إسلام ويب

شرح صحيح مسلم - كتاب ‏صفات المنافقين وأحكامهم - يسألونك عن الروحللشيخ : حسن أبو الأشبال الزهيري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • من طبائع اليهود العناد والسخرية، فقد كانوا يسألون النبي صلى الله عليه وسلم لا لأجل معرفة الحق واتباعه، وإنما استهزاءً وتعجيزاً له صلى الله عليه وسلم، مع علمهم بصدقه وصدق ما جاء به، ومع ذلك فقد أظهر الله نبيه عليهم، وأنزل عليه وحيه مجيباً لأسئلتهم، أما كفار مكة فكانوا أكثر عناداً وأصرح جهلاً من أولئك، فقد كانوا يسألون الله تعجيل نزول العذاب بهم إنكاراً لهذا الحق وجحوداً له.

    1.   

    باب سؤال اليهود النبي صلى الله عليه وسلم عن الروح

    إن الحمد لله تعالى، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102].

    يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1].

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71] أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، أما بعد:

    الباب الرابع من كتاب صفات المنافقين وأحكامهم:

    قال النووي: (باب سؤال اليهود النبي صلى الله عليه وسلم عن الروح، وقوله تعالى: وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ [الإسراء:85] إلى آخر الآية).

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا عمر بن حفص بن غياث حدثنا أبي قال: حدثنا الأعمش -وهو سليمان بن مهران- حدثني إبراهيم بن يزيد النخعي عن علقمة النخعي عن عبد الله بن مسعود قال: (بينما أنا أمشي مع النبي صلى الله عليه وسلم في حرث)]، الحرث: هو الزرع.

    وفي رواية: (في خرب) وكأنها تصحيف للحرث، لأن لفظ الكلمة واحد في حرث وخرب، وإنما الاختلاف في الضبط والنقط، فتصحف على بعض الرواة، ولو قلنا بجواز الجمع بين الأمرين؛ لكان يمكن أن نقول: إن الخرابة يمكن أن تكون في الحرث، وإن الحرث يمكن أن يكون في مكان خرب، فالجمع بينهما ممكن.

    [(بينما أنا أمشي مع النبي صلى الله عليه وسلم في حرث وهو متكئ على عسيب)] أي: معتمد على جريد النخل. (إذ مر بنفر من اليهود) أي: مر النبي صلى الله عليه وسلم ومعه ابن مسعود على نفر من اليهود.

    والنفر: هم الجماعة من الناس، قيل: من الواحد إلى التسعة، وقيل: من الثلاثة إلى التسعة. وقيل: من الواحد إلى العشرة.

    [(فقال بعضهم لبعض: سلوه عن الروح)] أي: سؤال تعنت وجحود واستهزاء، [(فقالوا: ما رابكم إليه، لا يستقبلكم بشيء تكرهونه)] يعني: احذروا أن تسألوه عن الروح؛ حتى لا ينزل عليه وحي بشيء تكرهونه، فيكون في هذا شقة ومضايقة لكم، [(فأصر البعض فقالوا: بل سلوه، فقام إليه بعضهم فسأله عن الروح، قال: فأسكت النبي صلى الله عليه وسلم)].

    وفي رواية: [(فأثكن النبي صلى الله عليه وسلم)] ومعنى: (فأسكت أو فأثكن) أي: انتظر قليلاً لم يرد عليهم النبي صلى الله عليه وسلم.

    قال ابن مسعود [: (فعلمت أنه يوحى إليه)] أي: في هذه المدة الزمنية التي سكت فيها النبي صلى الله عليه وسلم ولم يعطهم جواباً على سؤالهم؛ أيقن ابن مسعود أن الوحي نزل من السماء عليه فيما يتعلق بسؤال اليهود له عن الروح.

    قال: [(فقمت مكاني)] أي: لزمت مكاني، [(فلما انجلى الوحي) أي: فلما فارقه الوحي، قال النبي عليه الصلاة والسلام: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا [الإسراء:85])].

    فكان هذا هو وحي السماء إلى النبي صلى الله عليه وسلم جواباً على سؤال اليهود له.

    قال: [وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وأبو سعيد الأشج - وهو عبد الله بن سعيد الكندي- قال: حدثنا وكيع، وحدثنا إسحاق بن إبراهيم الحنظلي -وهو المعروف: بـابن راهويه- وعلي بن خشرم قالا: أخبرنا عيسى بن يونس كلاهما -أي: وكيع وعيسى- عن الأعمش عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله بن مسعود قال: (كنت أمشي مع النبي صلى الله عليه وسلم في حرث بالمدينة) ثم ذكر الحديث بنحو حديث حفص بن غياث المتقدم، غير أن في حديث وكيع : وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا [الإسراء:85]، وفي حديث عيسى بن يونس : (وما أوتوا)].

    أي: اليهود الذين يزعمون أن التوراة فيها هدى ونور، وفيها كل شيء، وما تركت من العلم شيئاً، فالله عز وجل أراد أن يبين لليهود أن العلم الذي بأيديهم بالنسبة إلى علم الله عز وجل شيء قليل، ونزر يسير.

    قال: [حدثنا أبو سعيد الأشج قال: سمعت عبد الله بن يزيد يقول: سمعت الأعمش عن عبد الله بن مرة عن مسروق عن عبد الله قال: (كان النبي صلى الله عليه وسلم في نخل يتوكأ على عسيب)].

    قوله: (في نخل) أي: في بستان النخل، وهو البستان الكبير الذي يزرع فيه نخيل البلح، وهذه الرواية تؤكد رواية أنه خرب، أو أن الخربة يمكن أن تكون بين الزرع، وأنتم تعلمون أن النخيل ليس حرثاً، وإنما الحرث: هو النبات القصير الذي يجز من الأرض جزاً، كالأرز والقمح وغير ذلك، وأما هذا فهو قطف الثمر، وليس حرثاً، ولذلك يمكن الجمع بين الرواية: (كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم في خرب المدينة) أو (في حرث بالمدينة) أي: في نخل يتوكأ على جريد النخل.

    قال: [ثم ذكر نحو حديثهم عن الأعمش وقال في روايته: وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا [الإسراء:85].

    وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وعبد الله بن سعيد الأشج واللفظ له، قال: حدثنا وكيع حدثنا الأعمش عن أبي الضحى - وهو مسلم بن صبيح الهمداني - عن مسروق - وهو ابن الأجدع - عن خباب - وهو خباب بن الأرت أبو يحيى التميمي من نجباء السابقين].

    وهو تقريباً -كما قال ابن إسحاق- رقم عشرين من السابقين الأولين في الإسلام، فبعد أن ذكر تسعة عشر ممن أسلموا أتم العشرين بذكر خباب بن الأرت، وقد مات بالكوفة، وصلى عليه علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وعاش ثلاثاً وسبعين سنة، وكان عمر يدنيه ويقربه، ولا يفضل عليه أحداً إلا عمار بن ياسر، فإذا رآه عمر في المجلس أدناه وقربه وأجلسه بجواره، وقال: أنت أحب الناس إلي؛ لما وقع فيه من عذاب وإيذاء فصبر، ولكن عمار بن ياسر وآل بيته صبروا أكثر من صبر خباب.

    وعمار لم يجزع جزع خباب رضي الله عنه، ولذلك أتى إلى النبي عليه الصلاة والسلام فقال: (يا رسول الله، ألا تدعو الله لنا، ألا تستنصر لنا، أما ترى ما قد نزل بنا -وكان النبي عليه الصلاة والسلام مسنداً ظهره إلى الكعبة، فاعتدل وهو محمر الوجه- قال: إن من كان قبلكم كان ينشر بالمناشير من رأسه إلى أخمص قدميه حتى يلقى على الأرض فلقتان، فما يرده ذلك عن دينه شيئاً، وإن الله تعالى لينصر هذا الدين -أي: بكم أو بغيركم، فلا تجزعوا واصبروا- حتى يدخل في كل بيت حجر أو مدر).

    وقال صلى الله عليه وسلم: (لا تقوم الساعة حتى يسمع بهذا الدين كل أحد على وجه الأرض).

    أي: حتى تقوم الحجة على العباد جميعاً، فمن آمن فله الحسنى، ومن كفر فله عاقبة السوء.

    وعن خباب قال: (كان لي على العاص بن وائل دين، فأتيته أتقاضاه فقال لي: لن أقضيك حتى تكفر بمحمد، قال: فقلت له: إني لن أكفر بمحمد حتى تموت ثم تبعث)، وهذا لا يعني أن خباب بن الأرت في يوم القيامة سيكفر بمحمد عليه الصلاة والسلام، ولكن خباب بن الأرت لطول عشرته لـالعاص بن وائل علم أنه لا يعتقد عقيدة البعث، فأراد أن يدعوه إليها، وأن يحمله على الإيمان بها، فقال: (لن أكفر بمحمد حتى أموت ثم أبعث يوم القيامة، فقال العاص بن وائل : وإني لمبعوث من بعد الموت؟) أي: وهل أنا إذا مت سوف أبعث مرة أخرى؟ (قال: نعم. فقال العاص: فسوف أقضيك إذا رجعت إلى مالٍ وولد).

    يقول: أنا في هذا الوقت صاحب أموال وصاحب أولاد، وإذا مت وتركت الأولاد والأموال ثم بعثت فلابد أنني سأجد الأموال والأولاد، فحينئذ أقضيك في ذلك اليوم، وأما اليوم فلا أقضيك إلا إذا كفرت بمحمد، وهذا نوع استهزاء بعقيدة الموحدين وعقيدة المؤمنين؛ لأنه لا يؤمن بالبعث من بعد الموت، ومن باب أولى لا يؤمن بالحساب والجزاء والثواب والعقاب، والجنة والنار وغير ذلك؛ بدليل أنه قال: إذا بعثت كان لي مال فسوف أقضيك، أي: إذا كنت يا خباب تعتقد أننا سنبعث مرة أخرى، فأنا أعتقد إتماماً لهذه العقيدة أنني إذا بعثت سأجد مالي وأولادي، وحينئذ يتسنى لي القضاء، وأما الآن فلا أقضيك إلا إذا كفرت بمحمد.

    [قال وكيع: كذا قال الأعمش، قال: فنزلت هذه الآية: أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا [مريم:77]] أي: من بعد البعث إذا كنتم تؤمنون بالبعث [أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا * كَلَّا سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدًّا * وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ وَيَأْتِينَا فَرْدًا [مريم:77-80] أي: بغير مال ولا ولد، يأتي كما ولدته أمه.

    ومعنى أَطَّلَعَ الْغَيْبَ [مريم:78] أي: هل أطلعه الله تعالى على الغيب؟ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا [مريم:78] أي: ميثاقاً أنه إذا رجع فسيجد المال والولد، كَلَّا سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدًّا [مريم:79] أي: فيحيى حياة دائمة أبدية سرمدية في عذاب الله عز وجل.

    قال: [حدثنا أبو كريب حدثنا أبو معاوية حدثنا أبو كريب محمد بن العلاء الهمداني، وأبو معاوية، حدثنا محمد بن نمير -وهو ابن عبد الله بن نمير- وحدثنا إسحاق بن إبراهيم بن راهويه أخبرنا جرير بن عبد الحميد الضبي، وحدثنا ابن أبي عمر محمد بن يحيى العدني حدثنا سفيان بن عيينة كلهم عن الأعمش بهذا الإسناد نحو حديث وكيع .

    وفي حديث جرير: قال خباب: (كنت قيناً -أي: حداداً- في الجاهلية، فعملت للعاص بن وائل عملاً فأتيته أتقاضاه)] وذكر الحديث بهذا الطول الذي نحن بصدده.

    علمنا في هذا الباب قضيتين: الأولى: قضية الروح، والثانية: قضية البعث.

    أما قضية الروح: فلما قال اليهود بعضهم لبعض: (سلوه عن الروح، فقالوا: ما رابكم إليه لا يستقبلكم بشيء تكرهونه).

    ومعنى: (ما رابكم إليه) أي: ما الذي يدعوكم إلى سؤاله؟ أو ما هي الحاجة والضرورة إلى أن تسألوا هذا السؤال لمحمد؟ أو ما هو الذي شككم فيه حتى احتلتم إلى سؤاله؟ أو ما دعاكم إلى سؤاله، ألا تخشون سوء عقباه؟

    وهكذا تصرف الحمقاء أنهم يسألون عن شيء، وإنهم ليوقنون أنهم يسمعون جواباً لا يتناسب مع هواهم.

    فلما نزل الوحي قال النبي صلى الله عليه وسلم: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا [الإسراء:85]).

    قال المازري: الكلام في الروح والنفس مما يغمض ويدق، أي: الكلام في ماهية الروح وأصل الروح وكذلك النفس كلام غامض دقيق جليل خفيف، لأن الروح غالباً مما استأثر الله عز وجل به في علم الغيب عنده، فينبغي الإيمان به والتسليم بغير خوض في ماهيته وكيفيته.

    ثم قال المازري : ومع هذا فقد أكثر الناس فيه الكلام، وألفوا فيه التآليف -أي: الكتب- قال أبو الحسن الأشعري : الروح هو: النفس الداخل والخارج. فاعتبر أن الأرواح هي الأنفاس التي تدخل وتخرج.

    وقال ابن الباقلاني : الروح متردد بين هذا الذي قاله الأشعري وبين الحياة.

    وقيل: الروح جسم لطيف مشارك للأجسام الظاهرة، والأعضاء الظاهرة.

    وقال بعضهم: لا يعلم الروح إلا الله، وهذا أعجب الأقوال إلي، وأحبها إلى قلبي، لا يعلم الروح إلا الله عز وجل.

    ولذلك قال الله تعالى: قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي [الإسراء:85] أي: في علم ربي.

    وقال الجمهور: هي معلومة، واختلفوا فيها على هذه الأقوال. وقيل: هي الدم، وقيل: غير ذلك.

    واحتج الجمهور بأن الآية ليس فيها دليل على أنها لا تعلم، ولا بأس بالخوض في معرفة علم الروح وحقيقة الروح، لأن الآية ليس فيها نهي، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يعلمها، وإنما أجاب بما في الآية الكريمة؛ لأنه كان عندهم أنه إن أجاب بتفسير الروح فليس بنبي، فقد كانوا هم يتصورون هذا، أو أن كتب اليهود بينت لهم أن من علامات النبي العربي أنه إذا سئل عن الروح لم يجب عنها إلا بأنها من علم الله وأمر الله، فلو أنه أجاب في الروح بإجابة غير هذه لم يكن نبياً، فأجابهم النبي صلى الله عليه وسلم: قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي [الإسراء:85]، ولذا لم يتكلم في الروح، ولم يخوض فيه بشيء.

    والروح تذكر وتؤنث، وفي الروح كلام طويل نكتفي بما ذكرنا، لكن على أية حال: إذا قلت كما قال الله تعالى: قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي [الإسراء:85] فلاشك أن هذا أسلم وأحوط في دين المرء.

    ونحن نعتقد اعتقاداً جازماً أن كل مخلوق يتمتع بروح، وتختلف الأرواح من الحيوانات إلى الطيور إلى الآدميين إلى الجن، وربما كانت الروح متحدة، فلما خفي علينا هذا وذاك ينبغي أن نسلم بأن الروح من أمر الله عز وجل.

    وأما اعتبارها الدم أو النفس، أو الأنفاس الداخلة والخارجة، أو أكثر من ذلك أو أقل فلم نكلف بمثل هذا الكلام.

    1.   

    باب في قوله تعالى: (وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم)

    قال: [باب في قوله تعالى: وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ [الأنفال:33]] أي: ما كان الله ليعذب المشركين يا محمد وأنت فيهم، [وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ [الأنفال:33]].

    والاستغفار: إما أن يكون هو مطلق الذكر، أو أن الاستغفار بمعنى الإيمان، أو بمعنى الصلاة.

    قال: [حدثنا عبيد الله بن معاذ العنبري حدثنا أبي قال: حدثنا شعبة عن عبد الحميد الزيادي أنه سمع أنس بن مالك يقول: قال أبو جهل : اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ [الأنفال:32]].

    هذا الكلام في غاية القسوة، وقلة العقل، وسفاهة الأحلام؛ لأنه كان ينبغي أن يقول: اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فاهدنا إليه، أو ارزقنا اتباعه أو غير ذلك، ولكنه قال: فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ [الأنفال:32]، فنزلت: وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ [الأنفال:33]، يا محمد، وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ * وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ [الأنفال:33-34].

    وهذا الباب في غاية الأهمية، والحافظ ابن كثير عليه رحمة الله قال في تفسير قول الله تعالى: وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُوا قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا [الأنفال:31] إذاً: فلم لم تقل؟ خاصة وأن القرآن قد تحداهم أن يأتوا بسورة أو بآية، فلم يأت أحدهم بشيء، قالوا: لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ [الأنفال:31].

    والأساطير: جمع الأسطورة، والأسطورة: هي الأكذوبة، أي: فهذه أكذوبات تلقاها محمد من الأولين، أي: من الكتب والصحف السابقة.

    وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ [الأنفال:32-33].

    قال الحافظ ابن كثير : يخبر الله تعالى عن كفر قريش وعتوهم وتمردهم وعنادهم، ودعواهم الباطل عند سماع آياته سبحانه وتعالى حين تتلى عليهم أنهم يقولون: قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا [الأنفال:31] وهذا منهم قول بلا فعل، يعني: دعوى وزعم أنهم يمكن أن يأتوا بمثل هذا القرآن، ولم يأتوا بمثل شيء منه.

    والقائل لهذا: هو النضر بن الحارث -لعنه الله- كما قد نص على ذلك سعيد بن جبير ، والسدي ، وابن جريج وغيرهم، فإنه -لعنه الله- كان قد ذهب إلى بلاد فارس وتعلم من أخبار ملوكهم، ولما قدم وجد رسول الله صلى الله عليه وسلم قد بعث، وهو يتلو على الناس القرآن، فكان إذا قام النبي صلى الله عليه وسلم من مقامه جلس هذا اللعين مكان النبي عليه الصلاة والسلام يقص على الناس، ويقول: بالله عليكم أينا أحسن قصصاً أنا أم محمد؟ لأنه تعلم من أخبار فارس، ولذلك قتله النبي صلى الله عليه وسلم يوم بدر صبراً.

    وأما قوله: وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ [الأنفال:32]، فقال الحافظ ابن كثير : هذا من كثرة جهلهم وعتوهم وعنادهم، وشدة تكذيبهم وهذا مما عيبوا به اعتبارهم عرباً، وكان الأولى لهم أن يقولوا: اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأهدنا له، ووفقنا لاتباعه، ولكن استفتحوا على أنفسهم، واستعجلوا العذاب وتقديم العقوبة، كما قال تعالى: وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَوْلا أَجَلٌ مُسَمًّى [العنكبوت:53] أي: لولا أجل محتوم معلوم مؤقت لجاءهم العذاب، وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ [العنكبوت:53] أي: فجأة وهم لا يشعرون.

    وقال تعالى: وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ [ص:16] أي: ربنا عجل لنا العذاب قبل يوم الحساب.

    وقال الله تعالى: سَأَلَ سَائِلٌ [المعارج:1] أي: من المشركين بِعَذَابٍ وَاقِعٍ [المعارج:1] عن هذا العذاب الذي تزعم يا محمد أنه يمكن أن يقع عليهم، فلمَ لا يقع إذاً؟

    لِلْكَافِرينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ [المعارج:2] أي: لا يستطيع أحد أن يدفعه عنهم، وقد أراده الله عز وجل لهم.

    وكما قال قوم شعيب: فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ [الشعراء:187].

    أي: فأسقط علينا عذاباً وعقوبة وحجارة من السماء إن كنت يا شعيب من الصادقين لما تدعو إليه، وكان الأولى أن يقول: إن كنت صادقاً فيما تزعم أنك نبي وأنك رسول، فلا بأس أن تدعو الله تعالى أن يهدينا، وأن يوفقنا لاتباعه، والإيمان به.

    قال أنس بن مالك رضي الله عنه: قال أبو جهل بن هشام: (اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك، فأمطر علينا حجارة من السماء، أو ائتنا بعذاب أليم)، وفيه نزلت الآيات والأحاديث الصحيحة.

    وقال ابن عباس : وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ [الأنفال:32] هذا القول إنما قاله النضر بن الحارث ، والراجح أنه أبو جهل .

    وأما قوله: وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ [الأنفال:33]، فقال ابن عباس : كان المشركون يطوفون بالبيت، ويقولون: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك، فيقول النبي صلى الله عليه وسلم: (قد قد) أي: قد استجاب.

    ويقولون: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك إلا شريكاً هو لك، تملكه وما ملك.

    ويقولون: غفرانك.. غفرانك.

    إذاً: فالمشركون خلطوا التوحيد بالشرك، وذلك قولهم: إلا شريكاً هو لك، تملكه وما ملك، لكنهم يعقبون هذا الكلام بقولهم: غفرانك غفرانك، يعني: يستغفرون ربهم، فأنزل الله: وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ [الأنفال:33].

    يعني: أنت بالنسبة لأهل مكة أمان يا محمد، ولولاك لنزل العذاب، فلأهل مكة أمانان: أمان وجود محمد عليه الصلاة والسلام، وأمان استغفارهم.

    قال ابن عباس : كان فيهم أمانان: النبي صلى الله عليه وسلم أمان، والاستغفار أمان، فذهب النبي صلى الله عليه وسلم وبقي الاستغفار، أي: هاجر النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، وبقي الاستغفار.

    وقال غير واحد: قالت قريش بعضها لبعض: محمد أكرمه الله من بيننا، فقالوا: اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ [الأنفال:32].

    وهذا قول قريش بأجمعها، فلما أمسوا ندموا على ما قالوا، فقالوا: غفرانك اللهم، فأنزل الله: وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ [الأنفال:33] إلى قوله: وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ [الأنفال:34].

    وقال ابن عباس في هذه الآية: ما كان الله ليعذب قوماً وأنبياؤهم بين أظهرهم.

    أي: ما كان الله ليعذب قوماً عموماً إلا بعد موت أنبيائهم.

    ثم قال: وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ [الأنفال:33] أي: وفيهم من قد سبق له من الله الدخول في الإيمان، فالاستغفار بمعنى الإيمان، ومعنى يستغفرون: أي يصلون.

    وقال الضحاك وأبو مالك : وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ [الأنفال:33] يعني: ما كان ليعذب المؤمنين الذين كانوا بمكة.

    وقال ابن عباس : إن الله جعل في هذه الأمة أمانين لا يزالون معصومين مجارين من قوارع العذاب، فأمان قبضه الله إليه وهو محمد عليه الصلاة والسلام، وأمان بقي فيهم وهو: الاستغفار، وغير ذلك مما يشهد لهذا المعنى.

    كما عند الحاكم وغيره عن أبي سعيد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن الشيطان قال: وعزتك يا رب! لا أبرح أغوي عبادك ما دامت أرواحهم في أجسادهم، فقال: وعزتي وجلالي لا أزال أغفر لهم ما استغفروني).

    يعني: مهما أغويتهم فأفاقوا من هذه الغواية واستغفروني إلا غفرت لهم، وهذا الحديث محل نزاع، وربما يغلب عليه الضعف.

    أما قوله: وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ [الأنفال:34]، فيخبر الله تعالى أنهم أهل لأن يعذبهم، ولكن لم يوقع ذلك بهم؛ لبركة مقام الرسول عليه الصلاة والسلام بين أظهرهم، ولهذا لما خرج من بين أظهرهم أوقع الله بهم بأسه يوم بدر، فقتل صناديهم، وأخذت ثرواتهم، وأرشدهم تعالى إلى الاستغفار من الذنوب التي هم متلبسون بها من الشرك والفساد، انتهى كلام الحافظ ابن كثير رحمه الله.

    1.   

    باب قوله تعالى: (كلا إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى)

    قال: [باب قوله تعالى: كَلَّا إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى [العلق:6-7].

    حدثنا عبيد الله بن معاذ -أي: العنبري- ومحمد بن عبد الله القيسي قال: حدثني المعتمر -هو: ابن سليمان بن طرخان التيمي- عن أبيه قال: حدثني نعيم بن أبي هند عن أبي حازم -وهو: سلمان مولى عزة- عن أبو هريرة رضي الله عنه قال: قال أبو جهل : (هل يعفر محمد وجهه بين أظهركم؟)].

    أبو جهل يخاطب صناديد قريش: هل تتصورون أن محمداً يعفر جبهته أمامكم وبين أظهركم، أي: بالسجود لله عز وجل، وأنتم تنظرون إليه؟ [(قالوا: نعم، يفعل ذلك، فقال أبو جهل : واللات والعزى -يحلف بآلهته التي يعبدها من دون الله عز وجل- لئن رأيته يفعل ذلك لأطأن على رقبته)].

    أي: لأدوسن على رأسه، أو لأعفرن وجهه بالتراب، يعني: يأتي إليه وهو ساجد ويمرغه في التراب، عليه لعنة الله.

    فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يصلي، فلما رآه ساجداً لله عز وجل في حجر الكعبة ذهب ليطأ على رقبة النبي عليه الصلاة والسلام، وصناديد الكفر والشرك ينظرون إلى أبي جهل ماذا سيصنع به؟ وما هو موقف محمد عليه الصلاة والسلام من هذا؟ قال: فما فجأهم إلا وهو ينكص على عقبيه، ويتقي بيديه، أي: فما لبثوا أن رأوا أبا جهل إلا وهو يرجع القهقرى مسرعاً خائفاً مرتعباً مرعوباً يتقي بيديه، كأن واحداً يضربه، وهو يتقي الضرب بيديه، يدفعه مرة عن رأسه، ومرة عن وجهه، ومرة عن بدنه وغير ذلك، وهم لا يرون أحداً، ولا يرون شيئاً، وإنما الذي رأى ذلك هو أبو جهل .

    فقيل له: ما لك يا أبا الحكم، فقال: إن بيني وبينه لخندقاً من نار، وهولاً وأجنحة.

    أي: حال بيني وبينه خندق من نار، وأجنحة الملائكة، وهذا مصداق قول الله تعالى لنبيه: وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ [المائدة:67]، فالنبي عليه الصلاة والسلام معصوم.

    فقال النبي عليه الصلاة والسلام لأصحابه: [(لو دنا مني -أي: لو اقترب مني أبو جهل- لتخطفته الملائكة عضواً عضواً)] أي: لقطعته الملائكة عضواً عضواً، حتى يكون آخر ما ينزع منه الروح.

    [فأنزل الله عز وجل: أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى * عَبْدًا إِذَا صَلَّى [العلق:9-10]].

    وقوله تعالى: كَلَّا إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطْغَى [العلق:6] ولم يقل: (إن الكافر ليطغى) وإنما قال: (إن الإنسان) إشارة إلى أن الطغيان يقع من الكافر، ويقع من المسلم كذلك.

    والمسلم لو زادت عليه النعمة طغى إن لم يحذر، ويعلم أنها استدراج من الله عز وجل، فإذا لم يكن عنده يقين بذلك فلابد أنه سينحرف، والنبي عليه الصلاة والسلام معصوم من ذلك كله، وما دونه ليست له هذه العصمة.

    وأصحاب الجرائد في كل حين يخرجون علينا بأخبار يريدون أن يلصقوا التهم بأبناء الصحوة، وهيهات هيهات أن يكون ذلك، فمما يذكرون موضعها الزواج والطلاق، والمعلوم أنه كما أن للمرأة عدة، فكذلك الرجل له عدة، وعدة الرجل في حالتين:

    الحالة الأولى: لو أنه تزوج أربعاً من النسوة، وأراد أن يتزوج الخامسة ليس له ذلك إلا أن يطلق إحداهن، فإذا طلقها لا يحل له أن يعقد على خامسة إلا أن تنقضي عدة الرابعة التي طلقها، لأن هذه المطلقة الرابعة لا تزال زوجته، فله أن يرجعها في فترة العدة، ولذلك سماه الشرع طلاقاً رجعياً، أي: من حق الرجل أن يراجع امرأته إذا طلقها المرة الأولى، أو الثانية في مدة العدة، وهي ثلاثة قروء بغير إذنها وبغير إذن وليها؛ مما يدل على أن هذه المرأة محبوسة في هذا الرجل، فالمرأة في مدة العدة لا تزال زوجة لهذا الرجل حتى يطلق الثالثة، فإذا طلق الثالثة بانت منه بينونة كبرى، فتعتد هي بنفسها، وليست عليه عدة حينئذ.

    الحالة الثانية: الرجل إذا تزوج امرأة فماتت هذه المرأة، فله أن يتزوج أختها أو عمتها أو خالتها فوراً، لكن إذا طلقها طلاقاً رجعياً ليس له أن يتزوج أختها أو عمتها أو خالتها في فترة العدة؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام نهى عن الجمع بين المرأة وعمتها، أو خالتها أو أختها.

    و سيد رجاء ما كان يراعي هذا، ولقد نصح مرة واثنين وثلاث، ولكن لما كثر الإنكار عليه ما كان يأذن لأحد قط يعلم أنه داخل إليه لنصيحته، ولإيقافه عند حده.

    ومن السنن الكونية لمن يعرض عن شرع الله يسلط الله تبارك وتعالى عليه أسافل الخلق، فـالسيد رجاء لا ينسب إلينا، فليس منا ولسنا منه، وأيام أن كنت موظفاً في شركة الريان أتى سيد رجاء إلى الشركة في أواخر أيامها لما هددت وحوربت، وأخبر أن ضابط الأمن قال له: يا سيد أنت دورك آت، مما يدل على شدة غبائه أنه لم يحفظ لهذا اليوم، وهو يعلم يقيناً أنه آت ولابد.

    وربنا يذكر في القرآن، والنبي عليه الصلاة والسلام يذكر في السنة السنن الكونية، وفي هذا خير واسع للمرء، فإنه لما يقع في معصية تتنكد عليه حياته، وتتوقف عليه أموره، أليس في هذا وعظ؟

    أنا عارف أن الحسن بن علي رضي الله عنهما أحصن في الإسلام ثلاثمائة امرأة، فلم يرد في ترجمة الحسن أنه تعدى شرع الله، وتعدى حد الله، فالرجل كان في غاية الكرم، كان إذا طلق امرأته احترم عدتها، وأرسل إليها قافلة محملة بالزاد والمتاع والذهب وغير ذلك، فلم يكن يظلم.

    والراوي ابن جريج -وهو عبد الملك بن عبد العزيز- تزوج سبعين امرأة، ومع هذا لم ينقل عنه أنه ظلم أو تعدى حداً.

    فأصل القضية مقرر في الإسلام، ولا حرج في ذلك، لكن الحرج كل الحرج: أن يعرض المرء نفسه لسخط الله وعذابه وغضبه.

    وما تفعله الحكومة الآن بـالسيد رجاء أمر هين بالنسبة لما ينتظره يوم القيامة، والبشر لا يكسبون له شيئاً إلا شيئاً أراده الله عز وجل، فلو أراد الله تعالى أن يصرفهم عنه لصرفهم، وكملت القضية في أقل من غمضة عين أو طرفتها، لكن الأمر كما قال الله تعالى: وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا [مريم:64]، والذي يجب أن يخاف منه المرء هو: الوقوف بين يدي الله عز وجل.

    الشاهد من ذلك: أننا نقول للحكومة: ليس سيد سلفياً، ولا إخواني ولا تبليغياً، ولا من أي جماعة إسلامية، ولا جهادياً، وعلى شاكلة السيد رجاء ألف سيد رجاء.

    وقد كان يطلق لحيته لأنه يعلم رفض الناس الشديد لمن يحلق اللحية، فالناس يثقون بأصحاب اللحى، ولهذا أطلق لحيته لأجل أن يثقوا به.

    وقوله تعالى: كَلَّا إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى [العلق:6-7]، أي: لما استغنى سارع إلى الطغيان إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى [العلق:8] أي: سترجع مرة ثانية وتبعث.

    أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى * عَبْدًا إِذَا صَلَّى [العلق:9-10] والذي ينهى هو أبو جهل، والعبد المصلي هو النبي عليه الصلاة والسلام.

    أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى * أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى * أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى [العلق:11-13] يعني: أبا جهل أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى [العلق:14] ومطلع ويعلم ذلك، كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ [العلق:15] أي: كلا لئن لم ينته من فعله سنأخذ بناصيته، وهي مقدم الرأس، نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ [العلق:16] أي: ناصية أبي جهل كاذبة خاطئة، فلا يقول إلا الكذب، ولا يأتي من قبله إلا الكذب والخطأ والبهتان والخطيئة.

    قال: فَلْيَدْعُ نَادِيَه [العلق:17] هو النادي الذي يجتمع فيه القوم والعشيرة والأصحاب، فليذهب أبو جهل وليدع قومه وعشيرته، سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ [العلق:18]، فإذا كان أبو جهل يتصور أنه سيدعو ناديه، ويستكثر بقومه وعشيرته؛ فإن الله تبارك وتعالى قادر أن يهلكه وقومه والناس أجمعين بكلمة: ( قل )، لكن الله تبارك وتعالى يقابله بنحو عمله، والجزاء من جنس العمل.

    فإذا كان لك يا أبا جهل قوم تستنصر بهم، فإن الله تبارك وتعالى له جنود هم ملائكة العذاب.

    فمعنى: الزَّبَانِيَةَ [العلق:18] أي: ملائكة العذاب، كَلَّا [العلق:19] أي: يا محمد، لا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ [العلق:19].

    قال الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى: يخبر تعالى عن الإنسان أنه ذو فرح وأشر وبطر وطغيان إذا رأى نفسه قد استغنى وكثر ماله.

    ثم تهدده الله تعالى وتوعده ووعظه فقال: إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى [العلق:8] أي: إلى الله المصير والمرجع والمآب، وسيحاسبك على مالك من أين جمعته، وفيما صرفته.

    وعند ابن أبي حاتم عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: منهومان لا يشبعان: طالب العلم، وصاحب الدنيا.

    أي: طالب العلم لا يشبع من طلب العلم، وإذا شبع لا يكون طالباً للعلم على الحقيقة، وكذلك طالب الدنيا لا يشبع، بل هو منهوم.

    قال: أما صاحب العلم فيزداد رضا الرحمن، وأما صاحب الدنيا فيتمادى في الطغيان، قال لجامع الدنيا: إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى [العلق:6-7].

    وأما لطالب العلم فقال: إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ [فاطر:28] أي: كلما ازداد المرء علماً ازداد من الله خشية، وهذا هو العلم الحقيقي.

    وقد صح مرفوعاً عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (منهومان لا يشبعان: طالب علم، وطالب دنيا).

    ثم قال تعالى: أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى * عَبْدًا إِذَا صَلَّى [العلق:9-10] نزلت في أبي جهل لعنه الله، توعد النبي صلى الله عليه وسلم على الصلاة عند البيت، فوعظه الله تعالى بالتي هي أحسن أولاً فقال: أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى [العلق:11]، أي: فما ظنك إن كان هذا الذي تنهاه على الطريقة المستقيمة، أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى [العلق:12] بقوله، وأنت تزجره وتتوعده على صلاته، ولهذا قال: أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى [العلق:14] أي: ألم يعلم أبو جهل بأن الله تعالى يرى ما يعمله ومطلع عليه، عليم خبير بصير؟ أما علم هذا الناهي لهذا المهتدي أن الله يراه ويسمع كلامه؟ وسيجازيه على فعله أتم الجزاء.

    ثم قال تعالى متوعداً ومتهدداً: كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ [العلق:15] أي: لئن لم يرجع عما هو فيه من الشقاق والعناد، لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ [العلق:15] أي: لنسمها سواداً يوم القيامة.

    ثم قال: نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ [العلق:16] يعني: ناصية أبي جهل كاذبة في مقالها، خاطئة في فعالها.

    فَلْيَدْعُ نَادِيَه [العلق:17] أي: قومه وعشيرته فليدعهم ويستنصر بهم، سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ [العلق:18] أي: ملائكة العذاب حتى يعلم أبو جهل من الذي سيغلب في هذه المعركة هو وقومه وعشيرته، أم زبانية الله عز وجل؟!

    وعند البخاري عن ابن عباس رضي الله عنه: (قال أبو جهل: لئن رأيت محمداً يصلي عند الكعبة لأطأن على عنقه، فبلغ النبي صلى الله عليه وسلم فقال: لئن فعل بي ذلك لأخذته الملائكة).

    وعند أحمد والترمذي من حديث ابن عباس قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي عند المقام -أي: مقام إبراهيم- فمر به أبو جهل بن هشام فقال: يا محمد! ألم أنهك عن هذا وتوعده؟ فأغلظ له رسول الله صلى الله عليه وسلم وانتهره، فقال: يا محمد! بأي شيء تهددني؟ أما والله إني لأكثر هذا الوادي نادياً) أي: أنت تهددني، فإن أعمامك ليسوا معك، فإنه لم يؤمن من أعمامه إلا حمزة والعباس فقط، وأما البقية فقد ماتوا على الكفر، كما مات جده وأبوه وأمه على الكفر، فقال له: أما علمت أنني أكثر نادياً منك؟ (فأنزل الله: فَلْيَدْعُ نَادِيَه * سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ [العلق:17-18]) قال ابن عباس : لو دعا ناديه لأخذته ملائكة العذاب من ساعته.

    وعند أحمد من حديث ابن عباس قال أبو جهل: (لئن رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي عند الكعبة لآتينه حتى أطأ على عنقه، قال النبي عليه الصلاة والسلام: لو فعل لأخذته الملائكة عياناً، ولو أن اليهود تمنوا الموت لماتوا ورأوا مقاعدهم من النار، ولو خرج الذين يباهلون رسول الله صلى الله عليه وسلم لرجعوا لا يجدون مالاً ولا أهلاً).

    أي: ليعاقبهم الله تعالى بأخذ أموالهم وأهليهم.

    أما قوله تعالى: كَلَّا لا تُطِعْهُ [العلق:19] يعني: يا محمد لا تطعه فيما ينهاك عنه من المداومة على العبادة وكثرتها، وصل حيث شئت، ولا تبالي به، فإن الله حافظك وناصرك، وهو يعصمك من الناس.

    وقوله تعالى: وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ [العلق:19] أي: واسجد لربك، واقترب منه، والسجود في ذاته قربة إلى الله عز وجل، كما ثبت في الصحيحين عند مسلم من طريق عمارة بن غزية عن سمي عن أبي صالح عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، فأكثروا الدعاء).

    وكان النبي عليه الصلاة والسلام يسجد في: إِذَا السَّمَاءُ انشَقَّتْ [الانشقاق:1] واقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ [العلق:1].

    1.   

    الأسئلة

    حكم نقل المبيض من امرأة تنجب إلى امرأة لا تنجب

    السؤال: هل يجوز نقل مبيض من امرأة تنجب إلى رحم امرأة لا تنجب؟

    الجواب: حرام.. حرام.. حرام، إنما ينسب الولد إلى الرحم، وإلى الماء والغذاء والدم، ولذلك يقال: هذا أخي في النسب، وأخي في الدم، والنسب والدم لا يطلقان إلا على رجل قد اجتمع فيه اللبن - أي: الماء - والرحم والدم، أي: تغذى وهو جنين على دم أمه، لا على دم امرأة أخرى، وهذا يختلف عن حكم الرضاع.

    ومسألة نقل مبيض امرأة تنجب إلى امرأة لا تنجب فيها خلاف بين المعاصرين؛ لأن هذا الفعل لم يكن معلوماً ولم يكن له وجود في السابق.

    فأنا أقول: الخلاف في هذه القضية خلاف ضعيف جداً، بل لا يكاد يعتبر، لأن الذي يترجح -إن لم يكن هو الراجح والصحيح-: أن ذلك يمنع ويحرم، وأما مسألة نقل الأعضاء فالخلاف فيها واسع جداً.

    وأما الكلام عن نقل الدم فالخلاف فيه ضعيف جداً، لأن الراجح أنه لا حرج في نقل الدم ابتداءً؛ لأنه لا ينفع الرحم، وليس شيئاً متصلاً بالبدن، بل هو منفصل عنه، كما أنه متجدد كل ثلاثة أشهر في بدن الإنسان، بل من مصلحة الإنسان أن يجدد دمه، أو أن يتبرع بشيء منه كل ثلاثة أشهر أو ستة أشهر.

    وقد قرأنا تقريرات لأطباء كثيرين في هذا الباب، وهذا يجعل القلب يطمئن بأن نقل الدم لا حرج فيه.

    أما نقل الأعضاء فقد اختلف فيه أهل العلم اختلافاً بيناً: فمنهم من يقول: بالجواز مطلقاً، ومنهم من يقول بالمنع مطلقاً، ومنهم من يشترط شروطاً.

    والذي يرتاح إليه قلبي: عدم جواز نقل الأعضاء، لأن الإنسان ليس حراً في بدنه، فإذا كان ليس حراً في بدنه في حياته، فمن باب أولى ألا يكون حراً بعد موته؛ لأنه لا تصرف له سليم بعد موته، هذا الذي يترجح عندي، والله تعالى أعلم.

    حكم من شك هل سجد سجدتين أم سجدة

    السؤال: إذا شككت هل سجدت سجدتين أم واحدة، فماذا أفعل؟

    الجواب: إذا كان هذا الشك بعد السجود وفي الجلسة التي بين السجدتين، أو كان ذلك في السجود أو بعد السجدة الثانية، فليسجد سجدة أخرى، حتى وإن كانت هذه السجدة في حقيقة الأمر هي الثالثة، فإنه لا يضره ذلك، وإذا فرغ من الصلاة سجد سجدتين للسهو بعد التسليم؛ لأن هذا الشك في الصلاة في الزيادة وليس في النقص.

    وأما إذا كان الشك في أثناء التشهد، أو سلم من صلاته وشك هل سجد سجدة أو سجدتين؟ فيأتي بركعة كاملة؛ لأن السجود ركن في الصلاة، وفوات الركن تبطل به الصلاة سواءً تعمد صاحبه أو سها، فإنه يستوي فيه المتعمد والساهي، لكن الساهي لا يأثم، وإنما يجبر صلاته بركعة، والمتعمد يجبر صلاته بركعة مع الإثم؛ لأنه تعمد فوات ركن في الركعة.

    وإذا قام إلى الركعة الثانية ثم تذكر أنه نسى السجدة الثانية فإنه يهوي فوراً إلى السجود.

    حكم من قرأ في الصلاة قوله تعالى: (ولا الضالين) بدون مد

    السؤال: هل إذا قرأت: وَلا الضَّالِّينَ [الفاتحة:7] بدون مد تكون الصلاة صحيحة أم باطلة؟

    الجواب: الصلاة تكون صحيحة، لأن أحكام التجويد في أغلب أقوال أهل العلم مستحبة، وإنما تجب في صحة القراءة فقط، وأما إتقان القراءة فهذا شيء آخر بخلاف الصحة، ولذلك العلماء يقولون: قراءة القرآن قراءة صحيحة فرض عين، وأما تعلم أحكام التجويد فهو فرض كفاية، إذا قام به البعض سقط عن الباقين.

    والمد في قوله تعالى: وَلا الضَّالِّينَ [الفاتحة:7] مد لازم كلمي مثقل، والمد اللازم الكلمي المثقل محل نزاع بين أن يمد أربعاً، أو خمساً، أو ستاً، ولا أظن أن واحداً يقول: ولا الضالين يمد كذا أبداً.

    حكم التوسل بأصحاب الأضرحة

    السؤال: خرج على الناس بعض تلاميذ علي جمعة يقولون بالتوسل بأصحاب الأضرحة، بل وللرجل أن يسمي صاحب الضريح الذي يذهب إليه بعينه، وقاسوا ذلك على جواز التوسل بالأعمال الصالحة وهي مخلوقة، فكذلك صاحب الضريح مخلوق فما الفرق بين هذا وذاك، وزعموا أنهم مستعدون لمناظرة من يريد ذلك؟

    الجواب: لسنا مستعدين لذلك، وهم ليسوا مستعدين، وللأسف الشديد لقد قلنا مراراً: إن علي جمعة إنسان منحرف عقدياً، وحذرنا الناس تكراراً، ولكن يبدو أن كل إنسان لابد أن يجرب بنفسه، فذهب بعض إخواننا الذين طلبوا العلم معنا منذ خمسة عشر عاماً في هذا المكان، وكانوا يطلبون معنا العلم في مسجد النصر، وفي مساجد الدعوة، ولكنهم أبوا أن يسمعوا الكلام وأن يسمعوا النصيحة، فذهبوا إلى هناك وهم الذين يقولون هذا الكلام.

    إن مسألة الأضرحة ليست مسألة بسيطة وسهلة، وأنه قد نعذر بها إذا قارناها ببقية المسائل التي تتعلق بذات الله تعالى وبأسمائه وصفاته، فعند علي جمعة الطامات تلو الطامات فيما يتعلق بذات الإله، وأسمائه وصفاته.

    وللأسف أن هنا أناساً مصرين على أن يحضروا مجالس علي جمعة ، والله تعالى يعلم أننا لا ننصح أحداً إلا بالخير على الأقل فيما نظن ونعتقد أنه هو الخير، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: (من أشار على أخيه بشيء وهو يعلم أن الرشد في غيره فقد خانه).

    فما استشارنا أحد -يعلم الله- في أمر نعلم أن الخير في باب من أبوابه إلا وأشرنا إليه، وليس لنا -والحمد لله تعالى- مصلحة من جاه ولا كرسي ولا سلطان ولا مال ولا شيء ممن حضر مجلسنا قط، والحمد لله فإن عز وجل قد أغنانا عن المستمعين وعن طلابنا.

    ولا حاجة لنا أن ننحرف بهم في النصيحة والاستشارة جانب الصواب، ولذلك هذا فضل الله تعالى ومنته علي وعلى من يتصدى للدعوة بإخلاص لله عز وجل، ولا نزعم أننا مخلصون.

    نسأل الله تعالى أن يتقبل منا ومنكم صالح الأعمال والأقوال.

    أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.

    وصلى الله على نبينا محمد.