إسلام ويب

شرح صحيح مسلم - كتاب الحدود - حد السرقة ونصابها‏للشيخ : حسن أبو الأشبال الزهيري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لقد جاء الإسلام باحترام المال وملكية الأفراد، فحرم الاعتداء على مال الغير، وشرع الحدود، ومنها حد السرقة، فأمر بقطع يد السارق، ولكنه لم يترك الأمر على إطلاقه دون شرط أو قيد، بل لابد من توافر شروط في السارق والمسروق لإقامة حد القطع، فبين تلك الشروط ووضحها، ثم أناط تنفيذ الحد بالحاكم وولي الأمر لتحقيق الحفاظ على أموال الناس والحياة الهادئة المطمئنة.

    1.   

    باب حد السرقة ونصابها

    بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن والاه.

    أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وبعد:

    فمع كتاب جديد وهو كتاب الحدود.

    تعريف الحد

    والحدود: جمع حد. والحد في الأصل: هو الشيء الحاجز بين شيئين، تقول: بنيت السور حداً بين أرضي وأرض فلان. أي: فاصلاً بين أرضي وأرض فلان. ويقال: الحد: هو ما ميز الشيء عن غيره. والمعنى واحد، ومنه حدود الدار، وحدود الأرض، وغير ذلك. أي: أن الدار يحدها من جهة الشرق كذا، ومن جهة الغرب كذا، ومن جهة الشمال كذا، ومن جهة الجنوب كذا، فهذه حدود الدار، وكذلك الأرض وغير ذلك.

    وهو في اللغة بمعنى: المنع. ونحن دائماً نقول في المصطلحات الشرعية: لها معنىً لغوي ومعنى شرعي، ونقول: شرعي أو اصطلاحي، وفي الغالب بين المعنيين ارتباط وثيق.

    فالحد في اللغة بمعنى: المنع، وسميت عقوبات المعاصي حدوداً؛ لأنها في الغالب تمنع العاصي من العود إلى تلك المعصية التي حد لأجلها، كما يطلق الحد على نفس المعصية ونفس الجريمة ونفس الكبيرة أحياناً فنقول: الخمر حد، والسرقة حد، والزنا حد، كما قال الله تعالى بعد أن عدد هذه الكبائر: وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ [البقرة:230] مع أنها ليست حداً، وهذا من باب إطلاق اللازم على لازمه.

    والحد في الشرع: هو عقوبة مقررة لأجل حق الله عز وجل. فيخرج بذلك التعزير؛ لأن الفارق بين الحد والتعزير كبير.

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [كتاب الحدود باب حد السرقة ونصابها]. فبدأ بذكر السرقة ونصابها. أي: النصاب اللازم لاعتبار أن هذه الجريمة سرقة من عدمها.

    الأحاديث الواردة في قطع يد السارق في ربع دينار فأكثر

    قال: [حدثنا يحيى بن يحيى وإسحاق بن إبراهيم وابن أبي عمر - محمد بن يحيى العدني- واللفظ لـيحيى قال ابن أبي عمر : حدثنا، وقال الآخران: أخبرنا سفيان بن عيينة - عن الزهري عن عمرة] وهي بنت عبد الرحمن الأنصارية المدنية تلميذة وخريجة عائشة رضي الله عنها، تروي عن أستاذتها عائشة بنت الصديق رضي الله عنها.

    [قالت: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقطع السارق في ربع دينار فصاعداً)]. أي: تقطع يد السارق في ربع دينار فصاعداً. يعني: لم يثبت عنه عليه الصلاة والسلام بنص صحيح أنه أقام الحد على من سرق أقل من ربع دينار، ولذلك شتان ما بين هذا النص وبين قوله عليه الصلاة والسلام: (لا تقطع يد السارق إلا في ربع دينار فصاعدا) هذا الأسلوب يستلزم الحصر وهو من أساليب البيان عند اللغويين، قال: (لا يقطع إلا في ربع دينار) (لا) و(إلا) كما لو قلت: لا إله إلا الله، (لا) نفي لجميع الآلهة، (إلا) إثبات لإله واحد.

    فقوله: (لا قطع إلا في ربع دينار) يستلزم أنه يحرم القطع في أقل من ربع دينار، فهذا أسلوب حصر لأدنى نصاب السرقة التي تستوجب الحد. والذي يسرق البيضة الصغيرة يقال له: سارق. والذي يسرق السواك الذي لا قيمة له يقال له: سارق، لكن لا يقام عليهما الحد؛ لأن هذه السرقة ليست في شيء ذي بال وليس لها كبير قيمة حتى في العرف، فالذي يسرق البيضة والذي يسرق السواك والذي يسرق الورقة الواحدة أو عدة أوراق أو غير ذلك من الأشياء التافهة إنما يعزر ولا يقام عليه الحد. ولك أن تفهم من هذا الكلام: أن ما لم يبلغ النصاب فيه التعزير دون الحد.

    قال: [وحدثنا إسحاق بن إبراهيم وعبد بن حميد قالا: أخبرنا عبد الرزاق -وهو ابن همام الصنعاني اليمني- قال: أخبرنا معمر -وهو ابن راشد البصري اليمني-.

    وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة -أي: عبد الله الكوفي- قال: حدثنا يزيد بن هارون أخبرنا سليمان بن كثير - وهو أبو داود العبدي البصري - وإبراهيم بن سعد المدني كلهم يروون عن الزهري] -أي: معمر وسليمان بن كثير وإبراهيم بن سعد يروون عن الزهري

    قال: [بمثله في هذا الإسناد] أي: بمثل الحديث الماضي من قول عائشة : (كان النبي عليه الصلاة والسلام يقطع يد السارق في ربع دينار فصاعداً) .

    تخبر بلسانها عن فعل النبي صلى الله عليه وسلم، وأنه كان عليه الصلاة والسلام يفعل كذا وكذا. ولكن النص الذي سيأتي معنا هو نص من قوله عليه الصلاة والسلام، لا من قول أحد، ولا من قول زوجه حكاية عنه عليه الصلاة والسلام قولاً أو فعلاً.

    قال: [وحدثني أبو الطاهر وحرملة بن يحيى . وحدثنا الوليد بن شجاع -واللفظ للوليد وحرملة- قالوا: حدثنا ابن وهب - عبد الله بن وهب المصري- أخبرني يونس عن ابن شهاب . ويونس إذا كان بين ابن وهب وابن شهاب فإنه يونس بن يزيد الأيلي .

    قال: [عن عروة وعمرة -أي عن عروة بن الزبير وعمرة بنت عبد الرحمن- عن عائشة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال] يصير هذا الحديث من قوله عليه الصلاة والسلام، بخلاف الحديث الأول فإنه حكاية عن النبي عليه الصلاة والسلام من لفظ عائشة رضي الله عنها. [قال: (لا تقطع يد السارق إلا في ربع دينار فصاعداً)] بخلاف اللفظ الأول قالت: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقطع السارق في ربع دينار فصاعداً) حكاية تحكيها عن النبي عليه الصلاة والسلام من فعله.

    أما الحديث الذي معنا فإنه من قوله عليه الصلاة والسلام، كأنه يأمر الأمة فيقول: لا تقطعوا يد السارق إلا في ربع دينار فصاعداً. أي: لا تقطعوا يد السارق إلا إذا سرق ربع دينار أو ما يوازيه ويساويه من الأشياء المتقيمة والمتمولة.

    قال: [وحدثني أبو الطاهر وهارون بن سعيد الأيلي وأحمد بن عيسى -واللفظ لـهارون وأحمد- قال أبو الطاهر : أخبرنا، وقال الآخران: حدثنا ابن وهب -أخبرني مخرمة عن أبيه-] ومخرمة هو ابن بكير بن عبد الله بن الأشج أبو المسور المدني يروي عن أبيه - عن سليمان بن يسار عن عمرة أنها سمعت عائشة تحدث: أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (لا تقطع اليد إلا في ربع دينار فما فوقه) ] أي: فصاعداً. والمعنى واحد.

    قال: [وحدثني بشر بن الحكم العبدي حدثنا عبد العزيز بن محمد - وهو الدراوردي - عن يزيد بن عبد الله بن الهاد]. واللغويون يثبتون الياء والمحدثون يحذفونها، والأصل أنه ابن الهادي. [قال: عن أبي بكر بن محمد - وهو ابن عمرو بن حزم الأنصاري المدني - عن عمرة عن عائشة : أنها سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (لا تقطع يد السارق إلا في ربع دينار فصاعداً).

    وحدثنا إسحاق بن إبراهيم ومحمد بن المثنى وإسحاق بن منصور . ثلاثتهم عن أبي عامر العقدي - وهو عبد الملك بن عمرو القيسي - قال: حدثنا عبد الله بن جعفر من ولد المسور بن مخرمة عن يزيد بن عبد الله بن الهاد بهذا الإسناد مثله]. يعني: عن يزيد عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن عمرة عن عائشة مرفوعاً من قوله عليه الصلاة والسلام: (لا تقطع يد السارق إلا في ربع دينار فصاعداً).

    شرح حديث: (لم تقطع يد السارق في عهد رسول الله في أقل من ثمن المجن ...)

    قال: [وحدثنا محمد بن عبد الله بن نمير حدثنا حميد بن عبد الرحمن الرؤاسي عن هشام بن عروة عن أبيه عروة بن الزبير عن عائشة قالت: (لم تقطع يد السارق في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في أقل من ثمن المجن)].

    أي:لم تقطع يد سارق في زمن النبوة في أقل من ثمن المجن. والمجن: هو اسم لكل ما يمكن أن يستتر به مستتر، كالخوذة والدرع والحجفة أو الترس الذي يتترس به المرء، وكل هذه من أدوات القتال والحرب، وهي أسماء لبعض عدد الحرب سواء كانت المجن أو الحجفة أو الترس أو الخوذة أو الدرع أو غير ذلك، فلم تقطع يد سارق في زمن النبي عليه الصلاة والسلام في أقل من ثمن المجن الذي يستتر به المرء.

    قال: [(حجفة أو ترس، وكلاهما ذو ثمن)] فالحجفة والترس كلاهما ذو ثمن، يعني: متقوم، متمول. يعني: له قيمة مالية تقدر بربع دينار فصاعداً. فالنبي عليه الصلاة والسلام لم يقطع يد السارق الذي سرق ربع دينار أمراً لازماً، وإنما يقطع يد من يسرق ربع دينار أو ما يعادله من أشياء أخرى، لكن لا بد أن تكون هذه الأشياء متقومة أو متمولة وليست مما حرمها الله عز وجل.

    قال: [وحدثنا عثمان بن أبي شيبة أخبرنا عبدة بن سليمان وحميد بن عبد الرحمن . وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا عبد الرحيم بن سليمان -وهو الكناني أبو علي الشامي المروزي نزيل الكوفة- وحدثنا أبو كريب -محمد بن العلاء الهمداني- حدثنا أبو أسامة -وهو حماد بن أسامة- كلهم عن هشام -وهو هشام بن عروة الذي يروي عن أبيه عن عائشة بهذا الإسناد- أي بالإسناد السابق. وفي حديث عبد الرحيم وأبي أسامة قالا: (وهو يومئذ ذو ثمن) ] أي: هذا المجن كان في زمن النبي عليه الصلاة والسلام ذو ثمن. يعني: له قيمة.

    شرح حديث القطع في مجن قيمته ثلاثة دراهم

    قال: [حدثنا يحيى بن يحيى قال: قرأت على مالك -وهو مالك بن أبي عمرو الأصبحي الإمام الفقيه المعروف سيد أهل المدينة في زمانه- عن نافع -وهو نافع الفقيه مولى ابن عمر- عن ابن عمر : (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قطع سارقاً في مجن قيمته ثلاثة دراهم)] والدينار: اثنا عشر درهماً.

    قال: [وحدثنا قتيبة بن سعيد وابن رمح عن الليث بن سعد . وحدثنا زهير بن حرب وابن المثنى قالا: حدثنا يحيى القطان. وحدثنا ابن نمير قال: حدثنا أبي -عبد الله بن نمير- وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا علي بن مسهر . كلهم عن عبيد الله]. يعني: هؤلاء الأربعة يروون عن عبيد الله ، وهو ابن عمر العمري الإمام الكبير أحد الفقهاء السبعة في المدينة.

    قال: [وحدثني زهير بن حرب حدثنا إسماعيل -يعني: ابن علية وهذا الأول- وحدثنا أبو الربيع وأبو كامل قالا: حدثنا حماد -وهذا الثاني- وحدثني محمد بن رافع قال: حدثنا عبد الرزاق أخبرنا سفيان عن أيوب السختياني وأيوب بن موسى وإسماعيل بن أمية - أيوب وأيوب وإسماعيل - وحدثني عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي أخبرنا أبو نعيم - وهو الفضل بن دكين الكوفي - قال: حدثنا سفيان - وهو الثوري - عن أيوب بن أبي تميمة السختياني وإسماعيل بن أمية وعبيد الله وموسى بن عقبة . وحدثنا محمد بن رافع حدثنا عبد الرزاق أخبرنا ابن جريج أخبرني إسماعيل بن أمية . وحدثني أبو الطاهر أخبرنا ابن وهب عن حنظلة بن أبي سفيان الجمحي وعبيد الله بن عمر ومالك بن أنس وأسامة بن زيد الليثي كلهم عن نافع].

    كل هؤلاء -حوالي عشرة- يروون عن نافع ابتداءً من أول ما وقفنا عند عبيد الله بن عمر العمري ، وانتهاءً بما انتهى به كل إسناد حتى آخر إسناد، فإنهم جميعاً يروون عن نافع مولى ابن عمر.

    قال: [عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم بمثل حديث يحيى بن يحيى عن مالك] الإسناد المتقدم، غير أن بعضهم قال: (قيمته) وبعضهم قال: (ثمنه ثلاثة دراهم).

    شرح حديث لعن السارق

    قال: [ حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وأبو كريب قالا: حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لعن الله السارق يسرق البيضة فتقطع يده، ويسرق الحبل فتقطع يده) ].

    (لعن الله السارق) ونحن نعلم أن من علامات الكبائر: اللعن، فإذا أتى نص يلعن فاعلاً فعل شيئاً فهذا يدل على أن هذا الفعل كبيرة، سواء استلزم هذا الفعل إقامة الحد أم لم يستلزم، فقال عليه الصلاة والسلام: (لعن الله السارق). ماذا يسرق؟ قال: (يسرق البيضة فتقطع يده، ويسرق الحبل فتقطع يده).

    والإسناد الثاني يقول: [حدثنا عمرو الناقد وإسحاق بن إبراهيم وعلي بن خشرم كلهم عن عيسى بن يونس - وهو ابن أبي إسحاق السبيعي - عن الأعمش بهذا الإسناد مثله، غير أنه يقول: (إن سرق حبلاً وإن سرق بيضة)] يعني: لعن الله السارق إن سرق بيضة أو إن سرق حبلاً، والمعلوم أن البيضة والحبل لا يساويان ربع دينار.

    وهذه الأموال المذكورة في النصوص مردها إلى أصل الصرف في لغة العرب وهما الذهب والفضة. يعني: إذا ذكرت النصوص القرآنية أو النبوية مثل هذه الأموال كالدينار والدرهم وغيرها مما هو معروف أنه مال فإنما المقصود والمراد بذلك: الذهب والفضة، فالمقصود بالدينار: الدينار الذهب، والمقصود بالدرهم: الدرهم الفضة. هكذا أجمع أهل العلم على ذلك؛ لأنهما أصل الصرف في لغة الشرع.

    وقد سمعت أحد العلماء المتخصصين في علوم الشرع -صنف رسالة عظيمة جداً في المكاييل والمعايير والموازين والمسافات وغير ذلك، وهي رسالة سديدة في بابها- سمعته يقول: الدينار حوالي (160) جنيهاً، وعلى ذلك يكون القطع في (40) جنيهاً فلو زدنا قليلاً يصير (50) جنيهاً. إذاً: هل يصح القطع في أقل من خمسين؟ الجواب: لا. وإنما يجب القطع إذا بلغ السلطان في خمسين وما زاد على ذلك، هذا إذا كان الجنيه المصري له قيمة الآن، لكن على أية حال هذه المسألة مردها إلى معرفة عين المال وقيمة المال في العرف.

    الجمع بين حديث: (لعن الله السارق) والنهي عن اللعن

    الحديث الأخير يقول: [(لعن الله السارق يسرق البيضة فتقطع يده، ويسرق الحبل فتقطع يده)]. هذا الحديث فيه مبحثان:

    الأول: مسألة اللعن، وقد وردت نصوص كثيرة جداً بإثبات اللعن، كما وردت أيضاً نصوص كثيرة جداً بالنهي عن اللعن، فكان لابد من الجمع بين النصين لوجود التعارض بينهما: نص يأمر باللعن أو يلعن ونص آخر ينهى عن اللعن، فما هو التوفيق وما هو السداد في هذا؟

    قال أهل العلم في الجمع بين ذلك: لا بأس بلعن معين، فإذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لعن الله السارق) فهذا يعني: جواز لعن السارق بعينه إذا سرق. وهذا الرأي إن لم يكن مرجوحاً فهو ضعيف.

    والمذهب الحق -وهو ما عليه جمهور أهل السنة- أن لعن المعين لا يصح ولا يجوز، فلا يجوز أن أقول: لعن الله زيداً لأنه سرق، وإنما أقول: لعنة الله على السارق، لعنة الله على الظالم، لعنة الله على الفاسق، وغير ذلك مما هو لعن للوصف لا للفرد، فقولي: لعنة الله على الظالمين لعن للوصف، لكني لو قلت: لعن الله فلاناً لأنه ظالم فهذا لعن للفرد.

    ولعن الكافر فيه نزاع بين أهل العلم، والإمام النووي نقل مذهب كثير من العلماء: أنه لا يجوز لعنه إلا إذا مات على الكفر؛ لأن اللعن هو الطرد من رحمة الله عز وجل، وربما إذا لعنت الكافر دخل في الإسلام فكنت أنت في مأزق، لكنك لو قلت: لعن الله الكافرين؛ لكان هذا أولى وأحوط؛ ولذلك قال الإمام النووي في قوله عليه الصلاة والسلام: (لعن الله السارق يسرق البيضة فتقطع يده، ويسرق الحبل فتقطع يده) قال: هذا دليل جواز لعن غير المعين من العصاة.

    إذاً: لعن المعين لا يجوز، فإذا كان في هذا الحديث جواز لعن غير المعين من العصاة، فمفهوم المخالفة منه أيضاً: أنه لا يجوز لعن المعين من العصاة؛ لأن لعن غير المعين من العصاة هو لعن للجنس لا للمعين، كما قال الله عز وجل: أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ [هود:18] فهذا لعن لجنس الظالمين، وليس لظالم معين بذاته، وأما المعين فلا يجوز لعنه. قال القاضي : وأجاز بعضهم لعن المعين ما لم يحد -أي: ما لم يقم عليه الحد- فإذا حد لم يجز لعنه، فإن الحدود كفارات لأهلها.

    قال القاضي : وهذا التأويل باطل للأحاديث الصحيحة في النهي عن اللعن، فيجب حمل النهي على المعين ليجمع بين الأحاديث.

    إذاً: يجوز لعن الصفة لا لعن الموصوف.

    والأصل: أن القول مقدم على الفعل، فقوله عليه الصلاة والسلام مقدم على فعله لكن هذا عند الخلاف، فإذا وقع خلاف بين قوله وبين فعله عليه الصلاة والسلام فمع وجود الترجيح يقدم القول؛ لأن القول أمر أو نهي للأمة. أما إذا لم يكن هناك اختلاف فقد جرت عادة المصنفين على تقديم القول أو تقديم الفعل كلاهما سواء، ولا خلاف هنا، لكن لفظ النبوة أضبط؛ لأنه أحصر لمسائل الباب من قول عائشة رضي الله عنها؛ فهي حكت فعله وهو وجه أمره أو نهيه للأمة، فلا خلاف بين النصين.

    معنى قوله في الحديث: (يسرق البيضة) (أو يسرق الحبل) وتأويل ذلك

    المبحث الثاني في هذا الحديث قوله: (يسرق البيضة فتقطع يده، أو يسرق الحبل فتقطع يده). في الحقيقة أن البيضة لا يبلغ ثمنها ثلاثة دراهم وكذلك الحبل، فكيف يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (يسرق البيضة فتقطع يده)؟ هناك تأويلات. قالوا: المراد بها: بيضة الحديد، وحبل السفينة وكل واحد منهما يساوي أكثر من ربع دينار، وبيضة الحديد هي الدرع الذي يتخذه المجاهد للدفاع عن نفسه، يقال: فلان حمته بيضته. يعني: درعه الذي يتوقى به الضربات. ونقول: فلان استأصل بيضة فلان. أي: ضربه حتى أخذ منه عدة سلاحه، فقوله: (يسرق البيضة) أي: بيضة الحديد، وهي تبلغ أكثر من ثلاثة دراهم.

    وكذلك حبل السفينة وهو الحبل العظيم الذي تربط به السفينة في مرساها، لكن المحققين أنكروا هذا التأويل وضعفوه وقالوا: بيضة الحديد وحبل السفينة لهما قيمة ظاهرة، وليس هذا السياق موضع استعمال القيمة الظاهرة، لأنه بداهة كما أقول: لعن الله السارق يسرق البقرة فتقطع يده، فمن المعلوم أن البقرة لها قيمة أكثر من ربع دينار بل أكثر من دنانير كثيرة، فالنص إنما ورد للزجر الشديد عن أن تمتد اليد إلى غير مالها وإن دق أو قل، فلا يستوي أن يكون هذا الزجر مع الشيء الذي له قيمة ظاهرة كحبل السفينة وبيضة الحديد. هكذا قال المحققون.

    وقالوا: بل بلاغة الكلام تأباه؛ لأنه لا يذم في العادة من خاطر بيده في شيء له قدر وإنما يذم من خاطر بها فيما لا قدر له، فهذا موضع تقليل لا تكثير.

    وقد يعمل الإنسان عملاً صغيراً في نظر العرف وهو عند الله عظيم، وقد يعرض نفسه لعذاب مهين بسبب عود من أراك، أو شملة غلها من الغنيمة قبل أن توزع، أو عباءة، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: (كلا والذي نفس محمد بيده، إني لأرى الشملة تشتعل عليه ناراً) مع أنه كان مجاهداً وكان معرضاً نفسه للقتل في ساحة الوغى، لكن نفسه الضعيفة في لحظة غفلة أمرته أن يأخذ عباءة من الغنائم قبل أن توزع فمنعته هذه العباءة رغم رداءتها وقلة نفاستها أن يكون مع أول الداخلين إلى الجنة، وكانت سبباً في تعذيبه وهلاكه؛ ولذلك قال الصحابة: (إنه في الجنة)، وأخبروا النبي صلى الله عليه وسلم بذلك لحسن ظنهم في أخيهم، فقالوا كان خادماً للنبي عليه الصلاة والسلام ومولى له: (إن مولىً لرسول الله استشهد فدخل الجنة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لا، إنه قد غل شملة وإني لأراها الآن تشتعل عليه ناراً) سبحان الله! رداء حقير، ومع هذا يشتعل عليه ناراً.

    وكذلك السارق يعرض نفسه إلى قطع يده في شيء ليس محل استنكار العرف، وهناك من يعرض نفسه للهلاك أو القتل أو الرجم أو غير ذلك بسبب شيء تافه، ولا شك أن الشيء الكبير محل ذم، لكن القليل الذي يعرض صاحبه للحد أكثر ذماً، والله أعلم.

    قال الإمام النووي: (الصواب أن المراد: التنبيه على عظم ما خسر -وهي يده- في مقابلة حقير من المال وهو ربع دينار، فإنه يشارك البيضة والحبل في الحقارة). فالبيضة في وسط البيض شيء حقير، والحبل في وسط الحبال شيء حقير، كذلك الربع دينار في وسط الدنانير شيء حقير. هذا تأويل.

    قال: (أو أراد جنس البيض وجنس الحبل). فالذي يسرق بيضة إن تيسر له أن يسرق بيضاً سرق، والذي يسرق الحبل إن تيسر له أن يسرق حبالاً سرق، فأطلق النبي صلى الله عليه وسلم الجزء وأراد الكل بإرادة الجنس لا إرادة هذا الشيء المذكور، فقوله: (يسرق البيضة) أي: جنس البيض. وقوله: (يسرق الحبل) أي: جنس الحبل، فيحد حينما يسرق ببيض متقوم بربع دينار فصاعداً، أو بحبال متقومة بربع دينار فصاعداً.

    قال النووي: (أو أنه إذا سرق البيضة فلم يقطع جره ذلك إلى سرقة ما هو أكثر منها فقطع). وهناك مثل يقول: الذي يسرق البيضة يسرق الجاموسة. يعني: يجره سرقة القليل إلى سرقة الكثير، فإذا كنت تسرق البيضة ولا تقطع يدك فإنه سيأتي عليك اليوم الذي تسرق ما هو أعظم من البيضة ويقدر بنصاب القطع فتقطع يدك فيه؛ وذلك لأنك ألفت السرقة من أول الأمر.

    قال: (فكانت سرقة البيضة هي سبب القطع). أي: هي السبب لمبدأ السرقة لا لمبدأ أنه سرق بيضة.

    قال: (أو أن المراد به: قد يسرق البيضة أو الحبل فيقطعه بعض الولاة سياسة). لكن هذا كلام فيه شذوذ شرعي.

    قال: (وقيل: إن النبي صلى الله عليه وسلم قال هذا عند نزول آية السرقة مجملة من غير بيان نصاب فقاله على ظاهر اللفظ، والله أعلم). يعني: لما أنزل الله تعالى: وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ [المائدة:38] فقطع النبي أول الأمر في أقل السرقة أو في كل ما هو سرقة، ثم أتاه الوحي بعد ذلك أنه لا قطع في أقل من ربع دينار، وهذا أيضاً بعيد.

    1.   

    الحكمة من مشروعية قطع يد السارق

    قال النووي رحمه الله: قال القاضي عياض: (صان الله تعالى الأموال بإيجاب القطع على السارق). فأنتم تعلمون أن الأغراض الأساسية للشرع خمسة، وهي: الدين، العرض، المال، النفس، العقل، وهذا الحد -وهو حد السرقة- من باب الحفاظ على المال. قال: (ولم يجعل ذلك في غير السرقة كالاختلاس والانتهاب والغصب -والغش وغير ذلك- لأن ذلك قليل بالنسبة إلى السرقة). يعني: هذه الجرائم وإن كانت كلها اعتداء على المال إلا أنه يمكن تداركها ومعرفتها وإقامة البينة عليها بخلاف السرقة، فإنها تتم خفية.

    قال: (ولأنه يمكن استرجاع هذا النوع بالاستدعاء إلى ولاة الأمور). يعني: الغصب والاختلاس والانتهاب وغير ذلك يمكن لولي الأمر أن يقيم البينة على المغتصب أو المنتهب أو المختلس. قال: (وتسهل إقامة البينة عليه بخلاف السرقة؛ فإنه تندر إقامة البينة عليها؛ فعظم أمرها واشتدت عقوبتها؛ ليكون أبلغ في الزجر عنها).

    1.   

    ذكر إجماع الأمة على قطع يد السارق في الجملة واختلافهم في فروعه

    قال: (أجمع المسلمون على قطع السارق في الجملة). أي: أجمع المسلمون على وجوب قطع يد السارق في الجملة.

    قال: (لكنهم اختلفوا في فروع هذا الحد). يعني: أجمعوا واتفقوا على أن يد السارق تقطع، وهذا هو الأصل، لكنهم اختلفوا في شروط السرقة أو في شروط المسروق أو في شروط الحرز؛ وذلك لأنه من أساسيات الحدود أن يقيمها الوالي ولا يقيمها عامة الأفراد، بخلاف التعزير فلعامة الأفراد أن يعزروا، فللسيد أن يعزر عبده، وللزوج أن يعزر امرأته، وللوالد أن يعزر ولده، وكل شخص يعزر من تحته حسب ما يتراءى له ما لم يبلغ أكثر التعزير أقل الحد، كما قال عليه الصلاة والسلام: (لا حد في أقل من عشرة أسواط) يعني: فالإنسان لما يعزر لا يضرب أكثر من عشر جلدات؛ لأن التعزير قد يكون بالكلمة أو بالوعظ أو بالتوبيخ أو بالهجر أو بالتقريع أو غير ذلك، فالفارق الجوهري بين الحد والتعزير: أن الحد يقيمه الحاكم، والتعزير للحاكم ولغيره من الناس؛ لأن الحد الشرعي له ضوابط وأصول وظروف، وأقل شبهة يدرأ بها الحد.

    مثال ذلك: شخص يعمل في محل، فأكل صاحب المحل عليه راتبه الشهري ومقداره (500) جنيه، ومن عادة صاحب المحل أن يأخذ المال ويضعه في خزينة، وهذه الخزينة مغلقة بمفتاح، فإنه يكفي أن تسمى هذه الخزينة حرزاً، لكن هذا العامل كسر القفل وفتح الخزينة وأخذ منها (500) جنيه، فهو في هذه الحالة سارق؛ لأنه أخذ مالاً محرزاً بغير إذن.

    فنقول: هذا فيه شبهة تمنع إقامة الحد عليه، وهي أنه لم يسرق إلا ماله الذي أكله عليه صاحب المحل، فهذه الشبهة يدرأ بها الحد، ولو أن إقامة الحد موكولة إلى الناس لأقام عليه الحد صاحب المحل.

    فلو أن كل إنسان يسمح لنفسه بإقامة الحد على من ظن أنه ارتكب جرماً يستوجب إقامة الحد، فلن يكون هذا المجتمع محترماً؛ ولذلك الحدود لا يقيمها إلا الحاكم.

    ولو أن ولداً زنى وبلغ الخبر إلى أبيه وقال له: يا ولدي! أنت زنيت؟ فقال له: لا أجمع على نفسي معصيتين الكذب والزنا، نعم، أنا زنيت. فهل يجوز للوالد أن يقول: نحن في زمن ترك الحدود وأنا أتقرب إلى الله بإقامة الحد عليك يا بني، ويتمثل قول إبراهيم عليه السلام لما أراد أن يقتل ولده بأمر الله عز وجل؟! هذا لا يمكن أن يكون ديناً أبداً، حتى الوالد لا يقيم على ولده الحد، ولا الزوج يقيم على زوجه الحد، إنما يقيم الحد الحاكم أو من ينوب عنه، فإقامة الحدود لها شروط، وهناك زوايا متعددة في هذه الجريمة، كما أن المسروق فيه شروط ومحل السرقة -وهو الحرز- له شروط.

    1.   

    ذكر أقوال العلماء وخلافهم في نصاب حد السرقة

    قال: (أجمع العلماء على قطع يد السارق كما سبق، واختلفوا في اشتراط النصاب وقدره، فقال أهل الظاهر: لا يشترط نصاب، بل يقطع في القليل والكثير...). واحتجوا بعموم قوله تعالى: وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا [المائدة:38]. فهي مطلقة بغير قيد.

    واستدلوا أيضاً بحديث: (لعن الله السارق، يسرق البيضة ويسرق الحبل) فالبيضة المراد بها: البيضة التي تؤكل، لكن جماهير العلماء قالوا: لا تقطع اليد إلا في نصاب، وحجتهم هذا الحديث الظاهر: (لا قطع إلا في ربع دينار - أي ذهب - فصاعداً) واعتبروا أن عموم الآية مخصص بهذا الحديث.

    وهناك مسألة نزاعية أخرى: هل السنة تخصص القرآن؟ الجواب: نعم. وهذا مذهب أهل السنة، وذهب بعض أهل الانحراف إلى أن السنة لا تخصص القرآن، وهذا كلام فاسد.

    قال: قال الشافعي : النصاب ربع دينار ذهباً أو ما قيمته ربع دينار، سواء كانت قيمته ثلاثة دراهم أو أقل أو أكثر، ولا يقطع في أقل منه. وبهذا قال الأكثرون، وهو قول عائشة وعمر بن عبد العزيز والأوزاعي والليث وأبي ثور وإسحاق وغيرهم، وروي أيضاً عن داود .

    وقال مالك وأحمد وإسحاق في رواية: تقطع في ربع دينار أو ثلاثة دراهم أو ما قيمته أحدهما، ولا قطع فيما دون ذلك.

    وقال سليمان بن يسار وابن شبرمة وابن أبي ليلى والحسن في رواية عنه: لا تقطع إلا في خمسة دراهم- واستندوا إلى حديث ضعيف- وهو مروي عن عمر بن الخطاب . وقال أبو حنيفة وأصحابه: لا تقطع إلا في عشرة دراهم أو ما قيمته ذلك، واستندوا كذلك إلى حديث ضعيف.

    قال النووي: (وحكى القاضي عن بعض الصحابة: أن النصاب أربعة دراهم). واستندوا كذلك إلى نص غير صحيح.

    قال: (وعن عثمان البتي : أنه درهم. وعن الحسن : أنه درهمان. وعن النخعي : أنه أربعون درهماً أو أربعة دنانير). والصحيح ما قاله الشافعي وموافقوه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم صرح ببيان النصاب في هذه الأحاديث من لفظه وأنه ربع دينار.

    قال النووي: (أما باقي التقديرات فمردودة لا أصل لها، مع مخالفتها لصريح هذه الأحاديث).

    أما رواية: (أنه صلى الله عليه وسلم قطع سارقاً في مجن قيمته ثلاثة دراهم) فمحمولة على أن هذا القدر كان ربع دينار فصاعداً، وهي قضية عين لا عموم لها.

    فالنبي صلى الله عليه وسلم قطع في مجن قيمته ثلاثة دارهم أو ربع دينار، وهذه حادثة عين تحفظ ولا يقاس عليها أي مجن آخر؛ وذلك لأن المجن ليس هو الضابط في إيقاع الحد على السارق، إذ إن المجن في زمن النبي صلى الله عليه وسلم يساوي ثلاثة دراهم، لكن بعد زمن النبي صلى الله عليه وسلم فإنه لا يساوي درهمين، وفي زماننا هذا لا يساوي شيئاً.

    إذاً: هذه حادثة عين تحفظ ولا يقاس عليها، وقلنا: (تحفظ) لأنها كانت ذات قيمة تستوجب إقامة الحد.

    قال النووي: (فلا يجوز ترك صريح لفظه عليه الصلاة والسلام في تحديد النصاب لهذه الرواية المحتملة) أي: هذه الرواية بربع دينار. (بل يجب حملها على موافقة لفظه ...).

    قال: (ولا بد من هذا التأويل ليوافق صريح تقديره صلى الله عليه وسلم. وأما ما يحتج به بعض الحنفية وغيرهم من رواية جاءت (قطع في مجن قيمته عشرة دراهم) وفي رواية (خمسة) فهي ضعيفة لا يعمل بها لو انفردت فكيف وهي مخالفة لصريح الأحاديث الصحيحة. والله تعالى أعلم.

    1.   

    شروط إقامة حد القطع في السرقة

    قال الإمام النووي في هذا الباب: (قال العلماء: والحرز مشروط، فلا قطع إلا فيما سرق من حرز) فمن الشروط: أن القطع لا يكون إلا إذا كانت السرقة من حرز؛ لأن المسروق من غير الحرز لا قطع فيه، ويعرف الحرز بالعرف؛ وذلك لأن الأحراز مختلفة من سلعة إلى أخرى ومن بضاعة إلى أخرى.

    مثال ذلك: شخص يبيع ملابس وأحذية في سيارة، فلما سمع الأذان أدخل الأثواب والأحذية السيارة وأغلقها ودخل المسجد، فهذا يسمى حرزاً في العرف، فلو جعل الأحذية أو الأثواب على ظهر السيارة ووضع عليها عباءة فإن هذا لا يسمى حرزاً في العرف، ومن وضع نقوده في درج له مفتاح وأغلقه فقد حرز، وإذا لم يغلق ذلك الدرج لم يحرز، فلابد من اشتراط الحرز، وهذا مذهب الجماهير. والمعتبر في معرفته حرزاً أم لا هو العرف، لكن داود الظاهري قال: أي سرقة من حرز أو من غير الحرز فيها قطع. وهذا مذهب مردود، ويكاد يكون الإجماع في اشتراط الحرز عرفاً، ولا تعتبر مخالفة داود الظاهري مخالفة مؤثرة فيما اتفق عليه أهل العلم.

    ومن الشروط أيضاً: ألا يكون للسارق في المسروق شبهة، كما في حديث النبي صلى الله عليه وسلم : (أنت ومالك لأبيك) ، فالأب إذا سرق مال ولده باعتباره المالك فهذا المسروق فيه شبهة.

    ومن الشروط أيضاً: أن يطالب المسروق منه بالمال. أي: أن الذي سرق منه المال لابد أن يطالب به.

    1.   

    بيان كيفية القطع في حد السرقة

    قال: (وأجمعوا -أي: العلماء- على أنه إذا سرق أولاً قطعت يده اليمنى).

    قال الشافعي ومالك وأهل المدينة والزهري وأحمد وأبو ثور وغيرهم: فإذا سرق ثانياً قطعت رجله اليسرى. مع أن الله يقول: فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا [المائدة:38]، لكن الجمهور على قطع اليد اليمنى الأول، ثم تقطع الرجل اليسرى. يعني: تقطع الأيدي والأرجل من خلاف: اليمنى في اليد مع اليسرى في الرجل، ثم اليسرى في اليد مع اليمنى في الرجل.

    قال: (فإذا سرق ثالثاً قطعت يده اليسرى، فإن سرق رابعاً قطعت رجله اليمنى، فإن سرق بعد ذلك عزر).

    قال: (قال الشافعي وأبو حنيفة ومالك والجماهير: تقطع اليد من الرسغ وهو المفصل بين الكف والذراع، وتقطع الرجل من المفصل بين الساق والقدم). وهذا طبعاً المذهب الحق وعليه العمل.

    قال: (لكن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: تقطع الرجل من شطر القدم. وبه قال أحمد وأبو ثور . وقال بعض السلف: تقطع اليد من المرفق. وقال بعضهم من المنكب.

    والمذهب الراجح هو المذهب الأول: أن قطع اليد من الكف - أي: من الرسغ- وكذلك قطع القدم.

    أقول قولي هذا وأستغفر الله تعالى لي ولكم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.