إسلام ويب

شرح أصول اعتقاد أهل السنة - هل الاسم هو المسمىللشيخ : حسن أبو الأشبال الزهيري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • مسألة: هل الاسم هو المسمى أم لا؟ مسألة في غاية التعقيد والصعوبة، وقد وجدت هذه المسألة في الأزمنة الأولى، وعلى جهة الخصوص في القرن الثالث الهجري، وذلك لما عربت كتب اليونان، ودخلت الفلسفة على المسلمين، والحق في هذه المسألة: أن الاسم هو المسمى، خلافاً لبعض الفرق المبتدعة من المعتزلة وغيرهم، الذين خالفوا كتاب الله وسنة رسوله الكريم، وإجماع المسلمين، ولغة العرب والعرف والعادة.

    1.   

    بداية ظهور مسألة الاسم والمسمى

    إن الحمد لله تعالى، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

    ثم أما بعد:

    فإن مسألة: هل الاسم هو المسمى أم لا؟ مسألة في غاية التعقيد والصعوبة، ولا شك أنها مسألة قد صيغت في الأزمنة الأولى، وعلى جهة الخصوص في القرن الثالث الهجري، وذلك لما ظهرت الفلسفة، فتكلم المتكلمون في أسماء الله وصفاته، ووضعوا أمام أهل السنة العراقيل بزعمهم، واضطر أهل السنة إلى أن يردوا عليهم مفترياتهم، وأن يدحضوا الدخيل الذي لم يكن معلوماً لدى سلفنا رضي الله تعالى عنهم.

    فهل اسم الله يدل على ذات الإله؟ وهل لفظ الجلالة (الله) إذا أطلقناه نعني به ذات الله تبارك وتعالى؟ وإذا أطلقنا لفظ (الخالق) هل هذا الاسم يدل على ذات الإله أم أنه منفصل عن الإله تبارك وتعالى؟

    أي: هل الاسم هو عين المسمى، أم أنه خارج عنه؟

    1.   

    إنكار الإمام أحمد لمسألة: هل الاسم هو المسمى

    إن هذا الكلام لم يعرفه الصحابة ولا التابعون ولا أتباع التابعين؛ لأنهم علموا سلفاً أن الاسم هو المسمى؛ عرفوا ذلك بفطرهم، وبكتاب الله عز وجل، ولم يخوضوا في معرفة هذا المصطلح، ولذلك لما ظهر هذا المصطلح في القرن السادس أنكره الإمام أحمد بن حنبل غاية الإنكار، ولم يجب عنه لا لجهل عنده، فإنه كان إمام أهل السنة والجماعة، وكان عالماً بكل دقيقة وبكل صغيرة في عقيدة المسلمين، لكنه كره أن يسمع هذا المصطلح فضلاً أن يرد عليه، فتوقف فيه تمام التوقف، وقد نقل توقفه الإمام أحمد بن تيمية عليه رحمه الله في المجلد السادس من كتاب الفتاوى، كما نُقِل توقفه كذلك في كتاب طبقات الحنابلة، وغير ذلك من كتب الاعتقاد، فقد كرهه وأبغضه غاية البغض؛ لأن هذا الكلام لم يكن معروفاً لدى السلف فلم الخوض فيه؟ ولم إنشاؤه الآن؟

    و أحمد يعتقد أن السلف رضي الله عنهم -ونحن نعتقد كذلك- ما كان معلوم لديهم فهو دين الله تبارك وتعالى، وما لم يكن معلوماً لديهم، فإنما يكره أو يحرم الخوض فيه لمن أتى من بعدهم؛ لأن السلف رضي الله تعالى عنهم ما عرفوا إلا الحق، وما أذاعوا بينهم إلا الحق والرضا.

    لكن من أتى بعدهم -بعد دخول العجمة والفلسفة- اضطروا أن ينساقوا خلف الفلاسفة، وخاصة بعد أن عربت كتب الفلاسفة اليونانيين في حكم الدولة العباسية، ودخل الإسلام من الشر ما دخله بترجمة هذه الكتب، وعانى أهل العلم معاناة شديدة للرد على كلام الفلاسفة الذي تأثر به بعض علماء الإسلام وخاصة الأشاعرة.

    1.   

    سياق ما فسر من كتاب الله وما روي عن رسول الله وورد من لغة العرب على أن الاسم والمسمى واحد

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ سياق ما فسر من كتاب الله تعالى، وما روي عن رسول عليه الصلاة والسلام، وورد من لغة العرب على أن الاسم والمسمى واحد ].

    أي: إذا قلت: الله، فالمقصود ذات الإله، وذات الإله واسم الله شيء واحد، فالاسم هو المسمى، والمسمى هو الاسم.

    قال: [ وأنه هو هو لا غير أي: أن الاسم هو المسمى، فلا شيء خارج عنه؛ لذا فالكلام في هذا الباب -هل الاسم هو المسمى- هو ضرب من ضروب الكلام عن القرآن الكريم، وأنه كلام الله تعالى غير مخلوق؛ لأن المعتزلة على جهة الخصوص قالوا: الاسم ليس هو المسمى، ومرادهم بهذا: أن الله تبارك وتعالى كان ولم يكن له اسم، ثم بعد أن كان أوجد أسماءه، والذي يقول: إنه أوجد أسماءه يلزمه أن يقول: إن أسماء الله تعالى لم تكن ثم كانت، ثم يلزمه تباعاً أن يقول: إن أسماء الله تعالى حادثة، وكل حادث لابد وأنه إلى زوال وفناء، فيلزمهم أن يقولوا: إن أسماء الله تعالى كلها مخلوقة كما قالوا في صفة الكلام لله عز وجل، وهو القرآن الكريم، فقد قالوا: إنه مخلوق، أي: حادث، وأسماء الله تعالى ليست هي عين المسمى؛ فيلزمهم أن يقولوا: إن الفناء يطرأ على هذه الأسماء، فكان الله ولم يكن له اسم، ثم تسمى بهذه الأسماء بعد ذلك؛ فيلزمهم أن يقولوا: إن كل هذه الأسماء لابد وأن يحصل عليها الفناء.

    إن الذي يقول: إن أسماء الله ليست هي الله تعالى، أو ليست هي المسمى، وليست هي عين المسمى؛ يلزمهم أن يقولوا: إن أسماء الله تعالى حادثة، أي: أوجدت وأنشئت بعد أن لم تكن، والذي يقول بهذا الاعتقاد يقول: إنها لابد أن تفنى، فإن الله كان بلا أسماء، وكأنهم أرادوا أن يقولوا: إن الله تبارك وتعالى كان بغير اسم الرزاق، ولم يستحق هذا الاسم إلا بعد أن رزق، وكان بغير اسم الخالق، وما استحق أن يكون خالقاً إلا بعد أن خلق، وغير ذلك من أسماء الله عز وجل، وهذا كلام في غاية البطلان والفساد.

    بل قال أحمد بن حنبل: من قال بذلك فهو كافر؛ قياساً على كلامه في موقف المعتزلة من كلام الله عز وجل، فلما سئل عن القرآن: أهو مخلوق؟ قال: لا، إن القرآن كلام الله تعالى، وهو صفة من صفاته غير مخلوقة، ومن قال: إن القرآن مخلوق فقد كفر.

    أدلة أهل السنة والجماعة على أن الاسم هو المسمى

    وحجة أهل السنة والجماعة على أن الاسم هو المسمى، أو هو عين المسمى ما يلي: [ قوله تعالى: سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى * الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى [الأعلى:1-2]، وقال تبارك وتعالى: وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا [الأعراف:180]، وقال تبارك وتعالى: قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَّا تَدْعُوا فَلَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى [الإسراء:110] ].

    أي: عندما تدعون الله تبارك وتعالى فإنكم لابد أن تدعونه بأسمائه الحسنى؛ إذ أنه تبارك وتعالى لا يمكن أن تناديه بغير اسمه، بل ولا يتصور هذا، فتقول: يا رحمان يا رحيم يا قابض يا خالق يا رزاق يا بارئ يا مصور يا مهيمن يا عزيز يا جبار، وغير ذلك من أسمائه الحسنى، لكن لو رفعت يديك إلى السماء وأردت أن تدعو الله بغير اسمه فإنك ستعجز عن الكلام، وتعجز عن الدعاء؛ لأنه لابد وأن تذكره باسم من أسمائه، ولا يتصور أن الله تبارك وتعالى كان بغير اسم، ولم يستحق أن يسمى إلا بعد أن خلق له أسماء، لذا فإن من يقول: إن أسماء الله وصفاته مخلوقة، لابد وأن يقول: إنها فانية؛ لأن الله في نظره وفي زعمه كان بلا أسماء، وسيكون في آخر الزمان بلا أسماء كذلك، ولا شك أن هذا قول كذب ومفترى، بل هو الكفر البواح والصريح.

    قال: [ وقال الله تعالى: وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ [غافر:60]، وقال تعالى: فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ [غافر:65]، وقال تعالى: فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ [قريش:3]، ولم يقل أحد من العقلاء: من اسمه: رب هذا البيت).

    لأنهم يعلمون أن لله أسماء حسنى، وصفات عليا قد تسمى بها أزلاً، ولا تزال هذه الأسماء باقية إلى أبد الآبدين.

    قال: [ ولم يقل أحد من العقلاء من اسمه: رب هذا البيت، ولا قال أحد: ادع الذي اسمه: الله ]، وإنما يقولون: ادعوا الله؛ لأن الله تعالى يقول: فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ [قريش:3]، وقال: وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ [غافر:60].

    ولأن دعاء الاسم بخلاف دعاء المسمى، فعند إطلاق الاسم على الآدمي لابد وأن تعلم أن أسماء المخلوقين مخلوقة، بخلاف أسماء الخالق تبارك وتعالى فإنها غير مخلوقة، ولذلك يقول الله تبارك وتعالى: وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا [البقرة:31] أي: علم آدم بعد أن كان جاهلاً، وبعد أن لم يكن يعلم اسماً من الأسماء، فالله خلقه جاهلاً ولم يخلقه عالماً، ولذلك قال: وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا [البقرة:31]، وهذا يدل على أنه قبل تعليم الله له لم يكن عالماً بهذه الأسماء، وهذه الأسماء مخلوقة لآدم ومخلوقة في آدم، أي: أن الله تعالى خلقها وعلمها لآدم بعد أن كان جاهلاً بها.

    ولذلك فاسمك مخلوق، والاسم الذي ركب فيك وركب عليك كذلك مخلوق، ولذلك عندما يأتي المولود فيقال: نسميه إبراهيم، فيقول آخرون: بل نسميه محمداً، ويقول ثالث: بل نسميه سعداً، والرابع: يسميه سعيداً، وغير ذلك، ثم يستقر اسم ذلك الولد على ما قدره ربه تبارك وتعالى في اللوح المحفوظ، والذي سجله ربه تبارك وتعالى هناك.

    ثم انظر يا عبد الله! ألا ترى أنك تسمى حليماً وليس فيك شيء من الحلم، وتسمى لطيفاً وليس فيك من اللطف شيء، فلا يلزم أن يدل الاسم على المسمى؛ لأنك مخلوق واسمك كذلك مخلوق، بخلاف المولى عز وجل، فإنه خالق كل شيء، وهو سبحانه وتعالى ليس مخلوقاً، وإنما هو الإله الفرد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد، وكذلك أسماؤه تبارك وتعالى وصفاته العلى، فإنها ليست مخلوقة، وإنما هي أسماء وصفات أزلية أبدية ليست بمخلوقة.

    وهنا نقول: إن أسماء المخلوقين مخلوقة ولا تدل باللازم على المسمى؛ لأن المرء يسمى محمداً وليس فيه من الحمد شيء، ويسمى أحمد وإبراهيم وموسى وعيسى وغيرهم من أسماء أفراد هذه الأمة المحمدية وهم تاركون للصلاة، والصيام، والزكاة، والحج، وللأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، فهل هذا يدل على حمدهم لله، وشكرهم لله، وإنابتهم وإخباتهم لله؟ الجواب: لا، فإن أسماء المخلوقين مخلوقة، وليس بلازم أن يدل على عين المسمى، بخلاف المولى تبارك وتعالى فإنه لما كانت ذاته تبارك وتعالى ليست مخلوقة، وذوات المخلوقين مخلوقة، اختلفت الذات عن الذات، وبالتالي لابد وأن تختلف الصفات عن الصفات، إذ إن صفات الله تبارك وتعالى غير مخلوقة تبعاً لذات المولى تبارك وتعالى.

    وأما ذات المخلوقين لما كانت مخلوقة فلابد وأن تكون أسماءهم وصفاتهم كذلك مخلوقة، ولذلك لم يقل أحد من العقلاء: يا أيها الناس! ادعوا من اسمه الله، وإنما يقال: ادعوا الله مباشرة؛ لأن اسم (الله) يدل على ذات الإله، ولا يلتفت عنه قط، وأن ذات الاسم هو ذات المسمى.

    وقال تبارك وتعالى: فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ [العنكبوت:56]، وقال تعالى: وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا [النساء:36].

    من أعظم الشرك أن يقال: إن العبادة لاسمه، واسمه مخلوق، وقد أمر بالعبادة للمخلوق

    قال: [ومن أعظم الشرك أن يقال: إن العبادة لاسمه واسمه مخلوق، وقد أمر بالعبادة للمخلوق].

    فانظر إلى هذا اللبس وهذا الخلط، فرب رجل من المعتزلة يأتينا فيقول: من تدعون؟ فنقول: ندعو الله، فيقول: لا، أنتم الآن تدعون اسماً من أسماء الله، ولا تدعون ذات المسمى، وهو الله تبارك وتعالى، وأنتم بهذا قد أشركتم بالله! وهذا لبس وخلط، ولذلك رد عليهم الإمام فقال: [ ومن أعظم الشرك أن يقال: إن العبادة لاسمه واسمه مخلوق، وقد أمر بالعبادة للمخلوق ]؛ إذاً: فأنت الآن تدعو المخلوق كما تدعو السيد البدوي، والسيدة زينب، ونفيسة وغيرهم من الأولياء، وعليه فما الفرق عندكم -المعتزلة يوجهون هذا السؤال لأهل السنة- بين من يدعو البدوي وبين من يدعو اسماً من أسماء الله؟!

    فنقول لهم: إن الفرق شاسع وكبير جداً؛ لأننا نعتقد أولاً: أن الاسم هو المسمى، والأمر الثاني: أننا نعتقد أن أسماء الله تعالى لازمة لذاته لا تنفك عنه، فهي أزلية أبدية وليست بمخلوقة.

    قال: [ وهذا قول المعتزلة والنجارية وغيرهم من أهل البدع والكفر والضلال.

    وقال تبارك وتعالى: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ [الإخلاص:1].

    وقد أجمع المسلمون على أن (هو) إشارة إليه، وأن اسمه (هو).

    وقال تبارك وتعالى: فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ [الحج:36]، فأمر الله تبارك وتعالى أن يذكر اسمه على البدن حين نحرها للتقرب إليه سبحانه ]، فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ ولم يقل: اذكروا ذات الله، ليدل على أن الاسم هو المسمى.

    فإذا دعونا الله تبارك وتعالى فإنا نقول: باسم الله أذبح وأتقرب إلى الله، وباسم الله أجامع، وباسم الله آكل، وباسم الله أشرب، وباسم الله أمشي، وباسم الله أتوكل عليه، وأفعل كيت وكيت.

    بينما المعتزلة إذا سمعونا نقول ذلك يقولون: أنتم تدعون الاسم دون المسمى! فنقول لهم: وإن كان الأمر كذلك فإن الله قد أمرنا بذلك، وعندنا في ذلك بدل النص عشرات النصوص؛ لأن الله تعالى يقول: فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ [الحج:36]، ولم يقل: فاذكروا ذات الله؛ ليدل على أن الاسم هو المسمى.

    قال: [ وعلى مذهب المبتدعة: لو ذكر اسم زيد أو عمرو أو اللات والعزى يجزيه؛ لأن هذه الأسماء مخلوقة، وأسماء الله عز وجل عندهم مخلوقة ].

    أي: أنهم يقولون: لا فرق بين أن تدعو اللات والعزى، وأن تدعو الله؛ لأنك بهذا كله إنما تدعو أسماء، سواء دعوت أسماء هذه الآلهة، أو أسماء الله تبارك وتعالى، فالكل عندهم مخلوق، والكل عندهم نداء لغير الله عز وجل.

    قال: [ وقال في آية أخرى: فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ [الأنعام:118])، ولم يقل سبحانه: فكلوا مما ذكر ذات الله.

    وقال في موضع آخر: وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ [الأنعام:121].

    وقال تبارك وتعالى: تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ [الرحمن:78] -ولم يقل: تبارك ذات ربك- وقال في آية أخرى: فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ [غافر:64]، وقال تبارك وتعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا * وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا [الأحزاب:41-42]، وقال تعالى: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [الأحزاب:56] ].

    إجماع المسلمين على أن المؤذن إذا قال كلمة التوحيد فقد أتى بالتوحيد وأقر بالنبوة

    قال: [ وأجمع المسلمون: أن المؤذن إذا قال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله؛ فإنه قد أتى بالتوحيد ].

    أي: أقر بتوحيد الله عز وجل، وأنه قد دعا الله تبارك وتعالى بأسمائه وصفاته العلى.

    قال: [ وأقر بالنبوة ]؛ لأنه شهد أن محمداً رسول الله، ولذا فلا يتصور أن واحداً يقول: إن من قال: أشهد أن محمداً رسول الله؛ إنه قد دعا الاسم دون المسمى! كما أن واحداً لو ناداك وقال: قبحك الله يا زيد! وأنت اسمك زيد، فأردت أن تعاتبه فقال لك: أنا ما أردت تقبيح ذاتك، وإنما قبحت الاسم، ولا علاقة لك به، فهل يتصور ويعقل ذلك؟! إن هذا الكلام كله خلط ولا قيمة له، بل حتى في لسان العرب لا تجد مثل هذا الكلام؛ لأن الاسم عين المسمى.

    ثم قال: [ فإنه قد أتى بالتوحيد، وأقر بالنبوة إلا المعتزلة، فإنه يلزمهم أن يقولوا: أشهد أن الذي اسمه (الله) لا إله إلا هو، وأشهد أن الذي اسمه (محمد) هو رسول الله ].

    ولا يتصور أن يقبل هذا جاهل ولا عالم، فإذا قلنا له: لماذا قلت هذا؟ قال: لأنني اعتقد أن الاسم غير المسمى، وإذا قلت: أشهد أن لا إله إلا الله، فأنا الآن أنادي الاسم دون المسمى، وإذا قلت: أشهد أن محمداً رسول الله، فإنني أشهد للاسم بالنبوة والرسالة دون المسمى! وهذا الكلام غير صحيح، وقد أجمع أهل السنة والجماعة على خلاف ذلك.

    ولذلك قال المصنف: [ وهذا خلاف ما وردت به الشريعة، وخلاف ما عليه المسلمون، وكذلك هذه الأيمان التي بالله تبارك وتعالى كلها عندهم يجب أن تكون مخلوقة ].

    أي: لو أنك قلت: والله والبارئ والخالق والمصور وغيرها من أسمائه تبارك وتعالى، فكلها أيمان باطلة؛ لأنهم يقولون: إنك قد ناديت المخلوق، وهم بهذا -أي: المعتزلة- يريدون أن يسحبوا ما قالوه في كلام الله عز وجل على بقية أسماء الله وصفاته، وبالتالي يجرون جميع الأحكام التي قالوها في القرآن على بقية أسماء الله وصفاته، فيقولون: لا يجوز الحلف بالله، ولا بأسمائه، ولا صفاته؛ لأنها مخلوقة، وإذا حلفت بالله أو بأسمائه أو بصفاته؛ فإنما تحلف بالمخلوق، وبالتالي تكون مشركاً.

    فتأمل إلى زعزعة الثوابت في قلوب المسلمين، فهي ليست وليدة اليوم، نعم ظهر الآن في المسلمين بغال وحمير يشككون في الثوابت والأصول كالصلاة والصيام والزكاة والحج وغير ذلك، لكن زعزعة هذه الأصول على ألسنة هؤلاء الحمير والبغال لها أصول قديمة جداً، فتجد أنه ينعق بها اتباع كل ناعق، واتباع الحمير والبغال في الشرق والغرب؛ ليزعزعوا التوحيد في قلوب أهل السنة والجماعة.

    وأنا متأكد أنه لو سألك سائل في الشارع: هل الاسم هو المسمى أم لا؟ فإنك ستقول له: ما هذا؟ من أين أتيت بهذا الكلام؟ ما هو الاسم؟ وما هو المسمى؟ فسيقول لك: الاسم ليس هو المسمى؛ لأن أسماء الله مخلوقة، فيلبس عليك دينك، وتعود إلى بيتك بغير عقيدة أهل الإيمان وأهل التوحيد؛ لأنك بعدت كل البعد عن العلم، وعن طلب العلم، ثم إن هذه المسائل قد استعجمت على كثير من أهل العلم في السابق، فلم لا تعجم عليك يا عبد الله؟!

    ثم اعلم أن أصحاب البدع متخصصون في بدعهم، فقد علموا عنها كل كبيرة وكل صغيرة، وأحاطوا بها علماً، بل قد صنفوا وألفوا فيها الشبهات التي إذا ألقوها على جهلة المسلمين لتحيروا وتاهوا وضلوا، والعلم حابس لصاحبه ولأهله، فبالعلم تعصم من الضلال وتعصم من الغواية، وأما بغير العلم فإنه إذا ألقيت عليك شبهة تشربها القلب.

    وأنا أنبه على أن العلم واجب على كل مسلم ومسلمة، قال النبي عليه الصلاة والسلام: (طلب العلم واجب على كل مسلم)، ويدخل فيه تبعاً النساء، وهذا هو العلم الضروري الذي لا يمكن للمرء أن يستغني عنه، وإذا لقي الله تبارك وتعالى بغيره فقد لقيه بتقصير شديد، والله تعالى يؤثمه في الدنيا، ويحاسبه على هذا التقصير يوم القيامة.

    وإن من ألزم العلوم وأفرضها: علم العقيدة؛ لأنه يتعلق بذات الإله تبارك وتعالى، ولا يسعك أن تجهل إلهك ومعبودك، ولا يتصور أنك تعبد إلهاً وأنت لا تعرفه، وتتقي إلهاً وأنت لا تدري ما تتقيه؟ ومن تتقي؟ وبماذا تتقي؟ ولذلك من الخبط والعشواء أن تعبد إلهاً لست عارفاً به، وأن تتقي إلهاً وأنت لا تدري من هذا الذي تتقيه؟ وما الذي في قدرته وإمكانه؟ وكيف تتقيه؟ وبماذا تتقيه؟

    فالاسم عند أهل السنة هو المسمى، وعند غير أهل السنة والجماعة الاسم غير المسمى، وبالتالي فإن أسماء الله تعالى مخلوقة.

    أمثلة من السنة على أن الاسم هو المسمى

    قال: [ وروي عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه كان يقول في دعائه: (باسمك اللهم أحيا وأموت))، ولم يقل: بذاتك يا من سميت نفسك الله ].

    وهذه سنة عظيمة لمن أراد أن ينام، فيتوضأ وضوءه للصلاة، ثم ينام على جنبه الأيمن، ويضع يده تحت خده الأيمن، ثم يقول هذا الدعاء: (باسمك اللهم أموت وأحيا) أي: أموت الموتة الصغرى وهي النوم، ثم أحيا منها بإذنك يا رب! وباسمك يا رب!

    قال: [ وكان النبي صلى الله عليه وسلم يستشفي للمرضى -أي: يطلب لهم الشفاء من الله تبارك وتعالى- بقوله: (أعيذك بكلمات الله التامة)، وكلمات الله تبارك وتعالى التامة غير مخلوقة ].

    والنبي عليه الصلاة والسلام إنما كان يستشفي للمرضى بصفات الله عز وجل، وهي ليست مخلوقة، فقد كان يستعيذ بكلام الله العظيم تبارك وتعالى، وكان يعوذ بها الحسن والحسين.

    قال: [ وجبريل حين اشتكى رسول الله عليه الصلاة والسلام عوذه بها -أي: أن جبريل عليه السلام عوذ النبي عليه الصلاة والسلام بكلمات الله التامة- ثم قول الناس في الأدعية: اللهم اغفر لي وارحمني، لا أن يقولوا: يا من سميت نفسك (الله) اغفر لنا وارحمنا؛ لأنهم يعلمون أن الاسم هو المسمى، قال: معناه عندهم -أي: عند المعتزلة-: من اسمه الله -الذي هو مخلوق- اغفر لي! ].

    كفر من زعم أن الاسم غير المسمى

    قال: [ وهذا -أي الذي عند المعتزلة- كفر بالله، وخلاف كتاب الله تبارك وتعالى، وسنة رسوله الكريم، وإجماع المسلمين، ولغة العرب، والعرف والعادة ].

    أي: أن معتقد المعتزلة يخالف هذا كله، إذ ليس له مستند من كتاب، ولا سنة، ولا معقول، ولا منقول، ولا عادة، ولا عرف، وتصور قولاً لا يستند إلى شيء من هذا كله! وأما قول أهل السنة والجماعة فيستند إلى هذا كله، فلابد وأنه الحق كل الحق، وما بعد الحق إلا الضلال.

    بيان بطلان مذهب أن الاسم غير المسمى في لغة العرب

    قال: [ فأما لغة العرب: فهل العرب كانوا يعرفون أن الاسم هو المسمى أم أنهم يعرفون أن الاسم غير المسمى؟ وما قولهم في ذلك؟

    يقول الأصمعي ومعمر بن المثنى : إذا رأيت الرجل يقول: الاسم غير المسمى فاشهد عليه بالزندقة.

    وعن خلف بن هشام البزار المقري أنه قال: من قال: إن أسماء الله مخلوقة فكفره عندي أوضح من هذه الشمس، وأشار إليها ].

    والذي يقول: إن أسماء الله غير ذاته؛ يلزم من ذلك أن يقول: إن أسماء الله مخلوقة، ومن قال بذلك فكفره أوضح من هذه الشمس.

    ذكر العلماء الذين قالوا: إن الاسم هو المسمى

    قال: [ ومن الأئمة: الشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه ونعيم بن حماد ومحمد بن أسلم الطوسي ومحمد بن جرير الطبري ، وكل هؤلاء يقولون بذلك، وقد أجمعوا عليه.

    فهذا سفيان بن سعيد الثوري يروي بسنده عن عبد الملك بن عمير عن ربعي بن خراش عن حذيفة قال: (كان النبي عليه الصلاة والسلام إذا أوى إلى فراشه قال: اللهم باسمك أموت وأحيا، وإذا استيقظ قال: الحمد لله الذي أحيانا بعدما أماتنا، وإليه النشور).

    وعن ابن عباس قال: (كان النبي صلى الله عليه وسلم يعوذ حسناً وحسيناً فيقول: أعيذكما بكلمات الله التامة، من كل شيطان وهامة، ومن كل عين لامة. وكان يقول: كما كان أبوكما يعوذ به إسماعيل وإسحاق) ].

    يعني: أن هذا كان تعويذ إبراهيم عليه السلام لولديه إسماعيل وإسحاق.

    تابع الأدلة من السنة على أن الاسم هو المسمى

    قال: [ وعن ابن عباس قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (أما إن أحدكم لو يقول وهو يجامع -أي: يجامع امرأته-: باسم الله) ]، ولم يقل: باسم الذات التي سمى نفسه الله؛ لأن اسم الجلالة يدل على ذات الله، بل هو ذات الله تبارك وتعالى.

    قال: [ (باسم الله، اللهم جنبنا الشيطان، وجنب الشيطان ما رزقتنا، ثم قضي بينهما بولد لم يضره الشيطان أبداً) ]، أي: لم يقربه الشيطان أبداً، والحديث في الصحيحين.

    قال: [ وقال أبو هريرة رضي الله عنه: (جاء رجل إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام فقال: يا رسول الله! ما لقيت من عقرب لدغتني البارحة؟ -أي: إني لقيت ما لقيت من سم ذلك العقرب الذي لدغني- فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: أما إنك لو قلت حين أمسيت: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق؛ لم يضرك) ].

    أي: لو أنك قلت يا عبد الله! حين دخل عليك المساء: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق؛ لم يضرك شيء حتى تصبح.

    وكلمات الله التامات ليست مخلوقة؛ لأنها صفة من صفاته تبارك وتعالى، وصفاته غير مخلوقة.

    قال: [ وعن عائشة : (أن النبي عليه الصلاة والسلام كان إذا اشتكى رقاه جبريل عليه الصلاة والسلام فقال: باسم الله أبريك) ]، أي: أطلب لك البراءة والبرء والعفو والعافية من الله عز وجل.

    [ وفي رواية: (باسم الله أرقيك، من كل داء يشفيك، من شر كل ذي عين، ومن شر كل حاسد إذا حسد).

    وفي حديث أبي سعيد : (أن جبريل أتى النبي عليه الصلاة والسلام فقال: اشتكيت يا محمد؟ -أي: هل اشتكيت يا محمد علة؟- فقال: نعم، فقال جبريل عليه السلام: باسم الله أرقيك، من كل شيء يؤذيك، ومن شر كل نفس وعين، الله يشفيك، باسم الله أرقيك).

    وقال أبو سعيد الأصمعي : إذا سمعت الرجل يقول: الاسم غير المسمى فاشهد عليه بالزندقة.

    وقال أبو بكر ابن أبي داود السجستاني صاحب كتاب المصاحف: من زعم أن الاسم غير المسمى فقد زعم أن الله غير الله، وأبطل في ذلك -أي: أبطل في هذا المدعى، وتكلم بالباطل- لأن الاسم غير المسمى في المخلوقين، لأن الرجل يسمى محموداً وهو مذموم، ويسمى قاسماً ولم يقسم شيئاً قط، وإنما الله جل ثناؤه واسمه منه، ولا نقول: اسمه هو، بل نقول: اسمه منه تبارك وتعالى.

    أي: أن الاسم هو الذات ومن الذات، وليس منفصلاً عنه؛ لأنك لو قلت: إن الأسماء منفصلة عن الذات فلابد وأن تقول: بأنها مخلوقة، وهذه وصمة عظيمة جداً.

    مناقشة المعتزلة حول الاسم والمسمى

    قال: [ فإن قال قائل: إن اسمه ليس منه فإنه قال: إن الله مجهول! ] أي: لو قال رجل: إن اسمه ليس منه فإنه يلزمه أن يقول: إن الله مجهول؛ لأن الله لا تتعلق به أسماؤه، وليست لازمة لذاته، والله كان بغير اسم، أي: كان مجهولاً لدى ذاته ثم وجد، لكن الله لما علم أن ذلك نقص وعيب سمى نفسه بأسماء؛ حتى يحصل له التمام، ومن قال بذلك فقد كفر؛ لأن نسبة الجهل إلى الله تعني نسبة النقص إلى الله عز وجل، والله متصف بكل كمال وجلال وعظمة، ومن قال: بأن الاسم غير المسمى يلزمه أن يقول: إن الله كان بغير أسماء، وهذا عيب ونقص، والله منزه عن العيب والنقص.

    قال: [ فإن قال: إن له اسماً وليس به ]، أي: لو قال المعتزلي: نحن سنوافقكم على أن الله تبارك وتعالى أسماؤه أزلية، أي: كانت له الأسماء، لكنها ليست قائمة ولازمة به، فإنه لابد وأن يقول: إن مع الله إله آخر؛ لأن الأسماء لابد وأن تدل على الذات، فهل -يا معتزلي!- قولك: بأن الله كان وأن أسماءه كانت كذلك، لكن الأسماء لم تكن لازمة له في أول الأمر؛ هل يتصور اسم بغير مسمى، أو مسمى بغير أسماء؟

    فإذا قلت: إن الاسم لم يكن له أسماء لازمة به؛ فيلزمك أن تقول بالجهالة، وأن الله كان مجهولاً، وإذا قلت: بأن الأسماء كانت لكنها ليست لازمة لله تبارك وتعالى؛ فيلزمك بأن تقول: بأن هذه الأسماء كانت موجودة على غير مسمى، وهل يتصور اسم بغير مسمى؟! لا يتصور ذلك في المخلوقين، فكيف بالخالق تبارك وتعالى؟!

    أي: لو قلت: أما رأيت يا فلان! ذلك الرجل الذي اسمه زيد؟ فيقول: هو ابن من؟ فستقول له: هو ابن إبراهيم، فسيقول: إبراهيم هذا لم ينجب له بعد، فستقول له: أعرف ذلك، لكنه ولد جميل ولطيف، وصاحب شعر أصفر، وعيون زرقاء أو خضراء، فسيقول لك: يا فلان! ما الذي جرى لك؟! أتصف رجلاً غير موجود؟! فستقول له: نعم باعتبار ما سيكون بإذن الله، فسيقول لك: أنت مجنون؛ لأنك تصف بهذا الإتقان وبهذه الدقة ذاتاً غير موجودة، ولأنه لا يتصور أسماء بغير مسمى.

    والمعتزلة أو بعض المعتزلة أحبوا أن يوافقوا أهل السنة في أن أسماء الله تعالى أزلية، لكنهم خالفوهم في أن الأسماء ليست هي عين المسمى، فالمسمى يكون بغير أسماء، والأسماء موجودة لكنها في جانب آخر، وليست ملازمة لعين المسمى، وليست هي عين المسمى ولا ذات المسمى، فنقول لهم: أنتم بهذا يلزمكم أن تنسبوا الجهالة لله عز وجل، وأنه غير معروف باسم من الأسماء، وأن هذه الأسماء إنما وجدت على غير مسمى، وهذا خبل لا يتصور.

    وكل هذا الكلام الذي قلناه هو من الفلسفة، ولو كان هنا صحابي موجود بيننا فإنه سيتركنا ويرحل، أو لو أن الله تعالى أسقط رجلاً من القرون الأولى بيننا الآن وسمع كلامنا هذا؛ فإنه سيترك هذا المسجد؛ لأنه تربى تلك التربية النبوية، لا على هذا الكلام الفلسفي.

    والذي جبر علماء الإسلام وعلماء أهل السنة والجماعة على أن يذكروا هذا الكلام هو ذلك الضلال الذي استورد ودخل على المسلمين، حتى أثر في كثير من قلوب أبناء الأمة الإسلامية، فاضطر أهل العلم اضطراراً إلى أن يدخلوه في هذا الباب ليردوه.

    فهذا شيخ الإسلام ابن تيمية ألف كتاباً وسماه: نقض المنطق، وهو القائل: من تفلسف فقد تمنطق، ومن تمنطق فقد تزندق، وكان رحمه الله إماماً في الفلسفة والمنطق، والذي جبره على ذلك هو أن يسقط عن هذه الأمة فرض كفاية، وليرد على الفلاسفة وينكر كلامهم، ولو دخل إلينا الآن رجل وقال: أنا أريد أن أعرف هل الله موجود أو ليس بموجود؟ فسنقول له: الله موجود؛ لأن الله تعالى قال كذا وكذا، ويكفي، لكن إن قال: أنا كافر بالكتاب والسنة، فلا تحتج علي بشيء منهما لأنه أصلاً قد أنكرهما وأجحدهما، وبالتالي لابد من حجة عقلية تتناسب مع منهجه، وهذا هو الكلام الفلسفي.

    وهذا الكلام لم يكن موجوداً في الزمن الأول؛ لأن العربي كان عنده حلاوة وتذوق لكلام الله عز وجل، فكان ما أن يسمع الآية إلا ويعلم أن هذا كلام الإله العليم القدير، ولا يمكن أن يكون هذا كلام محمد عليه الصلاة والسلام؛ فأين بلاغة النبي صلى الله عليه وسلم من بلاغة القرآن الكريم؟!

    ومع هذا فقد كان النبي عليه الصلاة والسلام من أبلغ العرب، بل هو أبلغ وأفصح من خلق الله عز وجل، ومع هذا فبلاغته شيء وبلاغة القرآن شيء آخر؛ لأن بلاغة القرآن معجزة، وبلاغة النبي عليه الصلاة والسلام ليست معجزة؛ لأنها من كلام العرب، وأما القرآن فهو كلام الله تبارك وتعالى، فهو المعجزة الخالدة الباقية على مر الدهر والزمان.

    أمثلة من السنة وغيرها على أن الحلف لا يكون إلا باسم أو صفة من صفات الله

    قال: [ قال أبو بكر بن حماد : سمعت خلف بن هشام فيمن قال: الاسم غير المسمى، وهو ينكر أشد النكارة، ثم قال: لو أن رجلاً شتم رجلاً على قول من قال هذه المقالة -أي: على قول المعتزلة- فقال للرجل بعد أن شتمه: أنا لم أشتمك، وإنما شتمت الاسم ]، والاسم غير المسمى، فإنه سيغضب غضباً شديداً.

    وإن كان الرجل معتزلياً وقلت له: إذا كنت تقول: إن لله عز وجل أسماء، وهذه الأسماء غير المسمى، وهذه مسألة مجمع على خلافها عند أهل السنة والجماعة، وإجماع أهل السنة والجماعة في المخلوقين أن الأسماء غير المسميات، بل قد يكون اسمك محموداً وليس عندك شيء من الحمد، ويكون اسمك عابداً وأنت ضال، ويكون اسمك صالحاً وأنت طالح، فالاسم غير المسمى في المخلوقين، ومع هذا لو قلت لعابد: يا عاصي! فإنه سيغضب، مع أنه قد يكون من المسابقين في الفروض والسنن والمستحبات، وواقع في كل إثم وذنب ومعصية، فلو ناديته بغير اسمه الذي يعرفه فإنه سيغضب.

    ثم قال: [ ولو أن رجلاً حلف بالله على مال رجل لم يلزمه في كلامه حنث ]، أي: لم يلزمه على كلام المعتزلي حنث؛ لأن الحلف عندهم بأسماء الله شرك، وأسماء الله مخلوقة، ولا يلزمه إلا التوبة؛ لأنه وقع في الشرك لا في الحنث، فانظر إلى هذه الثوابت عندنا وقد زعزعها المعتزلة!

    فإن قيل لهم: ماذا تقولون في كلام النبي عليه الصلاة والسلام: (من كان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت)؟ فهنا أخذ المعتزلة هذه النصوص وأمثالها فأولوها، وقالوا: تأويلها: احلفوا بالذات التي اسمها الله! فإن قيل لهم: إذا أراد المرء أن يحلف فبماذا يحلف؟ إن حلف وقال: والله العظيم لم أفعل كذا؛ فإنه مشرك عند المعتزلي؛ لأنه حلف بالمخلوق، وهذا المخلوق هو الاسم وليس المسمى، والاسم غير المسمى، والأسماء مخلوقة، فلو قلت: والله، فإنما تدعو المخلوق دون الخالق، والخالق اسم أيضاً، فلن يقول: دون الخالق، بل سيقول: دون الذات؛ لأن الخالق اسم، فما الفرق بين الله وبين الخالق؟! وما الفرق بين الله وبين الرحمن؟ قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ [الإسراء:110]، فكلها أسماء لله تبارك وتعالى، وهو الذي قال: وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا [الأعراف:180]، والضمير هنا يعود على الأسماء لا على المسمى نفسه؛ لأن الاسم يدل على ذات المسمى، بل الاسم هو المسمى، ولذلك قالوا: يحلف العبد بالذات التي اسمها الله.

    لكن لو أن شخصاً حلف بهذه الصيغة عند القاضي لأنكر عليه أشد الإنكار، ولقال له: أتضحك علينا أم ماذا؟ بل إن الذين انتكست فطرهم لا يتفقون مع المعتزلة في ذلك.

    قال: [ ولو أن رجلاً حلف بالله على مال رجل لم يلزمه في كلامه حنث على قول من قال هذه المقالة، ويقول: إنما حلفت بالاسم فلم أحلف بالمسمى ].

    ويدور أمر الإسلام على هذا الاسم، قال النبي عليه الصلاة والسلام: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله)، ولم يقل عليه الصلاة والسلام: أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: نشهد أن الذات التي من أسمائها الله هي الإله؛ لأن الله هو ذات الإله وذات المسمى تبارك وتعالى.

    قال: [ أرأيت الوضوء حين يبدأ فيه الإنسان يقول: باسم الله، فإذا فرغ قال: سبحانك اللهم؟

    ورأيت الأذان أوله: الله أكبر، ولا يزال يردد أشهد أن لا إله إلا الله؟

    ثم رأيت الصلاة حين يفتتح بقوله: الله أكبر؛ لا يزال في ذلك حتى يختم بقوله: السلام عليكم ورحمة الله. ولم يقل: ورحمة الذات التي من أسمائها الله، فأولها وآخرها الله ].

    أي: أن أول الصلاة: الله أكبر، وآخر الصلاة: السلام عليكم ورحمة الله، فأول الصلاة الله وآخر الصلاة الله؛ لأن هذا الاسم هو ذات المسمى، فهل يتصور أنك تصلي لغير الله؟!

    وإذا كنت تقول: الله أكبر، فهل يعقل أن تقول: إن كلمة (أكبر) صفة للاسم دون المسمى؟ وإذا قلت: الله أكبر، فأنت قد كبرت الاسم دون المسمى؟ وبالتالي صليت لغير المسمى، وعبدت غير المسمى، وأطعت غير المسمى، وهذا الكلام كله خبل.

    قال: [ ورأيت الذبيحة باسم الله ]، أي: إذا أردت أن تذبح الذبيحة فتقول: باسم الله.

    قال: [ أمر الإسلام يدور على هذا الاسم، فمن زعم أن أسماء الله مخلوقة فهو كافر، وكفره عندي أوضح من هذه الشمس ].

    أقوال أهل العلم في تكفير من زعم أن أسماء الله مخلوقة

    قال: [ قال إبراهيم بن هانئ : سمعت أحمد بن حنبل وهو مختفي عندي -و ابن هانيء من تلامذة أحمد بن حنبل ، وفي الفتنة اختبأ عنده أحمد بن حنبل في بيته- فسألته عن القرآن، فقال: من زعم أن أسماء الله مخلوقة فهو كافر ].

    ولم يجيبه عن القرآن فقط، بل عمم الجواب ليشمل جميع الأسماء، وفي ذلك رد على المعتزلة وبعض الخوارج وبعض الشيعة القائلين بأن أسماء الله مخلوقة.

    قال: [ قال إسحاق بن راهويه : أفضوا إلى أن قالوا -أي: تكلموا مع إسحاق بن راهويه حتى بلغوا إلى أن قالوا-: أسماء الله مخلوقة؛ لأنه كان ولا اسم، وهذا الكفر المحض ].

    قوله: (كان الله ولا اسم) هو قول المعتزلة، ومعناه: كان الله تبارك وتعالى وليس له اسم، كالمولود يولد ولا اسم له، ثم بعد ذلك نسميه في اليوم الأول أو الثاني أو الثالث أو الرابع أو السابع، والسنة قد صحت بتسمية الولد في اليوم الأول كما روى ذلك أبو داود ، وصحت التسمية كذلك في اليوم السابع.

    والمهم أنني أريد أن أقول: إن المولود يولد بغير اسم، ثم يسمى بعد ذلك، والذي يقول: إن الله كان ولا اسم له يلزمه أن يشبه الخالق تبارك وتعالى بالمخلوق، بل يلزمه أن يقول: إن الذات كالذات تماماً؛ لأن الصفات تصور عن الذات، والله تبارك وتعالى إذا اتصف بصفات، وتسمى بأسماء؛ فإنما هذه الأسماء تدل على ذاته تبارك وتعالى، وكذلك المولود حادث والأسماء حادثة، بمعنى: أن الاسم والمولود كانا بعد أن لم يكونا، ولذلك تقول: إذا جاء لي ولد فسأسميه محمداً، وتعقد العزم على ذلك أنت وزوجتك، ثم تضع امرأتك أربع بنات، فهل ستلغي اسم محمد بالمرة لأنه لم يأت لك ولد؟ وعليه فهل هناك في أسماء الله اسم يلغى؟ لا يمكن؛ لأنه أزلي أبدي.

    ولو كان مخلوقاً للزم أن تقول: الإله حادث؛ لأنه لو كان مخلوقاً فلابد وأن يطرأ عليه الفناء والتغيير، وهذا المخلوق بعد أن يكبر ربما يذهب إلى أمريكا، وقد يأتي إليه صاحب العمل، أو الناس في الأتوبيس، أو الناس في الخمارات وخانات الفساد ويسألونه عن اسمه؟ فيقول: اسمي محمد، ويأتي إليه آخر فيقول له: يا سعادة البيه محمد، فيتأذى ويشمئز من اسمه، ويذهب إلى السجلات المدنية هناك فيعرف أن اسمه مثبوت في السجل المدني، ثم يذهب إلى أمريكا ويقول: يا ناس! أنا أريدكم أن تسموني: ماركو فرانكو، أما اسم محمد فلا أريده بالمرة! فأين الإسلام والولاء والبراء من هذا الرجل؟! وعند عودته إلى بلاده يستعمل البطاقة الشخصية التي تحمل اسم محمد، وهو قد شرب الخمر، وخالط المجتمع الأوروبي الكافر، وفعل الفواحش والمنكرات هناك.

    فيا أيها الزنديق! الذي آثرت الكفر على الإيمان، وفضلت الضلال عن الهدى، وآثرته بعد أن هداك الله عز وجل، إن الاسم له تصور عن عقيدتك، وتعلق كبير جداً بإيمانك، ولذلك الرجل المؤمن الموحد الذي يغار على دينه عندما يسميه أبوه رفعت: جبريل، وجده اسمه سمير، فتأتي إلى الأخ وتقول له: ما اسمك؟ فيقول لك: اسمي: جبريل رفعت سمير، فتقول له: ما الأمر؟ فيقول: أنا مسلم، لكني سميت بهذا الاسم، أأعلي ذنب؟ فتقول له: لا، ليس عليك ذنب، فيقول: هل يمكن أن أغير اسمى؟ فتقول له: نعم، اذهب إلى السجل المدني وادفع خمسمائة جنيه، وهي ليست رسوم رشوة، وإنما مقابل تغيير الاسم.

    إذاً: فالأسماء الحادثة يطرأ عليها التغيير، وأما أسماء الله تبارك وتعالى فلا يطرأ عليها التغيير ولا التبديل.

    1.   

    كلام الإمام الطحاوي عن الاسم والمسمى وبيانه

    شيخ الإسلام ابن تيمية عليه رحمة الله تعالى توسع جداً في هذه القضية، أعني: مسألة: هل الاسم هو المسمى أم لا؟ والمسألة فيها أقوال كثيرة، وقد خالف فيها بعض أهل السنة، وهذا كلام حادث، وقد أنكروه غاية النكارة ولم يجيبوا فيه بقول، ولذلك قال ابن أبي العز الحنفي في شرح قول الطحاوي : مميت بلا مخافة، باعث بلا مشقة، ما زال بصفاته قديماً قبل خلقه، لم يزدد بكونهم شيئاً لم يكن قبلهم من صفاته، وكما كان بصفاته أزلياً كذلك لا يزال عليها أبدياً.

    وهذا كلام جميل وقوي، وقد شرحه ابن أبي العز شرحاً جميلاً، لكن فيه شيء من الفلسفة على أية حال، حتى وصل إلى قوله: وكذلك قولهم: هل الاسم عين المسمى أو غيره؟ أي: هل الاسم هو عين المسمى وذات المسمى أو غيره؟ قال: ولطالما غلط كثير من الناس في ذلك، وجهلوا الصواب فيه، قال: فالاسم يراد به المسمى تارة، ويراد به اللفظ الدال عليه أخرى، أي: أنه عند إطلاق الاسم أحياناً يراد به المسمى، وأحياناً يراد به اللفظ الدال على المسمى لا عين المسمى، فإذا قلت: قال الله كذا، أو: سمع الله لمن حمده، فالمراد به المسمى نفسه؛ لأنه لا يتصور انصراف الذهن إلى غير الذات.

    وإذا قلت: الله اسم عربي، والرحمن اسم عربي، والرحيم من أسماء الله تعالى، فالمراد هنا هو الاسم لا المسمى، فإذا قلت: الرحمن لفظ عربي فإنه لابد وأن ينصرف الذهن إلى الكلام عن الاسم لا عن المسمى، فهو يريد أن يقول لك: قد يطلق أهل السنة الاسم أحياناً ويريدون الكلام عن المسمى، وأحياناً يطلقون الاسم ولا يريدون المسمى، وإنما يريدون الكلام عن الاسم نفسه.

    وعند إطلاق أهل السنة للاسم وإرادتهم له دون المسمى لا يقولون بالمغايرة بين الاسم وبين الذات، حتى وإن أرادوا أن يتكلموا عن الاسم؛ لأن المباينة تستلزم أن يكون الله ولا اسم له حتى خلق لنفسه أسماء، أو حتى سماه خلقه بأسماء من صنعهم، فهل يتصور أن آدم هو الذي سمى الله عز وجل -باعتبار أن آدم أول البشر- أو أن الملائكة -وهم خلق من خلق الله- هم الذين سموا الله تبارك وتعالى؟! إن هذا من أعظم الضلال والإلحاد في أسماء الله تعالى.

    والإمام الطحاوي رحمه الله قد أشار بقوله: ما زال بصفاته قديماً، إلى اسم من أسماء الله عز وجل ألا وهو: الأول، ولفظ القديم لا يليق بالله عز وجل، وليس هو من أسمائه ولا من صفاته؛ أن لفظ القديم يلزم منه أن هناك من هو أقدم منه، ولا أول قبل الله عز وجل، فالله تعالى هو الأول والآخر والظاهر والباطن.

    فيستحب أن يقال: إن الله هو الأول، ولا يقال: هو القديم؛ لأن أسماء الله تعالى توقيفية، بمعنى: أننا لا نسمي الله تبارك وتعالى إلا بما سمى به نفسه، ولا نصفه إلا بما وصف به نفسه، فكوننا نقول: إن الله هو القديم، أو أنه الستار، أو أنه المنعم فإننا نقصد بذلك: أن هذه أسماء لله تبارك وتعالى، وليس لدينا نص يثبت أن هذه أسماء لله عز وجل، ولا شك أننا إن سميناه بذلك فإننا نكون قد سميناه بما لم يسم به نفسه.

    وقوله أيضاً: فإن الله تعالى ما زال بصفاته قديماً قبل خلقه؛ قصد بذلك الرد على المعتزلة والجهمية ومن وافقهم من الشيعة، فإنهم قالوا: إن الله تعالى صار قادراً على الفعل والكلام بعد أن لم يكن قادراً عليهما! فصار متكلماً بعد أن كان عاجزاً، وصار خالقاً بعد أن خلق، وصار وهاباً بعد أن وهب، وغير ذلك في بقية أسمائه وصفاته تبارك وتعالى، وأنه انقلب من الامتناع الذاتي إلى الإمكان الذاتي، أي: أن ربنا كان عاجزاً عن معرفة الأشياء على حقيقتها، وبعد أن وقعت عرفها.

    وكان ليس له قدرة، ثم صارت له قدرة! وكان ممتنعاً عن الكلام، ثم صار قادراً على الكلام! إن الواحد منا يخاف ويخشى أن يقول لمخلوق صاحب وجاهة وسلطة: إنك عاجز عن الكلام؛ لأن لك ساعة أو ساعتين لا تتكلم فيها بكلمة واحدة! إننا نقول هذا حتى تعلموا أن الكلام في ذات الله تبارك وتعالى صار أسرع من الكلام فيما يجري بين الناس.

    ثم قال: فإنهم قالوا -أي: المعتزلة-: إنه تعالى صار قادراً على الفعل والكلام بعد أن لم يكن قادراً عليه؛ لكونه صار الفعل والكلام ممكناً بعد أن كان ممتنعاً، وأنه انقلب من الامتناع الذاتي، أي: أنه كان بنفسه عاجزاً عن الكلام، ثم صار بنفسه قادراً على الكلام، فإذا كان العجز الذاتي واجباً له فمن أين أتت له القدرة؟! والمخلوق إذا كان عاجزاً بذاته، ثم صار قادراً بعد ذلك، فمن وهبه القدرة؟ إنه الله عز وجل، فهل يتصور أن الله تعالى الذي يرزق ويهب القدرة وغيرها وهو بذاته عاجز؟ أعوذ بالله! إن هذا كفر بالله.

    قال: وعلى ابن كلاب والأشعري، أي: أن المؤلف يرد على ابن كلاب صاحب الفرقة الكلابية، وعلى الأشعري ومن وافقهما، فإنهم قالوا: إن الفعل صار ممكناً له بعد أن كان ممتنعاً منه.

    وأما كلام الله تبارك وتعالى فلا يدخل عندهم تحت مشيئته تبارك وتعالى، وهو عند أهل السنة والجماعة صفة من صفات فعله، لا صفة من صفات ذاته، فله أن يتكلم بأي كلام شاء، في أي وقت شاء، وكيف شاء سبحانه وتعالى، وأما الكلام عندهم -كما قلنا- فلا يدخل تحت المشيئة والقدرة، بل هو شيء واحد لازم لذاته، وغير ذلك من الكلام.

    وأصل هذا الكلام إنما ابتدعه الجعد بن درهم، ومن بعده الجهم بن صفوان ، وعلى كل منهما ما يستحق من الله تبارك وتعالى.

    وشيخ الإسلام ابن تيمية عليه رحمة الله قد قال كلاماً أحلى من عسل النحل وأشفى، وهذا الكلام في المجلد السادس من مجموع الفتاوى.

    وهذا الكلام الذي قلته لك هو الراجح، ولم آت بالكلام المرجوح، مع أن هناك كلاماً مرجوحاً، وكلاماً باطلاً وفاسداً ذكرناه أيضاً، وشيخ الإسلام ابن تيمية عليه رحمة الله على عادته في الإسهاب والإطناب تكلم في هذه المسألة بكلام جميل جداً، فأحيلكم إليه في المجلد السادس من مجموع الفتاوى.

    1.   

    الأسئلة

    كلام النبي عليه الصلاة والسلام ليس بمعجز

    السؤال: ذكرتم يا شيخ! أن كلام النبي عليه الصلاة والسلام ليس بمعجزة، مع أن الله تبارك وتعالى تحدى ببلاغة النبي عليه الصلاة والسلام مشركي العرب؟

    الجواب: أعطنا آية أو حديثاً يثبت أن الله تبارك وتعالى تحدى ببلاغة نبيه العرب، ليس هناك آية أو حديث في ذلك، وأنا قلت: إن كلام الله تبارك وتعالى معجز، وكلام النبي صلى الله عليه وسلم غير معجز، وهم كانوا على علم كبير باللغة العربية.

    وجود المعتزلة في بعض الدول العربية

    السؤال: هل يوجد معتزلة الآن في الدول العربية، وبالأخص مصر؟

    الجواب: يا أخي الكريم! إذا أردنا أن نتكلم عن الاعتزال، فإنما هو منهج وفكر عقدي، والمعتزلة لهم أصول خمسة، ومن هذه الأصول: تقديم العقل على النقل، وإذا سمعت بأصولهم الأخرى فستقول: إن منهج المعتزلة من خير المناهج! كما أنه من أصولهم: التوحيد، والعدل، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والمنزلة بين المنزلتين.

    لكن قد يقول قائل: هل التوحيد عندهم فيه شيء؟ فالجواب: إن التوحيد عند المعتزلة غير التوحيد عند أهل السنة والجماعة، وكذلك: العدل، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والمنزلة بين المنزلتين، وقد أنزلوها أساساً في مرتكب الكبيرة.

    الحكم على حديث: (يا علي! لا تنم حتى تأتي بخمس...)

    السؤال: حديث علي بن أبي طالب : (يا علي لا تنم حتى تأتي بخمس: قراءة القرآن، والتصدق، وزيارة الكعبة,...) هل هو حديث أم لا؟

    الجواب: هذا حديث موضوع.

    عجز البشر جميعاً عن مدح الله بصفة غير ما وصف به نفسه

    السؤال: هل يستطيع البشر جميعاً أن يمدحوا الله عز وجل بصفة غير التي وصف بها نفسه؟

    الجواب: لا؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (لا نحصي ثناء عليك) أي: لو أن الخلق جميعاً أثنوا على الله تبارك وتعالى فلن يستطيعوا أن يوفوا الله تبارك وتعالى ولو بعض ما يستحقه من مدح وثناء أبداً، بل ولا الأنبياء أنفسهم؛ إذ أن مقام الله تبارك وتعالى أعلى من ذلك.

    النصيحة لمن أتم ولده حفظ المصحف وهو دون التاسعة

    السؤال: أتم ابني ولله الحمد حفظ القرآن وهو دون التاسعة، فأرجو منك النصيحة حتى أحافظ عليه وعلى حفظه، وماذا أفعل معه، وكيف أوجهه؟

    الجواب: أسأل الله تبارك وتعالى أن يحفظ عليك ولدك، وأن يجعله من أئمة المسلمين الداعيين إلى الله تبارك وتعالى على منهاج النبوة، واعلم يا أخي الكريم! أن الحسد وارد في كتاب الله عز وجل، فنصيحتي التي قد نصحت بها من سبقك أن يكف ولده عن الأضواء والشهرة، فأبى، فما كان إلا أن أذهب الله تبارك وتعالى ما في صدره من كلامه ومن علمه.

    وهناك بعض الأطفال في طريقهم إلى هذا، وقد سمعت أن طفلاً حفظ القرآن الكريم دون العاشرة، وأصيب بالغرور، وإني لأعجب لطفل قبل العاشرة أن يتعلم كيف يغتر! وكيف يتكبر! فلابد وأنه سقى ذلك من والديه، أو من مجتمعه الذي عاش فيه، أو أنه تأثر ببعض شيوخه الذين أخذ عنهم وقرأ عليهم القرآن.

    لذا فإني أنصح هذا الأخ أن يعلم ولده بعد ذلك السنة، وأن يحفظه بعض المتون في الفقه والأصول والعقيدة والحديث وغيرها، ثم لا يظهر هذا الولد إلا إذا استوى عوده، وتعلم الحكمة، فإن أهل العلم قديماً لم يتصدروا للمجالس والإقراء والتدريس إلا بعد أن يجيز أحدهم جملة مستكثرة من أهل العلم هنا وهناك.

    ثم أخي الكريم! لابد وأن تعلم ولدك أدب العلم: كيف أنه يحترم من هو أكبر منه، وكيف يحترم أهل العلم، ولابد أن يكون ولدك مؤدباً مهذباً متخلقاً بالأخلاق الحسنة، وإلا فإن القرآن لا ينفعه، وسرعان ما يتفلت منه عقوبة لك وله، والله تبارك وتعالى يحزنك فيه إذا علمته العلم ولم تعلمه الأدب والأخلاق الحسنة.

    فاتق الله أيها العبد! وحافظ على ولدك، وأخفه عن الأضواء حتى يتعلم، وحتى تعتقد أنه قد حان الوقت لأن يكون نافعاً لدينه ولأمته.