إسلام ويب

الصوتيات

  1. الصوتيات
  2. محاضرات مفرغة
  3. حسن أبو الأشبال الزهيري
  4. شرح كتاب الإبانة من أصول الديانة
  5. شرح كتاب الإبانة - بيان أن كل مولود يُولد على الفطرة، وذراري المشركين

شرح كتاب الإبانة - بيان أن كل مولود يُولد على الفطرة، وذراري المشركينللشيخ : حسن أبو الأشبال الزهيري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لقد أخبر النبي عليه الصلاة والسلام أن كل مولود يولد على الفطرة، وقد اختلف أهل العلم في المراد بالفطرة، وانعقد الإجماع على أن من مات من أبناء الموحدين قبل البلوغ فهو في الجنة، ووقع الخلاف في أبناء الكفار الذين ماتوا قبل بلوغهم الحلم على مذاهب عدة تجدها مبسوطة في هذه المادة.

    1.   

    باب الإيمان بأن كل مولود يولد على الفطرة وذراري المشركين

    إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    وبعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    أما بعد:

    الباب الثالث من أبواب القدر: باب الإيمان بأن كل مولود يولد على الفطرة، وذراري المشركين.

    أي: والكلام عن أطفال المشركين.

    شرح حديث (كل مولود يولد على الفطرة...)

    قال المصنف رحمه الله: [ عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه وينصرانه، كما تناتج الإبل من كل بهيمة جمعاء، هل تحس من جدعاء؟) ].

    ومعنى الحديث: أن البقرة تلد بقرة مثلها، والبعير يلد بعيراً مثله، فإذا ولدت الناقة ولداً فهل تشعر بأدنى فرق بين هذا المولود وبين أمه؟ لا، إنما هو بضعة منها قد اجتمعت أعضاؤه كلها، والناظر إلى ولد الناقة يقول: هذا ولد الناقة، والناظر إلى مولود الآدمي يقول: هذا آدمي، ولا يمكن أبداً أن تلد ناقة إنساناً، أو تلد امرأة ناقة.

    ولذلك كل مولود ينتج مثيله وشكيله، (جمعاء) أي: قد جمع جميع الأعضاء، وقوله: (هل تحس من جدعاء؟) الجدع: قطع الأنف، أو قطع الأذن، أو قطع اليد، أي: قطع الأطراف عموماً، فإذا ولدت الناقة فولدها مثلها في الشبه والأعضاء.

    قال: [ (كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه، أو ينصرانه، أو يمجسانه، أو يشركانه) ]، أي: يجعلانه مشركاً، كالبهيمة التي تلد بهيمة مثلها قد جمعت جميع الأعضاء، (هل تحس فيها من جدعاء؟) أي: هل فيها نقص؟ ليس فيها نقص، بل كلها مثل أمها.

    مذاهب العلماء في أبناء المشركين الذين ماتوا قبل البلوغ

    [ (قالوا يا رسول الله: أرأيت من يموت وهو صغير؟ قال: الله أعلم بما كانوا عاملين) ].

    قولهم: (أرأيت من يموت وهو صغير؟) هذا يتعلق بأبناء المشركين والكفار؛ لأن الإجماع قد انعقد -مع وفرة النصوص من الكتاب والسنة- على أن من مات قبل البلوغ، وقبل أن يجري عليه القلم، وقبل أن يبلغ الحلم من أبناء الموحدين والمسلمين فهو في الجنة، لا خلاف في ذلك، وإنما وقع الخلاف في أبناء الكفار لو أنهم ماتوا قبل البلوغ أين هم؟ على أربعة مذاهب.

    المذهب الأول: أنهم في الجنة.

    المذهب الثاني: أنهم تبع لآبائهم، أي: أنهم في النار.

    المذهب الثالث: التوقف، أي: عدم القطع لهم بجنة ولا نار.

    المذهب الرابع: أنهم يؤتون يوم القيامة فيعقد لهم اختبار، فإن أطاعوا الله تعالى أدخلهم الجنة، وإن عصوا الله تعالى أدخلهم النار.

    وهذا الاختبار عبارة عن قول الله تعالى لهم: ادخلوا النار، فإن أطاعوه ودخلوا النار كانت برداً وسلاماً عليهم، وهذا يدل على أنهم لو كانوا عاشوا حتى بلغوا لكانوا من الطائعين لله عز وجل، فالذي يطيعه تعالى في هذا الموطن حري به أن يكون مطيعاً له في الدنيا لو أنه عاش، ولو أن الله تعالى أمره أن يدخل النار فأبى وعصى كان حرياً به ألا يطيعه في الدنيا لو أنه عاش بعد البلوغ.

    فهذه المذاهب الأربعة فيما يتعلق بذراري المشركين أو بأبناء الكفار أيها أرجح؟ سنتعرض لهذا بإذن الله تعالى.

    حجة من يقول بأن أبناء الكفار كفار

    قال: [ وقال أبو هريرة : قال النبي صلى الله عليه وسلم: (كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه، وينصرانه، ويمجسانه -أي: يجعلانه مجوسياً- والبهيمة تنتج البهيمة)، أي: والبهيمة تلد البهيمة، ومعنى هذا القول: أن المؤمن يلد مؤمناً، والكافر يلد كافراً، وهذا هو الذي حدا ببعض أهل العلم إلى أن يقول: إن أبناء الكفار كفار، والبهيمة تنتج البهيمة.

    [ ثم قال: (هل تكون فيها جدعاء؟) ] أي: هل فيها نقص؟ هل فيها عوج؟ هل فيها التواء؟ هل فيها انحراف عن أصل فطرتها؟ الجواب: لا، إذاً: أبناء الكفار كفار، وهذه حجة من يقول: إن أبناء الكفار كفار.

    قال: [ وعن الأسود بن سريع التميمي السعدي -نزل البصرة ومات في أيام الجمل- قال: (بعث النبي صلى الله عليه وسلم سرية فأفضى بهم القتل إلى الذرية -أي: بعث النبي سرية للجهاد فجاهدوا وقاتلوا حتى قتلوا أبناء المشركين الذين كانوا يقاتلونهم- فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: ما حملكم على قتل الذرية؟ -أي: ما الذي دعاكم إلى قتل الأطفال؟- قالوا: يا رسول الله أوليسوا أولاد المشركين؟ قال: أوليس خياركم أولاد المشركين؟ -أي: إن خياركم الآن هم أبناء المشركين، ثم قام النبي عليه الصلاة والسلام خطيباً فقال: ألا كل مولود يولد على الفطرة حتى يعرب عنه لسانه) ]، أي: حتى يصبح باختياره مؤمناً أو كافراً، وهذا لا يكون إلا بعد البلوغ.

    معنى الفطرة في حديث: (كل مولود يولد على الفطرة) عند ابن بطة رحمه الله

    قال الشيخ ابن بطة : [ وما أكثر من عشيت بصيرته عن فهم هذا الحديث -أي: أصابه العشى- فتاه قلبه، وتحير عقله، فضل وأضل به خلقاً كثيراً، وذلك أنه يتأول الخبر على ما يحتمله عقله من ظاهره، فيظن أن معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: (إن كل مولود يولد على الفطرة): أراد بذلك أن كل مولود يولد مسلماً مؤمناً ].

    وهذا الذي نفهمه جميعاً من الحديث، بل لو سألت شخصاً فقلت له: ما المقصود بالفطرة في قول النبي الكريم: (كل مولود يولد على الفطرة؟) فالكل سيقولون: الإسلام، لكن انظر إلى كلام الشيخ ابن بطة عليه رحمة الله، يقول: ما أكثر من عشيت بصيرته عن فهم هذا الحديث، فتاه قلبه وتحير عقله فضل وأضل. وهذا زجر شديد جداً، فهو ينعى على من فهم أن الفطرة هي الإسلام، فيقول: هذا كلام غير صحيح.

    قال: [ وإنما أبواه يهودانه وينصرانه، فمن قال ذلك أو توهمه فقد أعظم الفرية على الله عز وجل وعلى رسوله، ورد القرآن والسنة، وخالف ما عليه المؤمنون من الأمة ].

    إذاً: نحن بذلك ضائعين؛ لأننا نفهم أن الفطرة هي الإسلام.

    قال: [ وزعم أن اليهود والنصارى يضلون من هداه الله عز وجل من أولادهم، ويشقون من أسعده الله، ويجعلون من أهل النار من خلقه الله للجنة، ويزعمون أن مشيئة اليهود والنصارى والمجوس في أولادهم كانت أغلب، وإرادتهم أظهر وأقدر من مشيئة الله وإرادته وقدرته في أولادهم، حتى كان ما أرادته اليهود والنصارى والمجوس، ولم يكن ما أراده الله، تعالى عما تقوله القدرية المفترية على الله علواً كبيراً ].

    إذاً: هو بذلك جعلنا قدرية!

    تفسير الفطرة في هذا الحديث بما جاء في كتاب الله والأحاديث الأخرى من أخذ الميثاق في ابتداء الخلق

    قال: [ فأما هذا الحديث فإن بيان وجهه في كتاب الله، وفي سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وعند العلماء والعقلاء بيان لا يختل على من وهب الله له فهمه، وفتح أبصار قلبه؛ وذلك قول الله عز وجل: وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا [الأعراف:172] ].

    يريد أن يقول: إن الفطرة في الحديث: (كل مولود يولد على الفطرة) هي المذكورة آية الميثاق: وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا ، فهو فسر الفطرة بالميثاق الذي ابتدأه الله تعالى فاطر السماوات والأرض، أي: مبتدئ السماوات والأرض، فقال: الفطرة هي الابتداء، أي: ابتدأه الله تعالى.

    ففسر الفطرة بالابتداء، والابتداء هو الخلق، ولما خلقهم الله تعالى على هيئة الذر في ظهور آبائهم أخرجهم من ظهور آبائهم، وأخذ عليهم العهد والميثاق أنه ربهم، ولا رب لهم إلا هو سبحانه وتعالى، وهو المستحق للإلهية؛ لأن الذي يخلق ويرزق ويحيي ويميت يستحق أن يعبد دون سواه، فلما أخذ الله تعالى عليهم العهد بذلك: وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ [الأعراف:172].

    قال: [ ثم جاءت الأحاديث بتفسير ذلك أن الله عز وجل أخذهم من صلب آدم كهيئة الذر، فأخذ عليهم العهد والميثاق بأنه ربهم، فأقروا له بذلك أجمعون، ثم ردهم في صلب آدم، ثم قال عز وجل: فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ [الروم:30] -أي: التي ابتدأ خلق الناس عليها- فكانت البداية التي ابتدأ الله عز وجل الخلق بها، ودعاهم إليها؛ وذلك أن بداية خلقهم الإقرار له بأنه ربهم، وهي الفطرة ].

    إذاً: فسر قول النبي عليه الصلاة والسلام: (كل مولود يولد على الفطرة) بأنه الإقرار الأول الذي أخذه الله تعالى من ذرية آدم لما أخرجهم من صلب أبيهم آدم، قال: [ والفطرة هاهنا ابتداء الخلق ]، أي: أنه فسر الفطرة بابتداء الخلق وليس بالإسلام.

    قال: [ ولم يعن بالفطرة الإسلام وشرائعه وسننه وفرائضه، ألا تراه يقول: لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ، ومما يزيدك في بيان ذلك ووضوحه قوله تعالى: الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ [فاطر:1] يعني: أنه بدأ خلقها، أي: بدأ خلق السماوات والأرض، فالفطرة بمعنى: الخلق والبداية، فقوله صلى الله عليه وسلم: (كل مولود يولد على الفطرة) يعني: على تلك البداية التي ابتدأ الله عز وجل خلقه بها، وأخذ مواثيقهم عليها من الإقرار له بالربوبية، ثم يعرب عنه لسانه بما يلقنه أبواه من الشرائع والأديان؛ فيعرب بها وينسب إليها، ثم هو من بعد إعراب لسانه واعتقاده لدين آبائه؛ راجع إلى علم الله تعالى في العلم الأزلي الذي كتبه قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، ومن سبق له في أم الكتاب عنده أنه كان ممن سبقت له الرحمة؛ لم تضره أبوته ].

    فانظر إلى الحجج العقلية، فهو يقول: إذا كان الله تعالى علم أن هذا مرحوماً فلن تضره أبوة أبويه وإن كانا كافرين، ولو سبق في علم الله لعبده أنه معذب فلن تنفعه أبوة أبويه وإن كانا من أتقى أهل الأرض، وهذا كلام جميل.

    قال: [ ولا ما دعاه إليه وعلمه أبواه من دين اليهودية والنصرانية والمجوسية، فما أكثر من ولدته اليهود والنصارى والمجوس ونشأ فيهم ومعهم وعلى أديانهم وأقوالهم وأفعالهم، ثم راجع بدايته وما سبق له من الله ومن عنايته بهدايته، فحسن إسلامه، وظهر إيمانه، وشرح الله صدره بالإسلام، وطهر قلبه بالإيمان، فعاد بعد الذي كان عليه من طاعته لأبويه عاصياً، ومحبته لهما بغضاً، وسلمه لهما وذبه لهما حرباً، وعليهما عذاباً صباً، ولو كان الأمر على ما تأولته الزائغون أن كل مولود يولد على الفطرة -أي: على دين الإسلام وشرائعه- لكان من سبيل المولود من اليهود والنصارى إذا مات أبواه وهو طفل ألا يرثهما ].

    وهذه حجة عقلية، فهو يريد أن يقول: لو كانت الفطرة هنا بمعنى الإسلام؛ فإن كل أبناء المشركين إذا ماتوا تجرى عليهم أحكام الإسلام: من الغسل، والتكفين، والصلاة عليهم، والدفن في مقابر المسلمين، ويرث أباه، وأبوه يرث منه، وهذا الكلام معقول، والأوضح منه أمر المنافقين؛ إذ إن الله قد قطع بكفرهم؛ لأنهم كفار في الحقيقة، فقد أظهروا الإسلام وأبطنوا الكفر، ولكونهم أظهروا الإسلام جرت عليهم أحكام الإسلام في الدنيا، وهم عند الله كفار، وكذلك أطفال المشركين ما المانع أن يكونوا في حقيقة أمرهم مسلمين، وتجرى عليهم في الدنيا أحكام الكفار تبعاً لآبائهم؟ والنبي عليه الصلاة والسلام صلى على زعيم المنافقين وهو على يقين من ربه أنه منافق، وأنه كافر، ومع هذا صلى عملاً بالظاهر.

    وكذلك لا يضر المسلمين أن يجروا أحكام الظاهر على أبناء المشركين، وأنهم في ذلك تبع لآبائهم، ويأخذوا أحكام الكفر في الدنيا، لكنهم عند الله تعالى مسلمون مؤمنون موحدون ويدخلون الجنة ويخلدون فيها؛ لأن الجنة إذا دخلها أحد لا يخرج منها خلافاً للنار.

    رد المؤلف على مذهب القائلين بأن الفطرة هي الإسلام

    قال: [ ولو كان الأمر على ما تأولته الزائغون أن كل مولود يولد على الفطرة -أي: دين الإسلام وشرائعه- لكان من سبيل المولود من اليهود والنصارى إذا مات أبواه وهو طفل ألا يرثهما، وكذلك إن ماتا لم يرثاه؛ لما عليه الأمة مجمعون أنه لا يرث المسلم الكافر، ولا الكافر المسلم، وقد كان من سبيل الطفل من أولاد أهل الكتاب إذا مات في صغره أن يتولاه المسلمون، ويصلوا عليه، ولا يدفن إلا معهم وفي مقابرهم ].

    أي: أنه يريد أن يقول لك: لو كان النبي والصحابة يفهمون أن الفطرة هي الإسلام لأخذوا أولاد المشركين بعد موتهم وصلوا عليهم، وأجروا عليهم أحكام الإسلام، لكن لما لم يفعل ذلك النبي عليه الصلاة والسلام ولا أصحابه الكرام دل على أن الفطرة ليست هي الإسلام، وإنما هي ابتداء الخلق، وأخذ الميثاق على العباد.

    قال: [ فإن كان الحكم في معنى هذا الحديث كما تأولته القدرية -وليس هو كذلك والحمد لله- فقد ضلت الأمة، وخالفت الكتاب والسنة حين خلت بين اليهود والنصارى وبين الأطفال من المسلمين ].

    أي: لو كان الأمر كذلك -أن الفطرة هي الإسلام- فقد أجمعت الأمة على الضلال؛ لأنها مكنت اليهود والنصارى والمجوس والمشركين من دفن أبنائهم، وفي حقيقة الأمر هم منا، لكن هذا محال، فالأمة لا يمكن أبداً أن تجتمع على ضلال.

    قال: [ يأخذون مواريثهم ويلون غسلهم والصلاة عليهم والدفن لهم، لكن المسلمين مجمعون، وعلى إجماعهم مصيبون: أن من مات من أطفال اليهود والنصارى والمجوس ورثه أبواه وورث هو أبويه، ووليا غسله ودفنه، وأن أطفالهم منهم ومعهم وعلى أديانهم -أي: في الدنيا-، وإنما قوله صلى الله عليه وسلم: (كل مولود يولد على الفطرة) إنما أراد أنهم يولدون على تلك البداية التي كانت في صلب آدم عليه السلام من الإقرار لله بالمعرفة، ثم أعربت عنهم ألسنتهم ونسبوا إلى آبائهم، فمنهم من جحد بعد إقراره الأول من الزنادقة الذين لا يعترفون بالله ولا يقرون به، وغيرهم ممن لم يبلغه الإسلام في أقطار الأرض الذين لا يدينون ديناً، وسائر الملل، فهم يقرون بتلك الفطرة التي كانت في البداية، فإنك لست تلقى أحداً من أهل الملل -وإن كان كافراً- إلا وهو مقر بأن الله ربه وخالقه ورازقه، وهو في ذلك كافر حين خالف شريعة الإسلام ].

    ونخلص من ذلك كله إلى أن ابن بطة عليه رحمة الله فسر قول النبي عليه الصلاة والسلام: (كل مولود يولد على الفطرة) أي: على أصل الخلق الذي خلقه الله تعالى عليه؛ حين أخذ العهد والميثاق عليه لما أخرجه كالذر من صلبه أبيه آدم، ففسر الفطرة بالابتداء، وأن الله تعالى أخرج الذرية من ظهور آبائهم، وأخذ عليهم الميثاق: (( أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى ))، فهم يقرون بربوبية الله عز وجل، ثم تجد بعد ذلك من يجحد ويكفر ومن يؤمن.

    ثم يستدل على صحة هذا التفسير [ بما رواه الحجاج بن منهال عن حماد بن سلمة قال: هذا عندنا حيث أخذ الله عليهم العهد في أصلاب آبائهم، قال: (( أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى )) ].

    إذاً: ابن بطة لم يأت بكلام من عنده، وإنما له سلف في هذه المسألة، وسلفه فيها هو حماد بن سلمة ، ومثل قول حماد قال قتيبة رحمه الله تعالى.

    بيأن أن الأدلة الشرعية لا يقع فيها التضاد والتناقض حقيقة

    قال: [ وأدل من ذلك ما جاء من أخبار المصطفى صلى الله عليه وسلم التي أجمع أهل العلم بها على صحتها لا يقع فيها التتضاد ]. أي: لا يمكن أن يحصل فيها تضارب؛ لأنها من مشكاة واحدة وهي مشكاة الوحي، قال: [ وأقواله وكلامه صلى الله عليه وسلم لا تتناقض ولا تتناسخ، وربما صحت الأخبار عنه صلى الله عليه وسلم بالاختلاف والتناسخ، فكان ذلك في التحليل والتحريم، والتخفيف والتشديد ].

    هو يريد أن يقول: إن كلام الله عز وجل، وكلام النبي عليه الصلاة والسلام منه ما هو خبر، ومنه ما هو إنشاء، والإنشاء بابه طويل وعظيم جداً، ومتفرع منه الحلال والحرام، والتخفيف والتشديد، ومنه المنسوخ وغير المنسوخ، والنسخ يلحق الإنشاء ولا يلحق الخبر، فغير الأخبار معرضة للنسخ، والنسخ إنما يكون في زمن النبوة، أي: أنه لا نسخ بعد موت النبي عليه الصلاة والسلام؛ لأنه الطريق الدال على النسخ.

    قال: [ فكان ذلك في التحليل -أي: مسألة النسخ- والتحريم، والتخفيف والتشديد للأمر يحدث، والسبب يعرض، والعذر يحضر، فأما الأخبار الواردة التي تجري مجرى الخبر عن الله عز وجل والإعلام عنه؛ فمعاذ الله أن تتضاد هذه الأخبار، أو تتناقض هذه الأقوال ].

    أي: هل يمكن أن يأتي النسخ فيما يتعلق بصفات الله عز وجل، فبعد أن كان رحيماً نسخت رحمة الله عز وجل؟

    لا يمكن؛ لأن الله تعالى أخبر عن نفسه بأنه رحيم، وأنه رحمان، وأنه غفور، وأنه ودود، فلا يمكن لهذه الأخبار أن يلحقها النسخ، لكن الإنشاء مثل قوله صلى الله عليه وسلم: (كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها)، فهذا أمر، والأمر نوع من أنواع الإنشاء، إذاً: فالإنشاء بجميع فروعه ومسائله يمكن أن يلحقه النسخ، وأما الأخبار فليست قابلة للنسخ، وبالتالي الإنشاء لا يلحقه تصديق ولا تكذيب، لكن يلحقه نسخ، والأخبار يلحقها التصديق ويلحقها التكذيب، فيقال: هذا خبر صادق، وهذا خبر كاذب.

    ولذلك قال: [ اعلم رحمك الله أن أخبار المصطفى صلى الله عليه وسلم التي أجمع أهل العلم بها على صحتها لا يقع فيها التضاد، وكذلك أقواله وكلامه لا تتناقض ولا تتناسخ، وربما صحت الأخبار عنه عليه الصلاة والسلام بالاختلاف والتناسخ، لكن ذلك في التحليل والتحريم -وهو الإنشاء- والتخفيف والتشديد للأمر يحدث، والسبب يعرض، وللعذر يحضر.

    فأما الأخبار الواردة التي تجري مجرى الخبر عن الله عز وجل والإعلام عنه؛ فمعاذ الله أن تتضاد هذه الأخبار، أو تتناقض هذه الأقوال، وإنما أتى من أتى فيها وافتتن من افتتن بها من اشتباه لفظها -هل هي خبر أم إنشاء؟-، وضيق الأعطان، وسوء الأفهام، وضعف طبيعته عن معرفتها، وإلا فكيف يجوز لمتأول أن يتأول أن كل مولود على الفطرة، وأريد بذلك أن كل مولود على دين الإسلام وشريعة الإيمان؟! ].

    يريد أن يقول: إن هذا كلام في منتهى السفه والغفلة؛ أي: من فسر ذلك بأن كل مولود يولد على فطرة الإسلام.

    قال: [ وأريد بذلك أن كل مولود على دين الإسلام وشريعة الإيمان، وصريح قول النبي عليه الصلاة والسلام وفصيح إعرابه الذي لا يحتمل التأويل، ولا يتولد فيه التعطيل؛ أتى بغير ما تأولته أصحاب هذه المقالة ].

    يريد أن يقول: إن الكلام الصحيح لتفسير قوله عليه الصلاة والسلام: (كل مولود يولد على الفطرة) هو بخلاف ما ذهب إليه من قال: إن الفطرة هي الإسلام.

    قال: [ ولا أدل على ذلك من قوله عليه الصلاة والسلام: (الوائدة والموءودة في النار)، والوائدة: هي القاتلة لابنتها، والموءودة هي الصبية الطفلة التي قتلها أبواها، فلو كانت الموءودة مسلمة ]. أرأيتم من أين أتت الشبهة؟ فهو يقول لك: الوائدة والموءودة كلاهما في النار، وهذا كلام النبي عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح، والوائدة هذه بالغة ومشركة وكافرة فتستحق النار، فإن لم يكن للوأد فلكفرها أو العكس، والأصل أن الموءودة وئدت، أي: دفنت في التراب حية حتى ماتت، فلو كانت مسلمة فكيف تدخل النار؟ والنبي هنا قد قضى لها بالنار!

    قال: [ فلو كانت الموءودة مسلمة لما كانت في النار، وبالأحرى أن تكون في الجنة لا محالة على ما تتأوله القدرية؛ لأنها طفلة مسلمة ومقتولة مظلومة، وبقوله أيضاً حين سئل عن أطفال المشركين، فقال: (مع آبائهم في النار) ]. فالنبي عليه الصلاة والسلام سئل مرة عن أطفال المشركين فقال: (هم في الجنة)، وسئل مرة أخرى عن أطفال المشركين فقال: (مع آبائهم في النار)، وسئل مرة ثالثة عن أطفال المشركين فقال: (الله أعلم بما كانوا عاملين).

    فهذه أخبار، ونحن قد اتفقنا على أن الخبر لا يلحقه النسخ، فلماذا اختلفت أجوبة النبي صلى الله عليه وسلم؟ سيأتي معنا الجواب.

    قال: [ ثم سئل عنهم ثانية، فقال: (الله أعلم بما كانوا عاملين)، أن السؤال الثاني خرج مخرج الاستفهام: لم صاروا في النار؟ فقال: الله أعلم بما كانوا عاملين ].

    تفسير الفطرة في حديث: (كل مولود يولد عل الفطرة) بالإسلام مذهب القدرية عند ابن بطة رحمه الله

    لقد اعتبر الإمام ابن بطة أن من فسر الفطرة بالإسلام فهو قدري، أي: من القدرية؛ لأن الفطرة بمعنى: ابتداء الخلق وأخذ الميثاق، ومن قال: إن الفطرة هي الإسلام فقد حاد الله تعالى، وحاد الرسول عليه الصلاة والسلام؛ لأن الحديث يقول: (فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه ويشركانه).

    إذاً: الذي يكون في يده التهويد هو الأب إذا كان يهودياً، وينصره إذا كان نصرانياً، ويمجسه إذا كان مجوسياً بغير إرادة الله وقدرته.

    ولذلك قال: [ الذي يقول بأن الفطرة هي الإسلام يقول: إن مشيئة الأبوين أغلب من مشيئة الله ]، أي: أراد الله له الإسلام وأراد الوالدان له اليهودية أو النصرانية أو المجوسية أو الشرك، وكأنه -أي: من يقول: إن الفطرة هي الإسلام- يقدم قدرة الوالدين على قدرة الله، ويغلب إرادة الوالدين على إرادة الله؛ لأن الله أراد له الإسلام وخلقه على الإسلام، لكن مشيئة الأبوين كانت أغلب من مشيئة الله، بدليل: أنهما هوداه أو نصراه أو مجساه أو شركاه، هذا فهم ابن بطة لهذه القضية.

    تفسير الفطرة بغير الإسلام في حديث: (كل مولود يولد على الفطرة) هو مذهب لبعض علماء السنة

    وما ذهب إليه المؤلف رحمه الله تعالى من القول بأن أولاد المشركين في النار، وتفسير معنى الفطرة فيما تقدم بغير معنى الإسلام، وأن تفسير الفطرة بالإسلام غير صحيح؛ هو مذهب لبعض علماء السنة.

    واعلم أننا لا نعرف من قال بقول ابن بطة غير قتيبة ، وحماد بن سلمة ، وأبي يعلى، هؤلاء الأربعة فقط، فأين علماء الأمة على مدار هذه القرون كلها من هذه القضية؟ فعلماء الأمة هم آلاف مؤلفة على مدار القرون، فهل يمكن أن يصار إلى رأي هؤلاء الأربعة وتترك اجتهادات علماء الأمة على مدار هذه القرون؟ لا.

    الفطرة ليست بمعنى الإسلام عند أبي يعلى الحنبلي

    قال أبو يعلى الحنبلي : ليس الفطرة هنا الإسلام لوجهين:

    الأول: أن معنى الفطرة: ابتداء الخلق، كما قال الله تعالى: فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ [فاطر:1]، ولم يقل أحد مطلقاً: إن فاطر السماوات والأرض بمعنى: جاعل السماوات والأرض مسلمة، بل إن (فاطر) بمعنى: مبتدئ وخالق، وإذا كانت الفطرة هي الابتداء وجب أن تكون تلك هي التي وقعت لأول الخليقة، وجرت في فطرة المعقول، وهو استخراجهم ذرية؛ لأن تلك حالة ابتدائهم، ولأنها لو كانت الفطرة الإسلام لوجب إذا ولد بين أبوين كافرين ألا يرثهما ولا يرثانه ما دام طفلاً؛ لأنه مسلم، كما أنه لا يجوز للمسلمين أن يفرطوا في هؤلاء الأطفال، ولا يمكنوا آباءهم من الصلاة عليهم على مذاهبهم الكافرة، ولا دفنهم في مدافن الكفار، ولا أن يمكنوهم من الميراث.

    كذلك اختلاف الدين يمنع الإرث، ولوجب ألا يصح استرقاقه -وهذه شبهة عقلية جديدة- فإذا حارب المسلمون المشركين، فسبوا ذراريهم فمن حق أهل الإسلام أن يسترقوهم.

    فهو يريد القول: إذا كانت الذرية -أي: أبناء المشركين مسلمين- وقامت الحرب بين المسلمين والكافرين، وسبى المسلمون هؤلاء الذراري فلم يسترقوهم مع أنهم مسلمون؟ فالأصل أن المسلم لا يقع تحت الرق إلا إذا كان أسيراً لدى الكفار، أما الذي يقع تحت الرق عند المسلمين فهم الكفار كذلك، وأما من أسلم فإسلامه هو ثمن حريته، فإذا كان الأطفال وذراري المشركين مسلمين أصلاً؛ فكيف استرقهم المسلمون في القرون الخيرية؟ فالواجب ألا يصح استرقاقه، ولا يحكم بإسلامه بإسلام أبيه؛ لأنه مسلم.

    اختلاف حكم الدنيا عن الآخرة بالنسبة لذراري الكفار

    أي: عندما يأتي الآن كافر فإننا نقول: إن ابنه هذا تبع له في أحكام الدنيا، فلو أسلم الرجل الكافر فلا شك أن أبناءه يأخذون حكمه، فمثلاً: عندما يأتي نصراني ويقول: أريد أن أسلم، فنسأله: ألديك أولاد؟ فيجيب: نعم، فنقول: كم أعمارهم؟ قال: ولد عمره سنة، وولد عمره ثلاث سنين، وولد عمره خمس سنين، فنقول له: تعال وأشهر إسلامك، فأول ما يشهر إسلامه يأخذ أبناؤه حكم الأب، وبالتالي فالحكم عندنا يختلف، فهل اختلف موقف هؤلاء الأولاد عند الله؟ لا، إذاً: فمحل النزاع والخلاف في الآخرة، ولذلك الخلاف في أن أبناء المشركين مسلمون أو غير مسلمين من أحكام الدنيا، والخلاف فيها نادر جداً، وإنما الخلاف القوي بين علماء السنة: هل هؤلاء الأطفال في الجنة أم في النار؟ وهذا الخلاف من أحكام الآخرة، والأمة مجمعة على أن الأولاد تبع لآبائهم في الأحكام، يعني: أن الرجل هذا نصراني، إذاً هؤلاء الأولاد نصارى، فهذا فيما يتعلق بأحكام الدنيا، أما الآخرة فلا، إذ إن لها وضع آخر، وهنا يأتي الخلاف ويحتد ويقوى جداً، أما في الدنيا فلا، فهذا الولد إذا مات فالذي يكفنه ويغسله ويصلى عليه ويرثه هو أبوه؛ لأن هذه أحكام الدنيا، فالدنيا لها أحكام والآخرة لها أحكام أخرى.

    وهذا كما أخبر الله عز وجل نبيه بأعيان المنافقين وأسمائهم، ومع هذا كان إذا مات واحد منهم كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي عليه، ولذلك لما جاء إليه مشرك وقال له: (يا محمد! أريد أن أقاتل معك، قال: أمسلم أنت؟ قال: لا، قال: ارجع فلن نستعين بمشرك)؛ لأن أحكامه ظاهرة، فهو يقول: أنا مشرك، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: لا يمكن أن نستعين بمشرك، مع أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يأذن للمنافقين معلومي النفاق بالاشتراك في القتال؛ لأنهم أظهروا الإسلام، مع أنه لم يخف على النبي عليه الصلاة والسلام أنهم كفار، وأن مردهم إلى قعر جهنم، ولذلك فالمنافقون تحكمهم في الدنيا أحكام، وفي الآخرة لهم أحكام أخرى، وكذلك العكس، يعني: أن أبناء المشركين والكفار تحكمهم في الدنيا أحكام، وهي أحكام الكفر تبعاً لآبائهم، وأما في الآخرة فهم في الجنة بإذن الله تعالى، أو على ما سنذكر من الخلاف بإذن الله.

    ومن أحكام هؤلاء: أن الرجل النصراني إذا أسر في الحرب واسترق كان ابنه تبعاً له في الحكم، يعني: يصير رقيقاً هو كذلك، ولو كان مسلماً لما جاز استرقاقه.

    هذه حجة ابن بطة ومن معه هذا مذهب هؤلاء الأئمة رحمهم الله تعالى، ولكن كثيراً من الأئمة رجح خلاف ما ذهبوا إليه في تفسير معنى الفطرة، وعندما قرأتم كلام أبي يعلى أو كلام قتيبة أو كلام ابن بطة قلتم: والله هؤلاء عندهم حق، وهذا كلام جميل جداً ومعقول، ولا يمكن رده، وأنا أقول: بل لابد من رده، فهو المذهب الضعيف في المسألة، وهذه الحقيقة يا إخواني! حلاوة الفقه، أو حلاوة مسائل الخلاف، ولذلك العلماء كانوا يقولون: لا يحل لأحد أن يفتي الناس إلا إذا علم مسائل الخلاف.

    فأنت عندما تقرأ في: فقه السنة مسألة من المسائل تجد مثلاً الشيخ سيداً رحمه الله رجح مذهباً واحداً، وأحب أن يخرج من الخلاف ويضع الشباب على الرأي الراجح، لكن هذا الرأي الراجح هو راجح عنده، فلو قرأنا كلام ابن بطة فقط فسيترجح لدينا، ونقول: نحن فعلاً كنا على الضلال والانحراف والزيغ كل هذه السنين!

    وأنا عندما قرأت من قبل كلام الإمام النووي في شرح مسلم ، وكلام الحافظ ابن حجر في الفتح فيما يتعلق بهذه المسألة كان كالكلام المسلّم، وبعد ذلك عندما قرأت كلام ابن بطة -وكان هذا منذ أكثر من عشر سنوات- قلت: كيف هذا؟ أنا أفهم أن الفطرة هي الإسلام، أهذه الأوصاف كلها في؟! أي: الضلال والزيغ والانحراف، والناس الذين قلت لهم: إن الفطرة هي الإسلام كيف أصحح لهم هذا الخطأ؟

    فلابد في المسائل الخلافية من النظر في جميع الأقوال، وتتبع أدلتها والترجيح بينها، والخروج بالقول الراجح، ولا يكتفى بمعرفة قول واحد فقط دون معرفة بقية الأقوال.

    تفسير الفطرة بالإسلام في حديث: (كل مولود يولد على الفطرة) هو مذهب جماهير علماء الأمة

    وقول ابن بطة الذي تابع فيه حماد بن سلمة وقتيبة وأبا يعلى، خالفهم فيه جماهير علماء الأمة ففسروا الفطرة بالإسلام -وهذا المذهب الذي شنع عليه ابن بطة - كما نقل ذلك عنهم ابن عبد البر في كتاب التمهيد، والقرطبي في التفسير، وممن ثبت عنهم من السلف تفسير الفطرة بالإسلام: أبو هريرة ، وابن عباس ، وقتادة ، ومجاهد ، وعكرمة ، والزهري ، والحسن البصري ، وإبراهيم النخعي ، والضحاك ، والإمام البخاري ، والإمام أحمد وإليه ذهب كل من شيخ الإسلام ابن تيمية ، وابن القيم ، وشيخ الإسلام ابن تيمية له رسالة مخصوصة بعنوان: الفطرة، وابن القيم نصر هذا المذهب جداً في كتاب له اسمه: شفاء العليل.

    وفسر آخرون من الأئمة الفطرة بغير هذين التفسيرين، لكنها أقوال ضعيفة جداً أو منكرة أو مردودة فنعرض عنها.

    ومن الجدير بالذكر أن شيخ الإسلام ابن تيمية نصر مذهب القائلين: بأن المراد بالفطرة الإسلام، ورد على المخالفين -وسماهم مخالفين، مع أن ابن بطة يسمينا: مخالفين- وأورد أدلة صحيحة صريحة في الدلالة على أن المراد بالفطرة الإسلام، وتبعه على ذلك تلميذه ابن القيم رحمه الله تعالى، وقد استوفى كل واحد منهما، الكلام على مسألة الفطرة، ورجحا أن المراد بالفطرة فطرة الإسلام لا غير.

    بيان ابن القيم أنه لا يلزم من تفسير الفطرة بالإسلام القول بالقدر

    وقد بين ابن القيم رحمه الله بأنه لا يلزم من القول بأن المراد بالفطرة الإسلام موافقة مذهب القدرية. أي: لا يلزم منه عندما أقول: إن الفطرة هي الإسلام، وإن أبويه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه؛ أنني قدري، ومعنى أني قدري: أني قدمت إرادة الأبوين على إرادة الله، وقدرة الأبوين على قدرة الله، ومشيئة الأبوين على مشيئة الله، بدليل أن الله أراد له الإسلام وجعله مسلماً، لكن أبويه هوداه ونصراه ومجساه.

    قال: ولا يلزم من القول بأن المراد بالفطرة الإسلام موافقة مذهب القدرية التي تستدل بحديث الفطرة على مذهبها الباطل. وابن القيم بدأ يتكلم عن أصحاب المذهب الأول؛ حيث يزعمون أن كل إنسان مفطور على الإسلام، وأنه تعالى لا يقضي ولا يقدر المعاصي على العباد، وهذا كلام القدرية، وأن العباد هم الذين يحدثون الكفر والمعاصي من قبلهم دون إرادة الله السابقة وعلمه الأزلي عز وجل، وأن الأبوين هما اللذان يضلان أولادهما دون مشيئة من الله وإرادته السابقة سبحانه، فالله لا يضل ولا يسعد أحداً من خلقه في زعمهم.

    وقد رد السلف على هذا المذهب الباطل، فبينوا أن أحاديث الفطرة لا تدل على مذهبهم، بل إنها دليل عليهم، وهي أقوى حجة، فعندما يعتمد المخالف نصاً ويعتبره دليلاً وحجة له؛ فأقوى حجة للرد عليه: أن تكون من نفس النص.

    وبالتالي نريد أن نعرف رد السلف على المذهب الذي ذهب إليه أبو يعلى وابن بطة من نفس الدليل الذي احتجوا به، فماذا قالوا؟

    قال الإمام مالك وغيره من أهل السنة لما بلغهم: إن القدرية يحتجون على مذهبهم بأول الحديث، وهو قوله عليه الصلاة والسلام: (كل مولود يولد على الفطرة)، قالوا: احتجوا عليهم بآخر الحديث؛ لأنه لا يمكن أن يأتي الخبر متناقضاً في أوله وآخره، إذ إن الأخبار كلها وحي من مشكاة واحدة، ولذلك كان ابن خزيمة رحمه الله يقول: الوحي كله من مشكاة واحدة، ومادام أنه من مشكاة واحدة فلا يمكن أن يلحقه التعارض ولا التضارب؛ لأنه كلام الله عز وجل، ومن وقع عنده الإشكال فإنما وقع الإشكال في فهمه وذهنه وعقله، قال: ومن كان عنده نصان مختلفان ظاهراً فليأت إلي أؤلف له بينهما، فالتعارض قد يكون ظاهراً، لكنه لا يمكن أبداً أن يلحق الوحي: وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا [النساء:82]، وإن وجد الاختلاف ففي ذهن العبد، والنص في حقيقته وتأويله عند أهل العلم ليس فيه اختلاف، ولذلك ألف بعض أهل العلم مصنفات جمعت بين ما ظاهره التعارض والتضارب.

    فهذا كلام الإمام أحمد بن حنبل في الرد على الزنادقة والملحدة، وهذا ابن قتيبة له كتاب في تأويل مختلف الحديث، وكذلك الإمام الشافعي له كتاب في تأويل مختلف الحديث، وكذلك الإمام الطحاوي له مشكل الآثار، فيأتي لك في الباب الواحد بدليل، ثم بدليل آخر يتعارض مع الدليل الأول في قضية واحدة، ويقول: ها هو الاختلاف ظاهر أمامك، وفي الحقيقة ليس هناك اختلاف، وإنما تأويل النصين على النحو الفلاني، ويأتي بأدلة من القرآن والسنة للدلالة على أن هذا الباب لا تعارض فيه ولا تضارب، بل وجه الحق فيه كيت وكيت وكيت.

    فكذلك هنا جماهير السلف ردوا على من قالوا: بأن الفطرة هي فطرة الخلق وابتداء الخلق، وقالوا: الفطرة هي الإسلام، وإذا كان أصحاب المذهب الأول القائلين بأن الفطرة هي ابتداء الخلق قد احتجوا بأول الحديث: (كل مولود يولد على الفطرة)، وفسروا الفطرة بقول الله تعالى: فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ [فاطر:1] أي: مبتدئ خلقهما، فنحتج عليهم بآخر الحديث، وآخر الحديث يقول: (الله أعلم بما كانوا عاملين)، ففيه إثبات العلم الأزلي لله عز وجل، لكن القدرية يقولون: إن الأمر أنف -أي: مستأنف- وأن الله لا يعلم الأشياء إلا بعد وقوعها، أي: أن الله تعالى لا يعلم ماذا سنصنع بعد خروجنا من هذا المجلس! كذلك أنا لا أعلم ماذا أتكلم بعد كلمتي هذه، وهم يقولون: وكذلك الله لا يعلمها إلا بعد أن أقولها.

    فسووا الله تعالى بخلقه، وكأنهم قالوا: ليس الله بعالم ولا عليم، مع أن الله تعالى أثبت لنفسه العلم الأزلي، فهو علام الغيوب، وهذه غيوب هو يعلمها وليست شواهد، وعلم المشاهدة مع علم الغيب عند الله سواء، عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أي: الذي غاب والذي هو مشاهد في علم الله سواء، فالله يعلم هذا كما يعلم هذا.

    إذاً الذي يقول: إن الله تعالى لا يعلم الأشياء إلا بعد وقوعها وحدوثها ينفي العلم الأزلي عن الله عز وجل، وكلام ابن بطة : أن من فسر الفطرة بالإسلام ضال مضل ومنحرف عن منهج السلف وكلام السلف؛ كلام مردود؛ لأن الله تعالى خلق الخلق جميعاً على فطرة الإسلام حتى أخذ منهم الإقرار بذلك، ثم منهم بعد ذلك من اختار الكفر على الإسلام، وكان ذلك في سابق علم الله عز وجل، بدليل قول النبي صلى الله عليه وسلم لما سئل عن أطفال المشركين إذا ماتوا وهم صغار: (الله أعلم بما كانوا عاملين).

    أي: بلوغهم الكفر واختيارهم له، أو بلوغهم الإسلام وثباتهم عليه يعلمه الله عز وجل أزلاً قبل أن يخلقهم، وقبل أن يأخذ عليهم الميثاق من ذرية أبيهم آدم.

    قال: إذا كانوا احتجوا بأول الحديث فاحتجوا عليهم بآخر الحديث؛ لأنه يدل على تقدم العلم الأزلي لله عز وجل الذي ينكره غلاة القدرية، ومن ثم قال الإمام الشافعي : أهل القدر إن أثبتوا العلم خصموا. أي: غلبوا؛ لأن أهل القدر رأس مالهم كله نفي العلم الأزلي عن الله عز وجل، وأن الله لا يعلم الأشياء إلا بعد وقوعها.

    ولو أن القدرية قالوا: إن الله تعالى عليم وعلمه أزلي؛ فقد انهدم مذهبهم من الأساس؛ لأنهم لو قالوا بعلم الله الأزلي لزمهم أن يبطلوا مذهبهم بأنفسهم، ولذلك يقول الإمام الشافعي: لو أثبت القدرية العلم الأزلي لله عز وجل خصموا. أي: غلبوا.

    تفسير الإمام أحمد للفطرة في الحديث: (كل مولود يولد على الفطرة)

    أما الإمام أحمد بن حنبل فيقول: أنتم تقولون: هؤلاء القوم إذا احتجوا بأول النص فنحتج عليهم بآخرة، لا والله! وإنما نحتج عليهم كذلك بأول النص، وهذه الحجة أقوى.

    والإمام أحمد بن حنبل كان أكثر إنارة في قلبه وبصيرته، فيقول: لا، بل بنفس الكلام والنص الذي تحتجون به أنا سأرد عليهم به.

    ففسر رحمه الله تعالى قوله عليه الصلاة والسلام: (كل مولود يولد على الفطرة) أي: على السعادة والشقاوة السابقتين في علم الله تعالى في الأزل، ويكون إقراره بين يدي الله لما أخرجه من صلب أبيه آدم حجة عليه في الربوبية، ولذلك نجد أن المشركين الأولين كلهم كانوا مقرين بالربوبية، أي: بالخلق والابتلاء والرزق وغير ذلك، مع أنهم كانوا يعبدون الأصنام والأوثان، فهم بذلك يعرفون هذه القضية.

    ولذلك كانت المهمة العظمى والأولى في إرسال الرسل هي توحيد الإلهية، لأن الشرك وقع في الإلهية لا في الربوبية، بينما الأمة الآن وقعت في الشرك في الربوبية، ووصلت لمرحلة من الجاهلية لم يكن عليها أهل الجاهلية الأولى، فيقول أحدهم اليوم: يا فلان ارزقني! وأبو جهل لم يقل ذلك، وفلان هذا سيقطع رزقي، إذاً لابد أن أسمع كلامه! صحيح أن الخمر حرام، لكن مادام أن مديري في العمل قال لي: اشرب الخمر، إذاً لابد أن أشرب الخمر.

    أو يقول: زميل لي أو مديري أو رئيسي نصراني، لكن عنده عرس فأحببت أن أجامله وأذهب إلى عرسه، فوضع الخنزير وأحرجت وأكلت منه، ووضعوا الخمر وأحرجت فشربت منها، يا أخي! لو أنك شربت السم في بدنك لكان خيراً لك، فقد جعلت الله تعالى أهون الناظرين إليك!

    قال الإمام أحمد : الفطرة هنا هي ما علمه الله تعالى أزلاً من عبده هذا من السعادة أو الشقاء، أي: أن الله عز وجل قبل أن يخلق الخلق علم ما هم عاملون، وما هم إليه صائرون من السعادة والشقاوة، ففطر بعضهم على السعادة، وفطر بعضهم على الشقاوة، وليس هذا ظلماً للعباد؛ بدليل أن الله تعالى أرسل إليهم الرسل، وجعل لمن لم تبلغه الرسالة حكماً خاصاً. كما جعل للمجانين والسفهاء ومن لم تبلغهم الدعوة، وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا [الإسراء:15]، لكن كان من الممكن أن يقول الله عز وجل: إنما أكتفي بالسعادة والشقاوة بالميثاق الأول، ولو فعل لكان عادلاً في ذلك، ولكن الله تعالى علم أزلاً أن جميع العباد ينسون هذا الميثاق، فأرسل الأنبياء والمرسلين؛ يذكرون العباد والخلق بما أخذ عليهم في صلب أبيهم آدم.

    إذاً: فمهمة الأنبياء هي تذكير العباد بهذا الميثاق الغليظ الذي أخذه الله تعالى على عباده وهم في صلب أبيهم آدم.

    ففسر الإمام أحمد الفطرة بالسعادة والشقاوة السابقتين في علم الله تعالى في الأزل، المكتوبتين عنده في أم الكتاب قبل أن يخلق الجنين، وبعد أن خلق في بطن أمه؛ لأن القدرية تنكر الفطرة بهذا المعنى مع ثبوتها بأدلة من الكتاب والسنة، فأراد الإمام أحمد أن يرد عليهم بتفسير الفطرة بهذا المعنى مع تفسير الفطرة أيضاً بمعنى الإسلام، ولا منافاة بين التفسيرين كما بينه ابن القيم عليه رحمة الله تعالى.

    توضيح ابن القيم لسبب اختلاف العلماء في تفسير الفطرة في الحديث والرد على القدرية

    وقد وضح مذهب الإمام أحمد في تفسير الفطرة بهذين المعنيين ابن القيم في كتابه شفاء العليل نقلاً عن شيخ الإسلام ابن تيمية كذلك.

    وخلاصة ذلك قال ابن القيم : سبب اختلاف العلماء في معنى الفطرة في هذا الحديث: أن القدرية كانوا يحتجون به على أن الكفر والمعصية ليسا بقضاء الله. أي: أن الكفر والمعاصي إنما أحدثها وأنشأها العباد، ولا علاقة لإرادة الله وقدرته بذلك، وإنما هذا بقدرة العباد وإرادتهم ومشيئتهم، بل بما ابتدأ الناس إحداثه، فحاول جماعة من العلماء مخالفتهم بتأويل الفطرة على غير معنى الإسلام، ولا حاجة لذلك.

    فالإمام أحمد بن حنبل يريد أن يقول لك: لما قالت القدرية: بأن الكفر والمعاصي لا دخل لله تعالى فيهما، وأنهما بإحداث العبد لهما بغير إرادة الله تعالى ومشيئته؛ لأن الله تعالى لا يريد ولا يشاء الكفر ولا المعاصي، فمن أين جاء هذا اللبس؟ الجواب: من عدم التفرقة بين المشيئة الشرعية الدينية والمشيئة الكونية القدرية، إذ إنهم قالوا: الله تعالى ما أراد الكفر، ولكن الكفر وقع في الأرض، وما أراد الشرك وما أراد المعاصي، لكن في الحقيقة والواقع أن ذلك واقع في الخلق وفي الكون.

    فالله تعالى أراد من العباد إيماناً وإسلاماً وتوحيداً، لكن العباد أرادوا كفراً وشركاً ومعصية، فكانت إرادة الكفار والعصاة أقوى وأغلب من إرادة ومشيئة الله، فمن هنا أتى الضلال.

    وضبط هذه المسألة: أن الله تعالى أراد الخير والشر، وخلق الخير والشر، وأذن في وجود الخير والشر، لكن يفرق بين إرادة ومشيئة شرعية دينية مبناها على المحبة والرضا؛ كالإيمان والطاعة، فقد أمر الله بها في كتابه، وأراد الكفر والشرك والمعاصي إرادة كونية قدرية -أي: أذن الله تعالى في وجود الكفر والمعاصي- لأنه لا يكون في كون الله إلا ما أراد وقدر وشاء، لكن هذه الإرادة ليست مبنية على الطاعة والمحبة والرضا، وإنما مبنية على البغض والسخط واللعن.

    ولذلك توعد الله الكافرين مع أنه هو الذي أذن في خلق وإيجاد الكفر، وعلم الله تعالى أزلاً من عبده قبل أن يخلقه أنه سيختار طريق الكفر والمعصية والشرك، مع أنه جعله عاقلاً يميز بين الخير والشر، وبين الحق والباطل، وبين الطاعة والمعصية، وأرسل إليه الرسل، وأنزل عليه الكتب، فقامت الحجة على العبد ليس بالميثاق الأول، وإنما بإرسال الرسل وإنزال الكتب، وجعلوهم محلاً للتكليف، فلما اختار العبد طريق المعصية علم الله ذلك منه قبل أن يخلقه.

    إذاً: العبد هنا مخير، وعلم الله تعالى أن عبده سيختار طريق الكفر قبل أن يخلقه فكتبه عليه، ومعنى: كتبه وقدره عليه: أن الله تعالى علم بعلمه الأزلي أن هذا العبد سيختار طريق الكفر، والآن في واقع الناس وحياة الناس عندما نأتي بطريقين: أحدهما: مليء بالشوك، والآخر: ممهد معبد، وقلنا لاثنين: هذان الطريقان سيؤديان إلى مكان فيه ألف جنيه، وقلنا لهما: نقطة الانطلاق من هاهنا والطريق يتفرع إلى طريقين، ثم يلتقيان عند نقطة معينة عندها مكافأة وجائزة، ونقول لهما: كل واحد منكما يسلك الطريق المناسب للحصول على الألف الجنيه، فهل في هذين الاثنين من سيسلك طريق الأشواك؟ لا يمكن أبداً؛ لأنه يريد أن يحصل على الجائزة والمكافأة، ولا يمكن له البلوغ أولاً إلا إذا سلك طريقاً معبداً، فهذا الطريق المعبد هو طريق الأنبياء والمرسلين، والذي يعصي الرسول صلى الله عليه وسلم يعلم أنه يعصيه، وهؤلاء المكذبون الذين كذبوا النبي صلى الله عليه وسلم في العهد المكي، واليهود الذين كذبوه في المدينة وغيرهم ممن كان يقاتله ويحاربه كانوا يعلمون أنه نبي من عند الله: وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا [النمل:14]، فكانوا يجحدون نبوة نبيهم مع أنهم يوقنون أنه نبي مرسل.

    فالذي يزني يعلم أنه يعصي الله عز وجل، ويعلم أن الشرع قد نهى عن هذه المعصية، ويعلم أن النهي محله الزجر، وربما بلغ الزجر إلى دخول النار والعياذ بالله.

    وبالتالي فهو بهذا العلم قد قامت عليه الحجة، ومع هذا فقد اختار طريق المعصية التي ناسبت هواه ورأيه، وعلم الله ذلك كله منه قبل أن يخلق السماوات والأرض، ولما علم أنه سيختار طريق المعصية كتب في اللوح المحفوظ أن عبدي فلاناً عرضت عليه الطاعة وعرضت عليه المعصية فاختار طريق المعصية، إذاً: هو في هذه الحالة مختار.

    قال: سبب اختلاف العلماء في معنى الفطرة في هذا الحديث: أن القدرية كانوا يحتجون به على أن الكفر والمعصية ليسا بقضاء الله، بل بما ابتدأ الناس إحداثه، فحاول جماعة من العلماء مخالفتهم بتأويل الفطرة على غير معنى الإسلام.

    الرد على من يفتي الناس بما يوافق أهواءهم

    ووالله يا إخواني! لا يصح إلا الصحيح، ولا يبقى في الأرض إلا الحق، فهذا داعية مشهور جداً، ويستمع له الآلاف، ولا أريد أن أقول: الملايين كيلا يقال عني: أبالغ، ونقول له: لماذا يا فلان! تفتي الناس -الذين يحضرون لك- بأن المرأة بالاسترتش أو بالشرت صلاتها صحيحة؟!

    بل المرأة التي فيها خير قد تذهب إلى إحدى الصالات فتجد النساء عرايا كما ولدتهن أمهاتهن، وتخيلوا أنها تقول لهن: اتقوا الله! البسوا المايوه! فأمثل امرأة فيهن الطاعة عندها تساوي لبس المايوه.

    وبعد ذلك يقول لهم: إن مصافحة الرجال للنساء حلال، وليس فيها أي شيء! وكلام طويل، وفتاوى سيئة للغاية، فسألناه فقلنا له: ألست قلت هذا الكلام وهو مسجل؟ قال: نعم، قلنا: هذا الشيء حرام أم حلال؟ قال: حرام، قلنا: سبحان الله! حرام علينا حلال لهؤلاء الناس! يعني: أنت تشدد علينا الآن وتتساهل مع هؤلاء الناس، فلماذا قلت لهؤلاء الناس: إنه حلال؟ قال: من أجل أن أحببهم في الإسلام، ولو كانت هذه حجة محترمة لكان أولى الناس بها النبي عليه الصلاة والسلام.

    لكن الله تعالى عاتبه لما قرب صناديد الشرك والكفر وأبعد بعض أصحابه، إذ إن هؤلاء هم الذين سيأخذون دعوتك وينشرونها في الأرض، وأما هؤلاء فلا خير فيهم.

    وأنت الآن عندما تقول لهذه للمرأة: الصلاة بالاسترتش صحيحة وليس فيها أي مشكلة، وأنا في مسجد العزيز أذكر خلاف العلماء في جواز أن تكشف المرأة باطن القدم في الصلاة، فعلى هذا الفهم يكون هذا إرهاب، أليس كذلك؟ فهناك شخص يجيز لها الصلاة عريانة، وأنا هنا أقول لها: لماذا ظهرت أصابع رجليك من تحت؟! فصلاتك باطلة، ولابد أن تعيدي الصلاة! لأن العلماء اختلفوا على مذهبين اثنين لا ثالث لهما: جواز أن تصلي المرأة بغير جورب، ووجوب أن تصلي المرأة بالجورب، واتفقوا على أنه لا يجوز أن يظهر من المرأة في صلاتها إلا الوجه والكفان.

    وأنت تأتي الآن وتجردها من ثيابها وتقول لها: صلي بهذا الشكل! فإذا كانت هناك أخت من أخواتنا مسكينة ومبتدئة وسمعت كلامي في مسجد العزيز، وسمعت هذا يقول: صل بالاسترتش ولا حرج عليك، وما سئل عن شيء إلا وقال: افعل ولا بأس، افعل ولا حرج! إذاً: ماذا أعمل؟ وما هو موقفي عندما تتصل بي وتقول لي: يا متشدد! يا إرهابي! من ضيقت علينا وجعلتنا نكره ربنا، فماذا أقول لها؟!

    خطر أن يتقدم لدعوة الناس من كانت فيه صفتان

    إذاً من الخطورة بمكان أن يقدم إنسان فيه صفتان:

    الصفة الأولى: أن يقدم للناس الدين على حسب أهوائهم وآرائهم، وعلى حسب ما يحلو لهم، وما يتوقع أنهم يقبلونه به، فالله تعالى يقول: وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ [الكهف:29]، فهذا حق الله الذي نزل من السماء، تقبله أو العاقبة عليك.

    ثانياً: أن يتقدم للناس إنسان جاهل لا يعلم مسائل الحلال والحرام، ويريد أن يعظ الناس، وقد يتأثر الناس به، ونحن نحب ذلك، وبالفعل هؤلاء قد وصلوا إلى فئات من الناس لا يمكن أن يأتوا إلى مسجد العزيز، والعجيب أن التي تأتي منهن إلى مسجد العزيز فهؤلاء الأخوات في مسجد النساء يمسكنها فينشرن عظمها، ويجعلنها تخرج كارهة نفسها وكارهة الإسلام والمسلمين؛ لأن كثيراً من الأخوات المنتقبات لا حكمة عندهن في الدعوة إلى الله عز وجل.

    فأول ما تدخل امرأة لابسة استرتش تجد النظرات الحادة موجهة إليها، وكان الأولى الرفق، ثم ألم تكوني بالأمس لابسة استرتش؟! والأخوات اهتمين بك حتى أصبحت أختاً لابسة للنقاب ومتشددة ومتزمتة مثلي!

    لكن هي نسيت أنها كانت بالأمس هكذا: كَذَلِكَ كُنتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ [النساء:94]، فتمسكها وتنشر عظمها! وتقول لها: ما هذا الذي أتيت به؟ ما هذه الجرأة؟ وتصلين بعد ذلك؟! والله العظيم تتصل بي نساء يقلن: لا يمكن أن ندخل مسجد العزيز؛ لأنه حصل من الأخوات أنهن قلن: كيت وكيت وكيت! فرفقاً بهؤلاء.

    فتقول أحداهن: لكن يا شيخ! الصلاة بالبنطلون صحيحة أم غير صحيحة؟ نقول لها: ليست صحيحة، فتقول: كيف ذلك؟ إن فلاناً يقول: إنها صحيحة! فماذا أقول لها؟ فلان هذا جاهل، أنا لا أريد أن أسقطه في نظرها؛ لأنه صار رمزاً شئنا أم أبينا، لكن قدم للناس على أن هذا هو الإسلام، وهنا تكمن الخطورة، فنصحنا هذا الرجل بأنه لا داعي لأن يفتي الناس، وإنما عليه بالوعظ والكلام الرقيق وكلام القلوب والتأثير في الناس، ويأخذ معه فقيهاً، وكنت أظن أنه سيأخذ أحد مشايخنا المحترمين، لكن واضح أنه كان يلعب هذه اللعبة على منهجه، فقد أخذ فقيهاً لا يحرم شيئاً، إذاً فما الفائدة؟! كنت ستوفر وتفتي الناس أنت، والقضية كلها قضية مائعة، وعندما تذهب وتجلس مع هؤلاء الناس عقلك سيضل ويشك أهذا دين ربنا؟ أهؤلاء الناس مسلمون، أم أننا نحن الذين زدناها قليلاً؟! والله شيء غريب جداً، وأنا قد جلست في مجلس من هذه المجالس حتى إنني أشفقت على نفسي لا على هؤلاء الناس؛ لأنهم ما سألوني عن شيء إلا وقلت: حرام، وما أخبروني عن أحد في هذه المسائل إلا وقال: حلال، فقلت: لا أدري أأشفق على نفسي أم أشفق على هؤلاء الناس؟! ثم هؤلاء الناس أين سيذهبون؟!

    إذاً فهؤلاء فيم ينفعون في الكلام في القلوب والرقائق ومن هذا القبيل، وأما حلال وحرام فمادام أننا مختلفون فاجعلوها فيما بعد؛ حتى تتهيأ قلوب هؤلاء الناس لتحمل الإسلام.

    ومن كان فيهم صادقاً كتب له الثبات على الدين والحق، وكان ينتج نتاجاً طيباً جداً، ونسأل الله تعالى أن يهدي الجميع.

    تنبيه ابن القيم وغيره من أهل العلم على عدم إجراء أحكام الإسلام في الدنيا على ذراري المشركين

    كما نبه ابن القيم وغيره من أهل العلم كـالبيهقي في كتاب الاعتقاد على عدم إجراء أحكام الإسلام في الدنيا على ذراري المشركين -وقد ذكرت لك الفرق بين أحكام الدنيا وأحكام الآخرة- وإنما يعاملون معاملة الكفار في الدنيا تبعاً لآبائهم حسب الظاهر؛ إذ كان هذا موضع اتفاق بين علماء الأمة، حيث ثبت ذلك في عهده، وتواتر من فعله عليه الصلاة والسلام.

    أي: لم نسمع النبي عليه الصلاة والسلام يقول في مرة من المرات: ائتوني بابن المشرك الذي لم يبلغ بعد حتى أصلي عليه، وأدفنه في مقابر المسلمين.

    فكان هذا هو حكم أطفال المشركين في الدنيا، وبيان معنى كلمة الفطرة في الحديث، وأما حكمهم في الآخرة فإن العلماء قد اختلفوا في ذلك أيضاً على عدة مذاهب حسب اختلاف الأدلة في المسألة، وأقوى المذاهب دليلاً مذهبان: الأول: أنهم من أهل الجنة، والمذهب الثاني: مذهب الاختبار، وأما مذهب من يقول: إنهم في النار؛ فهذا كاد أن يكون مذهباً باطلاً، ومذهب التوقف مذهب ضعيف.

    إذاً: أقوى المذهبين في المسألة: أنهم في الجنة، والمذهب الثاني: مذهب جماهير علماء السلف، وهو مذهب الابتلاء أو الاختبار، فيؤتى به يوم القيامة فيختبر.

    وقد أوردوا نصاً فيه: أن الاختبار عبارة عن قول الله تعالى له: ادخل النار، فإن دخل كانت برداً وسلاماً عليه، وكانت إشارة وعلامة على أنه كان من الطائعين لو أنه عاش، ولو أنه عصى لكان من العصاة لو أنه عاش.

    والكلام في هذه المسألة طويل جداً، وبإمكانك أن تراجع في ذلك كتب التفاسير، وكتاب التهذيب لـابن القيم الجوزية ، وكذلك كتاب شفاء العليل، ورسالة الفطرة لشيخ الإسلام ابن تيمية ، وهي رسالة جامعة احتوت على كلام سهل ميسور بعيد عن التعقيد، وكذلك فتح الباري، ومجموعة الرسائل الكبرى لـابن تيمية ، وأضواء البيان للشيخ الشنقيطي ، وغير ذلك من كتب أهل العلم.

    سؤال الصحابة للنبي عن أطفال المشركين وأين هم بعد موتهم

    الهداية والإضلال من الله تعالى

    قال الشيخ ابن بطة: [ فجميع الذي ذكرناه من القرآن، ورويناه من السنة والآثار، وما لم نذكره ولم نروه يدل العقلاء المؤمنين الذين سبقت لهم من الله العناية والهداية أن الأشياء كلها بقضاء الله وقدره ومشيئته سابق ذكرها في علم الله تعالى، وأنه لا مضل لمن هداه الله عز وجل، ولا هادي لمن أضله، ولا مانع لمن أعطاه، ولا معطي لمن منعه، وكذلك خطبه صلى الله عليه وسلم وكلامه، وخطب الصحابة والتابعين، وأئمة المسلمين، وكذلك في كلامهم ومحاورتهم، وكل ذلك دليل على أن القدرة والمشيئة والإرادة هي قدرة الله تعالى ومشيئته وإرادته ].

    [ فعن عبد الله بن مسعود قال: (علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم خطبة الحاجة: إن الحمد لله، نستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، من يهد الله فلا مضل له -والشاهد هنا-، ومن يضلل فلا هادي له) إلى آخر الحديث.

    وعن البراء قال: (رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الخندق ينقل التراب حتى وارى التراب شعر صدره، وكان رجلاً كثير الشعر صلى الله عليه وسلم، وهو يرتجز رجز عبد الله بن رواحة يقول:

    لاهم لولا أنت ما اهتدينا ولا تصدقنا ولا صلينا

    فأنزلن سكينة علينا وثبت الأقدام إن لاقينا) ].

    كل شيء بقضاء وقدر

    قال: [ وعن أيوب السختياني قال: أدركت الناس وما كلامهم: إلا وإن قضى وإن قدر ]. أي: أن كل كلامهم: وإن قضى الله تعالى شيئاً كان، وإن قدر الله شيئاً كان.

    [ وعن سعيد بن عبد العزيز قال: قال المسيح عيسى بن مريم عليه السلام: ليس كما أريد، ولكن كما تريد ].

    أي: كان يقول لله: ليس الأمر كما أريد، ولكن الأمر كما تريد أنت.

    قال: [ وليس كما أشاء، ولكن كما تشاء.

    وقال ابن مسعود : كل ما هو آت قريب، ألا إن البعيد ما ليس بآت، لا يعجل الله لعجلة أحد، ولا يخف لأمر الناس، ما شاء الله لا ما شاء الناس، يريد الله أمراً ويريد الناس أمراً، ما شاء الله كان ولو كره الناس، لا مقرب لما باعد الله، ولا مبعد لما قرب الله، ولا يكون شيء إلا بإذن الله، أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    وعن زيد بن أسلم قال: اشتد غضب الله على من يقول: من يحول بيني وبينه؟ قال الله عز وجل: أنا أحول بينك وبينه ]. أي: بينك وبين مرادك.

    [ وعن عمرو بن ميمون قال: رأيت عمر رضي الله عنه يوم أصيب وعليه ثوب أصفر، فخر وهو يقول: وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا [الأحزاب:38] ].

    أي: يعلم أن هذا الذي حدث له سابق في علم الله، وأنه بقدر.

    [ وعن الحسن قال: لما رمي طلحة بن عبيد الله يوم الجمل؛ جعل يمسح الدم عن صدره وهو يقول: وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا [الأحزاب:38].

    وعن أنس بن مالك قال: (خدمت النبي صلى الله عليه وسلم عشر سنين، فما أرسلني في حاجة قط فلم تتهيأ إلا قال: لو قضى كان، أو قدر كان) ].

    أي: يبعث أنساً كي يأتي له بشيء، فيأتي أنس فيقول له: يا رسول الله! هذا الشيء لم يجهز، فيرد النبي صلى الله عليه وسلم: (لو قضى الله كان)، أي: لو أراد الله ذلك لكان، ولو قدره لكان.

    [ وعن أبي هريرة قال: جاء مشركو قريش إلى النبي صلى الله عليه وسلم فخاصموه في القدر، فنزلت هذه الآية: يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ * إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ [القمر:48-49] ].

    فـ(شيء) نكرة في السياق الإثبات فتفيد العموم، و(كل) من ألفاظ العموم.

    وهذا يدل على أن كل ما هو مخلوق قد خلقه الله عز وجل؛ لأنه لا خالق غيره ولا رب سواه، حتى العجز والكسل، بل وكل شيء.

    طلب العون والهداية من الله في كل حال

    قال: [ وكان النبي عليه الصلاة والسلام كما في حديث ابن عباس يقول في دعائه: (رب أعني ولا تعن علي، وانصرني ولا تنصر علي، وامكر لي ولا تمكر علي، واهدني ويسر الهدى لي، ولا تنصر علي من بغى علي، اجعلني لك شاكراً، لك ذاكراً، لك راهباً، لك مطيعاً، لك مجيباً، إليك أواهاً منيباً، رب تقبل توبتي، واغسل حوبتي -أي: اغفر ذنبي-، وأجب دعوتي، واهد قلبي، وثبت حجتي -أي: قوي حجتي-، وسدد لساني، واسلل سخيمة قلبي -أي: أزل حقد قلبي-) ].

    قال الشيخ: [ فهذا دعاء النبي صلى الله عليه وسلم، فهل بقي لمن يزعم أن المشيئة والاستطاعة بيديه حجة يحتج بها إلا البهتان والجحد للتنزيل، وإخبار الرسول صلى الله عليه وسلم بالشقاء والخذلان اللذين كتبهما الله عليه؟! ونحمد الله على ما وفقنا له من معرفة الحق، وهدانا إليه ].

    حديث ابن عباس: (يا غلام إني أعلمك كلمات ...)

    عاقبة من ضل في مشيئة الله

    قال: [ وعن حماد بن زيد : أن رجلاً بايع رجلاً على أن يعبر نهراً -كأن تتحدى آخر بأن يعبر النهر وله مكافأة أو جائزة- فسبح حتى قارب الشط، قال: قد بلغت والله، فقال له رجل: قل: إن شاء الله، قال: إن شاء وإن لم يشأ، قال: فغاص ولم يخرج ]. وهذا جزاؤه.

    أقول قولي هذا؛ وأستغفر الله لي ولكم.

    وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.

    1.   

    الأسئلة

    أحسن كتاب في الفقه للمبتدئ

    السؤال: ما هو أحسن كتاب للمبتدئ في الفقه؟

    الجواب: أحن كتاب للمبتدئ بلا شك هو كتاب فقه السنة.

    حكم استخدام التوصية والوساطة للسفر إلى الحج

    السؤال: أنا ضابط في الجيش، وأريد الذهاب إلى الحج، وفي الجيش يكون السفر للحج على حساب الشخص الخاص، والأولوية لصاحب الوساطة، فهل يجوز استخدام التوصية في هذا الأمر؟

    الجواب: نعم يجوز.

    حكم المظاهرات

    السؤال: ما حكم المظاهرات؟

    الجواب: الذي أعتقده أنها غير مشروعة، ومع ذلك لا أؤثم من يفعل ذلك، لكن اعلم أن الأمر قد وصل إلى مرحلة لا ينفع معها المظاهرات ولا غير المظاهرات، فأنت وفر عليك بلاء عظيماً جداً تقدم عليه.

    وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.