أن ننظر في حياة الصحابة، فليس لهم نظير في الابتلاء والحب والقول، كما سأعرض عليكم نماذج من ذلك إن شاء الله.

    أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم.

    1.   

    من مواقف الصحابة في الزهد والصبر على المشاق

    الحمد لله رب العالمين له الحمد الحسن والثناء الجميل، وأشهد أنه لا إله إلا الله وحده لا شريك له، يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ [الأحزاب:4] ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.

    أبو هريرة وصبره على الجوع

    في صحيح البخاري قال أبو هريرة رضي الله عنه: (والله الذي لا إله غيره لقد كنت أصرع بجانب المنبر، فيجيء الجائي، فيظن أن بي جنوناً، فيضع قدمه على عنقي يظن أن بي جنوناً، وما بي إلا الجوع)، جائع.. وكان رضي الله عنه إنساناً عفيفاً قال رضي الله عنه: فصليت الفرض ثم خرجت وجلست على الطريق، فمر بي أبو بكر رضي الله عنه فسألته عن آية في كتاب الله وإنها لمعي -أنا أعرفها، لكنه يسأله حتى يقول له: تعال نتغدى وأكلمك، فيكون قد حصل على مراده- قال: فسألته عن آية في كتاب الله وإنها لمعي، وما سألته إلا رجاء أن يستتبعني -يقول لي: اتبعني. تعال معي، وإنما أغراه بذلك أن جعفر بن أبي طالب كان من أكرم الناس، وكان أبو هريرة دائماً حين يسأله سؤالاً يقول له: تعال نتغد أولاً ثم نتكلم على الغداء، فظن أن كل الناس مثل جعفر، وأنه حين يسأله سؤالاً سيقول له: تعال نتغد وسوف أجيبك- قال: ما سألته إلا رجاء أن يستتبعني. قال: فأجابني ومضى، قال: فجاء عمر فسألته عن آية في كتاب الله وإنها لمعي، ما سألته إلا رجاء أن يستتبعني، قال: فأجابني ومضى، قال: ثم جاء أبو القاسم صلى الله عليه وسلم، فنظر إلى وجهي، فعرف ما بي، فتبسم، فقال: أبا هر ! الحق بنا، قال: فانطلقت خلفه، فدخلنا البيت، فإذا إناء من لبن، قال: من أين هذا؟ قالوا: أهداه لك فلان -بدأ أبو هريرة يتبسم، سيشرب لبناً- قال: ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أبا هر ! الحق بأهل الصفة فادعهم يشركوننا في هذا اللبن، قال: فأحزنني ذلك -وماذا يفعل هذا اللبن لأهل الصفة، لأنه لو كل واحد شرب شربة سينتهي- إنما كنت أريد أن أظفر منه بشربة تقيم صلبي -ثم أمرٌ آخر أحزنه أنه سيسقيهم، وساقي القوم آخرهم شرباً. إذاً: لن يجد لبناً- قال: ولم يكن من طاعة الله ولا طاعة رسوله بد.

    (وأهل الصفة -كما ذكر أبو نعيم الأصفهاني - كانوا أربعمائة وخمسة عشر.. أربعمائة وخمسة عشر وإناء لبن!!)

    قال: فدعوتهم فجاءوا فجلسوا، فأمسك النبي صلى الله عليه وسلم الإناء ووضع يده عليه وقال: باسم الله.. خذ يا أبا هريرة قال: فكنت آخذ الإناء، فأعطيه للأول، فيشرب حتى يدعه، فآخذه منه فأعطيه للثاني والثالث والرابع إلى تمام أهل الصفة، واللبن في الإناء كما هو -بركة- فجاء أبو هريرة بالإناء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما رآه تبسم -فهو يعلم ما به- فلما رآه تبسم قال: يا أبا هر! لم يبق إلا أنا وأنت.! فقلت: صدقت يا رسول الله! قال: اقعد يا أبا هريرة فقعدت. قال: اشرب فشربت قال: اشرب، اشرب، اشرب، حتى قلت: والذي بعثك بالحق لا أجد له مكاناً، فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم الإناء وكان فيه شربة، فسمى الله وشربها).

    انظر.. كان يصرع بجانب المنبر، وما به من داء إلا الجوع، كل هذا في سبيل الله وحباً في رسوله، وكان منهم ألوف تركوا أموالهم وتركوا ديارهم فداءً لله ورسوله.

    حديث جابر بن عبد الله في سرية سيف البحر

    كان صلى الله عليه وسلم يرسل الجيش وأحياناً يأكلون ورق الشجر، ولم يتضجر واحد منهم، أو يقل: كيف نأكل ورق الشجر..؟! فمثلاً: يروي جابر بن عبد الله -كما في الصحيحين- فيقول: (أرسلنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة وأمر علينا أبا عبيدة بن الجراح وأعطاه جراباً من تمر، فكان أبو عبيدة يعطيهم تمرتين تمرتين، وبعد ذلك يعطيهم تمرة تمرة، -أي: لما بدأ التمر ينفد أصبح يعطيهم تمرة تمرة- قال جابر : فكنا نمصها ونشرب عليها الماء حتى نفد التمر، فكنا نأكل ورق الشجر، قال: فرمى لنا البحر بدابة عظيمة يقال لها: العنبر -وهو حوت عظيم ألقاه البحر على الشاطئ- فلما رآه أبو عبيدة قال: ميتة لا تأكلوه -لم يكن يعلم حل ميتة البحر- ثم قال: جيش رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونحن في سبيل الله، ونحن مضطرون، كلوا، قال جابر : فكنا نأخذ الدهن من عينه بالقلال، قال: وجلس ثلاثة عشر رجلاً منا في عينه، قال: وجاء أبو عبيدة بضلع من أضلاع العنبر فنصبه، وجاء بأعلى جمل وركبه أطول رجل فمر من تحته، ثم رجعوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبروه، فقال: هل معكم منه شيء؟.

    1.   

    خطر الطعن في الصحابة

    لو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث في الناس اليوم لوجد فيهم من يقاتله، أمثال هؤلاء الذين يسبون أصحابه، ويدعون التشيع لأهل بيته.

    قال الإمام مالك رحمه الله عندما قيل له: أرأيت الذين يسبون أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، قال: (يطعنون على النبي صلى الله عليه وسلم، يقولون: هو رجل سوء وله صحابة سوء).

    ما معنى أن الصحابة سيئين؟ معنى ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم سكت عليهم وما قومهم وهذه تربيته! فكأنه مثلهم!! فهؤلاء يطعنون على النبي عليه الصلاة والسلام، ولو خرج النبي عليه الصلاة والسلام فيهم لقاتلوه.

    فنحن في محنة عظيمة، نحتاج أن نعلم أولادنا حب النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام ونغرسه في صدورهم، حتى ترتفع الهمة ويصير لنا قيمة، فإننا لن ننتصر إلا بدين، وسنظل على هذه الدنيا، يتهمنا الأعداء بالإرهاب العالمي، وهم الإرهابيون حقاً.

    اليهود يقتلون المصلين السجد في المسجد الأقصى، ليس بإرهاب، ولم تسمع للعالم أجمع همسة وعندما حصل تفجير ومات ستون يهودياً ضج العالم منددين بالإرهاب، وجاء الرئيس الأمريكي والرئيس الروسي ليعزوا اليهود، لكن عندما يراق دم مائة مسلم ساجد .. فهذا ليس بإرهاب، فأصبح دم المسلمين أرخص الدماء.

    فينبغي أن ننهض بهممنا لنعيد للإسلام مجده، فنربي أبناءنا على دين الله تعالى، ليحذروا المرحلة القادمة، فهي مرحلة خطيرة، مرحلة الأقمار الصناعية والفضائيات وشبكة الانترنت التي تستخدم لإفساد شباب المسلمين، فالجيل القادم ينبغي أن يكون على مستوى المسئولية؛ لأن الفتن عظيمة وجسيمة.

    فيا أيها المسلم: لا تلق الله خائناً، رب ولدك؛ لأن الأيام القادمة أيام عجاف تحتاج إلى جيل مثل جيل الصحابة.

    إن الرياح إذا اشتدت عواصفها فليس ترمي سوى العالي من الشجر

    صاحب القامة الطويلة هو الذي يناله البلاء، والبلاء قادم بلا شك، وبيننا وبين اليهود حرب فاصلة نحتاج فيها إلى الرجال.

    أسأل الله تبارك وتعالى أن يغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا.

    اللهم ثبت أقدامنا، وانصرنا على القوم الكافرين..

    اللهم اجعل الحياة زيادة لنا في كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر.

    اللهم قنا الفتن ما ظهر منها وما بطن.

    اللهم لا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تسلط علينا بذنوبنا من لا يخافك ولا يرحمنا.

    رب آت نفوسنا تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها.

    اللهم اغفر لنا هزلنا وجدنا، وخطأنا وعمدنا، وكل ذلك عندنا.