إسلام ويب

شرح الاقتصاد في الاعتقاد للمقدسي [15]للشيخ : عبد العزيز بن عبد الله الراجحي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • التزام ما جاء في الكتاب والسنة واتباع ما ورد فيهما مطلب شرعي، وواجب ديني على كل من اعتنق الدين، وآمن بالرسالة، ودخل في الملة، ولا يصح إسلام العبد ولا يستقيم إلا إذا آمن وصدق بكل ما جاء عن رب العزة والجلال، وما جاء في تشريع محمد النبي الكريم عليه الصلاة والسلام.

    1.   

    تابع الأقوال والآثار التي تحث على وجوب الاتباع

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وقال عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه: سنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم وولاة الأمر بعده سنناً، الأخذ بها تصديق لكتاب الله واستكمال لطاعته، وقوة على دين الله، ليس لأحد تغييرها ولا تبديلها، ولا النظر في رأي من خالفها، فمن اقتدى بما سنُّوا اهتدى، ومن استبصر بها بَصُر، ومن خالفها واتبع غير سبيل المؤمنين ولاه الله ما تولى وأصلاه جهنم وساءت مصيراً ].

    يسرد المؤلف رحمه الله الأدلة والآثار في فضل الاتباع، فالاتباع ما جاء في الكتاب والسنة عملاً بقول الله تعالى: اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ [الأعراف:3]، وهذه المقالة لـعمر بن عبد العزيز رحمه الله وهو الخليفة الراشد الذي ضمه بعض العلماء إلى الخلفاء الراشدين الأربعة، وهذه المقالة رواها الآجري في كتابه الشريعة، واللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة، وابن بطة في الإبانة.

    يقول عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه ورحمه: (سنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم وولاة الأمر بعده سنناً، الأخذ بها تصديق لكتاب الله، واستكمال لطاعته وقوة على دين الله) يعني: هذه السنن التي سنها رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما هي وحي من الله، وولاة الأمر طاعتهم تابعة لطاعة الله وطاعة رسوله، ولهذا قال الله تعالى في كتاب العظيم: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ [النساء:59]، ولم يعد الفعل مع أولي الأمر لبيان أنّ طاعة أولي الأمر تابعة لطاعة الله ورسوله، ولهذا قال: (سنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم وولاة الأمر بعده سنناً) والمقصود بولاة الأمر: الذين يعملون بالشريعة.

    قال: (الأخذ بها تصديق لكتاب الله)؛ لأن السنة وحي ثان ولا تخالف كتاب الله، فالأخذ بها تصديق لكتاب الله واستكمال لطاعته؛ لأن طاعة رسوله من طاعة الله، قال تعالى: قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ [النور:54]، وقال: مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ [النساء:80].

    قال: (وقوة على دين الله)، لا شك أنها قوة على دين الله؛ لأن دين الله هو العمل بالشريعة التي هي الكتاب والسنة، فالعمل بالسنة قوة على دين الله، قال: (ليس لأحد تغييرها ولا تبديلها)؛ لأنها من عند الله، فلا يغير أحد شرع الله إلا طاغوتي، فليس لأحد تغييرها ولا تبديلها، ولا النظر في رأي من خالفها، ومن خالف هذه السنن التي هي وحي من الله لا ينظر في رأيه. (فمن اقتدى بما سنوه اهتدى)؛ لأنه سار على الطريق المستقيم، (ومن استبصر بها بصُر، ومن خالفها اتبع غير سبيل المؤمنين، وولاه الله ما تولى وأصلاه جهنم وساءت مصيراً).

    أختم بقول الله تعالى: لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا * وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا [النساء:114-115]، وهذه الآية استدل بها العلماء على حجية الإجماع؛ لأن إجماع المسلمين مبني على دليل، فإذا أجمعت الأمة على شيء فهو مبني على دليل إما من كتاب أو من السنة، ولهذا فإن الإجماع حجة قاطعة.

    قال المؤلف رحمه الله: [ وقال الأوزاعي : اصبر على السنة، وقف حيث وقف القوم، وقل فيما قالوا، وكف عما كفوا، واسلك سبيل سلفك الصالح فإنه يسعك ما وسعهم ].

    وهذه المقالة للأوزاعي رحمه الله، رواها اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة، وهو العالم المشهور، يقول: (اصبر على السنة) أي: على سنة الرسول صلى الله عليه وسلم، (وقف حيث وقف القوم) يعني: أهل السنة، (وقل فيما قالوا، وكف عما كفوا، واسلك سبيل سلفك الصالح فإنه يسعك ما وسعهم)؛ لأن السلف الصالح على الحق وعلى الطريق المستقيم، وأهل السنة إذا أجمعوا على شيء فهو الحق، والمراد بهم: الصحابة والتابعون ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

    فأهل السنة هؤلاء يلزمون السنة ويقفون عندها، فعليك أن تتبع آثارهم، ومن شذ شذ في النار.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وقال نعيم بن حماد : من شبه الله بخلقه فقد كفر، ومن أنكر ما وصف الله به نفسه فقد كفر، وليس ما وصف الله به نفسه تشبيهاً ].

    وهذه المقالة لـنعيم بن حماد ، وهو أبو عبد الله نعيم بن حماد بن معاوية بن الحارث الخزاعي المروزي من أشهر المحدثين رحمه الله، توفي سنة ثمانٍ وعشرين ومائتين، وهذه المقالة عنه أوردها الذهبي في العلو، وشيخ الإسلام في الفتاوى وابن القيم في اجتماع الجيوش الإسلامية، يقول رحمه الله: (من شبه الله بخلقه فقد كفر)؛ لأن المشبه في الحقيقة لا يعبد الله، وإنما يعبد وثناً، يظهر له خياله، وينحت له فكره فهو من عباد الأوثان لا من عباد الرحمن، فالمشبه لا يعبد الله إنما يعبد وثناً، ولهذا قال نعيم رحمه الله: (من شبه الله بخلقه قد كفر، ومن أنكر ما وصف الله به نفسه فقد كفر)؛ لأنه عطل الرب؛ لأن إنكار الصفات والأسماء معناه: تعطيل للرب، معناه: يكون الشيء عدماً، والشيء الذي ليس له أسماء ولا صفات لا وجود له، فلهذا يكفر من أنكر وصف ذات الله.

    قال: (وليس ما وصف الله به نفسه تشبيهاً) أي: ما وصف الله به نفسه لا يعد تشبيهاً، وإنما وصف الله تعالى نفسه بصفات لا يماثله أحد من خلقه، وهذا كلام صحيح وهذا على العموم، أما الشخص المعين فلابد من إقامة الحجة عليه.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وقال سفيان بن عيينة : كل شيء وصف الله به نفسه في القرآن فقراءته تفسيره، لا كيف ولا مثل ].

    وهذا أخرجه الدارقطني في كتاب الصفات، والصابوني في عقيدة السلف وأصحاب الحديث، واللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة.

    وسفيان بن عيينة إمام مشهور رحمه الله يقول: (كل شيء وصف الله به نفسه في القرآن فقراءته تفسيره) يعني: يجرى على ظاهره، فقراءة: وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا [الأحزاب:40]، تفسيره إثبات العلم لله، وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا [النساء:134] تفسيره، إثبات السمع والبصر.

    (لا كيف ولا مثل)، لا تقل: كيف سمع الله، ولا تقل: سمع الله يماثل سمع المخلوقين، وإنما أثبت الصفة ولا تكيف ولا تمثل.

    وقال تعالى: يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ [البقرة:255]، وهذه فيها إثبات العلم فلا تتكلم ولا تتأول ولا تكيف، وبمجرد ما تقرأه يتبين لك التفسير.

    كذلك قوله: عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ [الأنعام:73] فيها إثبات العلم هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ [البقرة:163]، إثبات اسمي الرحمن الرحيم، فقراءته تفسيره من دون تكلف ولا كيف ولا مثل.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وقال أبو بكر المروذي : سألت أحمد بن حنبل عن الأحاديث التي تردها الجهمية في الصفات والرؤية والإسراء وقصة العرش، فصححه أبو عبد الله وقال: تلقته العلماء بالقبول، تُمَر الأخبار كما جاءت ].

    وأبو بكر المروذي صاحب الإمام أحمد ، كان إماماً في السنة شديد الاتباع، يقول: سألت أحمد بن حنبل رحمه الله عن الأحاديث التي تردها الجهمية في الصفات، إثبات الصفات كالسمع والبصر والعلم والقدرة والرؤية: أن الله يرى في الآخرة، والإسراء والعرش، وقصة العرش لعلها الاستواء على العرش، فصححها أبو عبد الله وقال: تلقتها العلماء بالقبول، يعني: هذه نصوص الصفات، تلقتها العلماء بالقبول، تمر الأخبار كما جاءت، يعني: لا تؤول تأويلاً يخالف ظاهرها، بل تمر كما جاءت، فقوله: ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ [الأعراف:54] تمر كما جاءت، وفيها إثبات الاستواء.

    وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ [البقرة:255] تمر كما جاءت وفيها إثبات العلو، لا يؤول تأويلاً يخالف ظاهره، هذا معنى قوله: (تُمرُّ الأخبار كما جاءت)، فتلقته العلماء بالقبول في إثبات المعاني وإثبات الصفات من غير تأويل، وإنما تمر كما جاءت لا تحرف ولا تؤول.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وقال محمد بن الحسن الشيباني صاحب أبي حنيفة : اتفق الفقهاء كلهم من الشرق إلى الغرب على الإيمان بالقرآن والأحاديث التي جاءت بها الثقات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في صفة الرب عز وجل، من غير تفسير ولا تشبيه، فمن فسر اليوم شيئاً من ذلك فقد خرج مما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فإنهم لم يفسروا، ولكن أفتوا بما في الكتاب والسنة ثم سكتوا، فمن قال بقول جهم فقد فارق الجماعة؛ لأنه وصفه بصفة لا شيء ].

    أثر أبو بكر المروذي موجود في الاستفرادات، وتذكرة الحفاظ وسير أعلام النبلاء، وأما هذا الأثر عن محمد بن الحسن الشيباني هو الصاحب الثاني لـأبي حنيفة ، والصاحب الأول أبو يوسف ، وهذا الأثر موجود في الصفة لـابن قدامة وعند ابن أبي يعلى في طبقات الحنابلة، يقول رحمه الله: (اتفق الفقهاء كلهم من الشرق إلى الغرب على الإيمان بالقرآن والأحاديث التي جاءت بها الثقات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في صفة الرب عز وجل)؛ لأن النصوص فيها إثبات صفة الرب كالعلم والقدرة والسمع والبصر من غير تفسير، يعني: من غير تفسير يخالف ظاهرها كتفسير المؤولة، وكتفسير الجهمية -فمثلاً- قوله تعالى: وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا [الأحزاب:40] اتفقوا على أنه إثبات صفة العلم، من غير تفسير للعلم بما يخالف الظاهر، أو تفسير كتفسير الجهمية الذين ينفون العلم، ولا تشبيه للعلم مثلاً بعلم المخلوق، من غير تفسير ولا تشبيه، من غير تفسير يخالف الظاهر، كتفسير المؤولة والمحرفة، فمن فسر اليوم شيئاً من ذلك، أي: فسر النصوص تفسيراً يخالف ظاهرها كتفسير المؤولة قد خرج مما كان عليه النبي عليه الصلاة والسلام وأصحابه فإنهم لم يفسروا، يعني: لم يفسروا تفسيراً يخالف الظاهر؛ ولكن أفتوا بما في الكتاب والسنة ثم سكتوا، كقوله تعالى: وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا [الأحزاب:40] أفتوا بإثبات العلم.. وهكذا. وقوله عليه الصلاة والسلام: (إنكم سترون ربكم كما ترون القمر)، فقد أفتوا بإثبات الرؤية، ثم سكتوا، (فمن قال بقول جهم فقد فارق الجماعة)، -أي: جماعة المسلمين-؛ (لأنه وصفه بصفة لا شيء)، يعني: الجهم، وصفه بصفة العدم والمعدوم؛ لأن الجهم أنكر الأسماء والصفات، والجهم بن صفوان هذا من أهل خراسان، كان مولى لبني راشد، وهو الذي كان خروجه في أوائل المائة الثانية، وأخذ عقيدة نفي الصفات عن الجعد بن درهم ، والجعد بن درهم أول من تكلم في نفي الصفات، ثم أخذ عنه الجهم ، فـالجهم أنكر الأسماء والصفات، فمن قال بقول جهم فقد وصف الله بصفة لا شيء، فقد وصفه بالعدم، والمعدوم هو الذي ليس له أسماء ولا صفات، وهذا كفر وضلال نعوذ بالله.

    ورواه ابن قدامة أيضاً في ذم التأويل، واللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ قال عباد بن العوام : قدم علينا شريك بن عبد الله ، فقلنا: إن قوماً ينكرون هذه الأحاديث: (إن الله ينزل إلى السماء الدنيا) والرؤية، وما أشبه هذه الأحاديث، فقال: إنما جاء بهذه الأحاديث من جاء بالسنن كالصلاة والزكاة والحج، وإنما عرفنا الله بهذه الأحاديث ].

    عباد بن العوام هو ابن عمر بن المنذر ، الإمام المحدث الصدوق من نبلاء الرجال، توفي سنة بضع وثمانين ومائة، يقول: (قدم علينا شريك بن عبد الله ) هذا شريك بن عبد الله النخعي القاضي، الحافظ الثقة، لكن تغير حفظه بعد أن تولى القضاء، وانشغل بالقضاء فضعف حفظه، ولهذا إذا كان في السند شريك يكون الحديث ضعيفاً؛ لأنه تغير حفظه، لكنه ثقة، (قال عباد : قدم علينا شريك بن عبد الله ، فقلنا: إن قوماً ينكرون هذه الأحاديث)، يعني: الأحاديث في الصفات: (إن الله ينزل إلى السماء الدنيا) يعني: النزول، ورؤية الله في الآخرة، وما أشبه هذه الأحاديث، فقال شريك : (إنما جاء بهذه الأحاديث من جاء بالسنن كالصلاة والزكاة والحج، وإنما عرفنا الله بهذه الأحاديث)، يعني: أن الذي جاء بأحاديث الصفات هو الذي جاء بالسنن كالصلاة والزكاة والصوم والحج، فإذا كان المنكر لها يعمل بالنصوص التي جاءت في الصلاة والزكاة والصوم والحج فاعمل بالنصوص التي ثبتت بها الصفات، فالذي جاء بهذا هو الذي جاء بهذا وهو الرسول عليه الصلاة والسلام، الذي جاء بالسنن والصلاة والزكاة والصوم والحج، وهو الذي جاء بالنصوص التي تثبت الصفات.

    (وإنما عرفنا الله بهذه الأحاديث)، فالله تعالى عرف نفسه بأسمائه وصفاته التي أثبتها في كتابه أو على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم، فمن أنكرها معناه أنه أنكر الله، وهذا باطل.

    1.   

    الحث على الأخذ بما جاء عن الله وعن رسوله وسلف الأمة الصالح

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ فهذه جملة مختصرة من القرآن والسنة وآثار من سلف، فالزمها، وما كان مثلها مما صح عن الله ورسوله وصالح سلف الأمة، ممن حصل الاتفاق عليه من خيار الأمة، ودع أقوال من كان عندهم محقوراً مهجوراً، مبعداً مدحوراً ومذموماً ملوماً، وإن اغتر كثير من المتأخرين بأقوالهم وجنحوا إلى اتباعهم، فلا تغتر بكثرة أهل الباطل ].

    وهذه نصيحة من المؤلف رحمه الله يقول: ذكرت لك جملة مختصرة من القرآن والسنة، وأدلة في فضل الاتباع، وأنه يجب على المسلم أن يتبع ما جاء في الكتاب والسنة، عملاً بقول الله تعالى: اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ [الأعراف:3]. يقول: (هذه جملة مختصرة من القرآن والسنة وآثار من سلف فالزمها)، أي الزمها أيها المسلم! ويا طالب العلم! (وما كان مثلها مما صح عن الله ورسوله)، يعني: الزم هذه النصوص والزم ما شابهها من النصوص التي ثبتت في كتاب الله، أو على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم، (وصالح سلف الأمة)، وكذلك ما صح من كلام أهل العلم الذين يفسرون به النصوص؛ لأن العلماء يفسرون النصوص، وتفسيرهم ليس بالرأي والهوى، وإنما تفسيرهم مبني على فهم للنصوص؛ ولهذا قال: (الزمها وما كان مثلها مما صح عن الله ورسوله وصالح سلف الأمة ممن حصل الاتفاق عليهم من خيار الأمة)، المراد بالسلف الذين اتفق على أنهم من خيار الأمة، على أنهم عدول، وعلى أنهم خيار، وعلى أنهم ثقات، كالصحابة والتابعين وأتباعهم والأئمة الأربعة والفقهاء السبعة.. وغيرهم من أهل العلم الذين اتفقت الأمة على عدالتهم وخيارهم.

    قال: (ودع أقوال من كان عندهم محقوراً مهجوراً مبعداً مدحوراً ومذموماً ملوماً)، يعني: اترك أقوال المحقورين المهجورين المبعدين المدحورين المذمومين؛ بسبب ابتداعهم عن الدين وانحرافهم عن سواء السبيل، فاترك أقوالهم هؤلاء فهم أهل البدع والذين انحرفوا عن الجادة، ولا تفخر بها وإن اغتر كثير من المتأخرين بأقوالهم وجنحوا إلى اتباعهم فأنت لا تغتر بكثرة أهل الباطل، فليست العبرة بالكثرة، إنما العبرة بمن كان مستقيماً على الجادة، ولهذا قال الله تعالى في كتابه العظيم: وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ [الأنعام:116]، فالكثرة في الغالب تكون هالكة وقال تعالى: وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ [الأعراف:187]، وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ [البقرة:243]، وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ [يوسف:103]، فلا تغتر بالكثرة.

    الأحاديث الواردة في الحث على التمسك بالمنهج الصحيح في زمن الغربة

    قال المؤلف رحمه الله: [ فقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (بدأ الإسلام غريباً وسيعود غريباً كما بدأ فطوبى للغرباء) رواه مسلم وغيره ].

    وهذا الحديث رواه الإمام مسلم رحمه الله في كتاب الإبانة وابن ماجة في كتاب الفتن، ورواه الترمذي قال: حديث حسن صحيح، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (بدأ الإسلام غريباً وسيعود غريباً كما بدأ، فطوبى للغرباء)، بدأ الإسلام غريباً؛ لأنه بدأ برسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو أول مؤمن من هذه الأمة، ثم آمن به أبو بكر من الرجال ثم آمنت به خديجة من النساء، ثم آمن به بلال من الأحرار ..، وآمن به علي من الصبيان، فالإسلام غريب، وسيعود غريباً في آخر الزمان، لا يبقى على الإيمان إلا القلة، يعود كما بدأ.

    (فطوبى للغرباء) طوبى: الجنة، الجنة للغرباء، الذين استمسكوا بالإسلام، وعملوا بهذا الدين ولم ينحرفوا ولم يغتروا بالهالكين، وجاء في لفظ آخر: (طوبى للغرباء الذين يصلحون إذا فسد الناس)، وفي لفظ: (الذين يصلحون ما أفسد الناس)، وفي لفظ: (هم قوم صالحون قليل في قوم سوء كثير).

    قال رحمه الله تعالى: [ وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (ستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة)، وفي رواية: (قيل: فمن الناجية؟ قال: ما أنا عليه وأصحابي)، رواه جماعة من الأئمة ].

    وهذا الحديث رواه الترمذي في سننه، ورواه ابن ماجة ، ورواه الإمام أحمد في المسند، والحاكم في المستدرك، وهو حديث مشهور وله طرق متعددة، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (ستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة)، وقبله: (افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة، وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة، قيل: من هي يا رسول الله! قال: من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي)، وفي رواية: (قيل: فمن الناجية؟ قال: ما أنا عليه وأصحابي)، رواه جماعة من الأئمة.

    وفي هذا الحديث بيان: أن الفرقة الناجية واحدة، وهي من كانت على الصراط المستقيم المتبعة للكتاب والسنة، وهذا هو الشاهد في فصل الاتباع، والفرقة الناجية المتبعة للكتاب والسنة، وهم أهل السنة والجماعة وهم الطائفة المنصورة، وهم أهل الحق، فكل هذه أسماؤها، وبعض الناس يظن أن الفرقة الناجية غير الطائفة المنصورة وهذا غير صحيح، هي الفرقة الناجية وهي الطائفة المنصورة وهم أهل السنة والجماعة.

    وفيه دليل على أن الثلاثة والسبعين فرقة فيهم فرق أهل البدع المتوعدون بالنار وليسوا كفاراً على الصحيح، ولهذا قال العلماء: إن الجهمية والقدرية خارجون من الثنتين والسبعين فرقة لكفرهم وضلالهم، فدل على أن الثنتين والسبعين فرقة مبتدعة متوعدون بالنار، وأما الفرقة الناجية فأهل السنة والجماعة سلموا من الوعيد، وقال بعض العلماء: إنهم -من هؤلاء الفرق- فيهم الكافر والمبتدع.

    1.   

    الطوائف التي أُتي الإسلام وأهله منها

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ واعلم -رحمك الله- أن الإسلام وأهله أتوا من طوائف ثلاث: فطائفة ردت أحاديث الصفات وكذبوا رواتها، فهؤلاء أشد ضرراً على الإسلام وأهله من الكفار، وأخرى قالوا: بصحتها وقبولها، ثم تأولوها فهؤلاء أعظم ضرراً من الطائفة الأولى، وثالثة: جانبوا القولين الأولين وأخذوا بزعمهم ينزهون وهم يكذبون فأداهم ذلك إلى القولين الأولين، وكانوا أعظم ضرراً من الطائفتين الأولتين ].

    هذه الطوائف الثلاث نبه عليها المؤلف رحمه الله، وقال: (واعلم رحمك الله) اعلم يعني: تيقن واجزم لا تظن ولا تشك (رحمك الله) دعاء لطالب العلم، (أن الإسلام وأهله أتوا من طوائف ثلاث) أتوا يعني: جاءهم ولحقهم الضرر من طوائف ثلاث؛ (الطائفة الأولى: طائفةٌ ردت أحاديث الصفات، وكذبوا رواتها)، وقالوا: إن هذه أحاديث وأخبار لا تقبل فهي مردودة وضعيفة، وهم الجهمية والمعتزلة وأشباههم، يقول المؤلف فيهم: (هؤلاء أشد ضرراً على الإسلام وأهله من الكفار)؛ لأن الكفار كاليهود والنصارى والوثنيين أعداء ظاهرين مكشوفين في كل زمان ومكان، فأنت تعلم أنه عدو الله فتجتنب أقواله وأفعاله، فلا يغني عنك شيئاً ولا يُقبل منه شيء؛ لأنه كافر، لكن الجهمية ينتسبون إلى الإسلام ويدعون أنهم يعملون بالكتاب والسنة، وهم يردون النصوص ويعطلون صفات وأسماء الرب، فهم كفار، شاركوا الكفار إلا أنهم لبسوا على المسلمين دينهم وانتسبوا إلى الإسلام واغتر بهم بعض الناس، فظنوا أنهم من أهل الإسلام وأخذوا بأقوالهم، وانخدعوا وصاروا أشد ضرراً على الإسلام وأهله من الكفار، فالكفار عدو مكشوف ظاهر، لكن هؤلاء عدو متلبس يعيش بين المسلمين.

    والطائفة الثانية: (طائفة قالوا بصحتها وقبولها، ثم تأولوها) وهم طائفة المؤولة من جمهور الأشاعرة، (فهؤلاء أعظم ضرراً من الطائفة الأولى)، أعظم ضرراً من الجهمية، والمؤولة شر من المعطلة؛ لأن المؤولة مذهبهم يتضمن التشبيه والتعطيل والتلاعب بالنصوص، -فمثلاً- في قوله تعالى: رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ [المائدة:119] فالجهمية نفوا الصفة وعطلوا الرب، وهؤلاء قالوا: إن قوله: رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ هذا صحيح مقبول ولكن نتأول، معنى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ بمعنى أثابهم، فهؤلاء أولوا النص، فأولوا الرضا بالثواب، فهم شبهوا أولاً: فظنوا أن رضا الرب مثل رضا المخلوق وهذا تشبيه، ولما وقع في نفوسهم التشبيه أولوا فحرفوا، فقالوا: ننفي الرضا ونفسره بالثواب، فهم شبهوا أولاً ثم عطلوا ثانياً وتلاعبوا بالنصوص، فصاروا شراً من الطائفة الأولى، وقوله تعالى: غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ [الفتح:6] يقولون: إننا لا نصف الله بالغضب؛ لأننا لو وصفناه بالغضب فقد شبهناه بالمخلوق!

    إذاً: شبهوا، فلما شبهوا عطلوا الرب من صفاته، فنفوا صفة الغضب ثم أولوا ثالثاً وتلاعبوا بالنصوص وقالوا: إن معنى الغضب الانتقام، قال تعالى: غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ أي: انتقم منهم، فهؤلاء وإن قبلوا النصوص إلا أنهم تأولوها فصاروا شراً من المعطلة الأولى؛ لأنهم شبهوا أولاً، ثم عطلوا ثانياً، ثم تلاعبوا بالنصوص ثالثاً، فهؤلاء أعظم ضرراً من الطائفة الأولى.

    والطائفة الثالثة: (جانبوا القولين الأولين، وأخذوا بزعمهم ينزهون وهم يكذبون) وهم المفوضة، الذين فوضوا المعنى ونفوا الصفات، الذين يقولون: لا نعلم المعاني، وليس للنصوص معان، فقوله تعالى: ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ [الأعراف:54] لا ندري ما معنى استوى، لا نعرف المعنى ولا الكيفية، فنفوا الصفات ونفوا المعنى ويقولون: إن النصوص ألقاب، لا يعرف المسلم منها إلا اللفظ فقط، ينطق باللفظ أما المعنى غير معروف، فمذهبهم أدى بهم إلى القولين الأولين، أي: أنهم حرفوا وعطلوا الرب سبحانه وتعالى، وادعوا أنهم ينزهون، فكانوا أعظم ضرراً من الطائفتين الأولتين؛ ولهذا قال كثير من العلماء: المفوضة شر من المعطلة، المفوضة الذين يفوضون المعنى، يقولون: لا ندري ما معنى: ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ واستوى أي: استقر، وهم يقولون: لا ندري ما معنى استوى، فهي حروف لا ندري ما معناها، وهي ألفاظ لا فرق بينها وبين الحروف الأعجمية! فأنت سواء قرأت حروفاً أعجمية أو ألفاظاً عربية في نصوص الاستواء فالحكم واحد، وهذا مخالف لقوله تعالى: وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ [القمر:17]، كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ [ص:29]، ولم يقل إلا آيات الصفات، لو لم تتدبروها لم يعرف معناها، إلا أنهم لا يثبتون الصفات، فهؤلاء يسمون المفوضة فهم شر من المعطلة.

    (فهم جانبوا القولين الأولين وأخذوا بزعمهم ينزهون)، زعموا أنهم ينزهون الرب، (وهم يكذبون، فأداهم ذلك إلى القولين الأولين)، أي: أنهم عطلوا وشبهوا، (وكانوا أعظم ضرراً من الطائفتين الأولتين).

    1.   

    السكوت عن الأمور التي لم يرد فيها نص شرعي

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ فمن السنة اللازمة السكوت عما لم يرد فيه نص عن الله ورسوله، أو يتفق المسلمون على إطلاقه، وترك التعرض له بنفي أو إثبات، فكما لا يثبت إلا بنص شرعي، كذلك لا ينفى إلا بدليل سمعي ].

    يقول: (من السنة، اللازمة السكوت عما لم يرد فيه نص عن الله وعن رسوله)، فما لم يرد فيه نص عن الله وعن الرسول نسكت فيه، فلا نثبت ولا ننفي، فكما أننا لا نثبت إلا بدليل فلا ننفي إلا بدليل، فمن السنة السكوت عما لم يرد فيه نص عن الله وعن رسوله، أو يتفق المسلمين على إطلاقه على الله.

    وأما ما لم يأت نص ولا كتاب ولم يتفق المسلمون على إثباته للرب لا نثبته، بل نتوقف، فلا نثبت إلا بدليل ولا ننفي إلا بدليل، (وترك التعرض له بنفي أو إثبات)، فالشيء الذي سكتت النصوص عنه، أي: لم يرد فيه نص لا عن الله ولا عن رسول الله ولا اتفق المسلمون على إطلاقه، فهذا لا يثبت ولا ينفى ولا يتعرض له بنفي ولا إثبات بل يتوقف فيه؛ لأن الإثبات يحتاج إلى دليل، والنفي يحتاج إلى دليل، ولهذا قال المؤلف: (فكما لا يثبت إلا بنص شرعي، كذلك لا ينفى إلا بدليل سمعي)، والمقصود بالدليل السمعي أي: المسموع من الكتاب والسنة.

    1.   

    خاتمة المؤلف

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ نسأل الله سبحانه أن يوفقنا لما يرضيه من القول والعمل والنية، وأن يحيينا على الطريقة التي يرضاها، ويتوفنا عليها، ويلحقنا بنبيه وخيرته من خلقه محمد المصطفى وآله وصحبه، ويجمعنا معهم في دار كرامته، إنه سميع قريب مجيب ].

    وهذا دعاء من المؤلف رحمه الله، سؤال التضرع إلى الله قال: (نسأل الله سبحانه أن يوفقنا لما يرضيه من القول والعمل والنية)، وهذا هو الشرع الذي جاءت به الشريعة، فقد جاءت بالقول والعمل والنية لما يرضيه، فالذي يرضاه الله هو ما شرعه في كتابه وعلى لسان رسوله، نسأل الله أن يوفقنا لما يرضيه من القول، ولما يرضيه من العمل ولما يرضيه من النية، (وأن يحيينا على الطريقة التي يرضاها ويتوفانا عليها)، وهي الطريقة التي جاء بها الإسلام وشرعها الله لنا في كتابه، أو على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم، (وأن يلحقنا بنبيه وخيرة خلقه محمد عليه الصلاة والسلام)، هو نبي الله وهو خيرته من خلقه؛ لأن أفضل الخلق محمد المصطفى الذي اصطفاه الله من بين العالمين، (وآله) يعني: أتباعه على دينه، ويدخل في ذلك دخولاً أولياً أزواجه وذريته، وعماه: الحمزة ، والعباس (وصحبه): أصحابه، والصاحب: كل من لقي النبي صلى الله عليه وسلم مؤمناً ومات على الإسلام فهو من الصحابة، (ويجمعنا معهم في دار كرامته) وهي الجنة.

    (إنه سميع قريب مجيب): هذا توسل إلى الله بأسمائه السميع والقريب والمجيب، ثلاثة أسماء.

    1.   

    التنبيه إلى أن الحديث الذي لم يذكر من رواه أخرجه الشيخان

    قال: [ وكل حديث لم نضفه إلى من أخرجه فهو متفق عليه، أخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما ].

    هذا اصطلاح المؤلف، يقول: الحديث الذي لم يضفه إلى شيء فهو متفق عليه، أخرجه الشيخان البخاري ومسلم ، وإذا كان في غيرهما فإنه يضيفه إلى من أخرجه.

    1.   

    تابع الخاتمة

    قال: [ آخره، والحمد لله وحده، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً ].

    (الحمد لله وحده وصلى الله على نبينا محمد) يعني: دعاء، هذا سؤال الله أن يثني على نبيه في الملأ الأعلى، صلاة الله: هي ثناؤه على عبده في الملأ الأعلى، (صلى الله) يعني: نسألك يا الله! أن تثني على نبيك محمد وعلى آله، وأتباعه على دينه وصحبه، (وصحبه): من لقيه ومات على الإسلام، (وسلم تسليماً كثيراً) يعني: دعاء له بالسلامة، يعني: سلمه من الآفات ومن الشرور في الدنيا والآخرة، (تسليماً) هذا مصدر (كثيراً) تأكيد للمصدر.

    والحمد لله رب العالمين، وعلى هذا وعليه فنحمد الله سبحانه وتعالى على التمام.

    1.   

    الأسئلة

    ذكر سبب كون الأشاعرة أعظم ضرراً على الإسلام من المعطلة

    السؤال: أشكل على بعض الإخوة ما تفضلتم به من ذكر طوائف في آخر الدرس وإنه كيف تكون الطائفة الثانية وهم المؤولة وهم جمهور الأشاعرة أعظم ضرراً من الأولى وهم المعطلة، وقد ذكرتم أن المعطلة ليسوا من الفرق المذكورة، وإنما هم من الخارجين عن الإسلام؟

    الجواب: المعطلة الجهمية والمعتزلة؛ لأنهم عطلوا الله من صفاته، وأما الأشاعرة فإنهم أثبتوا سبع صفات ليسوا معطلة تعطيلاً كاملاً، وشر منهم يعني: في الضرر على الإسلام، ولا يلزم أن يكونوا أشد منهم زيادة في الإثم، فالجهمية وإن كانوا أشد منهم، لكن الأشاعرة أشد ضرراً على المسلمين؛ لأنهم يلبسون على المسلمين دينهم، فضررهم على المسلمين حيث إنهم يقولون: نقبل النصوص ولا نردها ثم يؤولونها، أما الجهمية فقد ردوها من الأساس، فعرف الناس أنهم مبطلون، فنفروا منهم، لكن المصيبة والتلبيس من شخص يقول: أنا أقبل النصوص على العين والرأس، لكنه يحرفها ويؤولها، فضرر هذا أشد على الإسلام، وأشد ضرراً من الطائفة الأولى، ولا يلزم من ذلك أن يكونوا أشد منهم في الإثم، لكنهم أشد من ناحية ضررهم على الإسلام.

    براءة الصحابة من معتقد المرجئة

    السؤال: ما رأيكم فيمن يقول: إن أول ما ظهر الإرجاء كان في زمن الصحابة، والذي قال به هو الصحابي الجليل عثمان بن مظعون رضي الله عنه، وفي حديث أبي ذر رضي الله عنه عندما قال أبو ذر : (وإن زنى وإن سرق): إن أبا ذر قال بهذا، فما رأيكم؟

    الجواب: السؤال هذا باطل، فحديث: (وإن زنى وإن سرق؟ قال: وإن زنى وإن سرق)، يعني: الصحابة يسألون عما أشكل عليهم والنبي صلى الله عليه وسلم يفسر لهم، والمرجئة مأخوذة أصلاً من الإرجاء وهو التأخير، وقال بعضهم: إن هناك من يسمي المرجئة في الصحابة من المعنى اللغوي، ويقولون: إن هناك بعض الصحابة الذين اعتزلوا الفريقين علي ومعاوية ولم يقاتلوا مع أحد منهما، كـابن عمر وغيره فهم يسمونهم مرجئة الصحابة؛ لأنهم أرجأوا الفريقين إلى الله، ولم يقاتلوا مع هؤلاء ولا مع هؤلاء، أخذوا هذا من المعنى اللغوي، فالصحابة انقسموا إلى ثلاثة أقسام في زمن علي رضي الله عنه، منهم من تبين له أن علي هو المحق وهو الإمام فانضموا إليه وهم جمهور الصحابة عملاً بقول الله تعالى: وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي [الحجرات:9]، فأهل الشام بغاة وعلي هو الخليفة الذي بايعه أكثر أهل الحل والعقد، وهناك آخرون وهم أهل الشام اشتبه عليهم الأمر، وظنوا أنهم يطالبون بدم عثمان فانضموا إلى معاوية لطلب دم عثمان ، وهناك طائفة اشتبه عليهم الأمر ولم يعرفوا مع من يكون الحق، فاعتزلوا الفريقين: كـابن عمر وجماعة من الصحابة، فسماهم بعض الناس مرجئة.

    أما المرجئة: هم الذين لم يدخلوا الأعمال في مسمى الإيمان، وهذا لم يكن موجوداً الصحابة ولا في غيرهم، فـعثمان بن مظعون وغيره لم يقولوا: إن الأعمال غير داخلة في مسمى الإيمان.

    وكون أبي ذر يسأل النبي صلى الله عليه وسلم قال: (وإن زنى وإن سرق؟) لا يدل على أنه لا يدخل الأعمال في مسمى الإيمان، بل إنه يدخل الأعمال في مسمى الإيمان؛ فبسبب عنايته واهتمامه بهذا الأمر جعل يسأل فقال: يا رسول الله! يعني: شخص يترك العمل ويرتكب الجرائم.

    يعني: (وإن زنى وإن سرق؟) فبين له النبي صلى الله عليه وسلم: أن هذه الجريمة تضعف الإيمان ولكنها لا تقضي عليه.

    بيان أن الألفاظ والنصوص المجملة تفسرها المفصلة ويعمل بها

    السؤال: تشابه الألفاظ المجملة المحتملة بين الحق والباطل والخطأ والصواب في ألفاظ العلماء من أهل السنة والجماعة كيف تحمل؟ فهناك من يقول: لا يحمل اللفظ المجمل على المفصل في كلام العلماء، فهل هذا صحيح؟

    الجواب: ليس بصحيح هذا، فالنصوص المجملة تفسر بالنصوص المفصلة في الكتاب وفي السنة، فإذا جاء نص مجمل في القرآن العزيز ونص مفصل فإنه يفسر به، وكذلك في السنة وكذلك من كلام العلماء، وهذه طريقة أهل الحق.

    ومثال ذلك في الحديث القدسي، يقول الرب عز وجل: (عبدي! مرضت فلم تعدني، قال: يا رب! كيف أعودك وأنت رب العالمين؟ قال: أما علمت أن عبدي فلاناً مرض، فلو عدته لوجدت ذلك عندي. عبدي! جعت فلم تطعمني، قال: يا رب! كيف أطعمك وأنت رب العالمين؟ قال: أما علمت أن عبدي فلان جاع، فلو أطعمته لوجدت ذلك عندي. عبدي! استسقيتك فلم تسقني، قال: يا رب! كيف أسقيك وأنت رب العالمين؟ قال: أما عرفت بأن عبدي فلان استسقى، فلو أسقيته لوجدت ذلك عندي).

    فالألفاظ الأولى من الحديث مجملة: مرضت، جعت، استسقيت، ولكن فسر هذه الألفاظ في آخر الحديث، وأن الرب لم يمرض ولم يجع، ولم يعطش وإنما مرض العبد وجاع العبد واستسقى العبد، فيفسر هذا بهذا.

    وقد يكون هذا في حديث واحد، وقد يكون في حديثين، فإذا جاء نص مجمل فإنه يفسر بالمفصل، سواءً كان في نص واحد أو في نصوص متعددة مثل: (قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالشفعة في كل ما لم يقسم)، ثم جاء التفصيل: (فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة)، فقوله: (فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة)، هذا تفصيل يفصل المجمل في قوله: (قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم في الشفعة في كل ما لم يقسم)، فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة، وإذا جاء نص مجمل ثم جاء ما يفسره فإنه يعمل به، يفسر هذا بهذا في النصوص وفي كلام العلماء.

    بيان أن الصحابة لا يسبقهم في الفضل أحد بعدهم

    السؤال: هل يصح تسوية عمر بن عبد العزيز الخليفة الراشد الخامس بالخلفاء الراشدين الأربعة من الصحابة؟

    الجواب: نعم، بعض العلماء ضمه إلى الخلفاء الراشدين، الخليفة الخامس من ناحية العدل، يعني: لأنه عدل؛ ولأنه رضي الله عنه خليفة راشد عدل وأنه عمل بالسنة، وعدل في الرعية، ولكنه ليس من الصحابة، ولا يلحق بالصحابة، لكنه يلحق بالعدل في الخلافة، وأن خلافته خلافة عدل، ولهذا أراد بعضهم أن يقارن بين عمر بن عبد العزيز ومعاوية بن أبي سفيان ، فقال بعض العلماء: إن الغبار الذي دخل في أنف معاوية مع جهاده مع رسول الله صلى الله وسلم يعدل ورع عمر بن عبد العزيز وعدله، والصحابة لا يسبقهم من بعدهم إلى يوم القيامة.

    الجمع بين قوله تعالى: (فسوف يحاسب حساباً يسيراً) وحديث: (من نوقش الحساب عذب)

    السؤال: كيف نجمع بين قول النبي صلى الله عليه وسلم: (من نوقش الحساب عُذِّب)، وقول الله تعالى: فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ * فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا [الانشقاق:7-8]؟

    الجواب: إن عائشة رضي الله عنها، سألت النبي صلى الله عليه وسلم قالت: (يا رسول الله! كيف تقول: من نوقش الحساب عذب، والله يقول: فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ * فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا [الانشقاق:7-8]؟ قال: يا عائشة! إنما ذلك العرض)، (فسوف يحاسب حساباً يسيراً) وهذا في حال عرض الأعمال عليه، أما من نوقش الحساب فإنه يعذب.

    وجوب فض الشراكة عند معرفة تعامل الطرف الآخر بالربا

    السؤال: دخلت أنا وشخص شراكة؛ أنا ببدني وهو بماله من أجل تشغيل بعض المشاريع، ومن خلال العمل تبين أن صاحبي قد اقترض من بنك ربوي، فهل يجوز لي البقاء معه في الشراكة أم يجب علي أن أفض الشراكة؟

    الجواب: يجب عليك أن تناقشه، ليتخلص من الربا، وإلا فعليك أن تنفصل عنه وتترك الشراكة بينك وبينه، وإذا كانت الشراكة قائمة على أساس أحدكما منه العمل والثاني منه المال، فهذه شركة مضاربة لا بأس بها، فكيف يقترض مالاً من بنك ربوي أو من مال ربوي إذا كان هو صاحب المال، يعني: في الغالب أنه اقترضه وأعطاك، فعليك أن تناصحه، فيخرج الربا، وإلا فعليك أن تترك الشراكة.

    بيان معنى المقام المحمود

    السؤال: هناك من فسر المقام المحمود بأنه إقعاد الرسول صلى الله عليه وسلم على العرش، وذكر السلف أن من أنكر هذه الفضيلة فهو جهمي، مع أنها جاءت بأسانيد ضعيفة كما في السنة للخلال؟

    الجواب: نعم، وهذا قد سبق الكلام عليه، أن المقام المحمود هو الشفاعة العظمى، وجاء في بعض الأحاديث أنه إقعاد النبي صلى الله عليه وسلم معه على العرش، قال شيخ الإسلام وابن القيم وغيره: إنه لا ينكر هذا إلا الجهمية، وهذا يدل على أن الحديث ثبت عندهم بسند صحيح، فإذا ثبت ذلك بسند صحيح، فإن المقام المحمود سيشمل الأمرين: الشفاعة، وإقعاده على العرش عليه الصلاة والسلام.

    نفي اعتقاد ابن قدامة التفويض

    السؤال: يذكر بعض العلماء كـابن قدامة في ذم التأويل أن السلف لم يكونوا يتعرضون للصفات بتفسير ولا تأويل، ونقل عنهم قولهم: لا كيف ولا معنى، فهل يعني قولهم: (لا معنى): تفويض معناها إلى الله تعالى كما يزعم البعض؟

    الجواب: هذه قالها بعضهم، وقال بعضهم إن ابن قدامة يفوض، لكن ابن قدامة إمام معروف أنه من أهل السنة والجماعة، فينبغي أن يحمل كلامه على أحسن المعاني.

    بيان معنى اسم الله (الرحمن)

    السؤال: إذا سألني شخص عن معنى صفة معينة من صفات الله كالرحمن، فهل أرد عليهم، أم أسكت في مثل هذه الحالة؟

    الجواب: تقول له: الرحمن اسم من أسماء الله وهو مشتمل على صفة الرحمة، وكل اسم من أسماء الله مشتمل على صفة؛ لأن أسماء الله مشتقة وليست جامدة، تقول: هذا فيه إثبات اسم الرحمن، وفيه إثبات صفة الرحمة لله عز وجل.

    بيان جواز إطلاق لفظ شيخ الإسلام على ابن تيمية وغيره

    السؤال: هل هناك اعتراض أو حرج على تسمية ابن تيمية بشيخ الإسلام، حيث إن هناك من يقول: إن كان هناك شيخ فهو الرسول عليه الصلاة والسلام؟

    الجواب: أقول: لا وجه له في هذا، فشيخ الإسلام ابن تيمية ، وشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب وغيرهم، الرسول عليه الصلاة والسلام هو إمام المتقين.

    والتسمية بشيخ الإسلام لا يتعارض ذلك مع كون الرسول هو الإمام، فالرسول عليه الصلاة والسلام هو إمام المتقين، ورسول رب العالمين عليه الصلاة والسلام، وهو المبلغ عن الله، ولا يصح أن يقال إنه شيخ الإسلام فينسب بذلك إلى الإسلام، لكن يجوز أن يقال: إن شيخ الإسلام فلان فلا بأس وليس فيه محذور.

    الجمع بين قوله تعالى: (تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض) وقوله صلى الله عليه وسلم: (لا تفضلوني على الأنبياء)

    السؤال: كيف نجمع بين قوله تعالى: تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ [البقرة:253]، وقوله صلى الله عليه وسلم: (لا تفضلوني على الأنبياء

    الجواب: التفضيل ليس تفريقاً، لكن كان ينبغي للسائل أن يقول: كيف نجمع بين: تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ [البقرة:253] وبين قوله صلى الله عليه وسلم: (لا تفضلوني على الأنبياء)، فالرسل على الأنبياء مفضلون، قال الله تعالى: تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ [البقرة:253]، وقال: وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ [الإسراء:55]، وأما قوله: (لا تفضلوني على الأنبياء، لا تخيروني على موسى)، فهذا محمول على أن هذا من باب التواضع منه عليه الصلاة والسلام، أو أن هذا محمول على من قال ذلك على وجه التعصب، أو على وجه التنقص للأنبياء، فهذا لا يقارن وإلا فالأنبياء متفاضلون، لكن من أراد أن يفضل على وجه الحمية أو التعصب فهذا ممنوع، وكذلك فقد قالها عليه الصلاة والسلام تواضعاً لربه عز وجل.

    أما التفضيل فليس فيه تفريق بين الرسل، وإنما إنزال لمنازلهم التي أنزلهم الله إياها، فالتفريق بين الرسل أن يؤمن ببعض ويكفر ببعض، وهذا هو التفريق.

    بيان ضعف حديث (لو أدلى أحدكم بحبل إلى الأرض السابعة لوصل إلى الله)

    السؤال: ما صحة حديث: (لو أدلى أحدكم بحبل إلى الأرض السابعة لوصل على الله) وما معناه؟

    الجواب: هذا ضعيف، رواه الترمذي بسند ضعيف، (لو أدلى أحدكم بحبل لوصل إلى الله) يعني: هذا من باب الفرض والتقدير، فهو ضعيف، لكن إن قُدِّرت صحته، فهو يفيد إحاطة الرب عز وجل، وأن الله تعالى أحاط بكل شيء، فقوله: (لو أدلى أحدكم بحبل من الأرض السابعة لوصل إلى الله) بمعنى أنه في قبضة الله وأن الله محيط به، و(لو) شرط تقدير، والتقدير لا يقع، مثل قوله تعالى: لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ [الزمر:65]، والرسول معصوم من الشرك، إذ أن هذا شرط تقدير، لبيان مقادير الأشياء، ثم الحديث ضعيف، لكن لو صح نقول: هذا شرط تقديري لبيان إحاطة الله، وأن الله تعالى أحاط بكل شيء.

    معنى الإلحاد في أسماء الله تعالى

    السؤال: ما معنى الإلحاد في أسماء الله تعالى؟

    الجواب: الإلحاد: هو الميل، والميل أنواع، فقد يكون إنكارها، وقد يكون بمعنى تأويلها تأويلاً باطلاً، والميل بها عن الحق، وتشبيهها بأسماء المخلوقين، فهذا كله من الإلحاد، وإنكارها بالكلية وتشبيهها بأسماء المخلوقين وهذا نوع من الإلحاد، وتأويلها بتأويل باطل هذا أيضاً من الإلحاد.

    ومنه سمي اللحد لحداً؛ لأنه مائل، فالذي يحفر للميت قبراً فإنه يجعل له لحداً من جهة القبلة، ولذلك سُمي لحداً؛ لأنه مائل عن جهة القبر إلى جهة القبلة.

    بيان زمان كون القابض على دينه كالقابض على الجمر

    السؤال: ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث: (في آخر الزمان يكون القابض على دينه كالقابض على الجمر)، هل يقال: إن هذا الزمان الذي نعيشه القابض على دينه كالقابض على الجمر؛ لما حصل من الفتن والشهوات والمغريات؟

    الجواب: لا شك أن الزمن هذا هو زمن فتن، وشهوات، وشبهات، والقابض على دينه كالقابض على الجمر، لا شك أنه في أزمنة متعددة وفي أمكنة متعددة، فإن ذلك يحصل بسبب الأمكنة والأزمنة، فمن كان في مكان تكثر فيه البدع والمحدثات، ولا يقبل منه الناس الحق، بل يردون الحق، ولا يقبل به إلا قليل، ويحصل له مشقة وألم في لزومه للسنة، والعمل بالكتاب والسنة ويصبر، فهذا هو القابض على دينه، وهذا يختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة والأشخاص والأحوال.

    حكم تكفير الصحابة وعبادة آل البيت

    السؤال: هل يكفر الرافضة من كفر بعض الصحابة هل يكفر بعينه وخصوصاً العوام منهم؟

    الجواب: هذا يكون على حسب الاعتقاد، فمن كان يعتقد منهم تكفير الصحابة، ومن كان يعتقد أن الصحابة كلهم كفار أو يفسقهم فهذا تكذيب لله؛ لأن الله زكاهم ووعدهم بالجنة، وقال: وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى [النساء:95]، فمن كذب الله كفر، فالذي يكفر الصحابة، ويقول: إن الصحابة ارتدوا وكفروا بعد موت الرسول صلى الله عليه وسلم فهذا -والعياذ بالله- مكذب لله؛ لأن الله زكاهم ووعدهم بالجنة، قال: وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى [النساء:95]يعني: الصحابة، والحسنى يعني: الجنة، وقال: رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ [التوبة:100] أي: المهاجرين والأنصار جميعاً، قال الله: لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ [الفتح:18]، فمن كفرهم فقد كذب الله، ومن كذب الله فقد كفر، ولأنهم هم الذين نقلوا إلينا الشريعة والدين، فإذا كان الذين نقلوا الشريعة والدين كفاراً، فكيف يوثق بدين ينقله كفار؟! فالذي نقل إلينا القرآن والسنة هم الصحابة، إذا كانوا كفاراً، فكيف يوثق بدين يحمله كفار؟! هذه مصيبة! فتكفيرهم معناه: إبطال للدين نسأل الله السلامة والعافية.

    ولأن الرافضة أيضاً يعبدون آل البيت ويتوسلون بهم وهذا شرك، ويزعمون كذلك أن القرآن غير محفوظ، وأنه ما بقي منه إلا الثلث وضاع الثلثان، وهذا تكذيب لله في قوله: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ [الحجر:9]، فمن زعم أن القرآن غير محفوظ وأنه ما بقي إلا الثلث فقد كذب الله، ومن كذب الله كفر.

    فهذه ثلاثة أسباب لكفرهم: تكفير الصحابة كفر، والقول بأن القرآن غير محفوظ كفر، وعبادة آل البيت والتوسل بهم كفر، وهي ثلاثة أنواع من الشرك نسأل الله السلامة والعافية.

    وهناك طائفة يقولون: إن جبريل أخطأ بالرسالة وأن الله أرسله إلى علي ، ولكن جبريل خان الله، وأوصلها إلى محمد، خان الأمين وهو جبريل، خان رسالة الله، وأرسلها إلى محمد وصدها عن حيدرة ، وحيدرة لقب علي، وهذا كفر بإجماع المسلمين، نسأل الله السلامة والعافية.

    حكم استماع الجنب للقرآن وحكم قراءته

    السؤال: من المعلوم أن الجنب لا يقرأ القرآن، ولكن هل يجوز له أن يستمع للقرآن من الإذاعة والأشرطة ونحو ذلك؟

    الجواب: نعم، لا بأس، الجنب يستمع للقرآن من الإذاعة ومن الأشرطة ومن القارئ، لا بأس في ذلك.

    وبعض العلماء يرى أنه يجوز أن يقرأ القرآن أيضاً، لكن الصواب: أنه لا يقرأ، وأما الحائض والنفساء، فيحرم عليهن قياساً على الجنب، وهذا قول الجمهور، والحديث ضعيف في ذلك.

    والقول الثاني لأهل العلم: أن الحائض والنفساء تقرآن القرآن عن ظهر قلب دون مس المصحف؛ لأنهما لا يقاسان على الجنب؛ ولأنه قياس مع الفارق.

    فالجنب مدة إصابته بالجنابة قصيرة، ويستطيع أن يغتسل ويقرأ، لكن النفساء والحائض قد تطول مدتها، فقد تطول مدة النفاس أربعين، وقد تكون حافظة للقرآن فتنسى، وقد تكون محتاجة إلى قراءته كونها مدرسة أو طالبة، والحديث ضعيف في هذا، فالصواب: أنهما تقرآن عن ظهر قلب، أما الجنب فلا يقرأ، لكن يستمع للقارئ في الإذاعة وفي غير الإذاعة، ويذكر الله ويسبح ويهلل ويكبر.

    حكم لعن المعين

    السؤال: هل يجوز لعن الشخص بعينه مثل بعض الذين أظهروا العداء للإسلام كحاكم إسرائيل مثلاً الرئيس الإسرائيلي؟

    الجواب: لعن المعين فيه خلاف بين أهل العلم، والصواب من قولي العلماء: أنه لا يلعن الشخص المعين، ولكن يلعن على العموم، كقول النبي صلى الله عليه وسلم: (لعن الله السارق، يسرق البيضة فتقطع يده، ويسرق الحبل فتقطع يده)، يعني: المراد الجنس: (لعن الله الخمر)، ولعنه الزاني هناك للعموم، ولعن السارق، ولعن المرابي على وجه العموم لا بأس، أما فلان ابن فلان السارق، أو فلان ابن فلان الجاني فلا، الصواب: أنه لا يلعن، لما ثبت في الحديث الصحيح: (أن رجلاً كان يشرب الخمر، وكان يقال له: عبد الله

    ، أو كان يلقب الحمار

    ، وكان يضحك منه النبي صلى الله عليه وسلم وكان كثيراً ما يؤتى به ويجلد، في شرب الخمر، فأتي به يوماً فجلد على الخمر، فقال رجل من القوم: لعنه الله ما أكثر ما يؤتى به، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لا تلعنه، إنه يحب الله ورسوله
    )، فنهى عن اللعنة، ولأن إقامة الحد كافٍ، هذا هو الصواب الذي عليه: أن المعين لا يلعن، ولكن يلعن على العموم.

    وقال بعض أهل العلم: أنه يلعن، لكن الصواب: أنه لا يلعن وقال بعض أهل العلم: إلا من اشتد أذاه على المسلمين وخشي ضرره فلا بأس أن يلعن بعينه، كما روي عن أبي حنيفة أنه لعن عمرو بن عبيد ، قال: لعن الله عمرو بن عبيد ، هو الذي فتح على الناس باب الكلام؛ لشدة أذاه.

    فمن اشتد أذاه على المسلمين كأن يؤذي المسلمين أو يقاتل المسلمين أو يقتل المسلمين أو يسب المسلمين ويؤذيهم فلا بأس بلعنه.

    حكم تحويل الفريضة إلى نافلة

    السؤال: كان بالي منشغلاً بالغداء وقت صلاة الظهر، وكنت أحدث نفسي قبل الصلاة هل أؤدي الفرض فقط أم أؤدي السنة قبل الفرض؟ ثم أتيت بالسجادة وكبرت وبالي منشغل، ولم أحدد النية بعد، أفرض أم سنة؟ ثم تذكرت مباشرة بعد التسليم أأقطع الصلاة وأحدد النية أم أكملها سنة؟

    الجواب: إذا أكملت السنة فلا بأس، لكن إذا كنت حينما كبرت تعلم أنك كبرت للنافلة أو للفريضة فالصلاة على نيتك، فإذا وضعت السجادة لتتنفل فإنك أعلم بنفسك، فإن كنت تريد أن تصلي السنة الراتبة فلا بأس، وإن كنت من عادتك ألّا تصلي السنة الراتبة فهذه فريضة، وإذا نويت ثم عزمت النية فلا يضرك بعد ذلك، لكن العبرة بحالك وأنت أعلم، وإذا حولتها إلى نافلة فلك ذلك لكن لا ينبغي للإنسان أن يحولها إلى فريضة إلا لمصلحة راجحة كأن يصلي منفرداً ثم وجد جماعة أثناء الصلاة، فيجعلها نافلة فيصلي مع الجماعة.

    حكم لعن المنافقين والعلمانيين

    السؤال: حول اللعن العام، هل يجوز لعن المنافقين والعلمانيين مثلاً؟

    الجواب: لا بأس إذا كان على العموم فهو جائز، لعن الله الكفار، ولعن الله اليهود والنصارى، ولعن الله العلمانيين، ولعن الله السارقين، لعن الله المرابين، ولعن الله من أكل الرشوة، ولعن الله من قطع رحمه، ولعن الله من عق والديه على العموم لا بأس، أما لعن فلان ابن فلان بعينه فهذا لا يجوز.

    ذكر ما جاء من الأذكار حال الابتلاء بالشكوك وبوساوس الشيطان

    السؤال: ابتليت بشبهات تراودني دائماً حتى في الصلاة، وأكثر من الاستعاذة وأنفث عن يساري، ولكن لا زالت تراودني، فكيف أتخلص من هذه الشبهات التي أخشى على نفسي منها الكفر أو النفاق؟

    الجواب: هذه من الشيطان، وهو يريد أن يعذبك، فإذا كنت تجد في نفسك مثلاً وساوس وشك، وشكوك في الرب سبحانه وتعالى، أو في الجنة أو في النار، أو يأتي الشيطان أحياناً ويقول: ليس هناك جنة، ولا نار، ولا عذاب قبر، فعليك أن تستعيذ بالله من الشيطان، فهو يعلم أنه مؤمن، فيجب أن يقول: أعوذ بالله من الشيطان، ويقول: آمنت بالله ورسله، ويقرأ: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ [الإخلاص:1-4]، ويأتي بما يقطع التفكير، أما إذا كثر عليه الوساوس في الصلاة فيستعيذ بالله وينفث عن يساره ثلاثاً، كما قال عثمان بن أبي العاص ، أنه لما شكا إلى النبي صلى الله عليه وسلم كثرة الوساوس فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن ينفث على يساره نفثاً خفيفاً حال الصلاة ويستعيذ بالله من الشيطان، أما خارج الصلاة مثلما سبق، يقول: آمنت بالله ورسله، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ [الإخلاص:1-4]، فيقطع التفكير، ويستمر في أحواله وأعماله.

    بطلان تأويل خروج المسيح ويأجوج ومأجوج بأحداث في عصرنا

    السؤال: وجدت أقواماً في بعض الدول يقولون بأمور حول بعض الأحاديث مثل: الدجال الأعور، هو التلفاز، وأن الشمس خرجت من مغربها وهو العلم الذي يأتي من الغرب، ويأجوج ومأجوج هم أهل الصين، أي: غزونا بصناعتهم ونحو ذلك من التأويلات؟

    الجواب: هذه تأويلات باطلة، وهذه تأويلات تشبه تأويلات العقلانيين الذين يعملون بآرائهم وعقولهم الفاسدة، فإن الدجال يخرج في آخر الزمان وهو رجل، ويأجوج ومأجوج كذلك يخرجون في آخر الزمان.

    حكم تحديث العوام بصفات الله على ما ورد في الكتاب والسنة

    السؤال: يذكر بعض العلماء أنه لا يحدث العوام بالصفات حتى لا يفتنوا، فما وجه ذلك حفظكم الله؟

    الجواب: بل يحدثون ويبين لهم، ويوضح لهم المعنى حتى لا يلتبس عليهم.

    ما جاء في ذكر بعض مناقب ابن باز

    السؤال: قد لازمتم سماحة الشيخ ابن باز رحمه الله كثيراً، فنرجو منكم أن تذكرونا بشيء من سيرته رحمه الله، وما أهم السمات التي استفدتموها منه رحمه الله؟

    الجواب: ظهرت لي أسئلة كثيرة تكررت علي، وسماحة شيخنا رحمه الله لا تخفى سماته على الجميع وكتب الآن فيه مجلدات كثيرة وأظن أن كثيراً من الإخوان قد سمعوا وقرءوا رسائل وكتب ومؤلفات للدكتور: ناصر الزهراني وكذلك المجلد الأخير للشيخ محمد ، وكذلك الشيخ محمد الموسى لديه مجلد جيد في هذا، ورسائل كثيرة في هذا، وسيرته لا تخفى على الجميع رحمه الله في علمه وورعه وزهده ونفعه للناس وشفاعته وصبره وتحمله، وهذا معلوم لدى الجميع، والمؤلفات موجودة الآن والكتب والرسائل، وقد نشر في هذه الأيام بعض من سيرته في الصحف والمجلات، وجمعت أيضاً وزارة الشئون الإسلامية مجلة كبيرة في صفاته وشمائله رحمه الله، وأعماله موجودة من أرادها وجدها، رحمه الله رحمة واسعة، نسأل الله أن يتغمده برحمته وأن يجمعنا وإياكم وإياه معه في دار كرامته.

    حكم تخصيص صلاة الفجر بختم القرآن

    السؤال: ما الحكم فيمن يخصص صلاة الفجر لختم القرآن، أن يبدأ بالبقرة إلى أن يصل إلى الناس، كل يوم يقرأ قدراً معيناً ثم يختم بعد ذلك؟

    الجواب: لا، ترك هذا أولى، فلم يكن الرسول صلى الله عليه وسلم يفعل هذا، فلم يكن يقرأ القرآن من أوله، لكن يقرأ ما تيسر، فيقرأ مثلاً من المفصل، ويقرأ في يوم سورة كذا، ويقرأ من أول السورة، أما كونه: يبدأ القرآن من أوله في صلاة الفجر، ويختم بآخره لم يكن هذا يفعله الرسول والصحابة، وإنما يكون هذا في صلاة التراويح، فتركه أولى.

    إثبات المعنى في الصفات ونفي الكيف عنها مذهب أهل السنة والجماعة

    السؤال: قرأت في شرح العقيدة الواسطية: أن أهل السنة والجماعة لا ينفون الكيف في صفات الرب على الإطلاق، فما معنى ذلك؟

    الجواب: الكيفية ينفونها، لا تكيف الصفات لكن المراد: لا ينفون المعنى، فالمعنى يثبتونه، أما الكيفية فهذه منفية، كما قال الإمام مالك : الاستواء معلوم والكيف مجهول، فكأنك لم تفهم المراد، ففي الكتاب نفسه أن أهل السنة يفوضون كيفية الصفات إلى الله.

    حكم الجمع والقصر للمسافر إذا نزل مدينة أخرى

    السؤال: من المعلوم أن القصر يصح للمسافر، لكن ما حكم الذي سافر ثم استقر لمدة يومين في مدينة معينة، فهل يجوز له القصر والجمع، بأن يجمع بين المغرب والعشاء؟

    الجواب: من الناس من يظن أن القصر والجمع لازم ولو كان في بلده، فإذا كان المسافر في البلد ويسمع الأذان فليصلي مع الناس كل صلاة في وقتها، وإذا كان وحده فيجب عليه أن يصلي مع الإمام، أما إذا كان المسافرون اثنين أو ثلاثة فأكثر فهم بالخيار، إن شاءوا صلوا مع الجماعة، وإن شاءوا صلوا وحدهم، وإذا صلوا وحدهم قصروا، ولا حاجة للجمع مادام مقيماً، فالجمع للماشي أما المقيم فعليه أن يصلي كل صلاة في وقتها قصراً بدون جمع، كالحجاج في منى، وإذا صلى مع الناس أتم.

    وبعض الناس يظن أنه إذا كان مسافراً فلابد له أن يقصر ويجمع، فتجده في البلد مسافراً فيسمع المؤذن ولا يصلي الظهر، ثم يذهب إلى البيت فيجمع الظهر والعصر، وهذا الجمع ليس بلازم، صل مع المسلمين والحمد لله ما دمت مقيماً صل الظهر معهم أربعاً والعصر معهم أربعاً، تحصل على الفائدة، أما إذا كنت مسافراً وأتى بك السفر إلى البرية فتقصر الصلاة.

    حكم تناول المرأة حبوب منع الحمل

    السؤال: إحدى الأخوات تسأل عن حكم تناول حبوب منع الحمل؟

    الجواب: لا ينبغي للمرأة أن تأكلها إلا للحاجة الملحة، كأن تكون صحتها لا تتحمل، وأن الأولاد يتتابعون بشرط ألا تضر بصحتها، وبشرط ألا تقطع النسل، أما إذا كانت تقطع النسل وتضر بصحتها فلا يجوز، أو كان بدون حاجة إليها أيضاً، لكن إذا ألجأتها الحاجة بأن تكون صحتها لا تتحمل أو أن الأولاد يتتابعون، ولا تحسن تربيتهم فتأكل الحبوب ليتأجل الحمل إلى بعد سنتين، أو سنة وهي محتاجة إلى هذا، وصحتها لا تتحمل فلا بأس في تناولها، وكلما أمكن ترك الحبوب فهو أولى، أما إذا كانت تقطع النسل فهذا حرام لا يجوز، أو تضر بصحتها ليس لها أن تضر بصحتها.

    حكم إجارة المظلوم إذا كان المجير يستطيع ذلك

    السؤال: ما حكم قول: أنا داخل على الله ثم عليك؟

    الجواب: هذه كلمة عامية، كأنها التجاء واحتماء واستجارة، فإذا كان يستجير بالشخص ويستطيع هذا الشخص أن يجيره ويحميه ممن ظلمه فلا بأس.

    أما إذا كان ظالماً فلا، فليس له أن يحميه ولا أن يجيره وهو ظالم حتى يؤخذ منه الحق، أو ارتكب جريمة واستجار به على ألا يقام عليه الحد، فهذا كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لعن الله من آوى محدثاً)، وهذا فيه تفصيل:

    إذا كان هذا الشيء مما يستطيعه الآدمي، أما إذا كان مما لا يقدر عليه الإنسان، ولا يقدر عليه إلا الله، فيقول: داخل على الله ثم عليك فليس له ذلك؛ لأن هذا شرك.

    حكم تكييف صفات الله سبحانه

    السؤال: هل يمكن أن يراد بإثبات الكيفية: إثبات أصلها ونفي العلم بها؟

    الجواب: الكيفية أن يقال: إن الصفة على كيفية كذا، استواء الله على كيفية كذا، كاستواء المخلوق أو على كيفية كذا، أو يقول: علم الله كيفيته كذا، وسمع الله كيفيته كذا، واستواء الله كيفيته كذا، على كيفية معينة، فإن هذا باطل، لا تكيف الصفات، لا يعلم الكيفية إلا الله.

    حكم الجمع بين الكليات العلمية والكليات الشرعية

    السؤال: ما رأي فضيلتكم فيمن يدرس في الجامعات والكليات العلمية مثل كلية الحاسب والطب والهندسة، ويميل إلى دراسة العلم الشرعي، فهل يترك هذه الكليات، ويذهب إلى كليات شرعية أم يحضر عند المشايخ والعلماء في المساجد؟

    الجواب: الكليات مفيدة لا بأس بها إذا بقي فيها، ولكن كونه يدرس العلوم الشرعية فهو أفضل، إذا كان يدرس العلم الشرعي يحضر الحلقات والدروس، ويستفيد فالحمد لله، وإذا أحب أن ينقطع للعلم الشرعي فهذا أفضل؛ أما إذا كان يدرس في كليات الطب أو الهندسة أو الصيدلة وهو يحضر الدروس العلمية ويحضر الحلقات ويحافظ عليها فالحمد لله هو على خير، فله أن يطلب العلم في الوقت الذي يدرس فيه هذه العلوم ويستفيد منها ويفيد.

    نصيحة لطلاب العلم

    السؤال: كما تعلمون أن جمعاً كبيراً من هذه الدورة سيغادرون إلى بلدانهم بعد انتهائها، نرجو من فضيلتكم التكرم بإسداء نصيحة لهم ولنا جميعاً؟

    الجواب: أوصي نفسي وإخواني بتقوى الله عز وجل، فهي وصية الله للأولين والآخرين، يقول الله تعالى: وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ [النساء:131]، وهي وصية النبي صلى الله عليه وسلم لأمته، كما سبق في الحديث أنه نصح الناس عليه الصلاة والسلام وأمرهم بتقوى الله قال: (فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً)، وأصل التقوى توحيد الله، وإخلاص الدين له، وأداء الواجبات وترك المحرمات، قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا [الأحزاب:70]، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ [الحشر:18]، يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا [النساء:1]، يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ [لقمان:33]، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102]، فتقوى الله قد شملت الدين كله: أداء الفرائض وترك النواهي، وإذا قرنت بالبر فإن البر يفسر بفعل الأوامر، والتقوى بترك النواهي؛ لقوله تعالى: وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى [المائدة:2]، وأوصي نفسي وإخواني بتقوى الله عز وجل، وإخلاص الأعمال لله عز وجل، والعمل بالعلم الذي تعلمه الإنسان، ونشره بين الناس والدعوة إليه حتى يكون الإنسان من الرابحين، فإن الله تعالى بين في كتابه العظيم أن جنس الناس في خسارة وهلاك إلا المؤمنين العاملين الدعاة الصابرين، قال سبحانه: وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ [العصر:1-3]، أقسم سبحانه وتعالى -وهو الصادق وإن لم يقسم- أقسم بالعصر وهو الزمان، وله أن يقسم سبحانه بما شاء من مخلوقاته لا أحد يحصر عليه، أما الإنسان فلا يقسم إلا بالله وأسمائه وصفاته، (إن الإنسان) أي: جنس الإنسان (لفي خسر إلا الذين آمنوا) يكون إيمانه مبنياً على العلم، وليس هناك إيمان إلا مبني على العلم، (وعملوا الصالحات) أي: بأداء الواجبات وترك المحرمات، (وتواصوا بالحق)، هذه الدعوة إلى الله، (وتواصوا بالصبر) هذا اصطبار على الدعوة إلى الله، فهؤلاء هم الرابحون، فمن استقام على هذه الصفات وأداها واستكملها كمل ربحه، ومن ضيعها كملت خسارته، ومن انتقص شيئاً منها فاته من الربح وحصل على الخسارة بحسب ما انتقص من هذه الصفات.

    نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا وإياكم من الرابحين المؤمنين المتقين الذين يعبدون ربهم على بصيرة، والذين يعلمون ويعملون ويدعون إلى الله على بصيرة، ويصبرون على ما أصابهم، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

    وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وأصحابه والتابعين.