إسلام ويب

تفسير سورة الفاتحة [10]للشيخ : عبد العزيز بن عبد الله الراجحي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الله سبحانه وتعالى هو المستحق للعبادة وهو المعبود الحق في كل زمان ومكان وعلى كل لسان، ولا يمكن للعبد أن يقوم بذلك خير القيام إلا إذا استعان بالله تعالى، وطلب منه العون والقدرة على ذلك، فإنه سبحانه نعم المعين ونعم النصير.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (إياك نعبد وإياك نستعين)

    القراءات الواردة في قوله تعالى: (إياك نعبد)

    قال الله تعالى: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة:5].

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ قرأ السبعة والجمهور بتشديد الياء من (إياك)، وقرأ عمرو بن فايد بتخفيفها مع الكسر، وهي قراءة شاذة مردودة؛ لأن (إيا) ضوء الشمس، وقرأ بعضهم: (أياك) بفتح الهمزة وتشديد الياء، وقرأ بعضهم (هياك) بالهاء بدل الهمزة، كما قال الشاعر:

    فهياك والأمر الذي إن تراحبت موارده ضاقت عليك مصادره ].

    قرأ الجمهور (إياك) بكسر الهمزة وتشديد الياء، وقرأ بعضهم (أيّاك)، وبعضهم: (هيّاك)، وأما القراءة الشاذة فهي: (إياك) بكسر الهمزة وتخفيف الياء، فلا ينبغي القراءة بها، لأن (إياك) هو ضوء الشمس، وهذا يوافق عباد الشمس، فلا ينبغي، ولذلك ينبغي العناية بالتشديد عند النطق بقوله: (إياك نعبد).

    ولذلك ذكر العلماء أنه لابد من الاهتمام بهذه الشدات ومنها: (إياك)، وأما إذا قرأها (إياك) حتى وهو جاهل فيخشى أن يكون موافقاً لعباد الشمس، لأن (إياك) يعني: ضوء الشمس فكأنه يقول: ضوء الشمس نعبد، وهذا يأتي به المشركون، ولهذا فهذه القراءة الشاذة لا ينبغي القراءة بها.

    فتكون (إيّاك) و(أيّاك) و(هِيّاك) ثلاث قراءات، والمشهورة منها هي قراءة الجمهور: (إياك)، وأما القراءة الشاذة فلا ينبغي القراءة بها.

    القراءات الواردة في قوله تعالى: (نستعين)

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ ونستعين بفتح النون أول الكلمة في قراءة الجميع سوى يحيى بن وثاب والأعمش فإنهما كسراها، وهي لغة بني أسد وربيعة وبني تميم ].

    لغة أكثر العرب بفتح النون، وهناك لغة في (نِستعين) ولا يزال بعض العامة إلى الآن يقرأ بها وهي بكسر حرف النون (نِستعين)، كقولنا: يقوم، يذهب، يكتب، يحضر بكسر حرف المضارعة، لكن اللغة المشهورة عند أكثر العرب (نَستعين) بفتح النون، وعلى هذا إذا قرأ بعض العامة (نستعين) بكسرها فلا ينكر عليه؛ لأنها لغة.

    معنى العبادة

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ والعبادة في اللغة: من الذلة، يقال: طريق معبد وبعير معبد أي: مذلل، وفي الشرع عبارة عما يجمع كمال المحبة والخضوع والخوف ].

    العبادة في اللغة: عبارة عن الذلة، يقال: طريق معبد؛ إذا وطئته الأقدام، وجمل معبد، أي: ذلول منقاد، فهذا معنى العبادة في اللغة، ومعنى الذل: الانقياد، فالجَمَل إذا كان منقاداً يقال له: ذلول، والطريق المعبد يسمى معبداً؛ لأنه وطئته الأقدام.

    والمسلم معبد لأنه تعبد لله وذل وخضع له؛ ولهذا فالعبادة شرعاً تجمع كمال الذل والخضوع والخوف، فلابد من الأمرين: كمال محبة مع كمال ذل وخضوع، ولهذا يقول العلامة ابن القيم رحمه الله:

    وعبادة الرحمن غاية حبه مع ذل عابده هما قطبان

    وعليهما فلك العبادة دائر ما دار حتى قامت القطبان

    ومداره بالأمر أمر رسوله لا بالهوى والنفس والشيطان ].

    فتدور العبادة على هذين الأمرين: غاية الحب مع غاية الذل والخضوع؛ لأن الذل والخضوع يستلزم الخوف والرجاء.

    فائدة تقديم المفعول في: (إياك نعبد)

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وقدم المفعول وهو (إياك) وكرر للاهتمام والحصر، أي: لا نعبد إلا إياك، ولا نتوكل إلا عليك، وهذا هو كمال الطاعة ].

    الحصر لابد منه لأنه ليس هناك توحيد إلا بالحصر، ولهذا كان معنى كلمة التوحيد لا إله إلا الله: لا معبود بحق إلا الله، يعني: لا نعبد إلا إياه، وهذا هو المستفاد من تقديم الضمير (إياك)، فلو قال: (نعبدك) ما حصل الحصر؛ لأنه قد يعبد الله ويعبد غيره، وإذا قال: (إياك نعبد) فمعناه: نخصك بالعبادة ولا نعبد غيرك، فالاختصاص والحصر مفهوم من تقديم الضمير، ولو لم يقدم لما وقع الحصر، فإن المشركين يعبدون الله ويعبدون غيره، وليس هناك عبادة وتوحيد إلا بنفي وإثبات: نفي العبادة عن غير الله وإثباتها لله، ولهذا كان سر القرآن في هذه الكلمة (إياك نعبد)، وجميع ما في الكتب المنزلة مجموع في القرآن، وجميع ما في القرآن مجموع في الفاتحة، والفاتحة مجموعة في قوله: (إياك نعبد)، فهي سر القرآن.

    اشتمال الفاتحة على مقاصد الدين كله

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ والدين كله يرجع إلى هذين المعنيين، وهذا كما قال بعض السلف: الفاتحة سر القرآن، وسرها هذه الكلمة: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة:5].

    فالأول: تبرؤ من الشرك، والثاني: تبرؤ من الحول والقوة، والتفويض إلى الله عز وجل ].

    فإذا قلت: (إياك نعبد) تبرأت من الشرك وأهله، وإذا قلت: (وإياك نستعين) تبرأت من حولك وقوتك وفوضت أمرك إلى الله؛ لأنك لا تستطيع أن تقوم بعبادة الله إلا بإعانة الله وتوفيقه.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وهذا المعنى في غير آية من القرآن، كما قال تعالى: فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ [هود:123] ].

    أي: أن معنى: (فاعبده) هو معنى (إياك نعبد)، ومعنى (وتوكل عليه) هو معنى (إياك نستعين).

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ قُلْ هُوَ الرَّحْمَنُ آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا [الملك:29] ].

    كذلك قوله: قُلْ هُوَ الرَّحْمَنُ آمَنَّا بِهِ هو في معنى (إياك نعبد)، وقوله: وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا هو في معنى (إياك نستعين)؛ لأن الاستعانة هي التوكل على الله وتفويض الأمر له.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا [المزمل:9] ].

    كذلك قوله: (لا إله إلا هو) هو معنى (إياك نعبد)، وقوله: (فاتخذه وكيلاً) هو بمعنى (إياك نستعين)، إذاً فقد جاء هذا المعنى في مواضع كثيرة من القرآن.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وكذلك هذه الآية الكريمة: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة:5].

    وتحول الكلام من الغيبة إلى المواجهة بكاف الخطاب وهو مناسبة؛ لأنه لما أثنى على الله فكأنه اقترب وحضر بين يدي الله تعالى؛ فلهذا قال: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة:5] ].

    في أول الفاتحة يثني الإنسان على ربه بطريق الغيبة فيقول: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ [الفاتحة:2-4].

    ثم بعد ذلك التفت من الغيبة إلى الخطاب، إذاً: فلما أثنى على الله ووحده كأنه دخل على الله فصار يخاطب الله: (إياك نعبد).

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وفي هذا دليل على أن أول السورة خبر من الله تعالى بالثناء على نفسه الكريمة بجميل صفاته الحسنى، وإرشاد لعباده بأن يثنوا عليه بذلك ].

    أي: أنه خبر بمعنى الإنشاء، فقوله: (الحمد لله رب العالمين) يعني: احمدوا الله وأثنوا عليه بأن تقولوا: الحمد لله رب العالمين، فـ(الحمد) محبة، و(الرحمن الرحيم) ثناء، و(مالك يوم الدين) تمجيد ومبالغة في الثناء، فلما حمدت الله وأثنيت عليه ومجدته تبين أنك عبد ذليل خاضع لله، ثم بعد ذلك تسأله حاجتك: اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ [الفاتحة:6].

    ركنية قراءة الفاتحة في الصلاة

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ ولهذا لا تصح صلاة من لم يقل ذلك وهو قادر عليه، كما جاء في الصحيحين عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب).

    وفي صحيح مسلم من حديث العلاء بن عبد الرحمن مولى الحرقة عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يقول الله تعالى: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، فنصفها لي ونصفها لعبدي، ولعبدي ما سأل، إذا قال العبد: الحمد لله رب العالمين)].

    هذا حديث قدسي، وقوله: (قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين) يعني: قسمت الفاتحة، والفاتحة لها عدة أسماء، فمن أسمائها الصلاة، ومن أسمائها الحمد، ومن أسمائها أم القرآن، والسبع المثاني.

    وقوله: (فإذا قال العبد: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ) هذا دليل على أن البسملة ليست من الفاتحة، لأنه قال: (فإذا قال العبد: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ )، فلو كانت البسملة من الفاتحة لقال الرب: فإذا قال العبد بسم الله الرحمن الرحيم.

    فهذا من الأدلة على أن البسملة آية مستقلة ليست من الفاتحة، فتكون قراءتها مستحبة، وعلى هذا فأول آية من سورة الفاتحة هي: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ، والآية السادسة هي: صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ ، والسابعة: غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ ، فتكون الفاتحة سبع آيات بدون البسملة خلافاً لما هو مكتوب في المصاحف، حيث جعلوا (بسم الله الرحمن الرحيم) رقم واحد، وقوله: صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ آية واحدة، أي: جعلوا الآيتين السادسة والسابعة آية واحدة، وهذا يخالف هذا الحديث الذي يدل على أن أول آية في الفاتحة: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الفاتحة:2].

    وقد سبق الكلام في البسملة هل هي آية مستقلة، أو هي آية من كل سورة، أو ليست آية؟ وأقرب الأقوال أنها آية في أول كل سورة، أو آية مستقلة.

    والسنة ألا يقرأ المصلي بالبسملة في الصلاة، وقد جهر بها أبو هريرة رضي الله عنه للتعليم، والشافعية يرون الجهر بها، لكن الأرجح عدم الجهر، وهو السنة كما جاء في الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يسر بها، وكان الخلفاء الراشدون يسرون بها، ومن جهر بها بعض الأحيان فلا حرج كما فعل أبو هريرة رضي الله عنه، ومن اجتهد ورأى مشروعية الجهر بالبسملة كالشافعية فلا حرج.

    وهنا فائدة وهي: أن الحديث القدسي كالقرآن لفظه ومعناه من الله، وأما الأحاديث غير القدسية فمعناها من الله ولفظها من الرسول عليه الصلاة والسلام، وهذا هو الفرق بين الحديث القدسي وغيره من الأحاديث.

    وهناك فرق بين الحديث القدسي وبين القرآن: فالقرآن معجز بلفظه ومعناه، والحديث القدسي ليس بمعجز.

    وأيضاً: القرآن متعبد بتلاوته، والحديث القدسي غير متعبد بتلاوته.

    وأيضاً: القرآن لا يمسه إلا متوضئ، والحديث القدسي يمسه غير المتوضئ، وغير ذلك من الفروق.

    وبعض كتب أصول التفسير كالإتقان للسيوطي وغيره تقول: الحديث القدسي لفظه من الرسول صلى الله عليه وسلم، وذلك بناءً على مذهب الأشاعرة أن الله تعالى لا يتكلم بحرف ولا صوت، وكلام الله عنهم هو: المعنى القائم بنفسه، وأن الله ما تكلم بالقرآن ولا بحرف منه، ولا أسمع جبريل منه حرفاً ولا صوتاً، وإنما اضطر الله جبريل ففهم المعنى القائم بنفسه فعبر عن هذا القرآن، فالقرآن عبارة عبر به جبريل.

    وقال آخرون من الأشاعرة: إنه عبارة عبر به محمد، والقول الثالث للأشاعرة: أن جبريل أخذ القرآن من اللوح المحفوظ والله لم يتكلم بشيء، وهذا من أبطل الباطل.

    فقول الأشاعرة أن الحديث القدسي لفظه من الرسول عليه الصلاة والسلام بناءً على مذهبهم أن الله لا يتكلم بحرف ولا صوت، وإنما كلام الله معنىً قائم بنفسه، مع أن هذه من الصفات السبع التي يثبتونها، وهذا من أبطل الباطل.

    المقصود أن الحديث القدسي لفظه ومعناه من الله مثل القرآن، وأما الأحاديث غير القدسية فمعناها من الله ولفظها من الرسول عليه الصلاة والسلام، قال الله تعالى: وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى [النجم:3-4].

    فإن قال قائل: يقول بعض العلماء: إذا قلنا: إن لفظه من الله صار أكثر منزلة من القرآن لأنه من غير واسطة والقرآن نزل به جبريل؟

    والجواب: أن هذا ليس بصحيح، ولا يلزم من هذا أن يكون من دون واسطة، وما هو الدليل على أنه بدون واسطة؟

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ (إذا قال العبد: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الفاتحة:2] قال الله: حمدني عبدي، وإذا قال: الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ [الفاتحة:3] قال الله: أثنى علي عبدي، فإذا قال: مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ [الفاتحة:4] قال الله: مجدني عبدي، وإذا قال: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة:5] قال هذا: بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل) ].

    التمجيد: هو التوسع في الثناء والحمد.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ (فإذا قال: اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ [الفاتحة:6-7] قال: هذا لعبدي ولعبدي ما سأل).

    وقال الضحاك عن ابن عباس رضي الله عنهما (إياك نعبد) يعني: إياك نوحد ونخاف ونرجوك يا ربنا لا غيرك، (وإياك نستعين) على طاعتك وعلى أمورنا كلها.

    وقال قتادة : (إياك نعبد وإياك نستعين): يأمركم أن تخلصوا له العبادة، وأن تستعينوه على أموركم.

    وإنما قدم (إياك نعبد) على (وإياك نستعين) لأن العبادة له هي المقصودة، والاستعانة وسيلة إليها، والاهتمام والحزم تقديم ما هو الأهم فالأهم، والله أعلم ].

    لا شك أن العبادة هي الغاية التي خلق الله الخلق من أجلها، وهي المرضية لله والمحبوبة له، والاستعانة وسيلة، فأنت لا تستطيع أن تقوم بما أوجب الله عليك من العبادة إلا بإعانة الله وتوفيقه.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ فإن قيل: فما معنى النون في قوله تعالى: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة:5] فإن كانت للجمع فالداعي واحد، وإن كانت للتعظيم فلا يناسب هذا المقام؟ وقد أجيب بأن المراد بذلك الإخبار عن جنس العباد، والمصلي فرد منهم، ولاسيما إن كان في جماعة، أو إمامهم فأخبر عن نفسه وعن إخوانه المؤمنين بالعبادة التي خلقوا لأجلها وتوسط لهم بخير ].

    هذا هو الأقرب، وهو إخبار العبد عن نفسه وعن إخوانه المسلمين سواء كانوا حاضرين أو غائبين بقوله: (نعبد) بصيغة الجمع، أي: فإنا -نحن المسلمين- نعبدك يا ألله.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ ومنهم من قال: يجوز أن تكون للتعظيم، كأن العبد قيل له: إذا كنت داخل العبادة فأنت شريف، وجاهك عريض، فقل: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة:5]، وإن كنت خارج العبادة فلا تقل: نحن ولا فعلنا ولو كنت في مائة ألف أو ألف ألف، لاحتياج الجميع إلى الله عز وجل وفقرهم إليه.

    ومنهم من قال: (إياك نعبد) ألطف في التواضع من إياك عبدنا؛ لما في الثاني من تعظيم نفسه، ومن جعله نفسه وحده أهلاً لعبادة الله تعالى الذي لا يستطيع أحد أن يعبده حق عبادته ولا يثني عليه كما يليق به، والعبادة مقام عظيم يشرف به العبد؛ لانتسابه إلى جناب الله تعالى، كما قال بعضهم:

    لا تدعني إلا بيا عبدها فإنه أشرف أسمائي ].

    لا شك أن أشرف ما وصف به الرسول عليه الصلاة والسلام هو العبودية والرسالة، وقد وصفه الله تعالى بالعبودية في أشرف المقامات وهو مقام التحدي، ومقام الإسراء، ومقام الوحي، فأما مقام التحدي ففي قوله تعالى: وَإِنْ كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ [البقرة:23]، وأما في مقام الوحي ففي قوله تعالى: وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا [الجن:19]، وأما في مقام الإسراء ففي قوله تعالى: سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ [الإسراء:1]، فاتصف بالعبودية في هذه المقامات العظيمة، ولاشك أن العبودية مقام شريف، فأشرف ما يستشرف به العبد أن يكون عبداً لله.

    أشرف المقامات للرسول صلى الله عليه وسلم

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وقد سمى الله رسوله صلى الله عليه وسلم بعبده في أشرف مقاماته فقال: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ [الكهف:1]، وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ [الجن:19]، سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا [الإسراء:1].

    فسماه عبداً عند إنزاله عليه، وعند قيامه في الدعوة وإسرائه به، وأرشده إلى القيام بالعبادة في أوقات يضيق صدره من تكذيب المخالفين ].

    وكذلك في مقام التحدي قوله تعالى: وَإِنْ كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ [البقرة:23]، فالعبودية هي أشرف المقامات.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وأرشده إلى القيام بالعبادة في أوقات يضيق صدره من تكذيب المخالفين حيث يقول: وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ * وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ [الحجر:97-99].

    وقد حكى الرازي في تفسيره عن بعضهم: أن مقام العبودية أشرف من مقام الرسالة؛ لكون العبادة تصدر من الخلق إلى الحق، والرسالة من الحق إلى الخلق ].

    الحق هو الله سبحانه وتعالى، وهو اسم من أسماء الله: وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ [النور:25].

    والرسالة من العبودية، والنبي صلى الله عليه وسلم يقوم بالرسالة، فهي من العبودية، وهذا من عبوديته لله، فمن تعبده لله أنه قام بالرسالة عليه الصلاة والسلام، وهذا أعلى مقامات العبودية وقام بالدعوة والتبليغ، وإنذار الناس العام والخاص، وتبليغهم رسالة ربه، فهذا أعظم العبودية لله، ولهذا فالدعوة إلى الله، والجهاد في سبيل الله، وتبليغ الرسالة، وتعليم العلم، والتوجيه والإرشاد مقدم على نوافل الصلاة والصوم، ولهذا ذكر عن الإمام أحمد وعن أقرانه أنهم أحياناً يجتمعون فيمضون ليلهم في مذاكرة العلم ويتركون قيام الليل، فهذا مقدم على قيام الليل.

    فنقْل الرازي عن بعض هؤلاء في تقديم مقام العبودية على مقام الرسالة لا وجه له؛ لما ذكر عن الإمام أحمد رحمه الله.

    والرسول قد امتثل أمر ربه في قوله: يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ [المائدة:67]، ومن امتثل أمر الله فقد عبد الله، وكيف يقال: إنه يفصل بين تبليغ الرسالة وبين العبادة؟!

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ قال: ولأن الله يتولى مصالح عبده، والرسول يتولى مصالح أمته، وهذا القول خطأ، والتوجيه أيضاً ضعيف لا حاصل له، ولم يتعرض له الرازي بتضعيف ولا رد.

    وقال بعض الصوفية: العبادة إما لتحصيل ثواب أو درء عقاب، قالوا: وهذا ليس بطائل؛ إذ مقصوده تحصيل مقصوده، وإما للتشريف بتكاليف الله تعالى، وهذا أيضاً عندهم ضعيف، بل العالي أن يعبد الله لذاته المقدسة الموصوفة بالكمال، قالوا: ولهذا يقول المصلي: أصلي لله، ولو كان لتحصيل الثواب ودرء العقاب لبطلت الصلاة، وقد رد ذلك عليهم آخرون وقالوا: كون العبادة لله عز وجل لا ينافي أن يطلب معها ثواباً، ولا أن يدفع عذاباً، كما قال ذلك الأعرابي: (أما إني لا أحسن دندنتك ولا دندنة معاذ، إنما أسأل الله الجنة وأعوذ به من النار، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: حولها ندندن) ].

    وقد وصف الله الأنبياء بقوله: يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا [السجدة:16]، وقوله: إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا [الأنبياء:90]، ووصف المتقين بقوله: يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا [السجدة:16]، فهذه هي العبادة فيها الخوف وفيها الرجاء -رجاء الثواب وخوف العقاب- والمحبة، ولا بد من هذه الأمور الثلاثة.

    والصوفية عندهم انحراف في هذا، فالمتأخرون منهم يقولون: العبادة في المحبة فقط ولا تكون خوفاً ولا رجاء، وفي كتب الوعظ وغيرها يذكرون عن رابعة العدوية أنها قالت: ما عبدت الله خوفاً من ناره ولا طمعاً في جنته؛ فأكون كأجير السوء، ولكني عبدته حباً لذاته، وشوقاً إليه.

    وهذا باطل، قال العلماء: من زعم أنه يعبد الله محبة، أي: في الحب وحده فقد تزندق، ومن عبد الله بالخوف وحده فهو على مذهب الخوارج، ومن عبد الله بالرجاء وحده فهو على مذهب المرجئة، ومن عبد الله بالحب والخوف والرجاء فهو مؤمن موحد، فلابد أن نفهم أن قول الصوفية: أنه لا ثواب ولا عقاب، أنه قول ساقط.