إسلام ويب

الصوتيات

  1. الصوتيات
  2. محاضرات مفرغة
  3. حسن أبو الأشبال الزهيري
  4. شرح كتاب الإبانة من أصول الديانة
  5. شرح كتاب الإبانة - لا يصح إيمان عبد حتى يؤمن بالقدر خيره وشره

شرح كتاب الإبانة - لا يصح إيمان عبد حتى يؤمن بالقدر خيره وشرهللشيخ : حسن أبو الأشبال الزهيري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الإيمان بالقدر ركن من أركان الإيمان، لا يصح إيمان العبد إلا به، فلا بد من الإيمان بالقدر خيره وشره، ومن كذب بذلك كان من الخاسرين، وكان من الفرق الهالكة، وأقوال النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة والتابعين من بعده واضحة في ذلك.

    1.   

    باب التصديق بأن الإيمان لا يصح لأحد ولا يكون العبد مؤمناً حتى يؤمن بالقدر خيره وشره

    أقوال أبي بن كعب وعبد الله بن مسعود وزيد بن ثابت وحذيفة وعمران بن الحصين في إثبات القدر

    إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [الباب الرابع: باب التصديق بأن الإيمان لا يصح لأحد ولا يكون العبد مؤمناً حتى يؤمن بالقدر خيره وشره، وأن المكذب بذلك إن مات عليه -أي: على التكذيب- دخل النار، والمخالف لذلك من الفرق الهالكة].

    دليل ذلك: [عن ابن الديلمي قال: وقع في نفسي شيء من القدر -كأنه شك في شيء من القدر أو التبس عليه أمر من أمور القدر- فأتيت أبي بن كعب رضي الله عنه فسألته، فقال: إن الله عز وجل لو عذب أهل سماواته وأهل أرضه لم يظلمهم، ولو رحمهم كانت رحمته خيراً لهم من أعمالهم، ولو أنفقت أحداً ذهباً ما قبله الله منك حتى تؤمن بالقدر، وتعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك، ولو مت على غير هذا لمت على غير الفطرة التي فُطر عليها محمد صلى الله عليه وسلم.

    قال ابن الديلمي : فخرجت من عنده -أي: من عند أبي بن كعب - فأتيت ابن مسعود فقال مثل ذلك، ثم أتيت حذيفة فقال مثل ذلك، ثم أتيت زيد بن ثابت فسألته فحدثني عن النبي صلى الله عليه وسلم بمثل ذلك].

    هذا الحديث يشير إلى ما حاك في نفس ابن الديلمي، وربما يكون الذي حاك في نفسه: أنه إذا كان الله تعالى قدر كل شيء، وعلم كل شيء قبل خلق هذه الأشياء؛ فلم قدر علي المعصية؟ وإذا كان هو المقدر لذلك فلم يعذبني إذاً؟ ولم يدخلني النار؟ أليس هذا من الظلم؟!

    والظلم منفي عن الله عز وجل، وكل صفات النقص لا تليق بالله عز وجل؛ لأنه متصف بصفات الكمال والجلال سبحانه وتعالى، فقال لما حاك في نفسه شيء من القدر: أتيت أبي بن كعب ، وهذا مسلك أهل العقل والعدل دائماً، فالذي يحيك في نفسه شيء أياً كان هذا الشيء ما دام متعلقاً بالحلال والحرام، ومتعلقاً بمسائل الشرع؛ فإنه يجب عليه أن يهرع إلى أهل العلم؛ ولذلك قال الله تعالى: فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ [النحل:43].

    فهذه الآية أوجبت على طائفتين واجبات: أوجبت على أهل الجهل أن يسألوا أهل العلم، وأوجبت على أهل العلم أن يجيبوا أهل الجهل بما قد سألوهم عنه، فلا يحل لجاهل أن يخفي سؤاله ولا يسأل عنه، ولا يمنعه من ذلك كبر ولا حياء، كما أنه أوجب على العالم إذا سئل في شيء أن يجيب ولا يكتم علمه، ومن كتمه فإنه يأتي يوم القيامة ملجماً بلجام من نار، والجزاء من جنس العمل.

    قال ابن الديلمي : لما حاك في صدري ذلك الشيء أتيت أبي بن كعب رضي الله عنه -وهو من كبار الصحابة وسيد من سادات المسلمين- فقال: إن الله عز وجل لو عذب أهل سماواته وأهل أرضه لم يظلمهم.

    أي: لو أن الله تعالى كتب على أهل السموات -أي: الملائكة- وأهل الأرض العذاب السرمدي الأبدي؛ لكتب ذلك غير ظالم لهم، وأنا أدلك على مصداق ذلك: لو كان العذاب والرحمة والجنة والنار متعلقات بالعمل فحسب في مقابل نعم الله عز وجل عليك؛ لما كافأت عبادتك نعمة واحدة من نعم الله عليك، وإذا كانت المسألة مسألة موازين العمل الصالح وغير الصالح، وأن من عمل صالحاً دخل الجنة ولابد؛ فإن الأمر لا بد أن يكون فيه شيء من العدل، فستوضع نعم الله تعالى على العبد في كفة وعبادة العبد في كفة أخرى، فينظر: هل تزن هذه الأعمال نعم الله عز وجل عليه أم لا؟

    الجواب: لا؛ لأنه قد جاء بسند لا بأس به عند الحاكم : (أن رجلاً عبد الله ستمائة سنة، فجيء به يوم القيامة فقال الله تعالى لملائكته: أدخلوا عبدي الجنة برحمتي. قال: لا يا رب! بل بعملي -فقد تصور أنه بهذه العبادة استحق الجنة- فقال الله تعالى: زنوا عمل عبدي وزنوا نعمي عليه -وفي رواية-: وزنوا نعمة البصر) وهي نعمة واحدة، والله تعالى يقول: وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا [إبراهيم:34].

    قال: (فلما وضعوا نعمة البصر في كفة وعبادة الرجل ستمائة سنة في كفة؛ طاشت تلك العبادة) يعني: لم تثبت هذه العبادة أمام نعمة واحدة من نعم الله عز وجل، فلو كان الأمر متعلقاً بالعمل فحسب فإن الله تعالى لو عذب العابدين فضلاً عن العصاة، وفضلاً عن الكافرين، فهو غير ظالم لهم؛ لأن عبادتهم لا يمكن أن تكافئ نعمه عليهم، ولكن رحمة الله تبارك وتعالى هي الدليل والقائد للعبد الطائع إلى جنة الله عز وجل؛ ولذلك قال النبي عليه الصلاة والسلام: (ولن يدخل أحد منكم الجنة بعمله، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟! قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل) فالعمل سبب لحصول الجنة، وسبب موصل إليها، وهو لا يساوي الجنة بإجماع، وأعظم النعيم أن تنظر إلى وجه الله الكريم، فلو أن الله أعطاك مليون سنة فقمتها وصمتها وعبدت الله تعالى فيها خير العبادة؛ لم تكافئ نعمة واحدة وهي: نعمة النظر إلى وجه الله الكريم، ولكنه فضل منه سبحانه وتعالى.

    قال أبي: (إن الله عز وجل لو عذب أهل سماواته وأهل أرضه لم يظلمهم، ولو رحمهم كانت رحمته خيراً لهم من أعمالهم، ولو أنفقت أحداً).

    أي: ولو أنفقت مثل جبل أحد ذهباً (ما قبله الله منك حتى تؤمن بالقدر).

    قوله: (تؤمن بالقدر) أي: بمراتبه الأربع التي قلناها: تؤمن بأن الله تعالى علم كل شيء يكون وكان وسيكون، وكتبه في اللوح المحفوظ، وشاءه أن يقع في الكون خيراً أو شراً، وأذن بوجوده خلقاً، ومنح عبده مشيئة وإرادة يكتسب بها الفعل.

    قال: (وتعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك) أي: تعلم أن ما قدره الله عز وجل عليك لا بد أنه مصيبك، وما صرفه الله عنك لا يمكن أبداً أن تعمله؛ ولذلك لو اجتمع أهل الأرض في صعيد واحد على أن ينفعوك بشيء لا ينفعونك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا في صعيد واحد على أن يضروك بشيء لا يضرونك إلا بشيء قد كتبه الله عليك.

    إذاً: فالأمور كلها بقدر.

    قال: (فخرجت من عنده فحدثت ابن مسعود فقال مثل ذلك، ثم خرجت من عنده فأتيت حذيفة فأخبرني مثل ذلك، فأتيت زيد بن ثابت -وهؤلاء كلهم من كبار الصحابة- فحدثني عن النبي عليه الصلاة والسلام بمثل ذلك).

    [وعن ابن الديلمي قال: لقيت زيد بن ثابت فسألته عن القدر؟ فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إن الله عز وجل لو عذب أهل السموات وأهل الأرضين عذبهم غير ظالم لهم، ولو رحمهم كانت رحمته إياهم خيراً لهم من أعمالهم، ولو أن لامرئ مثل أحد ذهباً ينفقه في سبيل الله حتى ينفد، ثم لم يؤمن بالقدر خيره وشره؛ دخل النار)، فتصور لو أن جواداً كريماً معه جبال من الذهب أنفقها في سبيل الله ولكنه لا يؤمن بالقدر؛ أدخله الله النار!!

    [وعن أبي الأسود الدؤليأبو الأسود من كبار أئمة اللغة، وكان صديقاً حميماً لـعلي بن أبي طالب رضي الله عنه، وأمره علي بأن ينقط ويضبط كلمات القرآن- قال: مشيت إلى عمران بن حصين فقلت: يا عمران ! إني خاصمت أهل القدر حتى أخرجوني] وكأن لفظة (أخرجوني) ليست صحيحة وإنما هي تصحيف، والصواب: (خاصمت أهل القدر حتى أحرجوني) أي: ألقوا عليه شبة لا طاقة له بها، وهذا معنى الإحراج.

    قال: [فهل عندك علم فتحدثني؟ -يعني: فتزيدني في باب القدر علماً؟- قال عمران : إن الله عز وجل لو عذب أهل السماء وأهل الأرض عذبهم غير ظالم لهم، ولو أدخلهم في رحمته كانت رحمته أوسع لهم من ذنوبهم، وذلك أنه كما قضى يعذب من يشاء، ويرحم من يشاء].

    إذاً: العذاب والرحمة بمشيئة الله عز وجل، فإن عذب فهو الحق، وإن رحم فهو الحق.

    قال: [ولو أن لك جبلاً من ذهب تنفقه في سبيل الله ما قبل منك حتى تؤمن بالقدر خيره وشره، ولا تسأل]. يعني: هذا الذي قلته لك اذهب فسل عنه من شئت.

    قال: [فقدم أبو الأسود المدينة، فوجد عبد الله بن مسعود وأبي بن كعب جالسين فقال: يا عبد الله بن مسعود ! إني قد خاصمت أهل القدر فأخرجوني -أو في رواية: (فأحرجوني)- وذكر نحو كلامه لـعمران، وذكر كلام عمران عليه، فقال ابن مسعود مثلما قال عمران بن حصين، ثم قال ابن مسعود لـأبي بن كعب : أكذلك يا أبي؟! -يعني: أتوافقني يا أبي فيما قلت؟- قال: نعم.

    قال محمد بن شعيب : فحدثت ببعض هذا الحديث سعيد بن عبد الرحمن بن سعيد بن رقيش بن ذباب الأسدي، فحدثني سعيد : أن عمران قال لـأبي الأسود حين حدثه الحديث: سمعت ذاك من رسول الله صلى الله عليه وسلم].

    يعني: أن هذا الكلام مرفوع إلى النبي عليه الصلاة والسلام.

    الإيمان الجازم بالقدر راحة للعبد في الدنيا والآخرة

    قال: [وعن عطاء بن أبي رباح قال: سألت الوليد بن عبادة بن الصامت : كيف كانت وصية أبيك حين حضره الموت؟ فقال: دعاني فقال: يا بني! اتق الله. واعلم أنك لن تتقي الله ولن تبلغ العلم حتى تؤمن بالله وحده]. أول شيء يا بني اتق الله، واعلم أنك لن تتقي الله ولا تعلم حقيقة الإلهية إلا إذا آمنت بالقدر خيره وشره.

    قال: [يا بني! اتق الله، واعلم أنك لن تتقي الله، ولن تبلغ العلم بالله حتى تؤمن بالله وحده، وتؤمن بالقدر خيره وشره. قلت: يا أبت! كيف لي إلى الإيمان بالقدر خيره وشره؟ قال: تعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك -تعلم أن ما قدره الله عليك لا بد أنه واقع بك مهم حاولت دفعه- وأن ما أخطأك لم يكن ليصيبك، هذا بالقدر] أي: أن تؤمن إيماناً جازماً أن ما قدره الله عليك واقع بك، وما صرفه الله عنك لا يمكن لأهل الأرض جميعاً أن يلحقوه بك، والذي يؤمن بالقدر ويعلم أن كل شيء من عند الله سواء كان خيراً أو شراً؛ يستريح جداً.

    فالإيمان بالقدر هو الذي يجعل المرء شجاعاً في كل ميدان، وذلك إذا كان يعتقد اعتقاداً جازماً أن أهل الأرض لو اجتمعوا على أن يضروه بشيء لا يضرونه إلا بشيء هو مكتوب أزلاً، ولا يمكن صرفه؛ ولذلك كثير من الناس يتودد وينافق ويداهن ويماري ويرائي حتى يصرف بلاءً ظن أنه واقع به، ولا ينصرف هذا البلاء أبداً، فمع فقدان الدين بالنفاق والرياء وغير ذلك يقع به ما قد قدره الله، ومع الصدق واليقين والتوكل على الله عز وجل يفاجأ أن العزة في هذا الموقف كانت مكتوبة له قبل ذلك، ولعل من علم ذلك أو عاش ذلك في بعض مواقفه يشعر بصحة ما قلت، وهذا لا يحتاج إلى تجارب، والإيمان بالله لا يحتاج إلى تجارب، وإنما الإيمان بالله يكون ابتداءً قبل أي تجربة، أؤمن بأن القدر كله من عند الله: أن الخير من عند الله، وأن الشر من عند الله، وأن الله تعالى هو النافع الضار، ولا يمكن لأحد قط هددك بضر أن يوقع هذا الضر بك إلا إذا كان مكتوباً قبل خلق السموات والأرض، وإذا وعدك واعد بجلب نفع إليك لا يمكن له ذلك إلا إذا كان مكتوباً لك قبل أن يخلق الله السموات والأرض، فإذا كان كل ذلك بيد الله، وأن الخلق جميعاً في قبضة الله، وهم ملك الله تعالى؛ إذاً: فلم تحرص على الدنيا؟! ولم تخاف من ذي سلطان وهو نفسه في قبضة الله عز وجل، وتحت سلطان الملك الجبار سبحانه وتعالى؟! أنت وهو سواء، وربما تكون أنت أقرب إلى رحمة الله منه، بل هو المهدد بالعذاب والنكال والانتقام، إذاً: فلم تخالف أنت وأنت صاحب الحق؟!

    لا بد للمسلم أن يكون له عزة في كل موقف، وينبغي لكل منا أن يثبت موقف عزة لله عز وجل في موقف يظن فيه أنه مهان، ولا بد أن يستعمل المؤمن دائماً إيمانه وإسلامه، ولا تجعل إيمانك دائماً في الوحل والرغام والطين، بل لا بد في كل موقف يستحق الاستعلاء بالإيمان أن تستعلي بإيمانك على هذا الواقع الباطل، وعلى هؤلاء المبطلين الذين يوجهون أكاذيبهم فيستعلون عليك، وهم والله لا يملكون شيئاً منك: لا في روحك، ولا في بدنك إلا ما قد قدره الله عز وجل عليك، ولو أراد أحد أن ينزل بك العذاب وينتقم منك أشد الانتقام، فلا يقدر على شيء من ذلك، فإذا كنت تؤمن بهذا إيماناً جازماً فسر قُدُماً على بركة الله عز وجل، واعلم أن الأرض كلها لو اجتمعت على أن يضروك ما استطاعوا إلى ذلك سبيلاً، ولو اجتمع العالمون على أن ينفعوك بشيء ما نفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، فكل أمر مقدر، وما عليك إلا أن تكون ناصراً لدينك.

    واعلم أن هؤلاء جميعاً كلهم في قبضة الله عز وجل، وتحت سلطانه وسيطرته وقهره وملكوته وجبروته سبحانه وتعالى، فهم مهددون بالعذاب قبل أن يهددوك، ولو كان لهم شيء فبقدر، ولو كان لهم سلطان على شيء منك فإنما سلطانهم على بدنك، ومعنى (سلطانهم على بدنك): أنهم لا يملكون منك إلا السوط الأول، وما دون ذلك لا تشعر به، وهل تستعظم على الله عز وجل أن تنال في سبيله سوطاً؟ لا والله، كل ذلك قليل في حق الله وجنب الله.

    وصية عبادة بن الصامت عند الموت لابنه الوليد بالإيمان بالقدر

    [عن عطاء بن أبي رباح : قال سألت الوليد بن عبادة بن الصامت : كيف كانت وصية أبيك حين حضره الموت؟ فقال: دعاني فقال: يا بني! اتق الله، واعلم أنك لن تتقي الله ولن تبلغ العلم حتى تؤمن بالله وحده، وتؤمن بالقدر خيره وشره. قلت: يا أبتي! كيف لي أن أؤمن بالقدر خيره وشره؟ قال: تعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وأن ما أخطأك لم يكن ليصيبك. هذا القدر، أظنه قال: فإن مت على غير هذا دخلت النار، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إن أول ما خلق الله القلم فقال له: اكتب، فقال: أي رب! وما أكتب؟ قال: اكتب القدر، فجرى القلم تلك الساعة بما هو كائن إلى الأبد)].

    فلو هددك طاغية بشيء من العذاب والنكال وأردت أن تصرفه عن نفسك وقد كتب في اللوح المحفوظ أنه واقع بك؛ هل يمكنك دفعه؟ لا، وإذا لم يكتبه الله تعالى عليك هل يمكن لهذا الطاغية إلحاق الأذى بك؟ لا، فإن تؤمنوا بذلك فأنتم على خير، لكن الإيمان الحقيقي يظهر ساعة المحك والعمل، فإن قال لك سلطان: افعل كذا، قل له: هذا حرام، فإن قال: تفعل وإلا فعلت، قل له: لا تستطيع إلا بقدر، وكل شيء بقدر، قدر الله وما شاء فعل. هذه الكلمات تقتله قتلاً؛ لأنه لا يؤمن بالقدر كما تؤمن أنت، وإن أوقع شيئاً من الأذى فبقدر ومكتوب، وهو في علم الله منذ الأزل.

    [وعن أيوب بن زياد عن عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت قال: حدثني أبي قال: دخلت على عبادة وأنا أتخيل فيه الموت، فقلت: يا أبا الوليد! -وهي كنية عبادة بن الصامت - أوصني واجتهد لي؟ قال: أجلسوني، فأجلسوه، فقال: يا بني! إنك لن تطعم طعم الإيمان، ولن تبلغ حقيقة العلم بالله عز وجل حتى تؤمن بالقدر خيره وشره -أي: إنك لن تطعم طعم الإيمان، وتذوق حلاوته حتى تؤمن بالله، وتعلم الله تعالى، وتؤمن بالقدر خيره وشره- فقلت: يا أبتاه! وكيف لي أن أعلم ما خير القدر من شره؟ قال: تعلم أن ما أخطأك لم يكن ليصيبك، وما أصابك لم يكن ليخطئك، يا بني! إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إن أول شيء خلق الله القلم، ثم قال: اكتب، فجرى في تلك الساعة بما هو كائن إلى يوم القيام) يا بني فإن مت ولست على هذا -أي: ولم تؤمن بهذا- دخلت النار.

    نفي الإيمان عمن لم يؤمن بالقدر خيره وشره

    حكم عبد الله بن عمر على من أنكر القدر وقال إن الأمر أنف

    [وعن عبد الله بن بريدة عن يحيى بن يعمر قال: كان أول من تكلم في القدر معبد الجهني البصري ، فخرجت أنا وحميد بن عبد الرحمن نريد مكة فقلت: لو لقينا أحداً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فسألناه عما يقول هؤلاء القوم -يعني: يا ليتنا! نوفق إلى أحد من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم؛ حتى نسألهم عن القول الذي يقوله معبد الجهني- فلقينا عبد الله بن عمر فاكتنفته أنا وصاحبي، أحدنا عن يمينه والآخر عن شماله (اكتنفته) -يعني: أحطت به من جانبيه- فعلمت أنه سيكل الكلام إلي -يعني: فعلمت أن صاحبي قد خولني في أن أتكلم مع عبد الله بن عمر - فقلت: يا أبا عبد الرحمن! - وهي كنية عبد الله بن عمر - إنه قد ظهر قبلنا ناس يتقفرون هذا العلم -أي: يطلبونه طلباً حثيثاً، وفي رواية (يتفقرون) بالفاء قبل القاف، أي: يطلبون فقار العلم، ودقائقه ومسائله الغامضة العويصة- يقولون: لا قدر، وأن الأمر أنف].

    فأول بدعة القدرية كانت من العراق من البصرة. وهم يقولون: (لا قدر، وأن الأمر أنف)، يعني: ليس هناك شيء اسمه قدر، والله تعالى لم يقدر شيئاً بل إنه لا يعلم الشيء إلا بعد أن يقع، هذا معنى قولهم: (لا قدر وأن الأمر أنف)، أي: مستأنف غير معلوم لله قبل أن يقع.

    وهم بهذا يكذبون الله تعالى في إثبات العلم له، ويكذبون أن الله تعالى كتب مقادير الخلائق كما في الحديث : (إن أول شيء خلق الله القلم، فقال: اكتب، قال: وما أكتب؟ قال: اكتب كل شيء كان وسيكون إلى قيام الساعة، فجرى القلم بما هو كائن إلى قيام الساعة) هؤلاء يكذبون مثل هذه النصوص في القرآن والسنة؛ لأنهم يقولون: ليس هناك شيء اسمه قدر، كما أن الله تعالى لا يعلم الأشياء إلا بعد وقوعها، وإجمال ذلك في كلمتين: لا قدر وأن الأمر أنف، فأنكروا مرتبة العلم، وأنكروا مرتبة الكتابة.

    [فقال عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: أوقد قالوها؟ إذا لقيتهم فأخبرهم أني بريء منهم وأنهم برآء مني، أي: ليست منهم وليسوا مني].

    قال النووي: ورد عبد الله بن عمر هذا دليل على تكفير هؤلاء. قال: وعلى ذلك انعقد إجماع أهل العلم: أن من أنكر مرتبة العلم ومرتبة الكتابة كفر بالله عز وجل؛ لأنه ينفي العلم عن الله، ومن نفى العلم عن الله يلزمه أن يثبت الضد وهو الجهل، فكأنه يسب الله تعالى.

    قال عبد الله بن عمر: [إني سمعت عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول: (بينما نحن جلوس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب شديد سواد الشعر، لا يعرفه منا أحد ولا يرى عليه أثر السفر، حتى جلس إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأسند ركبتيه إلى ركبتيه، ووضع كفيه على فخذيه، فقال: يا محمد! أخبرني عن الإسلام؟ فقال: الإسلام: أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلًا. قال: صدقت! فعجبنا له يسأله ويصدقه)].

    لأنه ليس من عادة السائل الجاهل أن يصدق العالم، أو المفتي؛ وذلك لأن التصديق لا يأتي إلا من رجل عالم، ثم اكتشفوا بعد ذلك أن هذا السائل هو جبريل وليس سائلاً عادياً، وكذلك مظهره ومخبره يدل على أنه ليس رجلاً قادماً من البادية إلى المدينة.

    [(قال: فأخبرني عن الإيمان؟ قال: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله، وأن تؤمن بالله واليوم الآخر، وأن تؤمن بالقدر خيره وشر)] وهذه حجة عبد الله بن عمر في الرد على معبد الجهني الذي تكلم بهذا الشيء.

    [حدثنا عكرمة بن عمار اليمامي قال: حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن قال: قال رجل لـعبد الله بن عمر: إن ناساً من أهل العراق يكذبون بالقدر، ويزعمون أن الله عز وجل لا يقدر الشر -أي: لا يأذن في وجوده وخلقه-، قال: فبلغهم أن عبد الله بن عمر منهم بريء وأنهم منه برآء، والله لو أن لأحدهم مثل أحد ذهباً ثم أنفقه في سبيل الله ما قبل الله منه حتى يؤمن بالقدر خيره وشره].

    أي: حتى يؤمن بأن الخير والشر من عند الله، وأن الله تعالى علم ما العباد عاملون، وما هم إليه صائرون.

    والقدر هو سر الله تعالى في خلقه، ولا ينبغي لأحد أن يتكلم في هذا الأمر، ولا أن يبحثه؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (إذا ذكر القدر فأمسكوا، وإذا ذكر النجوم فأمسكوا، وإذا ذكر أصحابي فأمسكوا)، الشاهد قوله: (إذا ذكر القدر فأمسكوا) أي: لا تخوضوا في مسائله خوض المجادلين فيه بغير علم ولا طلب للحق.

    [وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لن يؤمن عبد حتى يؤمن بالقدر كله خيره وشر)].

    أقوال عبد الله بن مسعود في أن العبد لا يذوق طعم الإيمان حتى يؤمن بالقدر

    قال: [وعن عبد الله بن مسعود قال: والذي لا إله غيره لا يذوق أحدكم طعم الإيمان حتى يعلم أن ما أخطأه لم يكن ليصيبه، وأن ما أصابه لم يكن ليخطئه.

    وعنه قال: لن يجد طعم الإيمان -ووضع يده في فيه- حتى يؤمن بالقدر، ويعلم أنه ميت وأنه مبعوث]، أي: حتى يؤمن بالبعث بعد الموت.

    [وعنه قال: ثلاث من كن فيه يجد بهن حلاوة الإيمان: ترك المراء في الحق -أي: الكذب والمماحلة والمجادلة بالباطل وهو يعلم الحق، ولكنه يماري ويجادل بالباطل- والكذب في المزاحة] وقد كان النبي عليه الصلاة والسلام يمزح ولكن لا يقول إلا حقا، (أتت امرأة تسأله عن الجنة، فقال النبي: لا يدخل الجنة عجوز، فولت المرأة وهي باكية) وهو صلى الله عليه وسلم صادق في ذلك؛ لأنهن لن يدخلنها إلا عرباً أتراباً، أي: في سن واحدة، فلما قال لها النبي عليه الصلاة والسلام: (لا يدخل الجنة عجوز) كان صادقاً؛ فولت المرأة باكية حزينة؛ فأراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يثبت لها أنه صادق، ثم أتت امرأة وقالت: (يا رسول الله! أتعرف بعلي؟ قال: نعم، أليس الذي في عينيه بياض؟ - وكل الناس في عينيه بياض - فقالت المرأة: نعم. يا رسول الله!).

    وكان رجل من البادية يأتي النبي صلى الله عليه وسلم ويأتي له بخيرات البادية، وذات يوم قدم المدينة وليس معه شيء، فاستحيا أن يدخل على النبي صلى الله عليه وسلم بغير شيء؛ فذهب إلى السوق، فلحقه النبي عليه الصلاة والسلام وأتى من خلفه فأغمض عينيه وقال: (من يشتري العبد؟ فقال الرجل: فلما وضعت يدي على يد النبي عليه الصلاة والسلام علمت أنه هو، فما يد أنعم من يده ولا أطيب، فقلت: يا رسول الله! إذاً: يجدني كاسداً).

    فالنبي صلى الله عليه وسلم قال ذلك من باب الممازحة والملاطفة: (من يشتري العبد؟ قال الرجل: إذاً: يجدني كاسداً يا رسول الله! قال: بل أنت رابح، بل أنت رابح، بل أنت رابح)، وهذه بشارة عظيمة لهذا الرجل بالربح الحسن يوم القيامة، وغير ذلك من ممازحاته عليه الصلاة والسلام.

    (ومر النبي عليه الصلاة والسلام على امرأة في الطريق فقال: أتعلمين من أمر قريش شيئاً، ومن أمر أبي سفيان؟ فقالت: لا، قال: بل تعلمين من أمره شيئاً فأخبرينا، وأخبرينا عن ذاك الرجل الذي خرج في قريش يزعم أنه نبي، فقالت المرأة: لا أخبركما حتى تخبراني من أنتما؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: بل لا نخبرك حتى تخبرينا أنت؟ فلما أخبرتهم بخبر قريش وبخبر أبي سفيان -وكان ذلك في غزوة بدر- قالت: هذا خبر قريش وخبر أبي سفيان ، فمن أنتما ومن أين؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: نحن من ماء، ثم انطلق عليه الصلاة والسلام).

    فقوله: (نحن من ماء) لم يكذب فيه النبي عليه الصلاة والسلام، ولكنه عرض به، وفي المعاريض مندوحة عن الكذب.

    (قال: نحن من ماء، قالت المرأة: من أي ماء أنتم؟ فانطلق النبي عليه الصلاة والسلام ولم يجب المرأة).

    وهذا كما قال الله تعالى: وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ [الأنبياء:30].

    قال: [ثلاث من كن فيه يجد بهن حلاوة الإيمان: ترك المراء في الحق، والكذب في المزاح، ويعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وأن ما أخطأه لم يكن ليصيبه.

    وقال ابن مسعود : لأن يعض الرجل على جمرة حتى يبرد -يبرد ويسكن ويموت وينام كلها بمعنى واحد- خير له من أن يقول لشيء قضاه الله: ليته لم يقضه].

    يعني: إنسان لو يمسك جمرة هكذا، ويظل قابضاً عليها بفمه إلى أن تخرج روحه خير له من أن ينطق بهذه الكلمة: ليت الله لم يفعل هذا: أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ [البقرة:140]، أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ [الملك:14]، فكل أفعال الله تعالى مبنية على الحكمة والعدل والفضل، فحينئذ لا يجوز لأحد قط أن يعترض على الله تعالى في أفعاله.

    أقوال علي بن أبي طالب وأبي سعيد الخدري وعبد الله بن عمر في إثبات القدر

    قال: [وعن يعلى بن مرة قال: ائتمرنا -يعني: اتفقنا- أن نحرس علي بن أبي طالب كل ليلة عشرة، قال: فخرج فصلى كما كان يصلي، ثم أتانا فقال: ما شأن السلاح؟ -وساق حديثاً طويلاً- ثم قال: إنه لن يجد عبد أو يذوق حلاوة الإيمان حتى يستيقن يقيناً غير ظان -يعني: غير شاك].

    وهذا شرط في إيماننا بالقدر، وكلنا يؤمن بالقدر، والقدر باختصار شديد : أن تعلم أن ما أخطأك لم يكن ليصيبك، وأن ما أصابك لم يكن ليخطئك، يعني: أن ما قدره الله لك لا بد أن ينزل، وما صرفه الله عنك لا يمكن أن ينزل، فحينئذ إذا وقع بك البلاء فاعلم أنه من عند الله، وإذا صرف عنك الخير الذي تظن أنه خير فاعلم أن هذا الصرف من عند الله، فلماذا أنت غضبان؟!

    لو أن شخصاً يريد أن يتزوج امرأة جميلة وطيبة ومتدينة فإنه يستخير الله عز وجل، فالنبي صلى الله عليه وسلم علمنا أن نستخير حتى في شراك نعلنا، فبعد أن يصلي هذا الشخص يقرأ هذا الذكر الذي علمنا النبي عليه الصلاة والسلام إياه: (اللهم إني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك ، وأسألك من فضلك العظيم) إلى آخر الدعاء، والعجيب أن أحدنا يسمي هذه المرأة ويقول في النهاية: يا رب أنا أريدها، قدرها لي، أنا سأموت يا رب! إذا لم أتزوجها، وكذلك من النساء من تقول عن رجل من الناس هذا القول، لماذا كل ذلك؟! أنت كونك استخرت ربك فقد فوضته في أن يختار لك، فإذا قدر لك ألا تتزوج تسخط وتغضب على ربك؟! هذه قسمة ضيزى، وليس إيماناً يساوي فلساً في ميزان الإيمان بالله عز وجل، فالله سبحانه جعل لك الخير في غيرها، وكم مرة ظن الإنسان أن العمل القادم عليه خير فيصرفه الله، ثم يكتشف العبد أنه كان شراً، والعكس بالعكس، فما عليك يا أخي المؤمن إلا أن تعلن الإيمان بالله، وتعلن الإيمان بالقدر خيره وشره، وقل: الذي أتمناه هو الذي يقدره الله عز وجل، وما قدره الله لي ينبغي أن يكون أمنيتي فيه، إيجاباً أو سلباً.

    قال: [إنه لن يجد عبد أو يذوق حلاوة الإيمان حتى يستيقن يقيناً غير شاك: أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه.

    وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: إن أحدكم لن يخلص الإيمان إلى قلبه حتى يستيقن يقيناً غير ظان: أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وأن ما أخطأه لم يكن ليصيبه، ويؤمن بالقدر كله.

    وقال أبو بكر الكلبي : رأيت شيخاً يزحف عند قصر أوس، فقال: سمعت أبا سعيد الخدري رحمه الله يقول: لو أن عبداً أقام الليل وصام النهار، ثم كذب بشيء من قدر الله عز وجل لأكبه الله في النار على رأسه، أسفله أعلاه، قال: قلت له: أنت سمعته من أبي سعيد ؟ قال: أنا سمعته من أبي سعيد .

    وعن عبد الله بن عمر : قال النبي عليه الصلاة والسلام : (لا يؤمن المرء حتى يؤمن بالقدر خيره وشر).

    وعن ابن عباس : عن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم قال: حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (قال جبريل عليه السلام: قال الله عز وجل: من آمن بي ولم يؤمن بالقدر خيره وشره فليلتمس رباً غيري)، وهذا على سبيل التقريع والتهديد.

    1.   

    باب الإيمان بأن الشيطان مخلوق مسلط على بني آدم

    قال: [الباب الخامس : باب الإيمان بأن الشيطان مخلوق مسلط على بني آدم].

    مخلوق وهو رأس الشر، واتفقنا من قبل أن الخير والشر من عند الله، وأن الله خالق للخير والشر، وأن الله أراد من عباده الخير إرادة شرعية دينية، وأحب ذلك وأمرهم به، وأراد منهم الشر إرادة كونية قدرية، بمعنى: أنه لا يقع في كون الله إلا ما أراد، وما شاء وقدر، ولو أراد العصاة معصية الله تعالى ما قدروا على ذلك إلا بعد أن يأذن الله في ذلك، فالله سبحانه لا يحب الشر بل يبغضه، وحذر منه، وخلق لأجله النار، وتوعد عباده العصاة.

    إذاً: إبليس رأس الشر، فنؤمن بأن الشيطان مخلوق مسلط على بني آدم يجري منهم مجرى الدم في العروق إلا من عصمه الله عز وجل، ومن أنكر ذلك فهو من الفرق الهالكة.

    ففي البخاري عن أنس: قال النبي عليه الصلاة والسلام: (إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم)، فالشيطان يجري من ابن آدم كما يجري منه الدم، فالدم يجري في كل أعضاء البدن، فكذلك الشيطان يجري في جميع أعضاء البدن، وهو يجري من ابن آدم كما يجري الدم في العروق.

    [وعن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تلجوا على المغيبات -أي: لا تدخلوا على النساء اللاتي غاب عنهن أزواجهن، (لا تلجوا) أي: لا تدخلوا خلسة على النساء اللاتي غاب عنهن أزواجهن- فإن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم)، والعلة وردت في قوله عليه الصلاة والسلام: (ما خلا رجل بامرأة إلا كان الشيطان ثالثهما).

    قال: [(قالوا: ومنك يا رسول الله؟! -الشيطان يجري منك مجرى الدم؟- قال: ومني -أي: يجري مني كما يجري منكم- إلا أن الله أعانني عليه فأسلم، فلا يأمرني إلا بخير).

    وكلمة (فأسلم) ضبطت مرة بالفتح ومرة بالضم، فالضم معناه: فأسلم أنا منه ومن وسوسته، ورواية الجمهور -وهي الصحيحة- بالفتح، أي: فأسلم الشيطان وترك الكفر، فصار مسلماً لا يأمرني إلا بخير، ولا يأمرني إلا بالإسلام].

    تقديم المرء حسن الظن إذا رأى ما يبعث على الشبهة في أخيه

    قال: [وعن صفية بنت حيي قالت: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم معتكفاً فأتيته أزوره -وفي هذا استحباب زيارة النساء لأزواجهن في المعتكف- فحدثته ثم قمت فانقلبت -أي: تكلمت معه شيئاً ثم استأذنته لأنصرف- إلى بيتي، قولها: (فانقلبت) -أي: أرجع إلى بيتي- فقام ليقلبني -أي: فقام ليوصلني إلى بيتي- وكان مسكنها في دار أسامة بن زيد، فمر النبي برجلين من الأنصار فلما رأيا النبي صلى الله عليه وسلم أسرعا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: على رسلكما -أي: على مهلكما، لماذا تجريان؟- إنها صفية بنت حيي. قالا: سبحان الله! يا رسول الله -يعني: هل سنشك فيك أنت؟- فقال النبي عليه الصلاة والسلام: إن الشيطان يجري من الإنسان مجرى الدم، وإني خشيت أن يقذف في قلوبكما شراً أو قال: شيئاً)].

    أي: خشيت أن يتسلط عليكما الشيطان فيحدثكما بسوء أو شر، فتعتقدان أني آتي هذا الخنا فتكفران بذلك، فانظر إلى رأفة النبي عليه الصلاة والسلام وشفقته ورحمته بأصحابه، أنه عليه الصلاة والسلام قدم المعذرة بين أيديهم: تعالوا؛ لماذا تجرون؟ هذه صفية بنت حيي امرأتي التي تعرفونها وتعرفون أنها امرأتي، قالوا: يا رسول الله! هل نحن سنشك فيك؟! قال: إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم في العروق، إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ [الأعراف:27]، فهو معكم وهو يراكم ولكنكم لا ترونه، وربما سول لكم شيئاً فتقعون في إساءة الظن بنبيكم؛ فتكفرون بذلك، فأنا أريد ألا تقعوا في شيء من ذلك، رحمةً منه ورأفة: النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ [الأحزاب:6].

    [وعن أنس قال: (بينما النبي صلى الله عليه وسلم مع امرأة من نسائه إذ مر رجل فقال: يا فلان! هذه زوجتي فلانة)].

    فالأصل في مثل هذا الأمر حسن الظن، فتخيل أني لم أقل لك: مهلاً هذه امرأتي معي في السيارة؟ أو لو أن امرأة محترمة جالسة معي في السيارة وأنت رأيتها معي؛ فالأصل حسن الظن، كما أن الأصل حسن الظن بإخوانك من طلبة العلم، فقد أرى طالب علم ومعه امرأة متبرجة وسافرة، فالأصل هنا حسن الظن، لكن ربما يكون في ذلك شيء من العتاب في أسلوب رقيق لطيف مهذب مؤدب إلى أقصى حد، وهذا الذي حدث لي ذات مرة عند النقابة في مدينة مصر وأنا قادم من أجل درس شرعي، فرأيت رجلاً وامرأة والرجل يشير إلى السيارات بجنون فتوقفت له، فإذا بامرأته مغمى عليها، فماذا يكون موقفي؟ ولو أنت مكاني ماذا تفعل؟ هل تحمله أم لا تحمله؟ الجواب: تحمله، ولو كانت هي متبرجة، وهكذا حملتها بسيارتي وزوجها، وقلت له: إننا نذهب إلى المستشفى، فلما نزلت المرأة وزوجها هنا أمام المسجد حملها زوجها ورفعها على صدره، وصعد بها إلى أعلى وأنا صعدت خلفه، وحجزت لهما التذكرة، ودخلت معهما عند الدكتور، وأوصيت الدكتور بهما خيراً، وكان من حسن هذه المعاملة أن التزم الرجل والمرأة بالصلاة واللباس الشرعي كلاهما، وأنا لا أريد أن أحرجه؛ لأنه الآن صار صديقاً لي، وامرأته صارت صديقة لأهل بيتي.

    دعوة الناس إلى دين الله تعالى بالحكمة

    وبعض الإخوة انزعج جداً وقال: كيف تحترم المتبرجات؟ قلت: نعم أحترمها؛ إن الكافر مع أنه لا قدوة فيه لكنه لو كان على سرعة مائة وخمسين كيلو متر ورأى شخصاً قاطعاً الطريق لوقف له، فنحن أولى بهذا الخلق، فهذا خلق كريم ينبغي أن نتخلق به، فكم من إنسان كان عاصياً وبكلمة واحدة تاب ورجع، وكم من كافر آمن بكلمة، فحسن الخلق يجد طريقه إلى القلوب، وهذا هو خلق النبي عليه الصلاة والسلام، وهي أخلاق النبوة.

    وقد ثبت في الأثر: (أن رجلاً أتى النبي صلى الله عليه وسلم وقال: يا رسول الله! أريد أن أسلم لكن على أن تأذن لي في الزنا -وأظن لو أن هذا السؤال كان مطروحاً عليك لقمت بضربه- فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أترضاه لأمك؟ لابنتك؟ لزوجك؟ لعمتك؟ لخالتك؟ وفي كل سؤال يقول الرجل: لا، فضرب النبي عليه الصلاة والسلام صدره من جهة قلبه وقال: اللهم طهر قلبه)، فقام الرجل من عند النبي صلى الله عليه وسلم معترفاً أن أبغض شيء إليه هو الزنا، ولو أن النبي صلى الله عليه وسلم نهره لما انتفع الرجل بهذا الموقف الإيماني الرائع؟

    إن النبي عليه الصلاة والسلام له مع أصحاب المعاصي مواقف رائعة، وأما مواقفه مع أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وهؤلاء الصحابة الأجلاء الكبار من أئمة الدين فهي مواقف أخرى، وعندما نأتي الآن لنسرد أخلاقيات النبي صلى الله عليه وسلم مع العصاة والزناة والسُّراق، والذين كانوا يسبونه ويشتمونه لعلمتم أن النبي صلى الله عليه وسلم لو أراد أن ينتقم من أحدهم كأهل مكة لما فتحها، فـأبو سفيان قال له: (يا رسول الله! أبيدت خضراء قريش، فلا قريش بعد اليوم، فكف عنهم النبي عليه الصلاة والسلام)، فلو كان صلى الله عليه وسلم من أهل الانتقام كما ننتقم نحن فلن يقوم لهذا الدين قائمة، فاتقوا الله عز وجل في العصاة.

    ولا بد أن تعلموا أننا على معاص، فهم معصيتهم ظاهرة ونحن معاصينا مستورة، والله تعالى سترها عن الخلق لحسن مظهرنا، أو لحبنا لله ورسوله مع وجود المعاصي فينا.

    ولو قرأت يا أخي المسلم! في حياة السلف كما هو في كتاب (سير أعلام النبلاء) في ترجمة أدنى رجل من أهل العبادة والعلم والعمل وقست نفسك عليه لوجدت نفسك ضائعاً أمام أعمالهم؛ لأن السلف بلغوا المجد في كل باب من أبواب العلم والعمل، والزهد فنحن بجوار السلف لا شيء، وليس لنا من السلف إلا حب السلف، وأما العمل فبيننا وبينهم بون شاسع، فهناك أناس أدنى منك وأقرانك في العلم والعمل والعبادة، وأعلى منك، والناس درجات، فقد جعل الله تعالى هؤلاء أهل معصية؛ حتى تؤجر أنت فيهم، وحتى تدعوهم إلى الله عز وجل، وحتى يستمر باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإذا كان كل الناس مؤمنين موحدين فكيف يؤمر بالمعروف وينهى عن المنكر؟!

    قال: [(بينما النبي صلى الله عليه وسلم مع امرأة من نسائه إذ مر رجل فقال: يا فلان! هذه زوجتي فلانة، فقال: يا رسول الله! من كنت أظن به فإني لم أكن أظن بك! قال: إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم)].

    بيان أن لكل إنسان قريناً من الجن

    قال: [وعن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما من أحد إلا وكل به قرينه من الجن)، فأنت معك قرينان أحدهما يأمرك بالخير والثاني يأمرك بالشر، أما الذي يأمرك بالشر فهو قرين الجن، والذي يأمرك بالخير فهو قرين الملائكة، (قالوا: وأنت يا رسول الله؟ قال: وأنا، إلا أن الله أعانني عليه فأسلم، فليس يأمرني إلا بخير).

    وعن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما منكم من أحد إلا وله قرينه من الجن، قال: ولا أنت؟ قال: ولا أنا إلا أني آمره فيطيعني).

    وعن المغيرة بن شعبة : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ما منكم من أحد إلا وله شيطان، قال: ولك يا رسول الله؟! قال: ولي؛ إلا أن الله أعانني عليه فأسلم)] وله شاهد عند مسلم من حديث عائشة رضي الله عنها.

    أقوال الصحابة والتابعين في أن لكل إنسان قريناً وتحذيرهم من وسوسته

    قال: [وعن ابن عمر قال: كيف تنجو من الشيطان وهو يجري منك مجرى الدم؟!] والاستفهام هنا إما للتعجب، أو للنفي، فاجتهد قدر الإمكان أن تنجو.

    [وعن مطرف بن عبد الله بن الشخير قال: أرأيتم لو أن رجلاً رأى صيداً فجاءه من حيث لا يراه الطير يوشك أن يأخذه؟ قالوا: بلى]. وذلك لأنه ينقض عليه في حين غفلة منه، وهذا أمكن في السيطرة.

    [فقال مطرف : فكذا الشيطان يراك ولا تراه]، فهو يتحين منك لحظة غفلة ينقض عليك ويوقعك في المعصية.

    وعن عبد الله بن عبيد بن عمير : (أن إبليس قال: أي رب! أخرجتني من الجنة من أجل آدم، وأني لا أستطيعه إلا بسلطان)] أي: أنا لا أستطيع أن أتسلط عليه إلا أن تمكنني من ذلك، فهذا إبليس يعلم أن كل شيء من عند الله تعالى.

    [قال: (قال: فإنك مسلط عليه -أي: على آدم- قال: أي رب! زدني؟ قال: لا يولد له ولد إلا لك مثله)] فالشياطين يتناسلون خلافاً للملائكة.

    قال: [(قال: أي رب! زدني؟ قال: وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا [الإسراء:64]، قال آدم: أي رب! إنك سلطته علي ولا أمتنع منه إلا بك) أي: لا أستطيع العصمة منه ومن حبائله ووسوسته إلا بك.

    [(قال: لا يولد لك ولد إلا وكلت به من يحفظه من يد السوء - أي: من إبليس والشيطان - قال: أي رب! زدني؟ قال: حسنة عشراً وأزيد، والسيئة واحدة)] يعني: إذا وقعت في السيئة كتبتها واحدة، وإذا فعلت الحسنة كتبتها حسنة إلى عشر حسنات، والله يضاعف لمن يشاء. [(قال: أي رب! زدني؟ قال: باب التوبة مفتوح ما دام الروح في الجسد، قال: أي رب! زدني؟ قال: قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ [الزمر:53])

    وعن عمر بن عبد العزيز قال: لو أراد الله ألا يعصى ما خلق إبليس]، إذاً: لما خلق إبليس أراد أن يعصى، أي: أذن في وجود المعصية وفي خلقها، وأرادها إرادة كونية قدرية لا إرادة شرعية دينية.

    قال: [فقد فصل لكم وبين لكم: مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ [الصافات:162] -أي: بمضلين- إلا من قدر عليه أن يصلى الجحيم].

    [وعن مجاهد : في قول الله تعالى: إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ [الأعراف:27] أي: الشيطان والجن يراكم هو وقبيله وأبناؤه وولده من حيث لا ترونهم].

    قال الشيخ ابن بطة: [فهذه الأحاديث كلها موافقة لما نطق به التنزيل من تسليط الله إبليس وجنوده على بني آدم، وما قد ذكرناه في أول هذا الكتاب].

    1.   

    الأسئلة

    توفيق الله سبحانه لنبيه دون غيره في أن قرينه أسلم

    السؤال: كيف نعمل نحن مع ضعفنا في مجاهدة الشيطان لكي يسلم؟

    الجواب: إياك أن تتعشم أن الشيطان سيسلم، فهذا للنبي عليه الصلاة والسلام، ولو كان شيء من ذلك كائناً لآحاد الأمة لكان الصحابة أولى بذلك، والنبي صلى الله عليه وسلم كان يخاطب الصحابة -بل أشراف الصحابة- فيقول لهم: (غير أن الله أعانني عليه فأسلم)، أما أن يسلم شيطان أحدنا فهذا أمر لا يعلمه أحد إنما يعلمه الله عز وجل.

    فما عليك إلا أن تجاهد مكائد الشيطان، فإن كيد الشيطان كان ضعيفاً.

    حكم صيام يوم عاشوراء ويوم بعده

    السؤال: شخص لم يصم يوم التاسع من محرم فماذا يفعل: هل يصوم العاشر والحادي عشر، أم كيف يخالف اليهود؟

    الجواب: في الحقيقة صيام الحادي عشر مع العاشر لمن فاته التاسع دليله ضعيف بل ضعيف جداً، وإنما يكفيك أن تصوم يوم العاشر فحسب، لكن إذا صمت يوم الحادي عشر على أنه يوم الإثنين فإنك تصومه بنية أنه من الأيام المسنونة، وليس ملحقاً بعاشوراء.

    الجمع بين قولنا: إنه لا راد لما قضى الله وقدره، وبين الحديث: (لا يرد البلاء إلا الدعاء)

    السؤال: ما وجه الجمع بين ما قلت وبين ما نعلم من أن الدعاء يرد البلاء، وأن الدعاء والقدر يعتلجان في السماء، وكيف أدعو الله عز وجل أن يصرف عني بلاءً وأنا أعلم أنه لو قدره الله تعالى علي فلن يصرفه عني؛ فلم الدعاء إذاً؟

    الجواب: هذا كلام جميل، ونفس سؤالك هذا قد سأله الصحابة رضي الله عنهم، فأقول: هل تعلم أنت بنزول البلاء أم لا؟ وهل تعلم أن الله كتب عليك البلاء أم لا؟

    إن النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة بدر كان يعلم من ربه أنه منصور؛ بدليل أنه قال: هذا مصرع فلان، وهذا مصرع فلان، وهذا مصرع فلان، وظل يعدد مصارع صناديد الشرك والكفر، ومع هذا رفع يديه عليه الصلاة والسلام في ليلة الجمعة إلى الله عز وجل، وظل يدعو ربه طوال الليل، ويستغيث الله عز وجل أن ينصره مع أن الله ناصره، وهو يعلم ذلك، فكان ينبغي أن يقول النبي صلى الله عليه وسلم: أنا منصور، وينام طوال الليل حتى يستعد للحرب بعد الفجر، كان له ذلك، ولكن النبي صلى الله عليه وسلم أخذ بالأسباب ومن أعظمها الدعاء.

    قال الحافظ ابن القيم عليه رحمة الله في كتابه (الداء والدواء): الدعاء والبلاء يعتلجان في السماء، البلاء نازل والدعاء صاعد، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: (لا يرد البلاء إلا الدعاء) هذا حديث صحيح.

    ومعنى ذلك: أن الله تعالى قدر لي البلاء، ومع تقديره البلاء في اللوح المحفوظ قدر أنه لن يصل إلي، أو سيصل إلي، أو يعتلج مع الدعاء إلى قيام الساعة، فالحديث: (لا يرد البلاء إلا الدعاء) والدعاء هذا لقوته وقوة حرارة الإيمان فيه رد عنك البلاء، فلم يخف على الله تعالى لما كتب عليك البلاء أنك ستدعوه بإخلاص ويقين، فيرفع هذا الإخلاص وهذا اليقين البلاء، إذاً: فهو قدر البلاء وقدر لهذا البلاء أن يصعد مرة أخرى، لكنك أنت لا تعلم ذلك، ولا تدري أن الله قدر لك البلاء أم لا.

    فلو أنك خرجت من هذا المسجد وصدمتك سيارة، فدقت السيارة ذراعك فانكسرت؛ فهذا بلاء، وهو مقدر في السماء، ومع ذلك يحتاج إلى الدعاء؛ فإنه ربما يبرز هذا الدعاء بحرارة إيمان ويقين جداً، فيتقبله الله فيصرف عنك هذا البلاء، فإذا صرفه عنك فاعلم أنه مكتوب في اللوح المحفوظ أن من القدر نزول البلاء، ومن القدر كذلك رفع البلاء بسبب الدعاء، هذا مكتوب وذاك مكتوب.

    وقال النبي عليه الصلاة والسلام: (صلة الرحم تزيد في العمر) مع أن الله تعالى يقول: وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ [الأعراف:34].

    فأنت مكتوب لك أنك تعيش خمسين سنة مثلاً على التمام والكمال بغير زيادة ولا نقصان، لكن هل تعرف أن هذا مكتوب لك؟ لا، ولو كنت تعرفه لاستمررت في العصيان طوال عمرك، وعندما يصل عمرك إلى (49) سنة تتوب من ذلك؛ لأنك تعرف أن الموت لم يبق له إلا سنة واحدة، وتعرف أن معادك الساعة كذا في الدقيقة الفلانية، وقد تقعد على القبر لتستعد للموت، لكن من حكمة الله تعالى أنه أخفى عليك يومك حتى تجتهد طول عمرك؛ لأن الموت ينزل بك وبساحتك في أي وقت وأنت شاب أو شيخ أو كهل أو رجل أو امرأة، صغيراً كنت أو كبيراً، الموت يأتي بغتة، فإذا كان هذا اعتقادك اجتهدت في الطاعة، واجتهدت في العبادة والدعاء الذي هو رأس العبادات، وبهذا الدعاء يرفع الله عنك البلاء.

    فالله تعالى قدر لك في اللوح المحفوظ أنك ستعيش (50) سنة، وهذا اللوح المحفوظ لا يقبل المحو ولا الإثبات: يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ [الرعد:39]، فالمحو والإثبات إنما هو في الصحف التي في أيدي الملائكة، فالله تعالى يقول للملائكة الذين يكتبون، أو لملك الأرحام الذي يكتب عمرك: اكتب إذا كان واصلاً لرحمه فسيعيش ستين سنة، وإذا كان غير ذلك فسيعيش خمسين سنة، والله تعالى علم أنك لن تكون واصلاً؛ فكتبك في اللوح المحفوظ -الذي لم يُطلع عليه ملكاً مقرباً، ولا نبياً مرسلاً- أنك ستكون قاطعاً للرحم، وأن عمرك ينتهي عند الخمسين، ولكنه أمر الملائكة: اكتبوا إذا كان واصلاً فسيعيش ستين سنة، وإذا كان غير واصل فسيعيش خمسين سنة، فهذا معنى قول النبي عليه الصلاة والسلام: (صلة الرم تزيد في العمر) أي: هي سبب في زيادة العمر المعلوم في علم الله الأزلي، والله تعالى علم منك قبل أن يخلق السموات والأرض أنك ستكون واصلاً أو قاطعاً، وهذا من العلم الذي أخفاه الله عن جميع الخلق حتى الملائكة والأنبياء، فالملك الذي كتب عمرك لا يدري متى تموت بالضبط على الكمال والتمام؛ لأن الله تعالى قال له: اكتب: إن هذا سيموت وعمره (50) أو (60) سنة حسب عمله الصالح أو الطالح، فالملك لا يعلم عين التوقيت الذي تقبض فيه روحك، لا يعلم ذلك إلا الله عز وجل، فهذا معنى أن الأعمال الخيرية تزيد في العمر.

    وربما يكون المعنى: أنها تزيد في العمر بركة، فشخص عاش (60) سنة، لكنه لم يعمل خيراً قط، وشخص عاش (30) سنة أو (40) سنة أو (50) سنة، لكنه ملأ الدنيا علماً وفضلاً وخيراً وجوداً وإحساناً، وفي غالب أعمار العلماء أنهم ماتوا في العقد السادس، يعني: (50) فما فوق إلى (60) سنة، وهذا معنى قول عليه الصلاة والسلام : (أعمار أمتي ما بين الستين إلى السبعين، ومنهم من يجوز ذلك) مع أن الأمم السابقة كانت تعيش بالمئات ولا خير فيها، وهذه الأمة عمرها أقل وهي أبرك من الأمم السابقة.

    إذاً: نحن أعمارنا قليلة وبركتنا عظيمة بسر إيماننا بالله عز وجل، وعملنا الصالح في مرضاته، فالواحد منا عنده من العمر (50) أو (60) أو (70) سنة في طاعة الله عز وجل أبرك ممن عاش في الأمم السابقة وعنده من العمر (500) أو (600) أو (700) أو (900) أو (1000) سنة؛ ولذلك قال النبي عليه الصلاة والسلام: (نحن آخر الأمم وأولها يوم القيامة)، فنحن أول أناس حساباً، وأول أناس ندخل الجنة؛ لشرف هذه الأمة ولخيريتها، ولشرف نبيها صلى الله عليه وسلم، وفوق ذلك كله وقبل ذلك كله فضل الله عز وجل ورحمته.

    أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم، وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.