إسلام ويب

شرح كتاب الإبانة - باب جامع في القدر وما روي في أهلهللشيخ : حسن أبو الأشبال الزهيري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • القدر سر من أسرار الله عز وجل، لا يعرفه ملك مقرب ولا نبي مرسل، وهو أحد أركان الإيمان الستة التي لا يصح إيمان العبد إلا بها، وقد ضل وزل فيه أقوام؛ لخوضهم فيما لا علم لهم به، وقد تصدى لهم سلف الأمة، فبينوا عوارهم، وكشفوا أستارهم، وبينوا المنهج الحق في هذا الباب.

    1.   

    باب جامع في القدر وما روي في أهله

    إن الحمد لله تعالى، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    وبعد:

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [فهذا الجزء الحادي عشر من كتاب الإبانة، وفيه ثلاثة أبواب:

    الباب الأول: باب جامع في القدر وما روي في أهله، وفيه حديث العنقاء مع سليمان، وما تلته من الأخبار والأفعال.

    الباب الثاني: ذكر الأئمة المضلين الذين أحدثوا الكلام في القدر، وأول من ابتدعه وأنشأه ودعا إليه.

    الباب الثالث: ما أمر الناس به من ترك البحث والتنقير عن القدر، والخوض فيه والجدال، وفيه حديث موسى وعزير وعيسى بن مريم عليهم الصلاة والسلام.

    الباب الأول: باب: جامع في القدر وما روي في أهله.

    إنكار السلف على من أحدث حدثاً في الدين

    قال: [ وعن سليمان بن جعفر العدوي: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: سيفتح على أمتي في آخر الزمان باب من القدر، فلا يسده شيء، ويكفيهم أن يقرءوا هذه الآية: أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ [الحج:70]].

    [وعن نافع قال: بينما نحن عند ابن عمر قعود إذ جاءه رجل فقال: إن فلاناً يقرأ عليك السلام؛ لرجل من أهل الشام، فقال ابن عمر : بلغني أنه قد أحدث حدثاً -أي: ابتدع بدعة- فإن كان كذلك فلا تقرأ عليه السلام، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (سيكون في أمتي خسف ومسخ، وهي الزندقة والقدرية) ].

    والخسف والمسخ سيكون في أهل البدع لا في أهل السنة والجماعة.

    فقوله تعالى: أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ [الحج:70] هذا إثبات للمرتبة الأولى من مراتب القدر، إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ [الحج:70] إثبات للمرتبة الثانية؛ أي: علم الله تعالى ما العباد عاملون، وما هم إليه صائرون، فكتب كل ذلك في اللوح المحفوظ، فهو عنده تحت العرش: إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ [الحج:70].

    ما من عبد قدر له أن يقبض في أرض إلا هيأ له الله بلوغها

    قال: [ وعن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إذا كان أجل عبد بأرض هيئت له الحاجة إليها) ] أي: إذا كان انتهاء أجل العبد في الحجاز وهو مصري؛ هيئت له حاجته ويسر له السفر إلى بلاد الحجاز؛ حتى تقبض روحه هناك.

    وإذا كان رجل من أقصى الأرض وكتب له أن تقبض روحه في أدنى الأرض؛ فإنه لابد أن يصل إلى أدنى الأرض لتقبض روحه هناك، قال تعالى: وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ [لقمان:34]، فليس بلازم أن المصري يموت في مصر، والحجازي يموت في الحجاز، والأمريكي يموت في أمريكا، والأوربي يموت في أوروبا، وإنما لكل نفس أجل في الزمان وأجل في المكان، فلابد من استيفاء المكان واستيفاء الزمان.

    ثم قال: [ (حتى إذا بلغ أقصى أجله قبض، قال: فتقول الأرض يوم القيامة: رب! هذا عبدك كما استودعت) ] أي: قد أديت الأمانة كما أمرتني أن تقبض روح العبد هاهنا في هذه البقعة.

    قال: [ قال ابن مسعود : إذا قدر الله عز وجل لنفس أن تموت بأرض؛ هيئت له إليها الحاجة ].

    قال: [ وعن خيثمة قال: كان ملك الموت صديقاً لسليمان بن داود عليهما السلام، فأتاه ذات يوم فقال: يا ملك الموت! تأتي أهل الدار فتأخذ أهلها كلهم وتذر الدويرة -أي: البيت الصغير جداً إلى جنب هذه الدار- إلى جنبهم لا تأخذ منهم! قال: ما أنا بأعلم بذلك منك، إنما أكون تحت العرش، فتلقى إلي صكاك فيها أسماء، أي: صحائف فيها أسماء- فجاء ذات يوم وعنده صديق له فنظر إليه ملك الموت فتبسم ثم ذهب -أي: جاء ملك الموت إلى سليمان وعنده رجل آخر فتبسم ملك الموت ثم انصرف- فقال الرجل: من هذا يا نبي الله؟ قال: هذا ملك الموت، قال: لقد رأيته يتبسم حين نظر إلي، فمر الريح فلتلقني بالهند، فأمرها؛ فألقته بالهند، قال: فعاد ملك الموت إلى سليمان فقال: أمرت أن أقبضه بالهند فرأيته عندك! ].

    قال: [ وعن خيثمة قال: قال سليمان بن داود عليه الصلاة والسلام لملك الموت: إذا أردت أن تقبض روحي فأعلمني، قال: ما أنا بأعلم بذلك منك، إنما هي كتب تلقى إلي فيها تسمية من يموت ]، وهي تلك الصحائف.

    سابق علم الله في خلقه

    قال: [ وعن عبد الله بن شقيق عن رجل قال: (قلت: يا رسول الله! متى خلقت نبياً؟ قال: إذ آدم بين الروح والجسد) ]، أي: في الوقت الذي كان فيه آدم جسداً، وقبل أن تنفخ فيه الروح، فعلم الله تعالى في الأزل أنه سوف يخلق محمد بن عبد الله، وأنه سيكلفه الرسالة والنبوة، وآدم بين الماء والطين، أو بين الروح والجسد، لكن هذا لا يعني صحة ما يقولون: يا أول خلق الله! ونور عرش الرحمن! إذ إن كل هذه أشعار وأوراد شركية والعياذ بالله..

    قال: [ وعن ابن شقيق قال: (جاء أعرابي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله! متى كنت نبياً؟ فقال الناس: مه -أي: ما هذا السؤال؟ إنه سؤال عجب لا ينبغي أن يوجه إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وكلمة: (مه) كلمة تعجب واستغراب- فقال النبي عليه الصلاة والسلام: دعوه، كنت نبياً وآدم بين الروح والجسد) ]، وهذا يدل على سابق علم الله عز وجل في خلقه.

    قال: [ وعن سليمان بن موسى قال: لما نزلت: لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ [التكوير:28]، قال أبو جهل لعنه الله: الأمر إلينا: إن شئنا استقمنا، وإن شئنا لم نستقم ]، أي: أن الله تعالى ليست له مشيئة نافذة في الخلق، وإنما الخلق يشاءون ما شاءوا وما أرادوا، فإن شاءوا الهداية اهتدوا، وإن شاءوا الشقاوة شقوا، وإن شاءوا الغنى صاروا أغنياء، وإن شاءوا الفقر صاروا فقراء، هكذا قال أبو جهل، وهو يعتمد على قول الله تعالى: لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ [التكوير:28]، فجعل المشيئة إليه، فقال: الله تعالى جعل المشيئة إلينا، فإن شئنا استقمنا وإن شئنا ضللنا، إذاً فالهداية والضلالة بيد أبي جهل!! هكذا قال.

    قال: [ فأنزل الله عز وجل: وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ [التكوير:29] ].

    قال: [ وعن الأعمش قال: استعان بي مالك بن الحرث في حاجة ] أي: أن مالكاً بن الحرث أتى يستشفع بالإمام الأعمش عند صاحب الحاجة حتى يقضيها له.

    قال: [ قال: فجئت وعلي قباء مخرق -عباءة مخرقة- فقال لي: لو لبست ثوباً غير هذا ] أي: لا يصح أن تلبس هذا الثوب المخرق وندخل على العظماء، بل لابد أن تلبس أفضل ما عندك، وأحسن ما عندك، وتتهيأ للقاء هؤلاء الأفاضل.

    قال: [ قال: قلت: امش، فإنما حاجتك بيد الله عز وجل ]، فانظروا إلى هذا التوكل، إذ إن حاجته بيد الله عز وجل لا بيد هذا الملك أو الزعيم أو السلطان أو الكبير، إنما هي بيد الله عز وجل، إن شاء أمضاها وإن شاء منع، لا معقب لحكمه ولا راد لقضائه سبحانه وتعالى، فليس الثوب المخرق هو الذي يمنع، وليس الثوب الجديد هو الذي يجلب.

    بيان معنى الجور والظلم في كلام العرب

    قال: [ وعن إياس بن معاوية قال: ما كلمت بعقلي كله من أهل الأهواء إلا القدرية -أي: ما استجمعت عقلي كله إلا مع القدرية- قلت: أخبروني عن الجور في كلام العرب ما هو؟ قالوا: أن يأخذ الرجل ما ليس له، قلت: فإن الله عز وجل له كل شيء ].

    فإذا كان الظلم والجور في كلام العرب هو أن يأخذ الرجل ما ليس له، فهل إذا حرم الله تعالى عبداً من عباده الهداية ورزقه الشقاء والضلالة؛ هل يكون الله تعالى قد ظلمه؟ الجواب: لا؛ لأن الهداية والضلال ملك لله عز وجل، يهدي من يشاء ويضل من يشاء سبحانه وتعالى، فلا ظلم على أحد قط.

    قال: [ وعن حبيب بن الشهيد قال: جاءوا برجل إلى إياس بن معاوية فقالوا: هذا يتكلم في القدر، فقال إياس : ما تقول؟ قال: أقول: إن الله عز وجل قد أمر العباد ونهاهم -أي: أمرهم بالخير ونهاهم عن الشر- وأن الله لا يظلم العباد شيئاً، فقال له إياس : خبرني عن الظلم تعرفه أو لا تعرفه؟ قال: بلى أعرفه، قال: فما الظلم عندك؟ قال: أن يأخذ الرجل ما ليس له، قال: فمن أخذ ما له ظلم؟ قال الرجل: لا، قال: الآن عرفت الظلم ].

    أي: أن الله تعالى إذا أخذ من العباد نعمة أو منحهم نعمة فإنه لم يأخذ ما لهم، والكل يدور بين فضل الله تعالى وبين عدله سبحانه وتعالى.

    مناظرة الخليل بن أحمد مع رجل شك في القدر

    قال: [ وجاء رجل إلى الخليل بن أحمد -وهو إمام كبير من أئمة اللغة، وله كتاب اسمه: العين، وهو من أعظم ما كتب في اللغة ومخارج الحروف- فقال للخليل بن أحمد: قد وقع في نفسي شيء من أمر القدر، فقال له الخليل : أتبصر من مخارج الكلام شيئاً -أي: هل تستطيع أن تبصر مخرج الحرف من الفم أو الشفتين أو اللسان أو الحلق؟- قال: نعم، قال: فأين مخرج الحاء؟ قال: من أصل اللسان -أي: من أقصى اللسان- قال: فأين مخرج الثاء؟ قال: من طرف اللسان -الحاء في آخر اللسان من جهة الحلق، والثاء من طرف اللسان من جهة الفم- قال: فاجعل هذا مكان هذا وهذا مكان هذا، قال: لا أستطيع، قال: فأنت مدبَّر ]، أي: أنت سائر بتدبير الله عز وجل لك، والأمر لا علاقة له بمشيئتك وإرادتك، وإنما بمشيئة الله تعالى وإرادته.

    كلام لبعض السلف في القدر

    قال: [ وعن الأصمعي قال: من قال: إن الله عز وجل لا يرزق الحرام فهو كافر ]؛ لأنه جعل في الرزق إلهاً آخر، وكأن الله تعالى يرزق الحلال، وهناك إله آخر يرزق الحرام، فلما كان الرزاق واحداً إذاً فهو الذي يرزق الحرام ويرزق الحلال.

    قال: [ وعن أرطأة بن المنذر قال: ذكرت لـأبي عون شيئاً من قول أهل التكذيب بالقدر، فقال: أما تقرءون كتاب الله: وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ [القصص:68] ].

    ثم قال: [ وكتب أبو داود الديلي إلى سفيان الثوري : أما بعد: فما تقول في رب قدر علي هداي وعصمتي وإرشادي، فخذلني وأضلني، وحرمني الصواب، وأوجب علي العقاب، وأنزلني دار العذاب؛ أعدل علي هذا الرب أم جار؟ قال: فكتب إليه سفيان : أما بعد: فإن كنت تزعم أن العصمة والتوفيق والإرشاد وجب لك على الله فمنعك ذلك فقد ظلمك -أي: إذا كان هذا واجب لك عند الله، وواجب على الله أن يوفيك هذا، لكنه منعك وحرمك؛ فلا شك أن هذا ظلم، ومحال أن يظلم الله عز وجل أحداً، وإن كنت تزعم أن ذلك من فضل الله؛ فإن فضل الله يؤتيه من يشاء، والله واسع عليم ]. فهل هذا فضل من الله أم حق للعبد عند الله؟ لاشك أنه فضل من الله تعالى.

    مناظرة بين مجوسي وقدري

    قال: [ وعن عمر بن الهيثم قال: خرجت في سفينة إلى الأبلة أنا وقاضيها هبيرة العديس، وصحبنا في السفينة مجوسي وقدري؛ قال: فقال القدري للمجوسي: أسلم -أي: انطق بالشهادتين- فقال المجوسي: حتى يريد الله -أي: إذا أراد الله لي الإسلام أسلمت- قال: فقال القدري: الله يريد، والشيطان لا يدعك ]، أي: أن الله أراد منك الهداية والإسلام، لكن الشيطان هو الذي أضلك، هكذا أراد القدري أن يبلغ الرسالة للمجوسي.

    [ فقال المجوسي: أراد الله وأراد الشيطان، فكان ما أراد الشيطان! هذا شيطان قوي ]، أي: أنه أقوى من الله عز وجل، فانظروا إلى المجوسي هو أصح اعتقاداً من القدرية، فالمجوسي يوقن أن الهداية والضلال بيد الله، والقدري يقول: الهداية من عند الله والضلال من عند الشيطان أو من عند العبد.

    مناظرة بين أبي عصام العسقلاني وقدري

    قال: [ وقال أبو صالح : قال رجل من القدرية لـأبي عصام العسقلاني : يا أبا عصام أرأيت من منعني الهدى، وأوردني الضلالة والردى، ثم عذبني يكون لي منصفاً؟ قال أبو عصام : إن يكن الهدى شيئاً لك عنده فمنعك إياه؛ فما أنصفك، وإن يكن الهدى شيئاً هو له، فله أن يعطي من يشاء ويمنع من يشاء].

    بدعة عمرو بن عبيد أمام فطرة أعرابي

    قال: ووقف رجل على حلقة فيها عمرو بن عبيد القدري المبتدع، فقال: إني قدمت بلدكم هذا، وإن ناقتي سرقت، فادع الله أن يردها علي ]، فهذا رجل أعرابي أتى من البادية وهو غريب في البصرة، فقال: يا عمرو بن عبيد ! ادع الله لي أن يرد علي ناقتي فقد سرقت في بلدكم.

    [ فقال عمرو بن عبيد : يا هؤلاء -يا طلاب يا تلاميذ- ادعوا الله لهذا الذي لم يرد الله أن تسرق ناقته فسرقت أن ترد عليه، فقال الأعرابي: لا حاجة لي بدعائك -أي: لا تدع لي- قال: ولم؟ قال: أخاف كما أراد ألا تسرق فسرقت؛ أن يريد أن ترد علي فلا ترد! ].

    لأن الشيطان حينئذ أقوى من الله عز وجل في الإرادة والمشيئة عياذاً بالله، فهذا الأعرابي الذي أتى من البادية لا علم له بالعلوم الشرعية، وقد علم قضية القدر أكثر من عمرو بن عبيد الذي كان منظراً لمسائل القدر والقدرية، وهو سيد أهل البدع في زمانه.

    دعاء مطرف بن الشخير بأن يعصمه الله من شر ما تجري به الأقلام

    قال: [ وكان مطرف بن عبد الله بن الشخير يدعو بهؤلاء الدعوات الخمس الكلمات: اللهم إني أعوذ بك من شر الشيطان -أي: ألجأ إليك وأتضرع إليك أن تعصمني من شر الشيطان- ومن شر السلطان، ومن شر ما تجري به الأقلام، وأعوذ بك من أن أقول حقاً هو لك رضى، أبتغي به حمد سواك، وأعوذ بك من أن أتزين للناس بشيء يشينني عندك، وأعوذ بك أن تجعلني عبرة لغيري، وأعوذ بك أن يكون أحد هو أسعد بما علمتني مني ].

    ثمرة الفهم الصحيح للقدر

    قال: [ وقال آدم: يا رب! أرأيت ما أتيت -أي: يا رب أترى ما قد اقترفته- أشيء ابتدعته من نفسي أم شيء قدرته علي قبل أن تخلقني؟ -ومعنى: قدرته: أي: علمته مني فكتبته- قال: بل شيء قدرته عليك قبل أن أخلقك، قال: فكما قدرته علي فاغفر لي ].

    فانظروا إلى الفهم الصحيح؛ فإنه لم يقل: فكما قدرته علي فلم تعذبني إذاً؟ وإنما قال: فاغفر لي.

    وأما حديث العنقاء ففي النفس منه شيء، وهو حديث طويل، وأفضل ألا أسرده، وإن كان المعنى في هذا الحديث يدور في فلك هذا الكلام الذي ذكرناه آنفاً، وسنذكره مستقبلاً بإذن الله تعالى.

    آثار عن السلف في بيان سابق علم الله في عباده

    قال: [ وقال أبو سليمان الداراني : والله لقد أنزلهم الغرف قبل أن يطيعوه، وأدخلهم النار قبل أن يعصوه ]، أي: أن الله تعالى علم أهل الجنة وعلم أهل النار، فأدخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار قبل أن يخلقهم، وهذا يدل على سابق علم الله الأزلي في الخلق.

    قال: [ وقال أبو سليمان أيضاً: كيف يخفى على الله عز وجل ما في القلب ولا يكون في القلب إلا ما ألقي فيه، فكيف يخفى عليه؟ وقال: أنا بمنزلة الحجر إن لم أحرك لم أتحرك ]، أي: لابد أن يتصرف في الذي خلقني، وهو الله سبحانه وتعالى.

    قال: [ وعن الخشني قال: ما في جهنم واد ولا دار ولا مغار ولا غل ولا قيد ولا سلسلة إلا اسم صاحبه عليه مكتوب قبل أن يخلق -أي: أن هذه العقوبات كلها مكتوب عليها أنه يغل بها فلان، ويسلسل بها فلان، ويقيد بها فلان- قال أحمد بن أبي الحواري : فحدثت به أبا سليمان فبكى، ثم قال: ويحك؛ فكيف به لو قد اجتمع عليه هذا كله، فجعل الغل في عنقه، والقيد في رجليه، والسلسلة في عنقه، وأدخل النار، وأدخل الدار، وجعل في المغار؟ ].

    أي: فكيف بك لو اجتمع هذا كله عليك؟! نسأل الله السلامة والعافية.

    قال: [ قال أحمد بن أبي الحواري لـأبي سليمان الداراني : من أراد الحظوة -أي: الرفعة والمكانة- فليتواضع في الطاعة، وقال لي: ويحك وأي شيء التواضع؟ إنما التواضع في ألا تعجب بعملك، وكيف يعجب عاقل بعمله، وإنما يعد العمل نعمة من الله عز وجل ينبغي أن يشكر الله عليها ويتواضع له، إنما يعجب بعمله القدري الذي يزعم أنه يعمل، فأما من زعم أنه يستعمل فكيف يعجب؟! ]، فالله تعالى هو الذي قدر لك العمل، وأعانك عليه.

    قال الشيخ ابن بطة: [فكل ما قد ذكرته لكم يا إخواني رحمكم الله! فاعقلوه وتفهموه، ودينوا لله به، فهو ما نزل به الكتاب الناطق، وقاله النبي الصادق، وأجمع عليه السلف الصالح والأئمة الراشدون من الصحابة والتابعين، والعقلاء والحكماء من فقهاء المسلمين، واحذروا مذاهب المشائيم القدرية الذين أزاغ الله قلوبهم -فالله تعالى هو الذي يزيغ القلوب- فأصمهم وأعمى أبصارهم، وجعل على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقراً؛ حتى زعموا أن المشيئة إليهم، وأن الخير والشر بأيديهم، وأنهم إن شاءوا أصلحوا أنفسهم، وإن شاءوا أفسدوها، وأن الطاعة والمعصية إليهم، فإن شاءوا عصوا الله وخالفوه فيما لا يشاؤه ولا يريده؛ حتى ما شاءوا هم كان، وما شاء الله لا يكون، وما لا يشاءوه لا يكون، وما لا يشاؤه الله يكون.

    فإن القدري الملعون لا يقول: اللهم اعصمني -القدري لا يدعو بهذا قط، بل ينكر على من دعا بهذا- اللهم وفقني، ولا يقول: اللهم ألهمني رشدي، ولا يقول: رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا [آل عمران:8]، ويقول: إن الله لا يزيغ القلوب، ولا يضل أحداً، ويجحد القرآن، ويعاند الرسول عليه الصلاة والسلام، ويخالف إجماع المسلمين، ولا يقول: لا حول ولا قوة إلا بالله -بل يقول: الحول والقوة بيديه- ولا يقول: ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، وينكر ذلك على من قاله، ويزعم أن المشيئة إليه، والحول والقوة بيديه، وأنه إن شاء أطاع الله وإن شاء عصى، وإن شاء أخذ وإن شاء أعطى، وإن شاء افتقر، وإن شاء استغنى.

    وينكر أن يكون الله عز وجل خالق الشر، وأن الله شاء أن يكون في الأرض شيء من الشر، وهو يعلم أن الله خلق إبليس، وهو رأس الشر، وأن الله علم ذلك منه قبل أن يخلقه، والله تعالى يقول: مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ [الفلق:2] -إذاً: هو الذي خلق الشر- وهو الذي يقول: وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ [الصافات:96] -أي: من خير وشر- ويقول: هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ [التغابن:2] -إذاً: هو الذي خلق الإيمان وخلق الكفر- فالقدري يجحد هذا كله، ويزعم أنه يعصي الله قسراً، ويخالفه شاء أم أبى ]. فهذا دين القدرية، وهو بلا شك كفر بواح.

    إعادة بعض السلف للصلاة خلف القدرية

    قال: [ وقال معاذ بن معاذ : صليت أنا وعمر بن الهيثم الرقاشي خلف الربيع بن بزة -وهو سيد من سادات أهل البدع- قال معاذ : فأخبرني عمر بن الهيثم أنه حضرته الصلاة مرة أخرى، فصلى خلف الربيع بن بزة ، قال: فقعدت أدعو، فقال: لعلك ممن يقول: اعصمني، قال معاذ : فأعدت تلك الصلاة بعد عشرين سنة.

    و الربيع بن بزة من كبار مشائيم القدرية بالبصرة، وكان من العباد المجتهدين في هذا الخذلان، عصمنا الله وإياكم منه ومن كل بدعة ].

    مسلك في المناظرة يقطع القدري

    قال: [ وقال بعض العلماء: مسألة يقطع بها القدري -أي: إذا أردت أن تناظر قدرياً فاسلك معه هذا السبيل، فإنك إن سلكت معه هذا السبيل انقطعت حجته وانهزم- يقال له: أخبرنا؛ أراد الله من العباد أن يؤمنوا به ويطيعوه ولا يعصوه فلم يقدر، أم قدر فلم يرد؟ فإن قال: قدر فلم يرد، قيل له: فمن يهدي من لم يرد الله هدايته؟ وإن قال: أراد فلم يقدر، قيل له: لا يشك جميع الخلق أنك قد كفرت يا عدو الله! ]، أي: أنه في كلا الحالين والأمرين ضلال مبين.

    فهل الهداية ملك للعبد عند الله، وواجبة في حق الله، وأن الله منعه حقه؟ لا شك أنه لا يقول بذلك، فإن قال بذلك فقد كفر، وإن قال: بأن الملك كله لله تعالى؛ فإن الله تعالى يهدي من يشاء ويضل من يشاء، فهذه حجة أقوى من حجة بعض العلماء التي نحن بصددها.

    إيمان أهل الجاهلية ومن بعدهم من الأعراب بالقدر

    قال: [ وقال أحمد بن أبي الحواري : سمعت أبا سليمان الداراني يقول: أهل السماوات والأرضين من الملائكة المقربين والأنبياء المرسلين، ومن دونهم من الخليقة أعجز في حيلتهم، وأضعف في قوتهم من أن يحدثوا في ملك الله عز وجل وسلطانه طرفة بعين، أو خطرة بقلب، أو نفساً واحداً من روع من لم يشأه الله لهم، ولم يعلمه منهم، ولقد أذعنت الجاهلية الجهلاء بالقدر ].

    أي: حتى أهل الجاهلية قبل بعثة النبي عليه الصلاة والسلام كانوا يؤمنون بالقدر، وكذلك المجوسية يعلمون قضية القدر، وأما فرقة القدرية التي تنسب إلى الإسلام فليست أفهم من هؤلاء أصحاب الجاهلية والمجوس وعبدة البقر والأصنام، فإن القدرية أضل من هؤلاء جميعاً.

    قال: [ ولذلك قال بعض الرجاز من أهل الجاهلية:

    يا أيها المضمر هماً لا تهم إنك إن تقدر لك الحمى تحم

    ولو علوت شاهقاً من العلم كيف يوقيك وقد جف القلم ]

    أي: لابد أنه واقع بك ما كان مكتوباً في اللوح المحفوظ.

    قال: [ وأتى علي بن أبي طالب رجل فشكا إليه تعذر الأشياء، والتياث الدهر عليه -اختلاطه عليه- فتمثل علي رضي الله عنه بهذه الأبيات:

    فإن يقسم لك الرحمن رزقاً يعد لرزقه المقضي بابا

    وإن يحرمك لا تسطع بحول ولا رأي الرجال له اجتلابا

    فقصر في خطاك فلست تعدو بحليتك القضاء ولا الكتابا ].

    أي: ما كان مقضياً مكتوباً لك فسيأتيك، فتمهل في طلبه.

    قال: [ وكتب الخليل بن أحمد إلى سليمان بن علي :

    أبلغ سليمان أني عنه في سعة وفي غنى غير أني لست ذا مال

    سحى بنفسي أني لا أرى أحداً يموت هزلاً ولا يبقى على حال

    فالرزق عن قدر لا العجز ينقصه ولا يزيدك فيه حول محتال

    وقال بعض الشعراء:

    هي المقادير فلمني أو فذرني إن كنت أخطأت فما أخطا القدر ]

    وهذا شعر جاهلي، أي: إن كنت أخطأت فما أخطأ القدر، وانظر وقارن بين قول هذا الجاهلي وبين هذا الذي ينسب إلى الإسلام، والذي يقول قولاً قبيحاً، وشركاً وكفراً صريحاً.

    [وقال لبيد بن ربيعة] وهو صاحب إحدى المعلقات، وقد أسلم، وهو صاحب البيت المشهور:

    ألا كل شيء ما خلا الله باطل وكل نعيم لا محالة زائل

    فقال ابن عباس عندما سمع قوله: ألا كل شيء ما خلا الله باطل: صدق، ولما قال: وكل نعيم لا محالة زائل: قال: كذب، فنعيم الجنة لا يزول.

    ولبيد كان يقصد أن كل نعيم من نعيم الدنيا سيزول، فهو على قصده، والمعنى في بطن الشاعر كما يقولون، وهو صادق فيما أراد، لكن ابن عباس كان أدق منه.

    [ قال لبيد:

    إن تقوى ربنا خير نفل وبإذن الله ريثي وعجل

    من هداه سبل الخير اهتدى ناعم البال ومن شاء أضل ].

    إذاً: الهداية والضلال بيد الله عز وجل.

    قال: [ وقال النابغة الذبياني -وهو شاعر جاهلي-:

    وليس امرؤ نائلاً من هواه شيئاً إذا هو لم يكتب ].

    أي: مهما يهوى المرء شيئاً فإنه لا يأخذه مادام أنه لم يكتب في اللوح المحفوظ.

    قال: [ وهناك نص عن رجل يذكره الأصمعي ، لكن هذا النص عندي فيه بعض الشيء، [قال الأصمعي : وقع الطاعون بالبصرة، فخرج أعرابي فاراً منه على حمار له- أي: يهرب من الطاعون- فلما صار في جانب البر سمع هاتفاً -أي: صوتاً من بعيد- يقول:

    لن يسيق الله على حمار والله لا شك إمام الساري

    فرجع الأعرابي إلى البصرة وهو يقول:

    قدر الله واقع حين يقضي وروده

    قد مضى فيه علمه وانقضى ما يريده

    وأخو الحرص حرصه ليس مما يزيده

    فأرد ما يكون إن لم يكن ما تريده

    وقال الفرزدق :

    ندمت ندامة الكسعي لما غدت مني مطلقة نوار

    وكانت جنة فخرجت منها كآدم حين أخرجه الضرار

    ولو منت بها كفي ونفسي لكان علي للقدر الخيار ].

    وهناك أشعار كثيرة في القدر لأهل الجاهلية وغيرهم.

    أثر سهل بن عبد الله التستري في إثبات القدر

    وهناك نص مهم جداً لـسهل بن عبد الله التستري ، وهو يعتبر نصاً جامعاً فيما يتعلق بمسألة القدر.

    قال: [ قال سهل بن عبد الله التستري : ليس في حكم الله عز وجل أن يملك علم الضر والنفع إلا الله عز وجل -أي: ليس هناك نزاع في ذلك، فإن الله تعالى هو الذي يملك الضر والنفع- ولكن حكم العدل في الخلق إنكار فعل غيرهم من الضر والنفع، وهو حجة الله علينا، أمرنا بما لا نقدر عليه إلا بمعونته، ونهانا عما لا نقدر على تركه والانصراف عنه إلا بعصمته، وألزمنا بالحركة بالمسألة له المعونة على طاعته، وترك مخالفته في إظهار الفقر والفاقة إليه، والتبري من كل سبب واستطاعة دونه، فقال: يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ [فاطر:15]، قال: فخرجت أفعال العباد في سرهم وظاهرهم على ما سبق من علمه فيهم، من غير إجبار منه لهم في ذلك أو في شيء منه -أي: أن أفعال العباد خيرها وشرها وقعت منهم على ما سبق في علم الله عز وجل في الأزل قبل أن يخلق الخلق، من غير إجبار منه لهم، لا على فعل الطاعة ولا على فعل المعصية- ولا قسر ولا إكراه، ولا تعبد ولا أمر، بل بقضاء سابق ومشيئة وتخلية منه لمن شاء، كيف شاء، لما شاء، فله الحجة على الخلق أجمعين، فأفعال الخلق وأعمالهم كلها من الله مشيئة ].

    أي: أن الله تعالى شاء من فلان الطاعة، وشاء من فلان المعصية مشيئة كونية قدرية في باب المعصية، لن نرضاها ولا نحبها، لكن نؤمن بها أنها من عند الله عز وجل، وقد طرحنا السؤال من قبل: هل يجب الإيمان بالقضاء والقدر والرضا به؟

    الجواب: يجب أن نؤمن بالقدر خيره وشره، لكن لا نرضى بالشر؛ لأن الله تعالى نهانا عنه، وحذرنا منه، ورتب عليه العقوبة في الدنيا والآخرة.

    قال: [ فأفعال الخلق وأعمالهم كلها من الله مشيئة، فيها معنيان: فما كان من خير فالله أراد ذلك منهم، وأمرهم به، ولم يكرهم على فعله، بل وفقهم له -إذاً: الطاعة ليس فيها إكراه، لكنها توفيق من الله- وأعانهم عليه، وتولى ذلك الفعل منهم وأثابهم عليه، وما كان من فعل شر فالله عز وجل نهى عنه، ولم يجبر عليه، ولم يتول ذلك الفعل، بل أراد العبد به والتخلية بينه وبينه، وشاء كون ذلك قبيحاً فاسداً؛ ليكون ما نهى ولا يكون ما أمر، ويظهر العلم السابق فيه: (فمنهم شقي وسعيد)، فهو من الله مشيئة، ومن الشيطان تزيين، ومن العبد فعل ].

    فالشر من الله مشيئة، شاء الله تعالى لهذا الفعل القبيح الفاسد الشر أن يكون موجوداً في الكون مخلوقاً، فالله تعالى يشاء الخير والشر، ويقدر الخير والشر، ويأذن في حق الخير والشر، والشيطان يزين الشر، والعبد هو الذي يجترح ويقترف ذلك بجوارحه.

    وأما الخير فالله تعالى أراده إرادة شرعية دينية، وأحبه وتولاه، وأثاب عليه في الدنيا والآخرة، ولم يجبر العبد عليه وإنما وفقه، وفي المقابل لم يجبر العبد على المعصية، لكن الله تخلى عنه، فزين له الشيطان الشر فاقترفته يداه.

    آثار عن السلف في القدرية

    قال: [ قال الحسن بن علي : قضي القضاء، وجف القلم، وأمور تقضى في كتاب قد خلا ]. أي: جفت الأقلام وطويت الصحف.

    قال: [ وقال أبو حميد الخرساني -وكان مؤذن مسجد سماك، ومات شهيداً في سبيل الله غرقاً في البحر- بينما أنا في المنارة قبل أذان الصبح وأنا قاعد فخفقت رأسي، إذ مر رجلان في الهواء، فقال قائل لأحدهما: ما تقول في الذين يزعمون أن المشيئة إليهم؟ قال: أولئك الكفار، أولئك الكفار، أولئك هم وقود النار ]، وهذه رؤية منامية.

    قال: [ وقال أبو داود بن أبي هند : اشتق قول القدرية من الزندقة، وهم أسرع الناس ردة ].

    قال: [ قال ابن مسعود : المتقون سادة، والفقهاء قادة، ومجالستهم زيادة، ولا يسبق بطيئاً رزقه، ولا يأتيه ما لم يقدر له ].

    قال حماد بن زيد : سألت أبا عمرو بن العلاء عن القدر، فقال: ثلاث آيات في القرآن: لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ * وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ [التكوير:28-29]، فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا [المزمل:19]، وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ [الإنسان:30]، وقال تعالى: كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ * فَمَنْ شَاءَ [عبس:11-12] -أي: فمن شاء الله- ذَكَرَهُ [عبس:12].

    وعن إسحاق بن إبراهيم بن طلحة عن أبيه عن جده أنه قال: كان عبد الله بن جعفر وعمر بن عبيد الله في موكب لهما فذكروا القدرية، فقال ابن جعفر : هم والله الزنادقة، فقال عمر بن عبيد الله : إنما يتكلمون في القدر -أي: ليسوا زنادقة، فهم مسلمون، لكن يتكلمون في القدر- فقال عبد الله بن جعفر : هم والله الزنادقة ].

    حكم العمل بالرؤى المنامية والإسرائيليات

    والرؤى والمنامات لا يؤخذ منها اعتقاد، وإنما هي مبشرات أو محذرات، أي: محطات يقف عندها العبد، فإذا كانت خيراً يستبشر بها، وإن كانت شراً يتوقف عندها، ويحاول أن يراجع حساباته مع الله عز وجل.

    فالرؤى والمنامات لا يؤخذ منها شيء، لكن إذا وافقت الرؤية ما كان في واقع هذا الرأي، وكانت منضبطة على الأصول الشرعية فلا شك أنها تكون أقرب إلى الحقيقة؛ خاصة إذا كانت لها الشواهد والأدلة والأصول في الكتاب والسنة أو إجماع أهل العلم، وحينئذ يستأنس بها ويسترشد بها، ولا يقف المرء عندها، ولا يقول: إذاً سينزل بي كذا وكذا، أو سينالني من الخير أو الشر كذا وكذا؛ لأنه عند ذلك قد حول الرؤية إلى عقيدة عنده، وهي في الحقيقة استئناس ومبشرات فقط، أو تحذيرات للعبد، لذا لا يتوقف عندها، ولا تنبني عليها أحكام ولا أعمال.

    وكذلك تلك الروايات التي تنقل من كتب أهل الكتاب من الإسرائيليات، والمعلوم أن هذه الكتب لا تمثل أحكاماً انفرادية عندنا، وإنما ما وافق منها ما كان عندنا قبلناه من باب الاستئناس، على أن يكون الأصل هو كتاب الله تعالى، وسنة النبي صلى الله عليه وسلم، وإجماع أمة الإسلام، وما كان من كتب أهل الكتاب يوافق هذه الأصول أخذنا به استئناساً لا تأصيلاً، وما خالفها نرده ولا نقبله، بل يغلب على الظن أنه من الكلام المحرف في كتب بني إسرائيل.

    وما كان مسكوتاً عنه في كتب بني إسرائيل فإننا لا نقبله ولا نرده، أي: لا علاقة لنا به، لكننا لا نكذبه كما أننا لا نصدقه، وهذا باختصار حكم الإسرائيليات، وقد ذكرنا منها كثيراً، فهل رأيتم فيما ذكرنا شيئاً يخالف عقيدة أهل الإسلام في القدر؟ ما وجدنا شيئاً يخالف عقيدة أهل الإسلام في القدر.

    حديث العنقاء والحكم عليه

    وإذا كان الأمر كذلك فحديث العنقاء يدور في هذا الفلك وفي هذا المضمار، والعبرة منه كالعبرة من غيره من النصوص، سواء في كتب السلف أو في كتب بني إسرائيل، وقد تحرف أو تصحف في كتاب ابن بطة حيث قال: حديث العقاد، وهو تصحيف، والصحيح: حديث العنقاء.

    وعلى أية حال العنقاء أفضل وأحسن من العقاد ، فإن العنقاء أفضل من عباس العقاد ؛ وما لقب العقاد بهذا اللقب إلا لأنه كان يتعمد عقد مجلسه في ساعة صلاة الجمعة، فصالونه الأدبي الذي كان يعقده فيما يسمى الآن: بمحطة الإسعاف؛ كان يتعمد عقد هذا الصالون الأدبي في ساعة صلاة الجمعة، فكان تاركاً للصلاة ولصلاة الجمعة، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: (من ترك صلاة الجمعة ثلاث مرات متواليات طبع الله على قلبه)، فكيف بمن تركها طيلة عمره؟!

    وحديث العنقاء يرويه داود بن أبي هند قال: [كانت العنقاء عند سليمان بن داود وكان سليمان قد علم كلام الطير، وسخرت له الشياطين، وأعطي ما لم يعط أحد، فذكر عنده القضاء والقدر، وكانت العنقاء حاضرة، فقالت العنقاء: وأي شيء هذا القضاء والقدر، ما يغني شيئاً، قيل لسليمان بن داود: إنه يولد بالمشرق جارية ويولد في المغرب غلام في يوم واحد وساعة واحدة، وأنهما يجتمعان على الفجور -الزنا- فقالت العنقاء: إن هذا لا يكون، وكيف يكون وهذا بالمغرب وهذه بالمشرق؟ فقال لها سليمان: إن ذلك يكون بالقضاء والقدر، قالت: لا أقبل ذلك]، وهذا الكلام لا يستقيم مع العقل.

    وهناك شخص مجرم سوري ساكن في أمريكا، وأمريكا لا تنضح علينا إلا بالبلاء، واسمه: أنور إسحاق، وهو لا أنور ولا حتى هو إسحاق، وهو ينادي بالتجديد منذ أكثر من عشر سنوات، وهو إنسان جاهل أحمق غبي لا يعرف شيئاً، بل بمجرد أن تراه تلمح فيه الغباء؛ لأن هناك أناساً هكذا؛ أعمالهم تظهر على وجوههم، وهذه سنة، فعندما ترى شخصاً نصرانياً تشعر بأنك تنظر إلى رأس خنزير، وكذلك عندما ترى شخصاً يكتب المحاضرات وراءك تعرف إن كان هذا طالب علم أو طالب شيء آخر، فتميز الاثنين من بعض، وغير ذلك.

    فهذا شكله -أستغفر الله العظيم- عليه الغباء، والعجب أنه يدخل في نقاش، وهو من الناس الهمج الرعاع الذين لا علاقة له بالعلم والأدب، وقد التقيت به منذ أربع سنوات هناك ينادي بالتجديد.

    ولعلكم تذكرون أني قلت لكم من قبل: وما مظهر التجديد عندك؟ قال: أن يظهر في الأمة من يكذب القرآن ويكذب السنة، ثم نحكم بالرد عليه! فتصور أن هذا مظهر من مظاهر التجديد؛ إذ إنه يظهر في الأمة أناس يطعنون في القرآن ويطعنون في السنة، وهذا يعتبر عندهم مجدد، أرأيت إلى هذه الخيبة؟! وقد فوجئت بأنه كتب كتاباً وأنزله إلى الأسواق، وقد أتتني منه نسخة أمس البارحة، واسمه: جاهلية العنف، والصورة التي على الغلاف هي صورة البرج!

    واعلم أنه أغبى وأحقر وأقل مما تظن، ويقيناً أن هذا تلقفته الأيدي العابثة التي تعبث بالشرع، وفرصة أن وجدوا لهم ضالة في بقعة من بقاع الأرض، فيصير إنساناً معترضاً على كل شيء، فلا يوجد عنده شيء اسمه: علماء تفسير، ولا شراح أحاديث، ولا رواة للسنة، ولا مصنفين للسنة، وما بقي إلا أن يقول: ولا قرآن، ولا رواة للقرآن! ويرفض أي تفسير للقرآن أو السنة، فهذه السنة قد هدمها من أساسها، لكن القرآن كلام ربنا، فلا يتجرأ على ذلك، لكن هذا الرجل ذكر نموذجاً فقال: لا نريد هذا التفسير، وأخذ مسألة التقوى وأحضر تفسير فلان للتقوى، وفلان للتقوى، وترك تفسير هؤلاء كلهم، وقال: كل هذا كلام فارغ وتخريف ليس له أصل، وقال: أنا سافرت العالم كله، ودخلت مكتبات العالم في أوروبا وأمريكا والبلاد الإسلامية، وقابلت العلماء الكبار مثل الشيخ شحرور!

    والشيخ شحرور هذا هو رافع لواء الطعن في السنة في سوريا، وهو ليس شيخاً ولا شيئاً من هذا القبيل، وإنما هو رجل مهندس لا علاقة له بالشرع ولا بالدين، وشحرور له كتابات إن لم يكفر بها فعلى الأقل يسقط بها في الطامات، لكن على أية حال تصور أن هذا يقول: أنا قابلت الشيخ شحرور ! وسألته عن القدر، فما أقنعني بشيء يشفي غليلي، فعلمت أن الهداية والظلام بيد العبد لا بيد الله! ويحضر لك بآيات من القرآن الكريم، ونحن متفقون على أنه ليس له علاقة بالسنة، فإما أن يأتي بأولها ويترك آخرها، أو يأتي بآخرها ويترك أولها، على عادة أهل البدع كما ذكرنا وكررنا ذلك.

    وأنا متأسف أنني ذكرت هذا الكتاب، لكن أريد أن أقول لك: إن أهل البدع يعملون بجد في ضلالهم وعماهم، والله تعالى قد أعمى بصيرتهم وأراد لهم الشقاء والضلال، وأسأل الله تعالى أن يهديهم، فإن كان سبق في علمه أنهم لن يهتدوا فنسأل الله أن يأخذهم ويريحنا منهم.

    وهذا الرجل ما جلس إلى رجل محترم من أهل العلم يشار إليه باتباع السنة، وإنما كل من لقيهم إما من أهل البدع، وإما جهال مغمورون لا علاقة لهم كذلك بمناظرات أهل البدع، والواضح أنه لم يقرأ شيئاً قط في السنة، أي: أن الواحد منهم يرد باستمرار، فعندما أقابل قدرياً يقول لي: والله اقرأ المجلد الثالث والرابع من كتاب الإبانة لـابن بطة ، وأنت ستجد فيه ما لا يمكن أن تجده عندي، لكن تفاجأ بأنه لا يعتقد صحة هذه الكتب، فهو كاليهودي الذي تناظره بالقرآن فيقول لك: أنا كافر بالقرآن، فكيف تحتج علي بشيء أنا به كافر؟! وكذلك القدري يقول بما قالت اليهود، ويقول بما قالت النصارى والمجوس، فلا فرق بين القدري وبين هؤلاء جميعاً.

    فكتاب مثل هذا حوالي أربعمائة صفحة يحتاج إلى الرد في أكثر من عشرة مجلدات، فمن الذي عنده وقت لهذا الكتاب؟ والله طالب علم يمكن أن يرد عليه؛ لأنه فاشل واستدلاله منكوس، فيمكن أن يرد عليه بسهولة، لكن كتاب فيه شبهة أخرى وبالذات في مصر فإنه سيجد له رجالاً يحملونه ويأخذونه.

    وأنا قلت لك قبل ذلك: لو ظهر واحد في هذا المجلس وقال: أنا نبي فإنه سيقوم عشرة على الأقل يبايعونه ويؤمنون به؛ لأنه ليس هناك ساقطة في الأرض إلا ولها لاقطة، وكم ظهر من أناس يدعون النبوة، والجديد الذي يمشي الآن: المهدي المنتظر، فهل يوجد أحد يدعي أن هو المسيح الدجال ؟! لا، فكلهم المهدي ؛ لأن المهدي رجل محترم، والمسيح كافر، فلا تجد أحد يقول: أنا المسيح ؛ لأن هذا يلزم منه أنه يؤذي عينه الشمال، ويعيب عينه اليمنى، فتعز عليه عينيه؛ لأن عينيه أعز عليه من أن يزعم أنه هو المسيح الدجال .

    لكن هذا لا يمنع أن واحداً يخلق مصاب في عينيه، فيكون مهيأ بعد ذلك أن يدعي أنه المسيح الدجال! والمهم أنه يشتهر ويكفي، كالذي بال في ماء زمزم، فقد قيل له: لم فعلت هذا؟ قال: أردت أن أشهر ولو بالشر، والعجيب أن هذه الحادثة ذكرت في الكتب ولم يذكر من الذي بال، فعاقبه الله تعالى بعدم ذكره -ولا حتى بالشر- نكاية في قصده.

    وعلى كل لما أنكرت العنقاء أن هذا الرجل يفجر بتلك المرأة وهو بالمغرب وهي بالمشرق، قال سليمان عليه السلام: [إنما ذلك يتم بالقضاء والقدر، قالت: لا أقبل هذا، ثم قالت: أنا آخذ الجارية فأصيرها في موضع لا يصل إليها مخلوق، وأحفظها حتى يكون ذلك الوقت الذي ذكرتم أنهما يلتقيان فيه].

    أي: آخذ هذه البنت وأضعها في قمة جبل بعيد عن الغلام، وأنت يا سليمان! تذكر أنه يفجر بها في مكان كذا وفي وقت كذا، فقال سليمان: [اذهبي فخذي الجارية وتحرزي بما قدرت -أي: احفظيها على قدر ما تستطيعين- فإذا كان ذلك الوقت أمرناك أن تجيئي بالجارية ونجيء نحن بالغلام، فانطلقت العنقاء فاحتملت الجارية حتى صيرتها في جزيرة من جزائر البحر، وكان في تلك الجزيرة جبل عظيم في رأسه قلة لا يصل إليها مخلوق، وفي ذلك الرأس كهف -أي: في قمة ذلك الجبل كهف- فصيرت الجارية في ذلك الكهف، ثم جعلت تختلف إليها -أي: تزورها كل فترة وفترة- حتى كبرت وشبت وصارت امرأة، ثم إن الغلام لم يزل يشب حتى صار رجلاً، فركب في البحر في سفينة ومعه فرس، فلما انتهى إلى تلك الجزيرة كسر به، فخرج هو وفرسه إلى تلك الجزيرة وغرقت السفينة؛ فلم ينج منها أحد، فبينما هو يدور في تلك الجزيرة، إذ رفع رأسه فبصر بالجارية وبصرت به، فدنا منها فكلمها وكلمته، فأخذ يقلبها وأخذت تقلبه، فمكثا يطيلان الحيل ليصل كل واحد منهما إلى صاحبه، فقالت الجارية: إن التي ربتني طير عظيم الشأن -وهي العنقاء- وليس لك حيلة تصل بها إلي إلا أن تذبح فرسك ثم ترمي بما في جوفه في البحر وتدخل أنت فيه، فإنها إن ظفرت بك قتلتك، فإني سأسألها أن تحمل الفرس إلي، فإذا فعلت صرت عندي، فلما جاءت العنقاء قالت لها الجارية: يا أمه! لقد رأيت اليوم في البحر شيئاً عجباً لم أر مثله قط، وقد كانت الجارية سألت الفتى أي شيء هذا تحتك؟ فقال لها: فرس، فقالت لها العنقاء: وما هو يا بنيه؟ قالت: ذلك الذي ترين على شط البحر؟ قالت: يا بنيه! هذا فرس ميت حمله البحر فألقاه في هذه الجزيرة، فقالت: يا أمه! فجيئيني به حتى أنظر إليه وألهو به وأمسه بيدي، فانطلقت العنقاء فاحتملت الفرس والفتى فيه حتى وضعته بين يدي الجارية، ثم انطلقت العنقاء إلى سليمان لتخبره أن الوقت قد مضى، وأنه لم يكن من القضاء الذي ذكر شيء، وأن القضاء والقدر باطل، وأن الفتى خرج من بطن الفرس فواقع الجارية، فلما صارت العنقاء عند سليمان، وكان قد قالت: يا سليمان! أليس قد زعمت أن القضاء والقدر ينفع ويضر ويكون ما قلتم؟ وقد كان الوقت الذي أخبرتني أنه يكون ويجتمعان فيه ويكون الفجور، وقد مضى الوقت، فقال سليمان: قد اجتمعا، وكان منهما ما أخبرتك أنه يكون، فقالت العنقاء: إنما جئت من عند الجارية الساعة وما وصل إليها خلق، فأين الرجل؟ فقال سليمان: جيئينا بالجارية فإنا نجيئك بالرجل -أي: لو أحضرت البنت سنحضر لك الرجل- فانطلقت العنقاء إلى الجارية، فقالت: إن سليمان أرسلني إليك لأحملك إليه، فقالت الجارية: يا أمه! كيف تحمليني وأنا امرأة قد كبرت وثقلت؟ -أي: كثر لحمي- وإنما حملتيني وأنا صغيرة، وقد كانت الجارية حين أحست بمجيء العنقاء أمرت الفتى فدخل في جوف الفرس، ثم قالت الجارية للعنقاء: يا أمه! إن كنت لابد فاعلة فإني أدخل في جوف هذا الفرس ثم تحمليني، فإن وقعت لم يضرني شيء، فقالت العنقاء: صدقت يا بنيه! فدخلت الجارية في جوف الفرس فاحتملتها العنقاء حتى وضعتها بين يدي سليمان، فقالت: هذه الجارية فأين الرجل؟ فقال سليمان: قولي للجارية تخرج، فقالت للجارية: اخرجي، فخرجت، فقال سليمان للرجل: اخرج قد جاءت بك تحملك على رغم أنفها على ظهرها، فخرج الفتى فاستحيت العنقاء، فهربت على وجهها، فلم ير لها أثر حتى الساعة].

    وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

    1.   

    الأسئلة

    حكم الاحتفال بأعياد النصارى

    السؤال: هل من التشبه أن يحتفل بعض المسلمين بأعياد النصارى، كعيد شم النسيم وغيرها من الأعياد؟

    الجواب: ليس للمسلمين إلا عيدان اثنان: عيد الفطر وعيد الأضحى، أما شم النسيم فهو عيد النصارى وليس من أعياد المسلمين، وأنتم تعلمون أن الأعياد عبادة من العبادات، وعقيدة من العقائد، وليس من الأحكام الشرعية فقط، فمن شارك النصارى في هذا العيد فإنما يشاركهم في جزء من اعتقادهم.

    وقد صنف الإمام الذهبي كتاباً رائعاً جداً أسماه: نهي الخسيس عن التشبه بأهل الخميس، وهذا العيد يسمى عندهم بـ: عيد الخميس، والذهبي سمى كتابه هذا بـ: نهي الخسيس، يعني: أن من شاركهم فهو خسيس في عقيدته.

    وهذا باب عظيم جداً من أبواب الولاء والبراء، فاتقوا الله عز وجل فلا تشاركوهم في شيء من أعيادهم قط لا بشم النسيم ولا بغيره، وإذا كان الأصل في البيض والكيك وغير ذلك الحل إلا أنه في هذا اليوم لا ينبغي للمسلم أن يتعمد شراءه؛ حتى لا يكون في هذا وجه من وجوه التشبه بهؤلاء.

    كما أنه من البدع كذلك أن يخصص هذا اليوم بصيام أو قيام مخالفة لأهل الكتاب كما يزعم الزاعم، فيقول: إذا كان المشركون يحتفلون بشيء شركي من أعيادهم أو غير ذلك؛ فإنا نخالفهم بقيام الليل وصيام النهار! فهذا أيضاً بدعة، وإنما اجعل الأمور طبيعية جداً، فإذا كنت تصوم الإثنين والخميس وصيام ثلاثة أيام من الشهر فطبيعي: (إلا أن يكون صوم أحدكم فليصم)، لكن شخص طول عمره تارك للصيام وتارك للقيام، ثم يأتي في هذا اليوم بالذات ويقول: مخالفة للنصارى أنا أصوم! ومعاندة للنصارى أنا أقوم الليل! أو مخافة أن ينزل عذاب من السماء فيصيب الكل، فإذا نزل يدركني وأنا قائم أو أنا صائم! كل هذا من التخريف والبدع وإن قال بها من قال.

    وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3003226013

    عدد مرات الحفظ

    718659391