إسلام ويب

مداخل الشيطان[2]للشيخ : أبو إسحاق الحويني

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن من مداخل الشيطان على بني آدم إيقاعهم في البدعة، ودفعهم إلى رد الحق بسبب تعصبهم لعادات الآباء وتقاليدهم؛ ولا مخرج ولا عاصم من هذه الفتن إلا بالعلم، والاهتمام بما أنزل الله على رسوله صلى الله عليه وسلم والنظر في حياة الصحابة واهتمامهم بتلقي الوحي عن رسول الله، وعدم التقديم بين يدي الله ورسوله برأي ولا قول ولا فعل.

    1.   

    تأثير الآباء في الأبناء عظيم الجذور

    إن الحمد لله تعالى، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهد الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له .

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله .

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102] .

    يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً [النساء:1] .

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً [الأحزاب:70-71] .

    أما بعد:

    فإن أصدقَ الحديث كتابُ الله، وأحسنَ الهدي هديُ محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وشرَّ الأمور محدثاتُها، وكلَّ محدثة بدعةٌ، وكلَّ بدعة ضلالةٌ، وكلَّ ضلالة في النار .

    أيها الإخوة الكرام! فلا زلنا نميط اللثام عن كيد الشيطان لابن آدم، وقد قال الله تبارك وتعالى: يَا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ * وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ * قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ [الأعراف:27-29] .

    في ترتيب هاتين الآيتين سرٌّ بديع، وقفتُ عليه بتوفيق ربي، ثم بطول التأمل في الآيتين، ولكن لا يظهر المعنى إلا بمقدمة، وهذه المقدمة قد تطول؛ لكنها ضرورية .

    قال تعالى: يَا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ [الأعراف:27] .

    ثم قال : وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا [الأعراف:28] .

    إن تأثير الآباء في الأبناء عظيم الجذور؛ ولذلك دَرَج أهل الجاهلية أن يحلفوا بآبائهم، ومِن المعلوم أن الحلف إنما هو لتعظيم المحلوف به، ففي الصحيحين من حديث عمر رضي الله عنه قال: (سمعني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأنا أقول: وأبي! وأبي -أي يحلف بأبيه- فقال: يا عمر ! إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم، من كان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت، قال عمر : فما حلفت به ذاكراً ولا آثراً) ذاكراً: لا أحلف، ولا آثراً: لا أقول: إنني في يوم من الأيام قلت: وأبي، فيحلف بأبيه على سبيل الحكاية، وليس على سبيل الحلف، فإعمالاً لهذا النهي من النبي عليه الصلاة والسلام وتعظيماً لجنابه يقول: (ما حلفتُ به ذاكراً ولا آثراً) ولأن الوالد هو أغلى ما يمتلكه الولد في هذه الدنيا مع الأم، فإن الصحابة رضي الله عنهم كانوا إذا أرادوا أن يُفَدُّوا النبي صلى الله عليه وسلم قالوا: بأبي أنت وأمي. أي: أفديك بأبي وأمي، ولو كان هناك أغلى منهما لفديتك به.

    وفي صحيح البخاري أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه كان يصلي صلاة العصر مع علي بن أبي طالب وجماعة من الصحابة رضي الله عنهم، فلما خرج من المسجد أبصر أبو بكر الحسن بن علي، فجعل أبو بكر يعدو خلفه والحسن يهرب حتى أمسكه أبو بكر، فرفعه على عاتقه وهو يقول: (بأبي شَبِيْهٌ بالنبي ليس شَبِيْهاً بـعلي ).

    والباء هنا ليست باء القسم، إنما هي باء التفدية؛ أي: أفديه بأبي ليس شبيهاً بـعلي، إنما يشبه النبي صلى الله عليه وسلم كله.

    فكانت العرب قديماً يحلفون بالآباء لرسوخ هذه العلاقة بين الأبناء والآباء في نفوس الأبناء.

    1.   

    الاعتراض على الأنبياء بسنة الآباء

    ذكر ربنا تبارك وتعالى أن الرسل أول ما عورضوا بسنة الآباء، وجعلها الناس عقَبَةً كأْداء في طريق الأنبياء: وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ [الزخرف:23]، مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ [الزخرف:23] وهذا كله يفيد العموم، أي: ما جاء نبي قط أرسله الله إلى قرية ما إلا عارضوه بسنة الآباء فقالوا: إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ [الزخرف:23] .

    ولو رجعتَ إلى القرآن الكريم تجد تفصيل هذا الكلام.

    نوح عليه السلام ومعارضة قومه بسنة آبائهم

    نوح أول نبي أرسل -كما في الحديث الصحيح- وعورض بسنة الآباء:

    قال تعالى: وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ * فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَنزَلَ مَلائِكَةً مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الأَوَّلِينَ [المؤمنون:23-24] .

    فجعلوا جهل آبائهم قائماً مقامَ الحجة، : وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ [الأنعام:91] نعم ما قَدَروه حق قدره، يخلق عباده، ويخلق لهم السماوات والأرض، ولا يرسل إليهم أنبياء يعرفونهم طريق سعادتهم؟!

    أهذا يليق بالرحمن الرحيم؟!

    يطعمهم، وينمي أبدانهم، ويملأ بطونهم، ولا يرسل إليهم رسولاً يعرِّفهم به؟

    إن الذين زعموا ذلك: مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُوراً وَهُدىً لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيراً [الأنعام:91] مَن الذي فعل ذلك؟! مَن الذي أنزل هذه الكتب؟!

    وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلا آبَاؤُكُمْ [الأنعام:91] مَن الذي علَّمكم أنتم وآباءكم؟

    قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ [الأنعام:91].

    فهؤلاء جعلوا جهل آبائهم قائماً مقام الحجة في معارضة الأنبياء.

    إبراهيم عليه السلام أكثر من عورض بسنة الآباء

    إبراهيم عليه السلام الحنيف، وهو من أكثر الذين عورضوا بسنة الآباء: إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ * قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ [الأنبياء:52-53] .

    وقال تعالى: وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ * إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ * قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَاماً فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ * قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ * أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ * قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ [الشعراء:69-74] .

    وكان بينه وبين أبيه مجادلة عنيفة أدى فيها إبراهيم عليه السلام حق البنوة وحق العبودية، أدى حق البنوة فدعا أباه بألطف عبارة إلى الله، وأدى حق ربه عز وجل إذ تولى بِرُكْنه وترك الأصنام وعابديها:

    وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقاً نَبِيَّاً * إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئاً * يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطاً سَوِيَّاً * يَا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيَّاً * يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيَّاً * قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْراهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيَّاً [مريم:41-46] .

    قال النبي صلى الله عليه وسلم كما في الصحيحين: (يلقى إبراهيم أباه آزر يوم القيامة فيقول إبراهيم: أَلَمْ أنهك -يعني أن تشرك بالله شيئاً- فعصيتني؟ فيقول أبوه: اليوم لا أعصيك، فيتوجه إبراهيم عليه السلام فيقول: يا رب! وعدتني أن لا تخزني يوم يبعثون، وأي خزيٍ أعظم من أن يدخل الأبعدُ النار -الأبعد: أبوه- فقال الله عز وجل: يا إبراهيم! إني حرمت الجنة على الكافرين، انظر تحت قدميك، فينظر فإذا هو بذيخ ملتطخ -صورة ضبع منتن الرائحة، يدور في رجيعه- فيؤخذ بقوائمه إلى النار) .

    إن الله عز وجل لا يجامل أحداً في التوحيد: إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ [المائدة:72] .

    فرعون ومعارضته لدعوة موسى بتقليد الآباء

    معارضة قوم هود وصالح وشعيب لأنبيائهم بسنة الآباء

    وكذلك لما جاء هود عارضوه بسنة الأنبياء أيضاً: وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُوداً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ [الأعراف:65] ... قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ * قَالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاءٍ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا نَزَّلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ فَانتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنتَظِرِينَ [الأعراف:70-71] .

    وكذلك لما جاء صالح إلى ثمود ودعاهم إلى الله عز وجل: قَالُوا يَا صَالِحُ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوَّاً قَبْلَ هَذَا أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا [هود:62] .

    ولما جاء شعيب إلى مدين عارضوه أيضاً بسنة الآباء: وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْباً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ [الأعراف:85] .

    فبماذا أجابوه؟

    قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ [هود:87].

    جُنِنْتَ؟! نتبعك ونعبد الله، ونتصرف في أموالنا على حسب رأيك؟! إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ [هود:87] .

    نبينا عليه الصلاة والسلام ومعارضة قومه دعوته بسنة الآباء

    ثم كان نبينا عليه الصلاة والسلام أكثر الذين عورضوا من الأنبياء بسنة الآباء:

    وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ [البقرة:170] .

    وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْلَمُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ [المائدة:104] .

    وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ [لقمان:21]

    وفي الصحيحين من حديث المسيب بن حزن رضي الله عنه قال: (لما حضرت أبا طالب الوفاة دخل النبي صلى الله عليه وسلم عليه وعنده أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: يا عم! قل: لا إله إلا الله، كلمة أحاج لك بها عند الله، فقال أبو جهل : أترغب عن ملة عبد المطلب -أترغب عن دين آبائك- فكان آخر شيء قاله: على ملة عبد المطلب ) .

    فسنة الآباء عَقَبَة كأداء.

    قال الله عز وجل:فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ [البقرة:200] فلو كان هناك أحد غير الوالد يذكر عند الولد لذكره الله؛ لأنه ذكر الآية في معرض الحث على كثرة ذكر الله، ولا يُضْرَب المثل بالأدون، إنما يُضْرَب بالأعلى، فلو كان هناك أكثر من الآباء ذكراً عند الأبناء لذكره الله عز وجل .

    1.   

    الاقتداء بآدم عليه السلام في عدائه للشيطان

    قال تعالى: يَا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا [الأعراف:27].

    الأبناء عندهم عصبية للآباء، كفروا بالله بسبب العصبية للآباء، ولو سُبَّ والدُ أحدِنا لاحمرَّ أنفُه، ولربما فدى سمعة أبيه بحياته، ولا يرى بأساً عليه من ذلك، إذْ كان يرد اعتبار أبيه .

    وهذا امرؤ القيس لما خرج هو وصاحبه ليسترد مُلْك أبيه -الملك الضائع- رأى أنه لو قُتِل ما كان ذلك يشينه

    بكى صاحبي لما رأى الدرب دونه وأيقن أنَّا لاحقان بقيصرا

    فقلتُ له لا تبك عينك إنما نحاول ملكاً أو نموتَ فنُعْذَرا

    كان يبحث عن مُلْك أبيه، وكان أبوه ملكاً، فرأى أن يفدي استرداد الملك بحياته.

    إذاً: المقدمة الطويلة هذه نستفيد منها: شدة عصبية الأبناء للآباء .

    قال تعالى: وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا [الأعراف:28] حتى في الفواحش دفعتهم العصبية أن يفعلوا الفاحشة، ويجعلوا فعل آبائهم حجة، ثم يفترون على الله بعد ذلك فينسبونها إليه.

    طالما أن عندكم غَيرة ونخوة وعصبية، فقد أخرج الشيطان أبويكم من الجنة وكشف سوآتهما! فأين عصبيتكم لهما؟!

    لماذا صار أكثر الناس منقادين للشيطان الرجيم؟!

    لماذا تَبِع أكثرُ أهل الأرض الشياطينَ؟!

    أين عصبيتهم؟!

    لماذا لم يمقتوا الشياطين وقد أخرجوا أبويهم من الجنة، وكشفوا عن سوآتهما؟!

    لماذا تكيلون بمكيالين؟

    لماذا توالون الشيطان وآدم أبوكم؟! ولذلك جاء لفظ الأب في الآية: يَا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ [الأعراف:27] استثارة للنخوة! استثارة للعصبية! بأن يعادي الشيطان الذي أخرج أباه، ولم يفعل هذا فقط، بل كشف عن سوأته .

    فكان ينبغي له إذا كان فعلاً يوالي هذا الوالد ويتعصب له ألاَّ يوالي عدوَّه الذي أخرجه من الجنة، وجعلنا سبايا له.

    لكننا سَبْيُ العدو فهل ترى نعود إلى أوطاننا ونُسَلِّمُ

    هل يا ترى نعود إلى وطننا الذي خرجنا منه يوماً ما؟!

    قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم -في حديث أبي سعيد الخدري المتفق عليه- (يقول الله عز وجل لآدم يوم القيامة: يا آدم! يقول: لبيك وسعديك والخير في يديك، يقول: يا آدم! أخرج بعث النار، يقول: يا رب! وما بعث النار؟ قال: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين -هؤلاء يدخلون النار، من كل ألف إنسان تسعمائة وتسعة وتسعين في النار وواحد في الجنة- فقال الصحابة: يا رسول الله! وأينا ذلك الواحد؟ قال: أترضون أن تكونوا ربع أهل الجنة؟ قال: فكبرنا، قال: أترضون أن تكونوا ثلث أهل الجنة؟ قال: فكبرنا، قال: أترضون أن تكونوا شطر أهل الجنة؟ قال: فكبرنا، قال: والذي نفسي بيده لأنتم كالشعرة البيضاء في جلد الثور الأسود أو كالشعرة السوداء في جلد الثور الأبيض، أبشروا فإن مِن يأجوج ومأجوج ألف -في النار- ومنكم واحد في الجنة) .

    فهذه الأمة بالنسبة للأمم كألف بالنسبة لواحد .

    فهذه طريقة قرآنية لاستثارة عصبية الناس، لماذا صاروا منقادين للشيطان؟!

    لماذا صاروا دعاة له وقد أخرج أباهم؟ إن كان عندهم عصبية وإحساس، وعارضوا الأنبياء بسنة الآباء، فلم لا يعارضون الشيطان بسنة أبيهم أيضاً؟!

    وهذا يدلك على مبلغ الغبن الذي وقع فيه أكثر الناس .

    1.   

    رحلة إبراهيم عليه السلام في الكون

    الكفر هو الجنس الأول الذي يسعى الشيطان إليه، والعاصم منه أن تحب ربك وتواليه، وأن تجعل محور حياتك يدور عليه، فتحب الذي يحبه، وتكره الذي يكرهه، ولا تفعل الأمر إلا إذا أُمِرت، وإذا نهيت فلا تستر على الفعل، فهذا هو العاصم.

    واعتبر بقصة الخليل عليه السلام الحنيف، قال الله عز وجل: وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَاماً آلِهَةً [الأنعام:74] الإله مشتق مِن وَلَهَ، والوَلَه: شدة التعلق، وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَاماً آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ [الأنعام:74] .

    ثم بدأت رحلة إبراهيم الذي لم يعرف في الكون إلا الله، فجعل إبراهيم عليه السلام يبحث عن مثال في الكون لإلهه الذي يعبده .

    وقد اتفق أهل الأرض جميعاً على نسبة الجمال إلى الله، فكلما رأوا شيئاً جميلاً عَلَت أصواتهم: الله! فصار ذكر الله عَلَماً على كل جميل بكل اللغات .

    فإبراهيم عليه السلام الذي لا يعرف إلا الله يجده في ضميره وفي نفسه، فيريد أن يبحث له في الكون عن مثال .

    فمن عانى هذه القضية ظل مسهَّد الطرف لا ينام، في كل ليلة يرعى النجم، لا يكتحل طرفه بنوم .

    فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ [الأنعام:76] جَنَّ: يعني: صار في كبد الليل وأشده ظلمة، في وقت تنام فيه العيون، وتهجع الأبدان، هو مسهد الطرف لا ينام، يبحث عن مثالٍ لإلهه الذي يحبه، ويجده في صدره وقلبه.

    فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ [الأنعام:76] وهذا فيه إشعار كأنْ ليس في الكون غيره، هو الذي لفَّه الليل بظلامه وسدوله: رَأَى كَوْكَباً [الأنعام:76] في هذا الظلام الدامس يرى شيئاً يلمع .

    إذاً: ما هو أجمل شيء في الكون في هذا الظلام؟

    هذا النجم، إذاً: هو ربي؛ لأنه لا أجمل منه، ولا أفضل منه يصل إليه طرفي إلا هذا النجم المضيء الذي بيني وبينه ملايين الأميال.

    إذاً: هذا الجميل في الكون هو ربي: فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَباً قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ [الأنعام:76] .

    لماذا؟

    لأن إلهه الذي يحبه لم يغب عنه طرفة عين، فإذا غاب هذا عني، فأنا أكون في غربة عظيمة، الأنسُ بالله رأس مال الأولياء، ولذلك يطاردونهم ويعذبونهم ويشردونهم ولا يشعرون بوحشة قط .

    لماذا؟

    لأن الله ما غاب عنهم قط، إنما الأنس يتم به .

    ذكر الذهبي رحمه الله في سير أعلام النبلاء خبراً عظيماً -اقشعر له جلدي لما قرأته- لبعض العلماء أيام الإمام الدارقطني رحمه الله كان يعادي أمراء الدولة، فقبضوا عليه وجاءوا به وقالوا: بلغنا أنك تقول عنا: لو كان عندي عشرة أسهم لرميتكم بسهم، وفي الروم بتسعة أسهم. أصحيح هذا الكلام؟

    قال: بل قلت: لو كان معي عشرة أسهم لرميتكم بتسعة وجعلت في الروم واحداً، قال: فأخذوه، فسلخوه وهو حي، فلما وصلوا إلى وجهه قال:كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُوراً [الإسراء:58] وكان الدارقطني رحمه الله إذا ذكر هذا الرجل بكى.

    رجل يُسْلَخ وهو حي ما الذي صبَّره؟

    الأنس بالله الذي يجده .

    مَن أنِسَ بالله لم يشعر بفَقْد المخلوقين؛ لكننا نحن نشعر بوحشة السجن والحبس؛ لأن الله ليس معنا، ولا نستشعره في ضمائرنا، لذلك يغيب عنا.

    وقد أبى إبراهيم عليه السلام أن يتخذ إلهاً غائباً، لما أفل: قَالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ [الأنعام:76] فأبى أن يكون إلهاً .

    ولذلك بهذه النقطة تستشعر لماذا يطول الليل على المرضى؟ مع أن الليل قد يكون قصيراً كلَيل الصيف مثلاً، واليوم طويل، والألم يسري في بدن الرجل نهاراً وليلاً؛ لكن يعظم وطء المرض عليه بالليل، لماذا؟

    لأنه لا يجد أنيساً، وكان الذي يقصر عليه مدة الألم في النهار ويهوِّن عليه الألم هو دخول الناس وخروجهم، هذا يدخل فيسليه، وهذا يعزيه، وهذا يأمره بالصبر، وهذا يضحك معه، وهذا يمازحه، فيشعر أنه محل أفئدة الناس فيصبر، أما إذا انصرف الناس عنه ووجد نفسه وحيداً فهنا يشعر بالوحشة ويحس بوقع الألم .

    فكذلك الذي لا يكون الله عز وجل معه دائماً هو في وحشة من جلده فضلاً عن أن يكون في وحشة من أبناء جنسه .

    فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغاً قَالَ هَذَا رَبِّي [الأنعام:77] وابتهج؛ لأنه أوضح من النجم وأكبر وأشد لمعاناً قَالَ هَذَا رَبِّي [الأنعام:77] .

    إذاً: كلما وجد شيئاً أجمل قال: هذا ربي: فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ * فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً [الأنعام:77-78] طوال الليل لم يكتحل بنوم؛ لأنه يبحث عن مثال لإلهه الذي يعبده .

    فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ [الأنعام:78] هذا هو، هذا أكبر، ليس لأنه أشد لمعاناً وأعظم توهجاً، بل لأنه أكبر .

    فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ * إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفاً وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ [الأنعام:78-79] فظهرت له العلامة، ليس هناك شيء في الكون يصلح أن يكون إلهاً يعبده .

    إذاً: وظف إبراهيم عليه السلام كل حواسه للبحث عن إلهه الذي يعبده .

    إذاً: كلما ازددت تعلقاً بربك كلما فَرَق الشيطان منك ويئس من المحاولة: قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ [ص:82-83].

    أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم.

    1.   

    محاولة إيقاع الشيطان لبني آدم في البدعة

    الحمد لله رب العالمين، له الحمد الحسن والثناء الجميل .

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، يَقُوْلُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِيْ السَّبِيْلَ، وأشهد أن محمداًعبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم .

    الجنس الثاني الذي يسعى الشيطان إلى إيقاع العباد فيه بعدما نجو من الكفر: البدعة .

    أيها الإخوة الكرام! البدعة تغييرٌ لدين الله عز وجل، وطمسٌ لآثار الوحي.

    العلم بالله هو العاصم من البدعة

    ما هو العاصم من البدعة؟

    العلم .

    فالصحابة رضوان الله عليهم لم تكن فيهم البدعة، لماذا؟

    لشيء واحد، لو نحن حققناه الآن لضربنا البدعة بسهم قاتل، هذا الشيء هو: أن تعلم أنك عبد لله، والعبد له سيد، والسيد يأمر، فلا ترفع قدمك مِن على الأرض إلا إذا قيل لك: تقدم، ولا يتحرك لسانك بقولٍ إلا إذا قيل لك: قل، لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ [الحجرات:1] يعني: لا تقولوا حتى يأمركم، ولا تفعلوا حتى يأمركم، فالذي يفعل الفعل من تلقاء نفسه فقد قدم بين يدي الله ورسوله، ونصب نفسه مشرعاً .

    فالصحابة ما كانوا يفعلون شيئاً من ذلك .

    أحد الصحابة كان يمشي في جبل، فرأى غاراً في جبل فأعجبه، فقال في نفسه: لو تخليت عن الناس وتحنثت لربي فيه!.

    إذاً: قصده حسن أم لا؟

    قصده حسن، يريد أن يريح الناس من شره، ويجتنب الناس ويعبد الله حتى يصفو له قلبه .

    لكنه قال: فوالله لا أفعل حتى أستأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجاء فقال: يا رسول الله! رأيت غاراً في جبل فأعجبني فقلت: لو اعتزلتُ الناس وتحنثت لربي فيه، فقال عليه الصلاة والسلام: (أما إني لم أبعث بالرهبانية، إنما بعثت بالحنيفية السمحة). وأخذ الرجل الجواب واستراح، فلم يفعل حتى يستأذن .

    كذلك كان تلقيهم لنصوص الوحي عالياً وفي غاية الروعة، جاء في مسند البزار : (كان أبو الدحداح يجلس مع النبي صلى الله عليه وسلم إذ نزل قول الله عز وجل: مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [البقرة:245] فقال أبو الدحداح : يا رسول الله! الله يطلب منا القرض؟

    قال: نعم .

    قال: ما لي عند ربي إن أقرضته حائطي هذا؟) .

    تقول الرواية: (إن هذا الحائط كان فيه ستمائة نخلة)، قال صلى الله عليه وسلم: (بيتٌ لا تمرَ فيه جياعٌ أهله) بعض الناس قد يستشكل عليه معنى الحديث فيقول: نحن لسنا أهل تمر، ومع ذلك نحس بالشبع، ليس هذا هو المقصود، وإنما المقصود أنه قد يدخل الرجل بيته وهو شديد الجوع، فيجد امرأته لا تزال تعد الطعام، ويتحاج بعض الوقت حتى يكون الطعام جاهزاً، فما الذي يقيم صلبه بسرعة ويجعله يشعر بالشبع؟

    التمر أو أي مادة سكرية؛ ولكن التمر أفضلها، فقوله عليه الصلاة والسلام: (جياعٌ أهله) ليس المقصود به الجوع الدائم، ولكن الجوع المؤقت الذي يزول بالتمر، أي أن الرجل سيعاني من الجوع ولو للحظات إذا لم يكن في بيته تمر.

    يقول أبو الدحداح : (يا رسول الله! الله يطلب منا القرض؟

    قال: نعم .

    قال: ما لي عند ربي إن أقرضته حائطي هذا؟

    قال: لك الجنة.

    قال: فإني أشهدك أنني أقرضته حائطي هذا).

    وقام أبو الدحداح رضي الله عنه من المجلس وذهب إلى الحائط الذي كان يمتلكه، فلم يدخل منه لأنه صار ملكاً لله، ولم يعد ملكاً له، فوقف على باب الحائط وقال: (يا أم الدحداح! اخرجي بأولادك، فإني أقرضت حائطي هذا ربي، فيأتي صوت المرأة المؤمنة ينبعث من داخل الحائط: ربح البيع يا أبا الدحداح )، ولم تقل له: ضيعت مستقبل الأولاد، كان عليك أن تترك لهم خمسمائة نخلة، أو حتى مائتين وخمسين نخلة، ليَكْبُر أولادُك أغنياء؛ ولكنها قالت له بلهجة المؤمن الصادق: ( ربح البيع يا أبا الدحداح ) أفَمِثل هذا في تلقيه يمكن أن يفتري على الله عز وجل فيبتدعَ حُكْماً لم ينزله الله؟!

    1.   

    الجهل من أعظم أسباب الوقوع في البدع

    إن الجهل هو سبب كل المصائب الموجودة في الدنيا: وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ [الرعد:5] شخصٌ خرج علينا الأسبوع الماضي بفتوى من أعجب ما يكون! يقول: إن التنمُّص جائز للرجال حرام على النساء، تصوَّر! يجوز للرجل أن يرقق حاجبه حتى يكون كالهلال، ما هي الحجة؟

    هي كحجة إبليس حين قال: أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ [الأعراف:12] .

    لماذا؟

    قال: خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ [الأعراف:12] يا غبي! الطين خيرٌ من النار، فالنار تحرق، والطين فيه رخاوة وبرودة، يقيس الشيء على الضد، وهذا هو سبب الغباوة!

    ما هي حجتك أن يتنمَّص الرجال دون النساء؟

    قال: إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لعن الله النامصات والمتنمصات) ولم يقل: النامصين.

    إننا نجأر إلى الله من أمثال هؤلاء مجددينات النامصات!

    سئل أحد الأذكياء وهو الأديب كامل كيلاني رحمه الله وقال يوماً ما: إننا نعوذ بالله ونجأر إليه من المجددينات.

    فقالوا له: وما المجددينات؟ لم يكن جمعاً مذكراً سالماً، ولا جمعاً مؤنثاً سالماً؟

    قال: هذا جمع مخنث سالم، أي: سالم من الرجولة ومن العلم .

    الإجابة عن هذه الفتوى ولا أقول: شبهة، فهي أدنى من أن تسمى شبهة، هذا جهل فاضح، لا يرتقي إلى العلم بسبب ولا إلى الشبهة بسبب.

    أيها الكرام! قال النبي صلى الله عليه وسلم: (تنكح المرأة لأربع: لجمالها) .

    إذاً: مَن الذي يبحث عن الجمال؟

    إنما هم الرجال.

    من الذي يحرص أن يظهر في أبهى حلة وأجمل منظر؟

    إنها المرأة، فهذا رأس مالها أن تكون جميلة، فإن شطراً من العباد ينكحون النساء للجمال، وفي سنن النسائي قالت امرأة للنبي صلى الله عليه وسلم: (يا رسول الله! إن المرأة إذا لم تتزين لزوجها طلقت عنده) أي: ثقلت وكره النظر إليها، إذاً: لا بد أن تتزين، وقال تعالى: أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ [الزخرف:18] فالحلية إنما تكون للبنات، وإنما قيل: حلية؛ لأنه يُتَحَلَّى بها .

    فالخطاب في هذا خرج مخرج الغالب؛ لأن الذي يتزين ويتحسن هي المرأة وليس الرجل، والرجل يبحث عن الجمال في المرأة، والمرأة تبحث عن الرجولة في الرجل، قَلَّ مِن النساء مَن تبحث عن شكل الرجل: قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ [القصص:26] هذه هي صفة الرجل التي تبحث المرأة عنها.

    فالنبي عليه الصلاة والسلام لا يُعْقَل -وهذا الأمر لا يكون إلا في النساء- أن يقول: لعن الله المتنمصين، هذا خطاب ليس له واقع؛ لأنه لا يتنمص الرجال، وهذا معنى قول العلماء: الخطاب خرج مخرج الغالب، قال الله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافاً مُضَاعَفَةً [آل عمران:130] كانت العرب تضاعف الربا، يأخذونه أضعافاً مضاعفة، فهل لو أكل الرجل الربا ضعفاً بسيطاً جاز له ذلك؛ لأن ربنا عز وجل يقول: لا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافاً مُضَاعَفَةً [آل عمران:130] فهل يجوز للواحد أن يقول: سآكله ضعفاً واحداً؟!

    وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (أيما امرأة باتت - يعني: في الليل- هاجرةً فراش زوجها لعنتها الملائكة حتى تصبح) فإذا أراد الرجل امرأته نهاراً فهجرت فراشه نهاراً، أتلعنها الملائكة أم لا؟

    تلعنها الملائكة حتى تمسي، وإنما نص على الليل؛ لأنه في الليل يكون الفعل عادة، ولا يكون نهاراً، فنص على ما خرج الغالب عليه.

    فعندما يرى النبي عليه الصلاة والسلام أن النساء هن اللاتي يطلبن الحسن، وهن اللاتي يتفلجن قال: (لعن الله النامصات) لأنهن يفعلن ذلك، ولا يليق أبداً أن يقال: ولعن النامصين؛ لأنه ليس هناك رجل واحد يتنمص .

    هذه هي المسألة ببساطة شديدة لا تحتاج إلى كبير علم، ومع ذلك فهذه فتوى من آلاف الفتاوى.

    العلم هو العاصم من مثل هذا وغيره .

    1.   

    اهتمام الصحابة بما أنزل الله على رسوله

    الصحابة كان عندهم تلقٍّ عظيم واهتمام بما أنزل الله على رسوله، وهناك مثالان:

    المثال الأول: ما رواه الشيخان في صحيحيهما من حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: ظللتُ سنةً أريد أن أسأل أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن المرأتين اللتين قال الله فيهما: إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا [التحريم:4] حتى حجَّ وحججتُ، وعدلَ وعدلتُ، فقضى حاجتَه فجاء، فصببت عليه وضوءه فقلت: يا أمير المؤمنين! إنني منذ سنة أريد أن أسألك عن مسألة فتمنعني هيبتُك، فقال: يا ابن أخي! إذا علمتَ أن عندي علماً فسلني، فقلت: مَن المرأتان اللتان قال الله فيهما: إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا [التحريم:4]قال: واعجباً لك يا ابن عباس ! إنهما عائشة وحفصة .

    ثم ذكر عمر الحديث فقال: (كنت أتناوب النزول إلى النبي صلى الله عليه وسلم أنا وجار لي من الأنصار وهم من عوالي المدينة، ينزل عند النبي صلى الله عليه وسلم يوماً وأنزل يوماً، فإذا نزل جاءني في العشية بخبر ذلك اليوم من وحي أو حديث أو أقضية، ونحو ذلك، فإذا كان يومي نزلتُ ففعلتُ مثل ذلك).

    فـعمر رضي الله عنه لا يريد أن يفوته شيء من العلم، فعَمِلَ مناوبةًَ بينه وبين جار له، ينزل إلى زراعته في يوم وصاحبه عند النبي عليه الصلاة والسلام يتلقى العلم، فإذا نزلت آية حَفِظَها، وإذا قُضِي في قضية حَفِظَها، وإذا قيل حديثٌ حَفِظَه، وفي الليل يذهب إلى عمر فيقول له: نزلت آية كذا، وذُكِر حديث كذا، وقُضِي بقضية كذا، فإذا كان في اليوم التالي فعل عمر نفس الفعل .

    والمثال الثاني: في الصحيح أيضاً قالت عائشة : (رحم الله نساء الأنصار؛ لما نزل قول الله عز وجل: يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ [الأحزاب:59] شققن مُرُوطَهن فاختمرن بها، وكن كالغربان)، ولم تقل المرأة منهن: حتى أصل إلى البيت، وأذهب لأشتري قماشاً وأفصله وألبسه، لا . بل نزل حكم الله في المجلس، فشقت المرأة منهن مرطها ونفذت الأمر فوراً .

    وكان الصحابة كذلك إذا سمعوا شيئاً من الوحي انقلبوا إلى بيوتهم يتلون آيات الله، فكانوا يترجمون هذا القرآن واقعاً حياً لا يتلكئون .

    فهؤلاء الصحابة كانوا يتلقون العلم بهذه الطريقة؛ لذلك ما ظهرت فيهم بدعة، إنما أول بدعة ظهرت في الإسلام هي بدعة القدرية، وظهرت في آخر حياة الصحابة، ظهرت في حياة ابن عمر وأبي سعيد الخدري .

    نسأل الله تبارك وتعالى أن ينفعنا بما علَّمنا، وأن يعلَِّمنا ما جهلنا .

    اللهم اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا، وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا، وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا، وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ.

    اللهم اجعل الحياة زيادةً لنا في كل خير، واجعل الموت راحةً لنا من كل شر .

    اللهم قنا الفتن ما ظهر منها وما بطن .

    اللهم لا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تسلط علينا بذنوبنا من لا يخافك ولا يرحمنا .

    رب آت نفوسنا تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.