إسلام ويب

الصوتيات

  1. الصوتيات
  2. محاضرات مفرغة
  3. حسن أبو الأشبال الزهيري
  4. سلسلة شرح صحيح مسلم
  5. كتاب الجهاد والسير
  6. شرح صحيح مسلم - كتاب الجهاد والسير - غزوة ذي قرد - قصة سلمة بن الأكوع

شرح صحيح مسلم - كتاب الجهاد والسير - غزوة ذي قرد - قصة سلمة بن الأكوعللشيخ : حسن أبو الأشبال الزهيري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • كانت حياة النبي صلى الله عليه وسلم عامرة بالجهاد، حافلة بالغزوات، فقد شرع الله عز وجل لهذه الأمة الجهاد لتبليغ الدعوة والدفاع عن حرمة الأمة وحياض الدين، ومن الغزوات التي خلدتها كتب السير غزوة ذي قرد، والتي كان أحد أبطالها العظام ورجالاتها المسمين سلمة بن الأكوع، الذي ضرب أروع مثال في الاستبسال والفداء، دفاعاً عن دين الله سبحانه وتعالى.

    1.   

    باب غزوة ذي قرد

    الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

    الباب الخامس والأربعون من كتاب الجهاد: (باب: غزوة ذي قرد وغيرها).

    وذي قرد: اسم لموضع يبتعد عن المدينة مسافة يوم. أي: للسائر على قدميه أو الراكب على دابة بطيئة السير. فقوله: (باب: غزوة ذي قرد) أي: باب ذكر ما حدث في تلك الغزوة.

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا حاتم -وهو ابن إسماعيل- عن يزيد بن أبي عبيد قال: سمعت سلمة بن الأكوع رضي الله عنه يقول: (خرجت قبل أن يؤذن بالأولى)] أي: قبل أن يؤذن لصلاة الظهر؛ لأنها أول صلاة صلاها النبي عليه الصلاة والسلام. قال: [(وكانت لقاح رسول الله صلى الله عليه وسلم)] اللقاح: جمع لقحة، وهي: حديثة العهد بالولادة، أي: ذات اللبن.

    قال: [(وكانت لقاح رسول الله صلى الله عليه وسلم ترعى بذي قرد، فلقيني غلام لـعبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه فقال: أُخذت لقاح رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت من أخذها؟ قال: غطفان)] وغطفان هي موضع لقرار اليهود وسكنهم.

    قال: [(فصرخت ثلاث صرخات: يا صباحاه!)] أي: أنه كان ينادي ثلاث مرات ويقول: يا صباحاه!

    قال: [(فأسمعت ما بين لابتي المدينة)] أي: ما بين جبلي المدينة، والمدينة معلوم أنها بين جبلين، فصرخ سلمة وكان قوياً جداً ثلاث مرات ينادي على كل من أصبح من المسلمين في المدينة أن يجتمع: يا صباحاه! أي: اجتمعوا يا من أصبح عليكم الصباح!

    قال: [(ثم اندفعت على وجهي حتى أدركتهم بذي قرد)] أي: انطلق مسرعاً باتجاه الموضع الذي أُخذت فيه لقاح النبي صلى الله عليه وسلم.

    قال: [(وقد أخذوا يسقون من الماء، فجعلت أرميهم بنبلي)] أي: غطفان حينما أصبح عندهم سلمة بن الأكوع وجدهم يسقون في أول النهار. قال: [(فجعلت أرميهم بنبلي وكنت رامياً)]. نعم. سلمة بن الأكوع معدود في الرماة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم.

    قال: [(وأقول:

    أنا ابن الأكوع واليوم يوم الرضّع)].

    يقول العلماء: فيه جواز قول مثل هذا الكلام في القتال، وتعريف الإنسان بنفسه إذا كان شجاعاً ليرعب خصمه. أي: إذا كان هذا الإنسان معروفاً بالشجاعة والقوة والإقدام وعدم الإحجام، فلا بأس أن يذكر اسمه لبث الرعب في قلوب الأعداء؛ ولذلك قال لهم: أنا ابن الأكوع ، لكن ما قصة واليوم يوم الرضّع؟

    قالوا: معناه: اليوم يوم هلاك اللئام. أي: اليوم أرسلني الله تعالى إليكم لأهلككم فأنتم رضع أي: لئام، من قولهم: لئيم راضع. أي: رضع اللؤم وهو في بطن أمه. وقيل: لأنه يمص حلمة الشاة والناقة لئلا يسمع الضيفان صوت الحلاب فيقصدونه، وكان البخيل الشحيح من العرب إذا أراد أن يحلب الناقة وضع ثديها في فمه ورضعها، حتى لا يسمع السائل أو الضيف صوت الحلاب فيضطر آسفاً أن يقدم له شيئاً من اللبن.

    فيقال: هذا أشد اللؤم وأخبثه.

    فقال: أنتم يا غطفان! مشهور عندكم هذا، أنكم إذا أردتم حلب الشياه أو النوق مصصتم اللبن من الثدي مصاً حتى لا تقدموا شيئاً للضيفان أو للسائلين.

    وقيل: لأنه يرضع طرف الخلال الذي يخلل به أسنانه. أي: إذا حلب وضعه في فمه يرضعه رضاعاً، ويمص ما يتعلق به من فضلات الطعام، وفيه أيضاً إشارة إلى الشح والبخل.

    وقيل معناه: اليوم يُعرف من رضع كريمة فأنجبته، أو لئيمة فهجنته.

    وقيل معناه: اليوم يُعرف من أرضعته الحرب من صغره، وتدرب بها وعُرف بها.

    كأنه يتحداهم بشجاعتهم ويقول: أنا ابن الأكوع وبيني وبينكم هذا اليوم إما أنا وإما أنتم.

    فقال: أنا ابن الأكوع واليوم يوم الرضّع

    قوله: [(فأرتجز -أي: من الرجز شيئاً أكثر من ذلك- حتى استنقذت اللقاح منهم)]، حتى أخذ اللقاح من غطفان.

    قال: [(واستلبت منهم ثلاثين بردة -والبردة: هي العباءة- وجاء النبي صلى الله عليه وسلم والناس فقلت: يا نبي الله! إني قد حميت القوم الماء -أي: إني قد منعت القوم أن يشربوا من الماء- وهم عطاش فابعث إليهم الساعة)] أي: إذا شئت أن تبعث إليهم فابعث، فقال: (يا ابن الأكوع ! ملكت فأسجح)] أي: تمكنت منهم فاعف. انظروا إلى رحمة النبي عليه الصلاة والسلام حتى لهؤلاء اليهود.

    يقول: [(يا ابن الأكوع ! ملكت فأسجح)]. ورجل ساجح وامرأة سجحاء أي: معروف بالحلم والصفح والعفو عند المقدرة.

    قال: [(ثم رجعنا ويردفني رسول الله صلى الله عليه وسلم على ناقته حتى دخلنا المدينة)].

    أي: أركبني خلفه على الدابة، وهذا أمر جائز بشرط أن تكون الدابة مطيقة.

    معجزة سقي من كان مع رسول الله من بئر في الحديبية

    قال: [وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا هاشم بن القاسم، وحدثنا إسحاق بن إبراهيم -وهو المعروف بـابن راهويه الإمام الكبير- أخبرنا أبو عامر العقدي كلاهما عن عكرمة بن عمار ، وحدثنا عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي وهذا حديثه -أي: وهذا السياق سياق الدارمي- أخبرنا أبو علي الحنفي عبيد الله بن عبد المجيد حدثنا عكرمة -أي: ابن عمار - حدثني إياس بن سلمة حدثني أبي سلمة بن الأكوع قال: (قدمنا الحديبية مع رسول الله صلى الله عليه وسلم)] يحكي القصة باستفاضة، والذي يحكيها باستفاضة هو الإمام عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي .

    [يقول سلمة بن الأكوع (قدمنا الحديبية مع رسول الله صلى الله عليه وسلم)] أي: قدموا من المدينة حتى وصلوا إلى الحديبية وهو موضع قبيل مكة، والمعروف مكانه بصلح الحديبية.

    قال: [(ونحن أربع عشرة مائة)] أي: ألف وأربعمائة رجل. وقيل: ألف وثلاثمائة وقيل: ألف وخمسمائة، والراجح وهو مذهب جمهور العلماء والرواة: أنه ألف وأربعمائة شخص.

    قال: [(وعليها خمسون شاة لا ترويها)] أي: مع هذا الوفد العظيم جداً خمسون شاة فقط، ولاشك أن هذه الشياه لا تكفي هذا العدد ولا ترويهم.

    قال: (فقعد رسول الله صلى الله عليه وسلم على جبا الركية) والركية هو: البئر. وجبا أي: حافة.

    فقعد النبي صلى الله عليه وسلم على حافة البئر، وربما كان المقصود: أن ماء الحديبية لا تروي تلك الشياه، فهذا الماء إما أن يكون قليلاً لا يكفي لري هذه الشياه، وإما أن تكون هذه الشياه المقصود: أنها إذا حُلبت لا تروي هذا العدد الكثير.

    قال: [(فقعد رسول الله صلى الله عليه وسلم على جبا الركية، فإما دعا وإما بسق فيها)] أي: في بئر الحديبية قعد على حافتها، إما دعا وبرّك في الماء، وإما بسق وبصق وبزق بمعنى واحد، الثلاثة بمعنى التفل.

    فقال: [(فجاشت فسقينا واستقينا)] أي: فاض البئر بالماء وامتلأ. وهذا فيه إثبات معجزة محسوسة للنبي عليه الصلاة والسلام، أنه ببصاقه اجتمع هذا الماء الكثير في هذا المكان حتى شرب الجميع وسقوا الشياه.

    بيعة الصحابة لرسول الله صلى الله عليه وسلم في أصل الشجرة وبيعة سلمة خاصة

    قال: [(ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعانا للبيعة في أصل الشجرة)] أي: عند جذع الشجرة، جلس عندها وطلبنا لنبايعه.

    قال: [(فبايعته أول الناس -كنت أول من بايع- ثم بايع وبايع)] أي: ثم بايع فلان وفلان وفلان، وهكذا.

    قال: [(حتى إذا كان في وسط من الناس قال: بايع يا سلمة ! قال: قلت: يا رسول الله قد بايعتك في أول الناس قال: وأيضاً)] أي: وبايع أيضاً الآن.

    قال: (ورآني رسول الله صلى الله عليه وسلم عزلاً) وهي الرواية الفصيحة. يقال: فلان عزل وفلان عزب، ويمكن فلان أعزل. أي: لا سلاح معه، وفلان أعزب أي: لا زوجة له. لكن الفصحى: فلان عزل، وفلان عزب.

    قال: [(ورآني رسول الله صلى الله عليه وسلم عزلاً -يعني: ليس معه سلاح- فأعطاني رسول الله صلى الله عليه وسلم حجفة أو درقة -هما شبيهتان بالترس- ثم بايع حتى إذا كان في آخر الناس قال: ألا تبايعني يا سلمة -وهذه المرة الثالثة- قلت: يا رسول الله! قد بايعتك في أول الناس وفي أوسط الناس قال: وأيضاً -يعني: تبايعني الثالثة- فبايعته الثالثة. ثم قال لي: يا سلمة ! أين حجفتك أو درقتك التي أعطيتك؟ -يعني: أين الترس الذي أعطيتك إياه؟- قال: قلت: يا رسول الله! لقيني عمي عامر عزلاً)] أي: عامر بن الأكوع وهو أخوه، بعض الروايات أثبتت أنه أخوه، وبعض الروايات أثبتت أنه عمه، فـالحافظ يجمع بين الروايتين بأنه عمه وأخوه في الرضاعة.

    قال: [(لقيني عمي عامر عزلاً فأعطيته إياها)] مع أن هذا ترس النبي عليه الصلاة والسلام ولا يمكن لأحد أن يفرّط فيه، ومع هذا أعطاه سلمة لعمه عامر.

    قال: [(فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: إنك كالذي قال الأول -أي: أنت كالذي قال في أول الزمان- اللهم أبغني حبيباً هو أحب إلي من نفسي)].

    ولكني أرى هنا أن النبي صلى الله عليه وسلم ضحك، والضحك إقرار، فكأنه أقره على إهداء الهدية، وهذا يصحح قول العامة: إن الهدية لا تهدى ولا تباع، فالهدية تهدى وتُباع، وبمجرد أن استقرت في ذمة المهدى إليه صارت ملكاً له، وللمالك أن يتصرف فيما يملك بأي وجه من أوجه التصرف الحلال، ومنها البيع والهدية.

    صلح الحديبية وما أعقبه من خفر المشركين لذمتهم

    قال: [(ثم إن المشركين راسلونا الصلح)] أي: أرسلوا إلينا طلباً في الصلح.

    قال: [(حتى مشى بعضنا في بعض)] يعني: اصطلحنا بالفعل واختلط بعضنا ببعض فقد اتفقوا معنا على العهد والميثاق والصلح المشروط، أن يأمن كل منا صاحبه وألا يغدر أحد منا بصاحبه وغير ذلك.

    وتاريخ الإسلام لم يثبت قط أن أحداً من المسلمين أو من خلفاء الإسلام غدر في عهده وميثاقه بأهل الكتاب ولا بالمشركين، وإنما الغدر كان دائماً في اليهود، فهم قوم غُدر.

    قال: [(ثم إن المشركين راسلونا الصلح حتى مشى بعضنا في بعض واصطلحنا، وكنت تبيعاً لـطلحة بن عبيد الله -تبيعاً أي: خادماً- أسقي فرسه وأحسه وأخدمه، وآكل من طعامه)] (أحسّه) أي: أمسح ظهر الفرس بالمحسة، والتي يسميها الفلاحون الآن المجسّة، وهي: شيء مثل الحديد يمسح بها ظهر الفرس.

    قال: [(وتركت أهلي ومالي مهاجراً إلى الله ورسوله)] أعظم الأعمال الهجرة إلى الله تعالى ورسوله.

    قال: [(فلما اصطلحنا نحن وأهل مكة واختلط بعضنا ببعض -أي: في صلح الحديبية- أتيت شجرة فكسحت شوكها)] أي: مسحت ما تحتها من شوك ثم نمت تحتها.

    قال: [(فاضطجعت في أصلها. قال: فأتاني أربعة من المشركين من أهل مكة فجعلوا يقعون في رسول الله صلى الله عليه وسلم -أي: يتناولونه بالسب أو الشتم أو التنقّص وهم مشركون- فأبغضتهم فتحولت إلى شجرة أخرى)]، وقد يكون هذا السب والشتم في أصل عقد الصلح ناقضاً للصلح، وربما لا يكون كذلك، وربما سب المسلمون المشركين وشتموهم، وليس هذا بغدر ولا نقض للعهد والميثاق.

    قال: [(فجعلوا يقعون في رسول الله صلى الله عليه وسلم فأبغضتهم، فتحولت إلى شجرة أخرى، وعلّقوا سلاحهم واضطجعوا)] هم أيضاً علّقوا أسلحتهم في الشجرة وناموا تحتها.

    قال: [(فبينما هم كذلك إذ نادى مناد من أسفل الوادي: يا للمهاجرين! قُتل ابن زنيم -وهو أحد أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم- قال: فاخترطت سيفي -أي: سللته وأخرجته من غمده- ثم شددت على أولئك الأربعة وهم رقود)] (شددت) أي: أتيتهم وفزّعتهم حتى قاموا.

    قال: (فأخذت سلاحهم فجعلته ضغثاً في يدي) (ضغثاً) أي: حزمة، أخذ سلاح الأربعة ووضعه في يد واحدة وفي يده الأخرى سلاحه، وكان هذا شيئاً عجيباً، فـسلمة بن الأكوع بايع النبي صلى الله عليه وسلم ثلاث مرات، فلما نزل الكوفة بعد موت النبي عليه الصلاة والسلام قال أهل الكوفة: يا سلمة ! ناولنا يدك التي بايعت بها رسول الله صلى الله عليه وسلم نقبلها. قال الراوي: فناولني يده فوضعتها في يدي فإذا بها كخف البعير، وليس بعظيم أن يأخذ سلاح الأربعة ويضعه في يد واحدة، هذا علي بن أبي طالب خلع باب حصن في غزوة خيبر اتخذه اليهود ليتحصنوا به ضد المسلمين، ووضعه في يده اليسرى، واتخذه درعاً في أثناء القتال، أي: يتفادى الأسهم بباب الحصن بيده اليسرى ويضرب بيده اليمنى، أي: أن هؤلاء كأنهم خلقوا ثم ماتوا، ولا يمكن أن يكرر هذا مرة أخرى، لكن -الحمد لله- الأمة فيها خير كثير بإذن الله تعالى.

    قال [(فأخذت سلاحهم فجعلته ضغثاً في يدي -أي: حزمة- ثم قلت: والذي كرم وجه محمد عليه الصلاة والسلام لا يرفع أحد منكم رأسه إلا ضربت الذي فيه عيناه -أي: ضربت عنقه- قال: ثم جئت بهم أسوقهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: وجاء عمي عامر برجل من العبلات -وهم قوم من قريش، كانت أمهم تسمى عبلة بنت عبيد- يقال له: مكرز ، يقوده إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على فرس مجفف -أي: فرس مجهّز عليه سرجه- في سبعين من المشركين)] أي: أنه جاء بـمكرز ومعه كذلك سبعون آخرون.

    قال: [(فنظر إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: دعوهم)]. وكلمة (دعوهم) تُغضب الصحابة، خاصة خالد بن الوليد وعمر بن الخطاب ، وكذلك سلمة بن الأكوع لا يمكن أن ينسى أن هؤلاء الأربعة شتموا النبي عليه الصلاة والسلام فكيف يدعونهم؟

    قال: (دعوهم يكن لهم بدء الفجور وثناه) أي: خلوا سبيلهم وليعلموا أنهم نقضوا العهد أولاً وآخراً، فهم الذين نقضوا العهد مرتين، مرة في أول العهد ومرة في آخر العهد، فسبّوا وشتموا ثم غدروا أكثر من ذلك.

    قال: [(دعوهم يكن لهم بدء الفجور وثناه، فعفا عنهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنزل الله تعالى: وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ [الفتح:24].

    قال: ثم خرجنا راجعين إلى المدينة)]، وفي رحلة العودة إلى المدينة سيتعامل النبي صلى الله عليه وسلم فيها مرة أخرى مع اليهود.

    قال: [(فنزلنا منزلاً -وهم في طريق عودتهم إلى المدينة نزلوا في مكان ما- بيننا وبين بني لحيان جبل)] أي: كأنهم نزلوا في وادٍ، وبجوار الوادي جبل، وبعد الجبل واد آخر يسكنه بنو لحيان.

    قال: [(وهم المشركون، فاستغفر رسول الله صلى الله عليه وسلم لمن رقي هذا الجبل الليلة، قال: اللهم اغفر لمن رقي هذا الجبل الليلة، كأنه طليعة للنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه.

    قال سلمة : فرقيت تلك الليلة مرتين أو ثلاثاً)].

    قصة سلمة بن الأكوع مع عبد الرحمن الفزاري الذي أغار على ظهر النبي صلى الله عليه وسلم

    قال: [(ثم قدمنا المدينة، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم بظهره مع رباح غلامه صلى الله عليه وسلم)] أي: بعث بناقته أو ببعيره أو بحماره ودابته التي كان يركبها، بعث بها إلى المدينة مع غلامه رباح.

    قال: [(وأنا معه، وخرجت معه بفرس طلحة )]؛ لأنه كان تبيعاً عنده، أي: خادماً عند طلحة بن عبيد الله .

    قال: [(أنديه مع الظهر)]، أي: أسقيه الماء ثم أورده على المرعى، ثم أرجعه الماء، ثم أسقيه، ثم أعلفه وغير ذلك، وفي رواية: (أبديه) وهي رواية ضعيفة، ومعناه: جعلته في البادية.

    قال: [(أنديه مع الظهر، فلما أصبحنا إذا عبد الرحمن الفزاري قد أغار على ظهر رسول الله صلى الله عليه وسلم)] عبد الرحمن الفزاري -وهو من أهل المدينة- قد أغار على رباح وأخذ منه الدابة التي كان يستظهرها النبي عليه الصلاة والسلام.

    قال: [(فاستاقه أجمع -فأخذه كله من رباح - وقتل راعيه قال: فقلت: يا رباح ! خذ هذا الفرس فأبلغه طلحة بن عبيد الله)] خذ الفرس هذا وأعطه لـطلحة بن عبيد الله ، ودعني مع عبد الرحمن الفزاري هذا لأنظر هل يأخذ هذا الظهر وهذا القطيع أم سأرجع به مرة أخرى، كأن رباح لم يُقتل وإنما الذي قُتل هو الراعي.

    قال: [(وأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن المشركين قد أغاروا على سرحه -أي: على ظهره- قال: ثم قمت على أكمة -أي: على جبل مرتفع صغير- فاستقبلت المدينة فناديت ثلاثاً: يا صباحاه! ثم خرجت في آثار القوم أرميهم بالنبل وأرتجز أقول:

    أنا ابن الأكوع واليوم يوم الرضع

    فألحق رجلاً منهم فأصك سهماً في رحله حتى خلص نصل السهم إلى كتفه)] أي: أنه كلما أدرك واحداً منهم ناوله بالنبل أو بالسهم حتى يقضي عليه وعلى رحله.

    قال: [(قلت: خذها

    وأنا ابن الأكوع واليوم يوم الرضع

    قال: فوالله ما زلت أرميهم وأعقر بهم)] وفي رواية: (أردّيهم) من الردى أي: الهلاك، أي فلا زلت أدرك القوم وأعقر خيولهم وأفراسهم. [(فإذا رجع إليَّ فارس أتيت شجرة فجلست في أصلها، ثم رميته فعقرت به، حتى إذا تضايق الجبل فدخلوا في تضايقه)] أي: أن الجيش كله يجري أمام سلمة بن الأكوع ، يركبون البغال والحمير والنوق وغير ذلك، ومعهم كل الأسلحة، وهم مستعدون للحرب وما قدموا إلا للحرب، وسلمة بن الأكوع ليس معه إلا سهمه ويمشي على قدميه، رجل واحد في الأمة هذه إمكانيته.

    قال: [(حتى تضايق بهم الجبل والطريق)] كأنه أراد أن يقول: دخلوا في جحر من الجبل، فانظر إلى واحد يؤثر في جيش من المشركين إلى هذا الحد.

    قال: [(حتى إذا تضايق الجبل فدخلوا في تضايقه، علوت الجبل -صعد على قمته- فجعلت أرديهم بالحجارة)].

    إذاً: الحجارة التي يستخدمها المجاهدون في فلسطين لها أصل، استخدمها أخوهمسلمة بن الأكوع رضي الله عنه.

    قال: [(فجعلت أردّيهم بالحجارة)] أي: كلما ألقى حجراً فأصاب واحداً أرداه قتيلاً.

    قال: [(فما زلت كذلك أتبعهم، حتى ما خلق الله من بعير من ظهر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا خلّفته وراء ظهري)] أي: حتى أصبحت الغنيمة كلها وراء ظهره متمكناً من إرجاع الظهر إلى النبي صلى الله عليه وسلم.

    قال: [(وخلوا بيني وبينه، ثم اتبعتهم أرميهم)].

    لم يكتف بأنه أخذ ما سلب من غلام النبي صلى الله عليه وسلم، بل تبعهم بعد ذلك بالضرب والرمي. قال: [(حتى ألقوا أكثر من ثلاثين بردة وثلاثين رمحاً، يستخفون)] أي: أنهم تركوا الذي معهم من متاع وإبل وسلاح وغير ذلك كي يستطيعوا أن يجروا.

    قال: [(ولا يطرحون شيئاً إلا جعلت عليه آراماً -أي: أعلاماً- من الحجارة)] حتى إذا رجع لا يفوته شيء من لم الغنائم.

    قال: [(يعرفها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، حتى إذا أتوا متضايقاً من ثنية، فإذا هم قد أتاهم فلان ابن فلان البدري الفزاري)] أي: من بدر -وليس ممن شهد بدراً- الفزاري، وربما يكون المقصود: هو عبد الرحمن الفزاري الذي قتل غلام النبي صلى الله عليه وسلم.

    قال: [(فجلسوا يتضحون -أي: يتغدون في وقت الضحى- وجلست على رأس قرن)] وهو الجبل الصغير، ولك أن تتصور أنهم يجلسون على الوادي ليتغدوا، وهذا يجلس على رأس جبل صغير كالصقر ينظر إليهم.

    قال: [(قال الفزاري: ما هذا الذي أرى؟ قالوا: لقينا من هذا البرح)] أي: أن هذا الذي تستهين به لقينا منه البرح -والبرح: هو الشدة، وأذاقنا المر من الأمس إلى اليوم، [(والله ما فارقنا منذ غلس)] أي: منذ تتبعنا بالأمس ما فارقنا [(يرمينا حتى انتزع كل شيء في أيدينا)] أخذ منا كل شيء.

    قال: [(قال الفزاري : فليقم إليه نفر منكم أربعة قال: فصعد إلي منهم أربعة في الجبل، فلما أمكنوني من الكلام. قال: قلت: هل تعرفوني؟)] أي: حينما سنحت الفرصة أن أتكلم ويسمعوني. [قلت: (هل تعرفوني؟ قالوا: لا. ومن أنت؟ قال: قلت: أنا سلمة بن الأكوع ، والذي كرم وجه محمد صلى الله عليه وسلم لا أطلب رجلاً منكم إلا أدركته، ولا يطلبني رجل منكم فيدركني. قال أحدهم: أنا أظن)] والظن هنا بمعنى: اليقين، فأحدهم خار قبل المعركة وقال: والله إنني متأكد من صحة هذا الكلام، أليس الذي وقع بالأمس دليلاً على صدق هذا الرجل؟

    قال: [(فرجعوا -إلى قومهم- فما برحت مكاني حتى رأيت فوارس رسول الله صلى الله عليه وسلم يتخللون الشجر)] أي: أن الجيش أتى، فقد كانوا راجعين من الحديبية إلى المدينة، وأرسل النبي صلى الله عليه وسلم طليعة وهو رباح غلامه مع ظهره، فلقيه المشركون، وكان مع رباح سلمة بن الأكوع فكأن هؤلاء كانت طليعة في الطريق، والجيش لا يزال في الخلف، وفي أثناء هذه المعركة بين سلمة وبني لحيان طلع فوارس النبي صلى الله عليه وسلم. أي: أدركه الجيش وهم على هذه الحالة.

    قال: [(فما برحت مكاني حتى رأيت فوارس رسول الله صلى الله عليه وسلم يتخللون الشجر -أي: يمشون بين الشجر- فإذا أولهم الأخرم الأسدي ، على إثره أبو قتادة الأنصاري)] أي: الذي خلف الأخرم الأسدي مباشرة هو أبو قتادة الأنصاري [قال: (وعلى إثره المقداد بن الأسود الكندي قال: فأخذت بعنان الأخرم -أي: أخذت بخطام الدابة التي يركبها الأخرم- فولوا مدبرين. قلت: يا أخرم ! احذرهم لا يقتطعوك حتى يلحق رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه) أي: أن سلمة يقول للأخرم: احذر أن ينفردوا بك؛ لأنهم قوم غدر ونحن في حالة حرب، فإياك أن تذهب حتى تقتطع بنا، فتكون بينهم وحيداً فيقتلوك. [(قال: يا سلمة! إن كنت تؤمن بالله واليوم الآخر، وتعلم أن الجنة حق والنار حق فلا تحل بيني وبين الشهادة. قال: فخليته. فالتقى هو وعبد الرحمن)] أي: عبد الرحمن الفزاري الذي قتل راعي النبي صلى الله عليه وسلم. [قال: (فعقر بـعبد الرحمن فرسه، وطعنه عبد الرحمن فقتله)] أي: أن الأخرم عقر جواد عبد الرحمن، ولكن عبد الرحمن حينما سقط جواده استدار فقتل الأخرم].

    قال: [(وتحول على فرسه)] أي ركب بعد ذلك فرس الأخرم.

    قال: [(ولحق أبو قتادة فارس رسول الله صلى الله عليه وسلم بـعبد الرحمن فطعنه فقتله)] أبو قتادة الأنصاري تتبع عبد الرحمن الفزاري بعد أن قتل الأخرم فطعنه فقتله، بلا شك أنه قتله وأخذ هذا الفرس، فهل يؤمن الفرس مرتين ويكفر مرة في لحظات؟ لا يتصور هذا.

    قال سلمة : [(فوالذي كرم وجه محمد صلى الله عليه وسلم لتبعتهم أعدو على رجَليَّ -أي: أنه لا يريد فرساً وإنما يعدو على رجليه مسرعاً- حتى ما أرى ورائي من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ولا غبارهم شيئاً)] أي: أني بقيت أجري حتى غابت عني الأطلال وغاب عني الجيش، وغبار الجيش ما كنت أرى منه شيئاً، وهذا يدل على شجاعة فائقة جداً.

    قال: [(حتى ما أرى ورائي من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ولا غبارهم شيئاً، حتى يعدلوا قبل غروب الشمس إلى شعب فيه ماء يقال له: ذا قرد -أي: حتى عدل هؤلاء وذهبوا إلى مكان فيه ماء، يسمى: ذا قرد- ليشربوا منه وهم عطاش)].

    قال: [(فنظروا إلي أعدو وراءهم فحليتهم عنه)] أي: أجليتهم عن الماء. وهنا يلتقي هذا السياق بعض الشيء مع السياق الأول.

    قال: [(فحليتهم عنه -أي: أجليتهم عنه- فما ذاقوا منه قطرة قال: ويخرجون فيشتدون في ثنية -أي: أنهم يدخلون في ثنية جبل- فأعدوا فألحق رجلاً منهم، فأصكه بسهم في نغض كتفه)] أي: في العظمة الرقيقة التي على كتفه، يرسل إليه سهماً في هذا الموضع، وكان نبّالاً مقاتلاً، فلا يكاد رميه يخطئه.

    قال: [(وكلما وقع سهمي في نغض رجل قلت:

    خذها وأنا ابن الأكوع واليوم يوم الرضع)] تحد إلى آخر نفس [(قال: يا ثكلته أمه! أكوعه بكرة؟)] هذا المجرم يدعو على سلمة بن الأكوع يقول له: يا ثكلته أمه! وكأنه يقول له: إياك أمك تفقدك وتعدمك؛ لأن الثكل بمعنى: الهلاك والموت، والمعنى: أنك لا زلت تمشي خلفنا من الصباح الباكر؟ أكوعه بكرة. أي: ألست الأكوع الذي تبعنا في وقت البكور، وما زلت إلى الآن تمشي خلفنا؟ [(يا ثكلته أمه! أكوعه بكرة؟ قال: قلت: نعم. يا عدو نفسه أكوعك بكرة)] أنا الأكوع الذي تبعتكم من أول النهار.

    قال: [(وأردوا فرسين على ثنية)] أي: تركوا فرسين لهم على مكان مرتفع.

    قال: [(فجئت بهما أسوقهما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: ولحقني عامر بسطيحة فيها مذقة من لبن، وسطيحة فيها ماء)] أي: أنه أتى بقربتين من جلد، أحدهما فيه ماء للوضوء، والآخر فيه لبن مخلوط.

    قال: [(وإذا بلال نحر ناقة من الإبل الذي استنقذت من القوم) أي التي أخذتها من القوم بلال ذبح ناقة ليأكلها القوم (وإذا هو يشوي لرسول الله صلى الله عليه وسلم من كبدها وسنامها قال: قلت: يا رسول الله! خلني فأنتخب من القوم مائة رجل)] أي: أعطني الحرية يا رسول الله! أن أنتخب من أصحابك مائة رجل فقط.

    ماذا يصنع هؤلاء لو أنهم مائة من أمثال سلمة بن الأكوع ؟

    قال: [(فأتبع القوم فلا يبقى منهم مخبر إلا قتلته)] والمخبر هو الذي يتكلم بالأخبار. [(قال: فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بدت نواجذه في ضوء النار)] في ضوء النار التي يشوون بها. والنواجذ: هي الأنياب.

    فقال: [(يا سلمة ! أتراك كنت فاعلاً؟) أي: لو أني أعطيتك هؤلاء المائة فعلاً كنت تفعل كما قلت؟ (قال: نعم. يا رسول الله! والذي أكرمك أفعل ذلك. فقال: إنهم الآن ليقرون في أرض غطفان)] هم هناك في حالة من البرد والذعر قائمون في أرض غطفان مستقرون هناك.

    قال: [(فجاء رجل من غطفان فقال: نحر لهم فلان جزوراً، فلما كشفوا جلدها رأوا غباراً فقالوا: أتاكم القوم)] أي: وهم يمشون إذا بغبار أتى من بعيد.

    قال: [(فخرجوا هاربين)] ولو أن سلمة أدرك هذه الذبيحة لما أكل منها؛ لأن هؤلاء مشركون.

    قال: [(فلما أصبحنا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كان خير فرساننا اليوم أبو قتادة وخير رجّالتنا سلمة )] أبو قتادة هو الذي قتل عبد الرحمن الفزاري وسماه فارساً؛ لأنه كان يركب على الفرس، وأما الرجّال هو الذي كان يمشي على رجليه، وهو سلمة بن الأكوع . [(قال: ثم أعطاني رسول الله صلى الله عليه وسلم سهمين: سهم الفارس، وسهم الراجل)] مع أن الأصل أن له سهماً واحداً، لكن هذا من النفل الذي تكلمنا عنه آنفاً، وقلنا: للإمام أن ينفل من شاء من الجيش فوق سهمه لصنيع صنعه، أو لمعروف قدمه، وهذا الأمر للإمام وليس لغيره، وكان ذلك للنبي عليه الصلاة والسلام أول الخلق؛ لأن الغنائم لم تحل لأحد قبل نبينا عليه الصلاة والسلام، وأُحلّت لنا كما في البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة : (فرأى الله تعالى ضعفنا وعجزنا فأحلها لنا). وقال عليه الصلاة والسلام: (أُحلت لنا الغنائم ولم تحل لأحد من قبلي). وغير ذلك من النصوص.

    قال: [(وأعطاني رسول الله صلى الله عليه وسلم سهمين: سهم الفارس وسهم الراجل، فجمعهما لي جميعاً)] أي: أنها مفخرة عظيمة جداً.

    قال: [(ثم أردفني رسول الله صلى الله عليه وسلم وراءه على العضباء -كانت ناقته تسمى العضباء عليه الصلاة والسلام- راجعين إلى المدينة قال: فبينما نحن نسير كان رجل من الأنصار لا يُسبق شداً -أي: إذا مشى على رجليه ليس لأحد أن يسابقه- قال: فجعل يقول: ألا مسابق إلى المدينة؟ هل من مسابق؟ فجعل يعيد ذلك)] وهذا بعد الجهد كله وبعد عودته من الحديبية إلى المدينة المنورة يمشي على رجليه، وليس أنه يمشي فحسب، وإنما يمشي ويحارب ويفعل كل شيء، ثم بعد ذلك يقول: هل من مسابق؟

    قال: [(فلما سمعت كلامه قلت: أما تكرم كريماً ولا تهاب شريفاً؟ -أي ألا تكرم وتهاب أحداً فينا؟- قال: لا إلا أن يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم)] أي: أن التحدث الذي أعنيه ليس موجهاً له فأنا معه وأعرف قدري، إنما الكلام هذا موجه للجيش كله.

    قال: [(قلت: يا رسول الله! بأبي وأمي ذرني فلأسابق الرجل)]، وفي هذا استئذان الإمام إذا أراد أن يترك الجيش أو يترك الركب، وفيه جواز المسابقة ما لم تكن على جعل؛ لأنها لو كانت على جعل صارت ميسراً.

    قال النبي صلى الله عليه وسلم لـسلمة : [(إن شئت. قال: قلت: اذهب إليك. قال: وثنيت رجلَيَّ فطفرت فعدوت -فطفرت أي: وثبت وثبة قوية- فربطت عليه شرفاً أو شرفين، أستبقي نفسي، ثم عدوت في إثره فربطت عليه شرفاً أو شرفي، ثم إني رفعت حتى ألحقه. قال: فأصكه بين كتفيه. قال: قلت: قد سُبقت والله. قال: أنا أظن. قال: فسبقته إلى المدينة)] مشى من مكة إلى المدينة على رجليه، مع أن الواحد حينما يريد أن يمشي من مكة إلى المدينة لا يمشي إلا بسيارة أو طائرة، وربما قد تواجهه مشكلة في سفره لبعد المسافة.

    استشهاد عامر بن الأكوع يوم خيبر وقتل علي بن أبي طالب لمرحب اليهودي

    قال: [(فوالله ما لبثنا إلا ثلاث ليال حتى خرجنا إلى خيبر)] انظروا إلى هذا الجهد الجهيد الذي مر به الصحابة، ومع ذلك لم يخذلوا النبي صلى الله عليه وسلم، والأمة الآن خذلت رسولها أيما خذلان، ولو أن أحدنا كان مع الصحابة في ذلك الزمان لما استطاع أن يمشي معهم من مكة إلى المدينة.

    قال: [(ما لبثنا إلا ثلاث ليال حتى خرجنا إلى خيبر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: فجعل عمي عامر يرتجز بالقوم:

    تالله لولا الله ما اهتدينا ولا تصدقنا ولا صلينا

    ونحن عن فضلك ما استغنينا فثبت الأقدام إن لاقينا

    وأنزلن سكينة علينا

    فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من هذا؟ -أي: من الذي يرتجز هذا الكلام الطيب- قال: أنا عامر بن الأكوع . قال: غفر لك ربك)] وهذا الكلام يحمل معنيين: إما دعاء، وإما أنك ستموت شهيداً مغفوراً لك، وإذا قيل هذا الدعاء في القتال فيعني: أن هذا سيُقتل، كالمرأة التي أتت إلى عمر وقالت: يا أمير المؤمنين! إن زوجي يصوم النهار ويقوم الليل. قال: ما أحسنه. فقال رجل: يا أمير المؤمنين! إنها تشكوه ولا تمدحه، فقال: حيث إذ فهمتها فاقض بينهما أنت، وهذا كلام ظاهره المدح، لكن له معنى آخر.

    وهذا قال له عليه الصلاة والسلام: [(قد غفر لك ربك. قال: وما استغفر رسول الله صلى الله عليه وسلم لإنسان يخصه إلا استشهد قال: فنادى عمر بن الخطاب وهو على جمل له: يا نبي الله لولا متعتنا بـعامر ؟)].

    فهم عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم يُخبر عن مقتل عامر ، فقال له: يا رسول الله! دعنا نستمتع به في القتال وفي الرجز.

    قال: [(فلما قدمنا خيبر خرج ملكهم مرحب يخطر بسيفه)].

    أي: أنه يقلب سيفه في ضوء الشمس؛ لأنهم دخلوا خيبر غداة، ولذلك حينما خرج الراعي بالإبل والبقر والغنم ورأى الجيش قال: محمد والخميس، أي: وصل محمد وجيشه، وسمي الجيش خميساً لأنه يتكون من خمسة أجزاء: ميمنة، وميسرة، ومقدمة، ومؤخرة، وبطن أو قلب.

    قال: [محمد والخميس، وكان ذلك غدوة أي: بعد صلاة الفجر.

    قال: (فلما قدمنا خيبر خرج ملكهم مرحب يخطر بسيفه ويقول:

    قد علمت خيبر أني مرحب شاكي السلاح بطل مجرب).

    وشاكي السلاح أي: تام القوة، أي: سلاحي في يدي في غاية القوة، لا يستطيع أحداً أن يغلبني.

    قال: (قد علمت خيبر أني مرحب شاكي السلاح بطل مجرب

    إذا الحروب أقبلت تلهب

    قال: وبرز له عمي عامر، فقال:

    قد علمت خيبر أني عامر شاكي السلاح بطل مغامر)].

    أي: يركب غمرات الحرب ولا يحجم عنها ويرتكب شدائدها، ويلقي بنفسه فيها.

    قال: [(فاختلفا ضربتين، فوقع سيف مرحب في ترس عامر ، وذهب عامر يسفل له -أي: يضربه في أسفله- فرجع سيفه على نفسه -رجع سيف عامر على عامر - فقطع أكحله فكانت فيها نفسه)].

    فظن بعض الصحابة الذين رأوا هذا المنظر أن عامراً قتل نفسه، لم يصبر على الطعنة أو الضربة التي ضربه فيها مرحب فقتل نفسه، وظنوا أنه شبيه بمن قال النبي صلى الله عليه وسلم عنه ذات غزوة، حينما قال الصحابة: (إنا نرى فلاناً من أهل الجنة يقاتل في الجيش كأنه جيش لوحده. قال: وأنا أراه من أهل النار، قال: ففزع القوم) كل من أُعجب بقتال هذا الرجل وإقدامه فزع حينما سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (وأنا أراه من أهل النار. قال رجل: فتتبعته كلما عدا عدوت، وكلما وقف وقفت، حتى أصابه سهم فلم يصبر عليه، فوضع ذبابة سيفه في بطنه واتكأ عليه فخرج من ظهره فمات)] فهو الذي قتل نفسه؛ فظنوا أن عامراً كهذا الرجل، وكان هذا الرجل الذي قتل نفسه من المنافقين، أما عامر فقد دعا النبي صلى الله عليه وسلم له. قال: (قد غفر لك ربك).

    قال سلمة : [(فخرجت فإذا نفر من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يقولون: بطل عمل عامر -أي: لأنه قتل نفسه بزعمهم- فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم وأنا أبكي، فقلت: يا رسول الله! بطل عمل عامر ؟ قال رسول الله: من قال ذلك؟ قال: قلت: ناس من أصحابك. قال: كذب من قال ذلك، بل له أجره مرتين)]، والكذب عند أهل السنة هو الكلام الذي لم يوافق الحقيقة سواء تعمده صاحبه أو لم يتعمده خلافاً للكذب عند المعتزلة، فإن الكذب عندهم هو ما تعمده صاحبه.

    قال: [(ثم أرسلني إلى علي وهو أرمد)] أي: مصاب برمد في عينيه.

    قال: [(لأعطين الراية رجلاً يحب الله ورسوله أو يحبه الله ورسوله)].

    عمر بن الخطاب رضي الله عنه في هذه الغزوة يقول: ما تطلعت قط في حياتي إلى راية تطلعي إلى تلك الراية؛ وذلك لتحصيل محبة الله عز وجل، حينما سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (لأعطين الراية غداً رجلاً يحب الله ورسوله) قال: والله ما استشرفت نفسي راية قط إلا في هذا الموطن؛ حتى يحصّل محبة الله تعالى ومحبة رسوله.

    قال: [(فأتيت علياً فجئت به أقوده وهو أرمد، حتى أتيت به رسول الله صلى الله عليه وسلم فبسق في عينيه فبرأ)] وهذه معجزة ثانية.

    قال: [(فبسق في عينيه فبرأ، وأعطاه الراية، وخرج مرحب فقال:

    قد علمت خيبر أني مرحب شاكي السلاح بطل مجرب

    إذا الحروب أقبلت تلهب

    فقال علي :

    أنا الذي سمتني أمي حيدره كليث غابات كريه المنظره

    أوفيهم بالصاع كيل السندره)]

    وحيدرة اسم من أسماء الأسد، فأمه حينما ولدته سمته: أسداً، وكان أبوه أبو طالب غائباً، فحينما رجع سماه علياً ؛ ولذلك قال: أنا الذي سمتني أمي حيدرة.

    قال في الشرح: (وكان علي رضي الله عنه قد سمي أسداً في أول ولادته، وكان مرحب قد رأى في المنام أن أسداً يقتله، فذكّره علي بن أبي طالب ذلك ليخيفه ويضعف نفسه. قالوا: وكانت أم علي سمته أول ولادته أسداً باسم جده لأمه الذي هو أسد بن هشام بن عبد مناف ، وكان أبو طالب غائباً، فلما قدم سماه علياً، وسمي الأسد حيدرة لغلظه. والحادر: الغليظ القوي. ومراده -أي مراد علي بهذا- أنا الأسد على جرأته وإقدامه وقوته).

    قال: (كليث غابات).

    والليث من أسماء الأسد كذلك.

    قال: كليث غابات كريه المنظرة، أي: لا يستطيع أحد أن ينظر إليه.

    قال: (أوفيهم بالصاع) أي: لو أنهم أعطونا صاعاً نكيل لهم بهذا الصاع كيل السندرة.

    قال: (ومعنى (نكيل كيل السندرة): نقتل الأعداء قتلاً واسعاً ذريعاً. والسندرة: هي المكيال الواسع). أي: أنك إذا كنت أنت قتلت واحداً منا فتأكد أننا سنقتل اليهود جميعاً في خيبر، فإذا كنت قتلت عامر بن الأكوع فأبشر بالذي يسوءك، كل اليهود سيقتلون في هذه الغزوة، وهذا يدل على الإثخان في القتل.

    قال: [(فضرب رأس مرحب فقتله، ثم كان الفتح على يديه)] أي: على يدي علي بن أبي طالب رضي الله عنه.

    [قال إبراهيم -وهو إبراهيم بن سفيان - قال: حدثنا محمد بن يحيى حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث عن عكرمة بن عمار بهذا الحديث].

    1.   

    فوائد حديث قصة سلمة بن الأكوع

    ذكر معجزات النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الغزوة

    قال النووي: (واعلم أن في هذا الحديث أنواعاً من العلم -أي: أنواعاً من الفوائد- سوى ما سبق التنبيه عليه).

    قال: (منها أربع معجزات لرسول الله صلى الله عليه وسلم:

    إحداها: تكثير ماء الحديبية.

    والثانية: إبراء عين علي رضي الله عنه.

    والثالثة: الإخبار بأنه يفتح الله على يديه. أي: على يدي علي بن أبي طالب : (لأعطين الراية غداً رجلاً يفتح الله على يديه).

    وقد جاء التصريح به في رواية غير مسلم هذه.

    والرابعة: إخباره صلى الله عليه وسلم بأنهم يقرون في غطفان، وكان كذلك).

    هذه أربع معجزات له صلى الله عليه وسلم.

    جواز الصلح مع العدو

    قال: (ومنها: جواز الصلح مع العدو) إذا دعت مصلحة المسلمين إلى ذلك، وإذا لم تكن هناك مصلحة فلا صلح معهم، وللصلح مع اليهود أو مع الأعداء عموماً شروط كثيرة ليست هي التي ينعق بها هؤلاء أصحاب الطاقيات الحمراء ليل نهار، فهؤلاء يفتون بفتاوى مدفوعة الثمن مقدماً.

    جواز بعث الطلائع في أول الجيش

    قال: (ومنها: بعث الطلائع)؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم إنما بعث رباحاً وكان معه سلمة بن الأكوع ، فهذه كانت طليعة الجيش.

    (ومنها: جواز المسابقة على الأرجل بلا عوض، وفضيلة الشجاعة والقوة.

    ومنها: مناقب سلمة بن الأكوع وأبي قتادة والأخرم الأسدي رضي الله عنهم أجمعين).

    جواز الثناء على من فعل جميلاً إذا أمن الفتنة

    ومنها: (جواز الثناء على من فعل جميلاً في وجهه، واستحباب ذلك ما لم تخش عليه الفتنة)، وكم مدح النبي صلى الله عليه وسلم أناساً في وجوههم، وكم منع النبي صلى الله عليه وسلم من المدح، فتبين أن الفيصل بين هذا وذاك أمن الفتنة أو خوفها، فإذا كان مأمون الفتنة ويصدّق ويُخشى عليه الفتنة والاغترار بهذا المدح فيحرم مدحه في وجهه، أما إذا كان في مأمن من ذلك فيستحب مدحه.

    جواز عقر خيل العدو في الحرب واستحباب الرجز

    قال: (ومنها: جواز عقر خيل العدو في القتال، واستحباب الرجز في الحرب، وجواز قول الرامي والطاعن والضارب: خذها وأنا فلان ابن فلان، بشرط أن يكون شجاعاً قوياً ذا مهابة في قلب العدو).

    جواز الأكل من الغنيمة قبل توزيعها

    قال: (ومنها: جواز الأكل من الغنيمة قبل توزيعها)، وأخذنا هذا من ذبيحة بلال ، ولا يقال عن الغنائم بعد التوزيع: غنائم، وإنما يقال: أسهم، أما قبل توزيع الغنيمة فهي غنيمة.

    قال: (وفيه جواز الأكل من الغنيمة -أي: قبل التوزيع- والأكل عام فالجيش كله سيأكل، واستحباب التنفيل من الغنيمة لمن صنع صنيعاً جميلاً في الحرب، وهل هناك أجمل مما صنعه سلمة؟)

    حمل معاوية بن أبي سفيان لسلمة بن الأكوع على دابته بعد الرجوع من خيبر

    كان سلمة بن الأكوع خادماً لـطلحة بن عبيد الله ، وأنتم تعلمون أن طلحة هذا من المبشرين، وسلمة بن الأكوع يكفيه ما فعل في الحديبية، وما فعل مع غطفان، وبني لحيان، ومع اليهود في خيبر، فهو مجهود لا تقوم به الآن أمة كاملة؛ لذلك أحب النبي عليه الصلاة والسلام أن يكرمه، وكان هناك أماكن على مشارف المدينة لعلية القوم، وكان النبي صلى الله عليه وسلم حينما يأتيه ضيوف يجعلهم في هذه الأماكن؛ فقال لرجل من أصحابه - وهو معاوية بن أبي سفيان - : (خذ سلمة وأنزله في عوالي المدينة)، وأنتم تعلمون أن معاوية هو الشريف ابن الشريف، فيركب سلمة من أمام المسجد النبوي على ظهر الجمل؛ ويأمر معاوية أن يفزّع الجمل ليقوم، وظل معاوية يسوق الجمل لـسلمة حتى تضررت قدماه من الحر، فقال: يا سلمة! احملني خلفك، فلم يرد عليه، فلما اشتد عليه الوجع قال: يا سلمة! ناولني نعلك. قال سلمة: إنما يكفيك ظل البعير، فمشى معاوية في ظل البعير حتى بلّغه مراده. ومع مرور الأيام أصبح معاوية أميراً للمؤمنين رضي الله عنه وعن أبيه، ويدخل عليه سلمة بن الأكوع حافياً، لكن معاوية كان حليماً وكان سموحاً -قال تعالى: وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ [الأعراف:43]- ونزل معاوية واصطحبه حتى أجلسه على سريره، فهؤلاء هم الرجال الذين ربّاهم النبي عليه الصلاة والسلام، ينزل معاوية بنفسه ابتغاء وجه الله قال: يا ابن الأكوع ! أترى سريري أفضل أم بعيرك؟ فضحكا وانتهى الموقف على ذلك.

    وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.