إسلام ويب

تفسير سورة الفاتحة [8]للشيخ : عبد العزيز بن عبد الله الراجحي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • في مطلع سورة الفاتحة حمد الله تعالى نفسه أتم الحمد وأكمله، فجعل جميع المحامد له سبحانه؛ لكونه الخالق الرازق المنعم، فما من نعمة في العباد إلا وهي منه، وما من دفع نقمة عنهم إلا وهو الدافع لها سبحانه.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (الحمد لله رب العالمين)

    قال الله تعالى: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الفاتحة:2].

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ القراء السبعة على ضم الدال في قوله (الحمدُ لله)، هو مبتدأ وخبر، وروي عن سفيان بن عيينة ورؤبة بن العجاج أنهما قالا: الْحَمْدَ لِلَّهِ [الفاتحة:2] بالنصب، وهو على إضمار فعل، وقرأ ابن أبي عبلة: (الحمدُ للُه) بضم الدال واللام إتباعاً للثاني الأول، وله شواهد لكنه شاذ.

    وعن الحسن وزيد بن علي: (الحمدِ لله) بكسر الدال إتباعاً للأول الثاني ].

    يعني: أن هذه الآية فيها قراءات:

    القراءة الأولى: الْحَمْدُ لِلَّهِ [الفاتحة:2]، وهي القراءة المشهورة، وهي المعتمدة.

    القراءة الثانية: الْحَمْدَ لِلَّهِ [الفاتحة:2] يعني: أثني على الله، أو أحمده حمداً، أو أحمد الحمد، على تقدير فعل.

    القراءة الثالثة: (الحمدُ لُلّه) اللام الثانية مضمومة اتباعاً للدال.

    القراءة الرابعة: (الحمدِ لله) بكسر الدال، وهذه القراءات غير مشهورة، والقراءة المشهورة المعتمدة هي: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الفاتحة:2].

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ قال أبو جعفر بن جرير : معنى الْحَمْدُ لِلَّهِ : الشكر لله خالصاً دون سائر ما يعبد من دونه، ودون كل ما برأ من خلقه؛ بما أنعم على عباده من النعم التي لا يحصيها العدد، ولا يحيط بعددها غيره أحد، في تصحيح الآلات لطاعته، وتمكين جوارح أجسام المكلفين لأداء فرائضه، مع ما بسط لهم في دنياهم من الرزق، وغذاهم من نعيم العيش من غير استحقاق منهم ذلك عليه ].

    فهو سبحانه الذي خلقنا وأوجدنا من العدم، وهو الذي هدانا للإسلام وجعلنا نقبل الإسلام ونرضاه ونختاره، فالحمد لله على ذلك، وهو الذي سبحانه قوانا وأصح جوارحنا وآلاتنا، فالفضل كله من الله، وهو الذي بسط لنا الرزق، وأعطانا السمع والبصر والفؤاد، فله الحمد وله الشكر أولاً وآخراً سبحانه وتعالى، لا نحصي ثناءً عليه.

    فالإنسان لا قيام له ولا قيام لهذه الموجودات إلا بالله، قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ أَنْ تَزُولا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا [فاطر:41].

    فالمخلوق لا قيام له إلا بالخالق، ولا وجود له إلا بالخالق، فهو الذي أوجده من العدم، وهو الذي رباه بالنعم، ولاسيما الإنسان؛ فإن الإنسان خصه الله من بين سائر المخلوقات، والمسلم له نعمة خصه الله بها على غيره، كما قال سبحانه وتعالى: وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُوْلَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ * فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً [الحجرات:7-8] أي: نعمة دينية خصه الله بها دون الكافر، خلافاً للقدرية والمعتزلة الذين يقولون: إنه ليس للمؤمن خصيصة، بل الله تعالى جعل المؤمن والكافر سواء، وهذا المؤمن اختار الإيمان بنفسه، وهذا الكافر اختار الكفر بنفسه، وليس لله نعمة دينية على المؤمن، وهذا من أبطل الباطل، فإن الله تعالى خص المؤمن بنعمة دينية دون الكافر، وإن كان الله قد بين للجميع طريق الخير وطريق الشر، لكن الله يهدي من يشاء فضلاً منه ونعمة، ويضل من يشاء عدلاً منه وحكمة.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ ومع ما نبههم عليه ودعاهم إليه من الأسباب المؤدية إلى دوام الخلود في دار المقام في النعيم المقيم، فلربنا الحمد على ذلك كله أولاً وآخراً.

    وقال ابن جرير رحمه الله: الْحَمْدُ لِلَّهِ ثناء أثنى به على نفسه، وفي ضمنه أمر عباده أن يثنوا عليه، فكأنه قال: قولوا: الحمد لله ].

    يعني: أنه ثناء أثنى به الله سبحانه وتعالى على نفسه، وهو أمر لعباده أن يثنوا عليه، وهو وإن كان خبراً إلا أنه في معنى الأمر، وهو خبر أخبر الله به عن نفسه، وأنه مستحق الحمد، وهو سبحانه وتعالى أراد من عباده أن يحمدوه وأن يثنوا عليه، وفي الحديث: (لا أحد أحب إليه المدح من الله) من أجل ذلك مدح نفسه، ولا أحد أحب إليه العذر من الله؛ من أجل ذلك بعث الرسل مبشرين ومنذرين).

    الفرق بين الحمد والشكر والمدح

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ قال: وقد قيل: إن قول القائل: (الحمد لله) ثناء عليه بأسمائه الحسنى وصفاته العلى، وقوله: (الشكر لله) ثناء عليه بنعمه وأياديه، ثم شرع في رد ذلك بما حاصله: أن جميع أهل المعرفة بلسان العرب يوقعون كلاً من الحمد والشكر مكان الآخر، وقد نقل السلمي هذا المذهب -أنهما سواء- عن جعفر الصادق وابن عطاء من الصوفية.

    وقال ابن عباس : (الحمد لله) كلمة كل شاكر. وقد استدل القرطبي لـابن جرير بصحة قول القائل: الحمد لله شكراً، وهذا الذي ادعاه ابن جرير فيه نظر؛ لأنه اشتهر عند كثير من العلماء من المتأخرين: أن الحمد هو الثناء بالقول على المحمود بصفاته اللازمة والمتعدية ].

    نعم هذا هو المشهور عند المتأخرين، وهو أن الحمد: الثناء على المحمود بصفاته اللازمة والمتعدية، واللازمة من صفاته هي التي لا تتعدى إلى غيره، مثل كونه متصفاً بالشجاعة والقوة، والصفات التي تتعدى إلى غيره مثل: الكرم والجود الإحسان، فهذا هو الحمد.

    أما المدح: فهو ثناء على الممدوح بصفاته اللازمة التي لا تتعدى، فالأسد -مثلاً- تمدحه بأنه قوي، وبأن أعضاءه قوية، وبأنه ملك الحيوانات، ولكن هذا لا يسمى مدحاً؛ لأن هذه صفات لازمة له وليست متعدية.

    فالحمد: ثناء على المحمود بصفاته اللازمة والمتعدية إلى الغير، والمدح: ثناء عليه بصفاته اللازمة.

    وأيضاً الحمد يكون فيه حب وإجلال وتعظيم للمحمود، فيكون ثناءً وحمداً للمحمود مع حبه وإجلاله وتعظيمه.

    وأما المدح فليس فيه حب ولا إجلال ولا تعظيم، وذلك كأن تمدح الأسد بصفاته التي هي فيه، أو تمدح الفاسق وأنت لا تحبه للصفات التي فيه، فيسمى هذا مدحاً ولا يسمى حمداً، ولهذا جاء في صفة الرب: الحمد لله، ولم يأت: أمدح الله، فالمدح ثناء على الممدوح بصفاته اللازمة من غير حب ولا إرادة.

    والحمد: ثناء على المحمود بصفاته اللازمة وبصفاته المتعدية، مع حب وإجلال وتعظيم.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ والشكر لا يكون إلا على المتعدية، ويكون بالجنان واللسان والأركان، كما قال الشاعر:

    أفادتكم النعماء مني ثلاثة يدي ولساني والضمير المحجبا

    ولكنهم اختلفوا أيهما أعم: الحمد أو الشكر، على قولين، والتحقيق أن بينهما عموماً وخصوصاً، فالحمد أعم من الشكر من حيث ما يقعان عليه؛ لأنه يكون على الصفات اللازمة والمتعدية، تقول: حمدته لفروسيته، وحمدته لكرمه، وهو أخص ].

    حمدته لفروسيته يعني: لشجاعته وإقدامه، وهذه صفة لازمة، وحمدته لكرمه، وهذه صفة متعدية.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [لأنه لا يكون إلا بالقول، والشكر أعم من حيث ما يقعان عليه، -وفي نسخة-: به].

    الحمد والشكر بينهما عموم وخصوص من وجه، فكل من الحمد والشكر فيه ثناء، لكن الحمد لا يكون إلا باللسان، فمن هذه الجهة يكون أخص من الشكر، والشكر يكون باللسان وبالقلب وبالجوارح، كما قال الشاعر:

    أفادتكم النعماء مني ثلاثة يدي ولساني والضمير المحجبا

    فيكون من هذه الجهة الشكر أعم من الحمد، والحمد أعم من جهة أخرى، وهو أن الحمد يكون على الصفات اللازمة والصفات المتعدية، والشكر لا يكون إلا على الصفات المتعدية، فتشكره على أياديه، فالذي يحسن إليك تشكره، والذي لا يحسن إليك لا تشكره.

    لكن تحمده سواء تعدت الصفة إليك أو لم تعد إليك، فيكون كل منهما أخص من جهة وأعم من جهة، فالحمد أعم من جهة أنه يكون على الصفات اللازمة والصفات المتعدية، والشكر لا يكون إلا على الصفات المتعدية، فيكون الحمد أعم من هذه الناحية، والشكر أعم من جهة أنه يكون باللسان وبالقلب وبالجوارح، والحمد لا يكون إلا بالقول، فكل منهما عام من وجه وخاص من وجه، فبينهما عموم وخصوص وجهي، فهما يتفقان في الصفات المتعدية، فإذا حمدته بلسانك بالصفات المتعدية فهذا يسمى حمداً ويسمى شكراً، وإذا حمدته بجوارحك أو بقلبك فيسمى شكراً ولا يسمى حمداً، وإذا حمدته على الصفات اللازمة فيسمى حمداً ولا يسمى شكراً، هذا عند المتأخرين.

    وقال بعض العلماء: يطلق أحدهما على الآخر، كما ذكر ابن جرير .

    وقد يقال: إن الحمد أعم من جهة السبب، فهو يكون على الصفة المتعدية والصفة اللازمة، والشكر لا يكون إلا على الصفات المتعدية، والشكر أعم من جهة ما يكون به الشكر؛ لأنه يكون بالجوارح وباللسان وبالقلب.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [لأنه يكون بالقول والفعل والنية كما تقدم، وهو أخص؛ لأنه لا يكون إلا على الصفات المتعدية، لا يقال: شكرته لفروسيته، وتقول: شكرته على كرمه وإحسانه إلي. هذا حاصل ما حرره بعض المتأخرين. والله أعلم ].

    فيكون كل منهما عام من وجه خاص من وجه، فالحمد أعم سبباً، وأخص آلة، والشكر أعم آلة وأخص سبباً، فالحمد أعم سبباً؛ لأنه يكون على الصفات اللازمة والمتعدية، وأخص آلة؛ لأنه لا يكون إلا باللسان.

    والشكر أعم آلة؛ لأنه يكون باللسان وبالقول وبالجوارح، وأخص سبباً؛ لأنه لا يكون إلا على الصفات المتعدية، فيكون كل منهما خاص من وجه عام من وجه، فبينهما عموم وخصوص وجهي، فيتفقان في الحمد باللسان على الصفات المتعدية، فإذا حمدت الإنسان على كرمه فيسمى هذا حمداً ويسمى شكراً، وإذا حمدته على فروسيته فيسمى حمداً، ولا يسمى شكراً، وإذا شكرته بالفعل أو بالنية فيسمى شكراً ولا يسمى حمداً.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وقال أبو نصر إسماعيل بن حماد الجوهري : الحمد نقيض الذم، تقول: حمدت الرجل أحمده حمداً ومحمدة فهو حميد ومحمود، والتحميد أبلغ من الحمد، والحمد أعم من الشكر، وقال في الشكر: هو الثناء على المحسن بما أولاه من المعروف، يقال: شكرته وشكرت له، وباللام أفصح.

    وأما المدح فهو أعم من الحمد؛ لأنه يكون للحي والميت وللجماد أيضاً، كما يمدح الطعام والمكان ونحو ذلك، ويكون قبل الإحسان وبعده، وعلى الصفات المتعدية واللازمة أيضاً، فهو أعم ].

    هذا فرق من جهة أخرى بين الحمد والمدح، فالمدح أعم؛ لأنه عام للجماد والحيوان، والحي والميت، فقد تمدح الخيل بأنها قوية؛ لأنها مضمرة، والحمد إنما يكون للإنسان العاقل.

    وهكذا يمدح المكان في كونه مناسباً، والسقف مرتفعاً، وفي نسخة: والمال، فقد يمدح المكان فتقول: هذه البلاد هواؤها نقي جيد، وتمدح الأرض بأنها صالحة للزراعة والإنتاج، ويمدح المال أيضاً والمسكن، فالمدح من هذه الجهة شامل للصفات وغير الصفات.

    ذكر بعض أقوال السلف في الحمد

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ ذكر أقوال السلف في الحمد.

    قال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي حدثنا أبو معمر القطيعي حدثنا حفص عن حجاج عن ابن أبي مليكة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال عمر رضي الله عنه: قد عَلمْنا: سبحان الله ولا إله إلا الله، فما الحمد لله؟ فقال علي : كلمة رضيها الله لنفسه).

    ورواه غير أبي معمر عن حفص فقال: قال عمر لـعلي - وأصحابه عنده -: لا إله إلا الله، وسبحان الله، والله أكبر قد عرفناها، فما الحمد لله؟ قال علي : كلمة أحبها الله تعالى لنفسه، ورضيها لنفسه، وأحب أن تقال).

    وقال علي بن زيد بن جدعان عن يوسف بن مهران : قال ابن عباس رضي الله عنهما: الحمد لله كلمة الشكر، وإذا قال العبد: الحمد لله قال: شكرني عبدي) رواه ابن أبي حاتم .

    وروى أيضاً هو وابن جرير من حديث بشر بن عمارة عن أبي روق عن الضحاك عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: الحمد لله هو الشكر لله، وهو الاستخذاء له والإقرار له بنعمته وهدايته وابتدائه وغير ذلك].

    الاستخذاء يعني: الانكسار، والذل والخضوع.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وقال كعب الأحبار : (الحمد لله) ثناء الله.

    وقال الضحاك : (الحمد لله) رداء الرحمن، وقد ورد الحديث بنحو ذلك ].

    ذكر الأحاديث المرفوعة في الحمد

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ قال ابن جرير : حدثنا سعيد بن عمرو السَّكوني حدثنا بقية بن الوليد حدثنا عيسى بن إبراهيم عن موسى بن أبي حبيب عن الحكم بن عمير وكانت له صحبة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا قلت: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الفاتحة:2] فقد شكرت الله، فزادك) ].

    هذا الحديث في سنده بقية بن الوليد وهو مدلس ولكنه قد صرح بالسماع، وفي إسناده عيسى بن إبراهيم قال فيه البخاري : منكر الحديث، وشيخه موسى ضعفه أبو حاتم وغيره، والحكم بن عمير قال فيه أبو حاتم : روى عن النبي صلى الله عليه وسلم لا يذكر سماعاً ولا لقاء، أحاديثه منكرة من رواية ابن أخيه موسى بن أبي حبيب، وهو شيخ ضعيف الحديث.

    وإن كان الحكم صحابياً كما قال: كانت له صحبة وثبت أنه صحابي فلا إشكال؛ لأن الصحابة كلهم عدول، إلا أن كلام أبي حاتم يوحي بأنه ليس صحابياً، إذا لو ثبت أنه صحابي فالصحابة كلهم عدول، ونقل ابن عبد البر أنه شهد بدراً، فإذا روي عنه المناكير فهي إما من بقية أو من عيسى بن إبراهيم، وهنا الحديث يكون ضعيفاً من أجل عيسى وكذلك من أجل موسى .

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وقد روى الإمام أحمد بن حنبل : حدثنا روح حدثنا عوف عن الحسن عن الأسود بن سريع قال: (قلت: يا رسول الله ! ألا أنشدك محامد حمدت بها ربي تبارك وتعالى؟ فقال: أما إن ربك يحب الحمد). ورواه النسائي عن علي بن حجر عن ابن علية عن يونس بن عبيد عن الحسن عن الأسود بن سريع به.

    وروى أبو عيسى الحافظ الترمذي والنسائي وابن ماجة من حديث موسى بن إبراهيم بن كثير عن طلحة بن خراش عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أفضل الذكر: لا إله إلا الله، وأفضل الدعاء: الحمد لله)، وقال الترمذي : حسن غريب ].

    موسى بن إبراهيم قال في التقريب: صدوق يخطئ، كما ذكره ابن حبان في كتاب الثقات وقال: كان يخطئ كثيراً.

    وقوله: (أفضل الذكر: لا إله إلا الله) لا شك في هذا، فهي أفضل الذكر بعد القرآن، فبعد كلام الله أفضل الذكر كلمة التوحيد، والحمد لله في معناها الدعاء، يعني: في معناها أمر لعباده بأن يحمدوه ويدعوه سبحانه وتعالى، وهو موافق لحديث: (أفضل الدعاء يوم عرفة، وخير ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله).

    وقول: (الحمد لله) فيه ذكر ودعاء، أي: دعاء في المعنى؛ لأن كل العبادة دعاء؛ ولأن المتعبد داعٍ، فالمقصود: أن أفضل الذكر كلمة التوحيد، وأفضل الدعاء (الحمد لله)

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وروى ابن ماجة عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما أنعم الله على عبد نعمة فقال: الحمد لله، إلا كان الذي أعطى أفضل مما أخذ) ].

    وابن ماجة رواه فقال: حدثنا الحسن بن علي الخلال حدثنا أبو عاصم عن شبيب بن بشر عن أنس قال: قال رسول اله صلى الله عليه وسلم: (ما أنعم الله على عبد نعمة فقال: الحمد الله، إلا كان الذي أعطاه أفضل مما أخذ)، وشبيب بن بشر قال في التقريب: صدوق يخطئ، وقال ابن معين : شبيب ثقة، وقال أبو حاتم : لين الحديث، وذكره ابن حبان في كتاب الثقات وقال: يخطئ كثيراً.

    فالرواية هنا (كان الذي أعطى) والمعنى صحيح، وعند ابن ماجة : (كان الذي أعطاه..) وهي أوضح، والحديث صحيح عند ابن ماجة .

    فإذا حمد الإنسان ربه فإنه على خير عظيم، فإذا أثنى على الله فالذي أعطاه خير مما أحب، ومما أعطاه الله هذه النعمة العظيمة، وهي:أنه وفقه للحمد والثناء، والاعتراف بالنعمة.

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ وقال القرطبي في تفسيره: وفي نوادر الأصول عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لو أن الدنيا بحذافيرها في يد رجل من أمتي ثم قال: الحمد لله، لكان الحمد لله أفضل من ذلك) ].

    يعني: لأن ثواب الأعمال الصالحة باقية، وأما الدنيا فإنها زائلة.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ قال القرطبي وغيره: أي: لكان إلهامه (الحمد لله) أكبر نعمة عليه من نعم الدنيا؛ لأن ثواب الحمد لا يفنى ونعيم الدنيا لا يبقى، قال الله تعالى: الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا [الكهف:46].

    وفي سنن ابن ماجة عن ابن عمر رضي الله عنهما: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حدثهم: (أن عبداً من عباد الله قال: يا رب! لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك، فعضلت بالملكين فلم يدريا كيف يكتبانها، فصعدا إلى الله فقالا: يا ربنا! إن عبداً قد قال مقالة لا ندري كيف نكتبها، قال الله -وهو أعلم بما قال عبده-: ماذا قال عبدي؟ قالا: يا رب! إنه قال: لك الحمد يا رب! كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك. فقال الله لهما: اكتباها كما قال عبدي حتى يلقاني فأجزيه بها) ].

    وابن ماجة رواه بالإسناد التالي: حدثنا إبراهيم بن المنذر الحزامي حدثنا صدقة بن بشير مولى العمريين قال: سمعت قدامة بن إبراهيم الجمحي يحدث أنه كان يختلف إلى عبد الله بن عمر بن الخطاب وهو غلام وعليه ثوبان معصفران قال: فحدثنا عبد الله بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حدثهم... الحديث.

    وهذا الحديث انفرد به ابن ماجة ، قال البوصيري: هذا إسناد فيه مقال؛ قدامة بن إبراهيم ذكره ابن حبان في الثقات، وصدقة بن بشير لم أر من جرحه ولا من وثقه -يعني: أنه مجهول- وباقي رجال الإسناد ثقات.

    وقال فيه ابن حجر : مقبول، وكذا قدامة قال فيه: مقبول.

    يعني: إذا توبع، والمعروف أن هذا الحديث كما في صحيح البخاري بلفظ أن رجلاً قال: (ربنا لك الحمد حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه) بعد الرفع من الركوع، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (والذي نفسي بيده! لقد رأيت بضعة عشر ملكاً يبتدرونها).

    خلاف العلماء في المفاضلة بين كلمة التوحيد وحمد الله

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وحكى القرطبي عن طائفة أنهم قالوا: قول العبد: (الحمد لله رب العالمين) أفضل من قوله: (لا إله إلا الله)؛ لاشتمال (الحمد لله رب العالمين) على التوحيد مع الحمد، وقال آخرون: (لا إله إلا الله) أفضل؛ لأنها تفصل بين الإيمان والكفر، وعليها يقاتل الناس حتى يقولوا: (لا إله إلا الله) كما ثبت في الحديث المتفق عليه.

    وفي الحديث الآخر: (أفضل ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له). وقد تقدم عن جابر مرفوعاً: (أفضل الذكر: لا إله إلا الله، وأفضل الدعاء الحمد لله)، وحسنه الترمذي ]

    والصواب: أن كلمة التوحيد أفضل؛ لأنها تفصل بين الإيمان والكفر؛ ولأن فيها نفياً وإثباتاً، والحمد ليس فيه إلا إثبات، والتوحيد لا بد أن يكون إثباتاً ونفياً، وهنا يوافق الحديث السابق: (أفضل الذكر لا إله إلا الله).

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ والألف واللام في الحمد لاستغراق جميع أجناس الحمد وصنوفه لله تعالى، كما جاء في الحديث: (اللهم لك الحمد كله، ولك الملك كله، وبيدك الخير كله، وإليك يرجع الأمر كله..) الحديث.

    والرب هو: المالك المتصرف، ويطلق في اللغة على السيد، وعلى المتصرف للإصلاح، وكل ذلك صحيح في حق الله تعالى ].

    يعني أنه هو المالك والمتصرف، وهو السيد المنعم سبحانه وتعالى، وهو الذي يولي النعم ويسديها، وهو الذي ابتدأ سبحانه وتعالى النعم، وهو الذي منه البدء وعليه التمام.

    حكم إطلاق كلمة (الرب) على غير الله عز وجل

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ ولا يستعمل الرب لغير الله، بل بالإضافة، تقول: رب الدار ورب كذا، وأما الرب فلا يقال إلا لله عز وجل ].

    لأنه معرف بالألف واللام، والرب بإطلاق لا يطلق إلا على الله، لكن بالإضافة لا بأس أن يطلق على غيره، كما تقول: رب المال، ورب الدار، وقول عبد المطلب : أنا رب إبلي، وللبيت رب يحميه، ومنه قوله تعالى عن يوسف: إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ [يوسف:23] يعني: سيدي.

    ومنه الحديث: (أن تلد الأمة ربتها - وفي لفظ: ربها -)، فبالإضافة لا بأس، وأما بالألف واللام فلا يطلق إلا على الله سبحانه وتعالى.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وقد قيل: إنه الاسم الأعظم ].

    الأعظم المقصود به في الحديث الذي ورد في ذلك بمعنى: العظيم، وهذا وصف لأسماء الله كلها، فكل أسماء الله عظيمة بهذا المعنى.

    أقوال أهل العلم في معنى (العالمين)

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ والعالمين جمع عالم، وهو: كل موجود سوى الله عز وجل، والعالم جمع لا واحد له من لفظه، والعوالم أصناف المخلوقات في السموات وفي البر والبحر ].

    كل ما سوى الله يسمى عالماً، والعوالم: المخلوقات والكائنات من الآدميين والحيوانات والطيور والسماوات والأرضين، فهذه كلها تسمى عالماً، وكل ما سوى الله عالم، والله تعالى رب الجميع.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وكل قرن منها وجيل يسمى عالمًا أيضًا، قال بشر بن عمارة عن أبي روق عن الضحاك عن ابن عباس رضي الله عنهما: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ : الحمد لله الذي له الخلق كله: السموات والأرض وما فيهن وما بينهن مما نعلم ومما لا نعلم.

    وفي رواية سعيد بن جبير وعكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما: رب الجن والإنس.

    وكذلك قال سعيد بن جبير ومجاهد وابن جريج ، وروي عن علي نحوه. قال ابن أبي حاتم : بإسناد لا يعتمد عليه.

    واستدل القرطبي لهذا القول بقوله تعالى: لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا [الفرقان:1]، وهم الجن والإنس.

    قال الفراء وأبو عبيد: العالم: عبارة عما يعقل، وهم الإنس والجن والملائكة والشياطين، ولا يقال للبهائم: عالم.

    وعن زيد بن أسلم وأبي محيصن : العالم: كل ما له روح ترفرف.

    وقال قتادة : (رب العالمين): كل صنف عالم.

    وقال الحافظ ابن عساكر في ترجمة مروان بن محمد بن مروان بن الحكم وهو آخر خلفاء بني أمية، وهو يعرف بالجعد ويلقب بـالحمار - أنه قال: خلق الله سبعة عشر ألف عالم، أهل السماوات وأهل الأرض عالم واحد، وسائرهم لا يعلمهم الله عز وجل ].

    مروان بن محمد هو ابن عبد الملك بن مروان الأموي، يعرف بـمروان الحمار، ومروان الجعد نسبة إلى مؤدبه الجعد بن درهم.

    والجعد أول من قال بنفي الصفات في الإسلام، وكان نفيه لصفتي: الخلة والتكليم، فقال: إن الله لم يتخذ إبراهيم خليلاً، ولم يكلم موسى تكليماً، وجميع الصفات ترجع إليهما؛ لأن نفي الكلام معناه نفي النبوات والرسالات كلها، ونفي الخلة قطع للصلة بني الخالق والمخلوق.

    وأما تسميته بـالحمار فلأنه ملك بني أمية على رأس المائة، وكان العرب يسمون كل مائة عام حماراً فلما قارب ملك بني أمية مائة سنة لقبوا مروان بـالحمار.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وقال أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن أبي العالية في قوله تعالى: رَبِّ الْعَالَمِينَ قال: الإنس عالم والجن عالم، وما سوى ذلك ثمانية عشر ألف أو أربعة عشر ألف عالم -وهو يشك-، الملائكة على الأرض، وللأرض أربع زوايا، في كل زاوية ثلاثة آلاف عالم وخمسمائة عالم خلقهم الله لعبادته.

    رواه ابن جرير وابن أبي حاتم، وهذا كلام غريب يحتاج مثله إلى دليل صحيح ].

    نعم، هذا يحتاج إلى دليل، فهذه الأقوال تخمين، ويحتمل أنها من أخبار بني إسرائيل.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي حدثنا هشام بن خالد حدثنا الوليد بن مسلم حدثنا الفرات - يعني: ابن الوليد - عن معتب بن سمي عن تُبَيع - وفي نسخة: سبيع - يعني: الحميري في قوله تعالى: رَبِّ الْعَالَمِينَ قال: العالمين: ألف أمة، فستمائة في البحر، وأربعمائة في البر.

    وحكي مثله عن سعيد بن المسيب .

    وقد روي نحو هذا مرفوعاً، كما قال الحافظ أبو يعلى أحمد بن علي بن المثنى في مسنده: حدثنا محمد بن المثنى حدثنا عبيد بن واقد القيسي أبو عباد حدثني محمد بن عيسى بن كيسان حدثنا محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: قلّ الجراد في سنة من سني عمر التي ولي فيها, فسأل عنه، فلم يخبر بشيء، فاغتم لذلك، فأرسل راكباً يضرب إلى اليمن، وآخر إلى الشام، وآخر إلى العراق، يسأل: هل رئي من الجراد شيء أم لا؟ قال: فأتاه الراكب الذي من قبل اليمن بقبضة من جراد، فألقاها بين يديه، فلما رآها كبر، ثم قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (خلق الله ألف أمة، ستمائة في البحر وأربعمائة في البر، فأول شيء يهلك من هذه الأمم الجراد، فإذا هلك تتابعت مثل النظام إذا قطع سلكهمحمد بن عيسى هذا - وهو الهلالي -ضعيف ].

    وفيه عبيد أيضاً قال عنه في التقريب: ضعيف، وقال أبو حاتم : ضعيف الحديث، وقال ابن عدي : وعامة ما يرويه لا يتابع عليه.

    فالمخلوقات لا يحصيها إلا الله، قال تعالى: وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ [الأنعام:38]، وعلم ذلك عند الله.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وحكى البغوي عن سعيد بن المسيب أنه قال: لله ألف عالم؛ ستمائة في البحر، وأربعمائة في البر.

    وقال وهب بن منبه : لله ثمانية عشر ألف عالم؛ الدنيا عالم منها.

    وقال مقاتل : العوالم ثمانون ألفاً.

    وقال كعب الأحبار : لا يعلم عدد العوالم إلا الله عز وجل. نقله البغوي ].

    كعب الأحبار ينقل عن بني إسرائيل، لكن في هذه المرة لم ينقل، والأخبار السابقة غالبها منقول عن بني إسرائيل.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وحكى القرطبي عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أنه قال: إن لله أربعين ألف عالم؛ الدنيا من شرقها إلى مغربها عالم واحد منها.

    وقال الزجاج : العالم: كل ما خلق الله في الدنيا والآخرة.

    قال القرطبي : وهذا هو الصحيح: أنه شامل لكل العالمين؛ كقوله: قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ * قَالَ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إنْ كُنتُمْ مُوقِنِينَ [الشعراء:23-24] ].

    فهذا هو الصواب: أن كل ما سوى الله عالم في الدنيا والآخرة، والدليل ما ذكره.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ والعالم: مشتق من العلامة. قلت: لأنه علم دال على وجود خالقه وصانعه ووحدانيته، كما قال ابن المعتز :

    فيا عجباً كيف يعصى الإله أم كيف يجحده الجاحد

    وفي كل شيء له آية تدل على أنه واحد ].

    العالم من العلامة؛ لأنه علامة ودليل على خالقه سبحانه وتعالى.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (الرحمن الرحيم)

    قال الله تعالى: : الْرَّحمَنِ الْرَّحَيمِ [الفاتحة:1].

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وقوله تعالى: (الرحمن الرحيم) تقدم الكلام عليه في البسملة بما أغنى عن الإعادة.

    قال القرطبي: إنما وصف نفسه بالرحمن الرحيم بعد قوله: رَبِّ الْعَالَمِينَ [الفاتحة:2] ليكون من باب قرن الترغيب بعد الترهيب، كما قال تعالى: نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الأَلِيمُ [الحجر:49-50]، وقوله تعالى: إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ [الأعراف:167].

    قال: فالرب فيه ترهيب، والرحمن الرحيم ترغيب.

    وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لو يعلم المؤمن ما عند الله من العقوبة ما طمع في جنته أحد، ولو يعلم الكافر ما عند الله من الرحمة ما قنط من رحمته أحد) ].

    قطن هنا من قَنِط يَقْنَطُ كقول تعالى: قَالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ [الحجر:56]، وهذا من باب فَرِح يفْرَح.

    هذه الآيات العظيمة من سورة الفاتحة: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ [الفاتحة:2-3]، فيهما إثبات توحيد الربوبية، وإثبات توحيد الألوهية، وتوحيد الأسماء والصفات.

    فقوله: الْحَمْدُ لِلَّهِ [الفاتحة:2] هذا إثبات الألوهية لله، وقوله: رَبِّ الْعَالَمِينَ فيه إثبات توحيد الربوبية، وقوله: الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ، هذا إثبات الأسماء والصفات، ففي هاتين الآيتين إثبات التوحيد بأنواعه الثلاثة: توحيد الربوبية، وتوحيد الألوهية، وتوحيد الأسماء والصفات.

    ومن الفوائد أن قوله: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ فيه أن جميع أنواع المحامد لله ملكاً واستحقاقاً، فالله تعالى مالكها ومستحقها، وفيه إثبات الألوهية لله، وأن الله هو المستحق للعبادة، وأنه لا يستحق العبادة غيره، وفيه إثبات الربوبية، والرب هو المتصرف، وفيه إثبات البعث كما سيأتي في قوله: مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ [الفاتحة:4].

    وفيه أن اسم (الله) علم على الله لا يسمى به غيره، وهو أعرف المعارف، فأعرف المعارف لفظ الجلالة، ولا يطلق إلا على الله، وكل الأسماء ترجع إليه، وفيه إثبات اسم الله، واسم الرب، واسم الرحمن، واسم الرحيم، وفيه إثبات صفة الربوبية لله، وإثبات صفة الألوهية لله، وإثبات صفة الرحمة لله، وكل هذا مأخوذ من هاتين الآيتين.