إسلام ويب

الصوتيات

  1. الصوتيات
  2. محاضرات مفرغة
  3. حسن أبو الأشبال الزهيري
  4. شرح كتاب الإبانة من أصول الديانة
  5. شرح كتاب الإبانة - بيان أن الله أرسل المرسلين لدعوة الناس لعبادته وحده

شرح كتاب الإبانة - بيان أن الله أرسل المرسلين لدعوة الناس لعبادته وحدهللشيخ : حسن أبو الأشبال الزهيري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لقد أحصى الله عز وجل كل ما هو كائن قبل أن يكون، وأرسل المرسلين إلى الناس يدعونهم إلى توحيد الله وطاعته، وينهونهم عن الشرك به ومعصيته، ثم أرسل الشياطين على الكافرين تحرضهم وتؤزهم على تكذيب المرسلين، والمقام على الكفر والمعاصي، وكل ذلك لا يكون منه شيء إلا بقدر الله تعالى وتحت مشيئته.

    1.   

    باب بيان أن الله أرسل المرسلين لدعوة الناس لعبادته وحده

    الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.

    وبعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    أما بعد:

    فلا يزال الكلام موصولاً عن القدر.

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ الباب الثالث: ذكر ما أخبرنا الله تبارك وتعالى أنه أرسل المرسلين إلى الناس يدعونهم إلى عبادة رب العالمين، ثم أرسل الشياطين على الكافرين تحرضهم وتؤزهم على تكذيب المرسلين ].

    إذاً: فالأمر أن الله تعالى أرسل الأنبياء والمرسلين وأرسل الشياطين، أرسل الأنبياء والمرسلين إلى الناس كافة يدعونهم إلى عبادة الله، وأرسل الله تعالى الشياطين على الكافرين ليمنعوهم من الدخول في شريعة المرسلين، كما أن مهمة الشياطين أنهم يدعون الكافرين إلى تكذيب المرسلين، وكل ذلك يتم بقدر الله عز وجل ومشيئته، فمنه ما يتم بمشيئته الشرعية الدينية والكونية القدرية في آن واحد، ومنه ما يتم بمشيئته الكونية القدرية دون الشرعية، ومن أنكر ذلك فهو من الفرق الهالكة، أي: من أنكر أن الله تعالى خلق الخير والشر، وجعل لأهل الخير جنة عرضها السماوات والأرض، (وقال: يا أهل الجنة خلود بلا موت)، وأن الله خلق النار وجعل لها قسماً ألقاهم فيها غير مبال بهم، وقال: (يا أهل النار خلود بلا موت)، من أنكر ذلك فهو من الفرق الهالكة، وأن كل ذلك إنما تم بعلم الله السابق الأزلي.

    وجوب الإيمان والتصديق بأن علم الله قد سبق ونفذ في خلقه قبل أن يخلقهم

    قال: [ وفرض على المسلمين أن يؤمنوا ويصدقوا بأن علم الله عز وجل قد سبق ونفذ في خلقه قبل أن يخلقهم ]. أي: قد سبق أن الله تعالى عليم بما كان وما سيكون، وكل شيء يكون إلى أبد الآبدين، فالله تبارك وتعالى قد علمه أزلاً وقبل أن يخلقه.

    قال: [ كيف خلقهم، وماذا هم عاملون ]، الله يعلم كيف يخلق عبده فلاناً، وماذا هو عامل، هل هو عامل بأسباب النجاة، أم بأسباب الهلكة، هل هو شقي أم سعيد، ذكر أم أنثى، من أهل الجنة أم من أهل النار، كل ذلك يعلمه الله تعالى في جميع خلقه قبل أن يخلقهم.

    قال: [ وإلى ماذا هم صائرون، فكتب ذلك في اللوح المحفوظ وهو أم الكتاب ]. إذاً المرحلة الأولى: مرحلة العلم الأزلي، المرحلة الثانية: مرحلة كتابة علم الله عز وجل في اللوح المحفوظ وهو أم الكتاب.

    قال: [ ويصدق ذلك قوله عز وجل: أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ [الحج:70] -أي: اللوح المحفوظ- إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ [الحج:70] ].

    إحصاء الله تعالى لما هو كائن قبل أن يكون

    قال: [ أحصى الله تعالى ما هو كائن قبل أن يكون -علم الله عز وجل ما سيكون قبل أن يكون- فخلقهم على ذلك العلم الأزلي السابق فيهم -أي: على مقتضى علمه خلق الخلق- ثم أرسل بعد العلم بهم والكتاب الرسل -أرسل الرسل بعد العلم وبعد الكتاب- إلى بني آدم يدعونهم إلى توحيد الله وطاعته، وينهونهم عن الشرك بالله ومعصيته، يدلك على تصديق ذلك قول الله عز وجل لنبيه: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ [الأنبياء:25]. فهذه دعوة الرسل جميعاً: لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ [الأنبياء:25]، أي: فاعبدوني ولا تعبدوا أحداً سواي ]، دعوة كل نبي إلى أمته: أن يعبدوا الله تعالى ولا يشركوا به شيئاً، أن يفردوه بالوحدانية ولا يشركوا معه إلهاً آخر.

    إرسال الله للرسل لدعوة الناس إلى عبادته، وإرسال الشياطين على الكافرين تحرضهم على المعاصي

    قال: [ فالرسل في الظاهر تدعوهم إلى الله وتأمرهم بعبادته وطاعته، ثم أرسل الشياطين على الكافرين يدعونهم إلى الشرك والمقام على الكفر والمعاصي -أي: البقاء والاستمرار على الكفر والمعاصي- كل ذلك ليتم ما علم، ولا يكون إلا ما أمر ]. إذ إن الله تعالى لا يأمر بالشر، وإنما يأمر بالخير والطاعة، وهذا المقصود منه أمر التكوين وليس التفريق.

    قال: [ ولا يكون إلا ما أمر -أي: أمراً كونياً قدرياً لا شرعياً دينياً- فسبحان من جعل هذا هكذا، وحجب قلوب الخلق ومنعهم على مرادهم في ذلك وجعله سره المخزون -أي: القدر هو سر الله تعالى المخزون- وعلمه المكتوم، ويصدق ذلك قوله تعالى: أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا [مريم:83] ]. أي: أن الله عز وجل هو الذي أرسل الشياطين على الكافرين تحرضهم على المعصية، وتأمرهم بأن يقيموا عليها ولا يتركوها.

    قال: [ وقال تعالى: وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ [البقرة:102]، أي: أن الشياطين هم الذين يعلمون الناس السحر، وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ [البقرة:102] -أي: أن الشياطين يعلمون أن هذا السحر كفر- فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ [البقرة:102] ].

    التعليق على قوله تعالى: (واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان...)

    قال: [ أما ترى كيف أعلمنا أن السحر كفر، وأنه أنزله على هاروت وماروت ]؟

    إذاً: من الذي أذن في وجود الكفر في الكون؟ الله عز وجل، وهل يكون في الكون شيء على غير مراد الله؟ أي: هل ممكن أن يكون هناك شيء في الكون رغماً عن الله عز وجل؟ لا يمكن حاشى لله عز وجل.

    قال: [ وجعلهما فتنة ليكفر من كتبه كافراً بفتنتهما، وأن السحر الذي يعلمانه الناس كفر، وأنه لا يضر أحداً إلا من قد أذن الله أن يضره السحر ]. أي: ممكن أن يسحر ساحر امرأ فلا يضره ولا يأتي مفعوله؛ لأن العبد قد تحصن بالأذكار والأوراد والقرآن والذكر وغير ذلك، ويمكن أن يكون المرء من أذكر الناس لله عز وجل، ومع هذا يصاب بالسحر ويصاب بشتى أنواع البلاء؛ لأن السحر نوع من أنواع البلاء ينزل بالعبد، كيف لا وقد سحر النبي عليه الصلاة والسلام، وهو أذكر الخلق لله عز وجل، وأكثرهم تسبيحاً وتهليلاً وتحميداً صلوات ربي وسلامه عليه، ليرفع الله به درجاته، ثم ليجعله أسوة وقدوة للخلق.

    نعم قد سحر النبي عليه الصلاة والسلام، وقد أثر فيه السحر، حتى أنه كان يهيأ إليه أنه قد أتى امرأته ولم يأتها، وغير ذلك مما أصاب النبي عليه الصلاة والسلام، مما ينكره أتباع المدرسة العقلية في هذا الزمان، وهم أذناب العقلانيين أو المعتزلة في القديم، ولكن هذا الحديث ثابت في الصحيحين فلا نرده بالعقل، فالسحر لا يضر أحداً إلا إذا أذن الله عز وجل في وقوع الضرر بالمسحور.

    قال: [ وذلك عدل منه سبحانه وتعالى.

    وقال الله تعالى: مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ * إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ [الصافات:163] ]. أي: إلا من كتب عليه أن يدخل فيها، وأن يصلى بنارها، وأن يتقلب فيها، نسأل الله العافية لنا ولكم.

    قال: [ قال تعالى: وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ [فصلت:25].

    وقال تعالى: وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا [الزخرف:36]. والذي يقيض هو الله عز وجل، نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ * وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ [الزخرف:36-37].

    إخبار الله في كتابه وعلى لسان رسوله أنه يرسل الشياطين فتنة للكافرين الذين حق عليهم القول

    قال: [ فقد أخبرنا الله تعالى في كتابه وعلى لسان رسوله أنه يرسل الشياطين فتنة للكافرين الذين حق عليهم القول، ومن سبقت عليه الشقوة ]. أي: ومن سبق في علم الله أنه شقي، فلابد أن يهيئ له الأسباب، ومنها: إرسال الشياطين عليه حتى يؤزوهم أزاً، ويحرضوهم على الكفر تحريضاً، ويزينوا لهم سوء أعمالهم، وكذلك أخبرنا أنه تعالى فتن قوم موسى حتى عبدوا العجل وضلوا عن سواء السبيل.

    قال الله عز وجل: قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ [طه:85]. والمتكلم هو الله عز وجل، إذاً الله تعالى هو الذي فتن بني إسرائيل؛ لأنه قد سبق في علمه الأزلي أنهم سيختارون الضلال فكتبه عليهم، رغم وضوح الحجة وقيام المحجة عليهم على لسان موسى عليه السلام، لكنه لما تخلف عنهم في طور سيناء عبدوا العجل من دون الله عز وجل، وكانت هذه أعظم فتنة لقيها موسى عليه السلام مع بني إسرائيل.

    وقال عز وجل: وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً [الأنبياء:35]. فالخير من المال والدنيا والولد والزوجة والصحة والعافية، كل ذلك فتن عظيمة جداً؛ لينظر الله عز وجل أيصبر المرء فيشكر أم يكفر ويجزع.

    قال عز وجل: وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ [الأعراف:168]، أي: يتوبون إلى الله عز وجل، وَبَلَوْنَاهُمْ ، أي: ابتليناهم واختبرناهم بالحسنات والسيئات، فأحياناً يغتر المرء بطاعته، فإذا وقع منه ذلك كان الغرور سبباً إلى زوال النعمة عنه ودخوله النار، ولذلك نظر رجل من العباد في عمله فرأى أنه طائع لله عز وجل، ثم نظر إلى عمل رجل من أهل المعاصي فقال: والله لا يغفر الله تعالى لفلان -أي لصاحب المعصية- فقال الله عز وجل: (من ذا الذي يتألى علي ألا أغفر لفلان، قد غفرت له وأحبطت عملك)، كما تجد في بعض الكتب قول كثير من أهل العلم: رب طاعة أدخلت صاحبها النار، ورب معصية أدخلت صاحبها الجنة.

    فقولهم: (رب طاعة أدخلت صاحبها النار)، أي: بسبب أنه اغتر بذلك وركن إليها، ولعله قطع على الله عز وجل حقاً أن يدخله الجنة بسبب هذه الطاعة، وأنتم تعلمون أن الطاعات كلها لا تساوي نعمة واحدة من نعم الله عز وجل على العبد، فلا يغتر العبد بحسن عمله؛ لأن الأعمال بالخواتيم، فربما يعمل المرء عملاً طيلة حياته هو من عمل أهل الجنة فيما يبدو للناس، حتى ما يكون بينه وبين الجنة إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، والعكس بالعكس.

    لذا فالمرء ينبغي أن يكون خائفاً من قدومه على الله عز وجل، ولا يأمن أن يلقيه في الجنة أم في النار، يكلمه أم يشقيه ويبعده، فإذا كانت هذه عقيدة المرء أو عقيدة المسلمين فينبغي ألا يغتر طائع بطاعته؛ لأن طاعته لله عز وجل هي أيضاً من نعم الله عز وجل، فلا فضل له في هذه الطاعة قط، وإنما الله تعالى هو الذي وفقه، ولذلك من عقيدة أهل السنة والجماعة: أننا نرجو الله تعالى لأهل الطاعة أن يدخلهم الجنة، ونحسن الظن بالله تعالى أن يلقى أهل طاعته بقبول حسن، وأما أهل المعاصي فإننا لا نقطع لهم بجنة ولا نار، كما لا نقطع كذلك بالجنة لأهل الطاعة وإنما نرجو الله، وكذلك أهل المعاصي لا نقطع لهم بالنار؛ لأنهم لا زالوا في دائرة الإسلام ما دامت هذه المعصية لا تخرجهم عن حد الإسلام، وإنما نرجو الله تعالى لأهل المعاصي أن يغفر لهم، وأن يستر عليهم في الدنيا والآخرة، وكلنا أصحاب معاص، من منا ليس ملوثاً ملطخاً بالكبائر والصغائر؟ كلنا أصحاب ذنوب، ولكنا ذلك الرجل الذي نرجو له جميعاً أن يعفو الله تعالى عنه في الدنيا والآخرة وأن يستره، فهذه عقيدة أهل السنة والجماعة.

    وقولهم: (ورب معصية أدخلت صاحبها الجنة)، أي: لانكساره وذله وندمه وتوبته بعد فعلها.

    قال: [ وقال تعالى: وَكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ [غافر:37] ]، هذه بلية عظيمة جداً، إذ إن المرء يعمل عملاً سيئاً ويعلم أن هذا العمل سيئ وبلية، والأعظم منه أن تعمل السيئات ثم تزين وتجمل لك، وتلمع لك حتى تصدق أنك عملت عملاً حسناً لا سيئاً.

    إذاً: عمل السيئات بلاء عظيم، والأعظم منه بلاء أن يهيأ لك أن هذا العمل عمل حسن، إنه عمى يتلوه عمى، وضلال يعقبه ضلال.

    إخبار الله عن فعله في خلقه

    قال: [ فهذا كلام الله عز وجل، وإخباره عن فعله في خلقه، يعلمهم أن المفتون من فتنه -أي: أن المفتون في دينه ودنياه هو الذي فتنه الله عز وجل- والهادي من هداه، والضال من أضله وحال بينه وبين الهدى، وأن الشياطين هو خلقها وسلطها، والسحر هو الذي أنزله على السحرة، وأنه لا يضر أحداً إلا بإذنه، فتعس عبد وانتكس سمع هذا الكلام الفصيح الذي جاء به الرسول الصادق الأمين صلى الله عليه وسلم من كتاب ربه الناطق فيتصامم عنه ويتغافل، ويتمحل لآرائه وأهوائه المقاييس بالكلام المزخرف والقول المحرف؛ ابتغاء الفتنة وحب الأتباع والأشياع، كما قال الله تعالى: لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلا سَاءَ مَا يَزِرُونَ [النحل:25] ].

    كلام بعض الصحابة والتابعين في قوله تعالى: (ما أنتم عليه بفاتنين)

    قال: [ وعن إبراهيم النخعي في قول الله تعالى: مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ [الصافات:162] قال: بمضلين، إلا من قدر له أن يصلى الجحيم ]. أي: إلا من كتب الله له أزلاً أنه من أهل الشقوة، وأنه من أهل النار.

    قال: [ وعن ابن عباس في قوله تعالى: مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ [الصافات:162] قال: لا تفتنون إلا من قدر له أن يصلى الجحيم ]. إذاً الهداية بيد الله عز وجل، والفتنة والضلال بيد الله عز وجل، وما عليك إلا أن تدعو الله تعالى بالهداية.

    قال: [ وعن الحسن في نفس الآية قال: إلا من قدر له أن يصلى الجحيم.

    وقال عمر بن عبد العزيز : إن الله عز وجل لو أراد ألا يعصى ما خلق إبليس ]. أي: أن رأس المعصية، والذي يحض عليها، ويؤزك عليها أزاً، هو إبليس، والله عز وجل أراد أن يعصى فخلق إبليس، وإرادة الله هنا إرادة كونية قدرية، لا شرعية دينية؛ لأن الله تعالى خلق الكفر ونهى الناس عن الوقوع فيه.

    1.   

    باب ذكر ما أعلمنا الله تعالى أن مشيئة الخلق تبع لمشيئته

    قال: [ الباب الرابع: ذكر ما أعلمنا الله تعالى أن مشيئة الخلق تبع لمشيئته، وأن الخلق لا يشاءون إلا ما شاء الله عز وجل ].

    ومعنى ذلك: أن الله أذن أن يكون للعبد مشيئة، وله تعالى مشيئة، لكن شتان بين مشيئة العبد ومشيئة المعبود سبحانه وتعالى، والشاهد: أن الله تعالى أثبت أن لعبده مشيئة، وأن لعبده إرادة: تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ [الأنفال:67]، فكلمة (تريدون) فيها إثبات الإرادة للعبد، وقوله: وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ [الإنسان:30]، أثبت الله للعبد مشيئة، لكن مشيئة العبد داخلة تحت مشيئة الله، بمعنى: أن العبد لا يشاء شيئاً إلا إذا قدره الله تعالى وشاءه للكون، فإذا كان خيراً فمشيئة شرعية، وإذا كان شراً فمشيئة كونية، على خلاف بين أهل العلم، هل المشيئة هي الإرادة، أم أنهما متباينان مختلفان؟ وأن الخلق لا يشاءون إلا ما شاء الله عز وجل.

    آيات من القرآن في بيان أن مشيئة الخلق تبع لمشيئة الله

    قال الله تعالى: كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ [البقرة:213] إلى قوله: وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [البقرة:213].

    وقال: وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ [البقرة:253]، والقتل أو القتال قد نهى الله عنه، ومع هذا أذن الله تعالى في وقوعه، ومعنى: أذن الله في وقوعه. أي: خلقه وأوجده، وهذا في باب الإرادة الكونية القدرية.

    وقال: وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى [الأنعام:35]، أي: ولو شاء الله لجمع الناس جميعاً على الهداية والإيمان، فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ [الأنعام:35].

    وقال: وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُمَاتِ مَنْ يَشَإِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [الأنعام:39]، فقوله تعالى: (مَنْ يَشَإِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ)، أي: يجعله ضالاً، والضلال لا يكون إلا بقدر الله ومشيئته، وكذلك الهداية، فالله يهدي من يشاء ويضل من يشاء، فالهدية والضلال بيد الله عز وجل.

    وقال تعالى: اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ * وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا [الأنعام:106-107]، أي: لو أراد الله عز وجل أن يؤمن هؤلاء لآمنوا، ولكن الله تعالى أراد غير ذلك، فقد أراد لهؤلاء بالذات -لسابق علمه فيهم- الشرك، فهيأ أسباب الشرك، وأراد الله عز وجل للفريق الآخر الإيمان، فهيأ أسباب الإيمان لهم، وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ [الأنعام:107].

    وقال عز وجل: وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ [الأنعام:111]، أي: لو أن هؤلاء اتخذوا جميع الأسباب للإيمان فإنهم لا يؤمنون إلا أن يشاء الله لهم الإيمان، فإذا كان الأمر كذلك فينبغي أن يرى الله تعالى من عباده تضرعاً وذلاً وخشوعاً وإقبالاً وتوبة وإنابة، وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ [الأنعام:111].

    وقال عز وجل: وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً [هود:118]، أي: أمة واحدة مؤمنة، وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ [هود:118-119]، فقوله: إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ [هود:119] جملة اعتراضية، ولكن الناس في أصل الخلق مختلفون في الإيمان والكفر، في الشقوة والسعادة، في الجنة النار، ولذلك وردت تفاسير أهل العلم على هذه الآية.

    كلام أهل العلم في تفسير قوله تعالى: (ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك)

    قال: [ وعن منصور بن عبد الرحمن قال: قلت للحسن البصري: قول الله عز وجل: وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ [هود:118-119]؟ قال: من رحم ربك غير مختلف ]. وانتبهوا، أتظنون أن خلاف الإخوان مع السلفيين، والسلفيين مع التبليغ هو المعني والمقصود في هذه الآية؟ لا، فكما أن الإخوة ينزلون أحاديث الفرق على الجماعات الموجودة على الساحة فكلام غير سليم، وفهم غير سليم، إنما ذلك في الفرق الضالة، أما هذه الآية فمتعلقة بالإيمان والكفر، بالمؤمنين والكافرين، بأهل الشقاء وأهل السعادة، بأهل الجنة وأهل النار، والله عز وجل من رحمته لم يجعل في أهل الإيمان اختلاف، أما أهل الكفر فإنهم خالفوا أهل الإيمان، قلت: ولذلك خلقهم، أي: خلق هؤلاء للجنة، وهؤلاء للنار.

    إذاً: الكلام على المؤمنين والكافرين لا على الجماعات الإسلامية الموجودة في الساحة.

    قال: [ وعن خالد الحذاء قال: قدم علينا رجل من الكوفة، فكان مجانباً للحسن لما كان يبلغه عنه في القدر ]. أي: أن واحداً جاء من الكوفة إلى البصرة، وكان قد بلغه كلاماً على سبيل الوشاية: أن الحسن البصري إمام السنة في زمانه يتكلم في القدر! فلما أتى هذا الكوفي جانب الحسن، أي: تباعد عنه ولم يسمع منه شيئاً؛ لأنه بلغه أن الحسن يتكلم في القدر، قال: حتى لقيه وسأله الرجل أو سئل عن هذه الآية: وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ [هود:118-119]؟ قال الحسن : خلق أهل الجنة للجنة، وأهل النار للنار، قال: فكان الرجل بعد ذلك يذب عن الحسن ]، أي: بعد أن علم الكذب والافتراء على الحسن، وأن الحسن لو كان من القدرية لا يقول في تفسير هذه الآية أنه خلق هؤلاء للجنة، وخلق هؤلاء للنار؛ لأن القدرية يقولون في هذه الآية كلاماً في قمة القبح.

    قال: [ وعن الحسن وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ [هود:119]، قال: للاختلاف ]. أي: بين الإيمان والكفر، بين الشقوة والسعادة.

    مشيئة الله تعالى غالبة في نصوص القرآن

    قال: [ وقال عز وجل: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ [إبراهيم:4] ]، فهذا هو الشاهد: فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ [إبراهيم:4]، إذاً الهداية والضلال بيد الله، وبمشيئة الله العزيز الحكيم.

    قال: [ وقال عز وجل: وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [البقرة:213] ]، لو شاء الله عز وجل يا أخي الكريم! ألا يجلسك في هذا المجلس ما جلست، ولجعلك في أهل الشقوة والتعاسة، ولو شاء الله عز وجل الآن أن يجعلنا جميعاً كفاراً لما قمنا من مقامنا إلا ونحن كفار عياذاً بالله، ولو شاء الله أن تعالى أن يأتي بالكفار الآن فيدخلهم علينا أفواجاً وجماعات لفعل سبحانه وتعالى، لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ [الأنبياء:23].

    فهذه باختصار عقيدة السلف في الإيمان بالقدر كما قال عليه الصلاة والسلام: (لا يؤمن أحدكم حتى يؤمن بالقدر)، وهو سر الله تعالى المكتوم الذي يحرم على المسلم أن يماحل وأن يجادل فيه.

    قال: [ قال الله تعالى: إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ [القصص:56] ]، أي: يا محمد! لا يمكن أن يهتدي على يديك أحد مهما حاولت إلا أن يشاء الله ذلك، والنبي عليه الصلاة والسلام كان أحب شيء له أن يهتدي أبوه، وعبد المطلب ، وأبو طالب ، أهله وأقرب الناس إليه، لكن الله تعالى أراد غير ذلك، فما تم لمحمد عليه الصلاة والسلام ما أحب؛ لأن مشيئة الله تعالى أنهم من أهل الشقاء، ولذلك قال: إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ [القصص:56]، أي: وقد سبق في علمه الأزلي من يهتدي.

    قال: [وقال عز وجل: إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ * إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ [فاطر:22-23] ]، أي: يا محمد مهمتك: النذارة والبشارة، نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ [الأعراف:188] فقط لا غير، نذير من النار، وبشير بالجنة.

    قال: [ وقال عز وجل: وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ [الشورى:8].

    وقال عز وجل: وَمَا يَذْكُرُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ [المدثر:56].

    وقال عز وجل حين دعا إلى الجنة وشوق إليها، وحذر من النار وخوف منها: إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا [المزمل:19] ]، (فمن شاء) أثبت لك مشيئة، وأثبت لك إرادة، لكن مشيئتك وإرادتك داخلة تحت مشيئة الله، بمعنى: ألا تشاء شيئاً إلا أن يشاءه الله، ولا تريد شيئاً إلا أن يريده الله عز وجل، ولذلك رد الله تعالى مشيئة الخلق إلى نفسه وإلى مشيئته فقال: وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا * يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ [الإنسان:30-31]]، أي: المرء لا يستطيع أن يدخل نفسه في رحمة الله إلا أن يشاء الله تعالى ذلك، يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا [الإنسان:31]، ثم قال: لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ * وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ [التكوير:28-29].

    قول ابن عباس وأبي العالية في تفسير قوله تعالى: (كما بدأكم تعودون فريقاً هدى وفريقاً حق عليهم الضلالة)

    قال: [ وعن ابن عباس في قول الله تعالى: كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ * فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ [الأعراف:29-30] ولذلك خلقهم حين خلقهم، فجعلهم مؤمناً وكافراً -أي: جعل الخلق مؤمناً وكافراً- وسعيداً وشقياً، وكذلك يعودون يوم القيامة مهتدياً وضالاً ]. أي: كما كانوا في الدنيا بين مهتد وضال، وشقي وسعيد، فكذلك الله تعالى يعيدهم يوم القيامة كما بدأهم، بدأهم أتقياء يعيدهم أتقياء، بدأهم سعداء يعيدهم يوم القيامة سعداء، وهكذا.

    قال: [ وعن أبي العالية في قول الله تعالى: كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ [الأعراف:29] قال: عادوا إلى علمه فيهم ]. أي: أنه علم أنهم أشقياء أو سعداء، فعادوا إلى علمه الأزلي السابق، ألم تسمع إلى قول الله تعالى: فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ [الأعراف:30] و(حَقَّ): بمعنى: كتب وأوجب.

    رد ابن عباس على من يزعم أن الشر ليس بقدر

    قال: [ وعن ابن طاوس عبد الله عن أبيه طاوس بن كيسان اليماني أن رجلاً قال لـابن عباس: أن أناساً يقولون: إن الشر ليس بقدر ]. أي: ما أراد الله تعالى وقوع الشر، إنما الشر هذا من عندنا، فلا علاقة له بقدرة الله، ولا بقدر الله.

    قال: [ فقال ابن عباس : فبيننا وبين أهل القدر هذه الآية: سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ [الأنعام:148] ]، حتى المشركين أنفسهم أنظف وأحسن عقيدة من القدرية؛ لأنهم يعتقدون أن الشرك وقع فيهم بمشيئة الله عز وجل، فقولوا: لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ [الأنعام:148]، أي: كل هذا الذي نعمله بمشيئة الله عز وجل، لكن هل المشركون معذورون بشركهم أم لا؟

    وهل أقيمت عليهم الحجة أم لا؟

    أقيمت عليهم الحجة، كما أنهم لا يحتجون بالقدر على المعصية، وإنما يحتج بالقدر بعد التوبة منها، كما في حديث: (احتج آدم وموسى) والحديث طويل.

    تفسير أبي حازم لقوله تعالى: (فألهمها فجورها وتقواها)

    قال: [ وقال أبو حازم في قول الله تعالى: فَأَلْهَمَهَا [الشمس:8] ]، أي: النفس، فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا[الشمس:8] ]، إذاً الفجور والتقوى بقدر الله عز وجل وبمشيئته، وهذه النفس إن كان سبق في علم الله أنها نفس تقية ألهمها تقوها، وإن كان سبق في علم الله أنها نفس فاجرة ألهمها فجورها.

    قال: [ الفاجرة ألهمهما الفجور، والتقية ألهمها التقوى ]، أي: رزقها التقوى.

    تفسير ابن عباس لقوله تعالى: (يحول بين المرء وقلبه)

    قال: [ وعن ابن عباس في قول الله تعالى: يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ [الأنفال:24]، أي: يجعل حائلاً بين المرء وبين قلبه، وبين ما يشتهي ويهوى ]، قال: يحول بين المؤمن والمعصية، وبين الكافر والطاعة، ولذلك في هذا الوقت أنت رجل مؤمن عندك تقوى، وعندك دين، فإذا خرجت من هذا المسجد الطيب المبارك ورأيت معصية في الشارع، ماذا تعمل؟ هل ستصوب نظرك إلى الأرض أم تأذن لنظرك بالانطلاق؟ بلا شك أن ضميرك والوازع الديني الذي في قلبك يقول لك: هذا عيب، فأنت قبل ساعتين وعظت، فلا يصح أن تنظر إلى الحرام، في الحقيقة قلبك يهوى النظر، لكن ما الذي حال بينك وبين النظر؟ ألهم الله نفسك تقواها، وإذا اخترت الفجور عياذاً بالله، فإن الله تعالى يهيئ أسبابه لك، فيبعث لك امرأة متبرجة، وأول ما تجاوز عينيك يبعث لك واحدة أخرى، وهكذا ثالثة ورابعة وخامسة حتى تدخل بيتك، فتبدأ في بيتك بغض بصرك عن امرأتك، فتمشي بالعكس ما دمت تمشي في الشارع وعينك شمال ويمين شمال ويمين وتقع في المعصية، وأول ما تدخل البيت فتنظر إلى امرأتك فتقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، وتنظر إلى الأرض، هذه التقوى التي عندك أن تغض بصرك عن الحلال وأن تطلقه في الحرام! وهذا شغل أهل الفجور.

    تفسير الحسن لقوله تعالى: (وحيل بينهم وبين ما يشتهون)

    قال: [ وعن الحسن في قول الله تعالى: وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ [سبأ:54] قال: حيل بينهم وبين الإيمان ]، أي: جعل الله تعالى حائلاً بينهم وبين أن يكونوا في الإيمان؛ لأنه قد سبقت لهم من الله الشقوة والتعاسة والنار والعياذ بالله.

    تفسير الحسن لبعض الآيات المتعلقة بمشيئة الله وغلبتها لكل مشيئة

    قال: [ وعن حميد قال: قرأت القرآن كله على الحسن البصري في بيت أبي خليفة ففسره لي أجمع على الإثبات، فسألته عن قوله تعالى: كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ [الشعراء:200]، قال: الشرك سلكه في قلوبهم ]. أي: أن ربنا هو الذي دب الشرك في قلوب المشركين.

    قال: [ وسألته عن قوله: وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ [المؤمنون:63]، قال: أعمال سيعملونها، وسألته عن قوله: مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ * إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ [الصافات:162-163]، قال: ما أنتم عليه بمضلين إلا من هو صال الجحيم ]. وتصور أن واحداً يسرد تفسير الكلمات هذه ربما يكون بنفس الكلمات، لكن أنا أعتبر أن هذا هو التفسير المبارك للقرآن الكريم، وفي هذا الوقت ممكن خطيب يصعد المنبر فيمكث يفسر هذه الآية ساعتين وثلاث وهو على المنبر، وكلام كثير ينسي بعضه بعضاً، والسلف كانوا أقل الناس تكلفاً، وأقل الناس كلاماً، وأكثرهم عملاً وعبادة.

    تفسير ابن عباس لقوله تعالى: (فمن يرد الله أن يهديه ...)

    قال: [ وعن ابن عباس في قول الله تعالى: فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ [الأنعام:125] قال: يوسع قلبه للتوحيد والإيمان بالله، وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا [الأنعام:125] ]، في الحقيقة القلب لا يضيق ولا يتسع، إنما هذا ضيق الكفر واتساع الإيمان.

    قال: [ يقول: شاكاً كأنما يصعد في السماء ]، يقول: كما لا يستطيع ابن آدم أن يبلغ السماء فكذلك لا يقدر أن يدخل التوحيد والإيمان قلبه حتى يدخله الله عز وجل في قلبه. إذاً الله عز وجل بيده الإيمان والكفر.

    1.   

    كلام مالك وزيد بن أسلم في القدرية

    قال: [ وقال مالك: ما أضل من كذب بالقدر ]. أي: ليس هناك ضلال من التكذيب بقدرة الله عز وجل، ولذلك الإمام أحمد بن حنبل لما سئل: عن القدر ما هو؟ قال: القدر هو قدرة الله عز وجل، وكل شيء في قدرة الله حتى الإيمان والكفر.

    قال: [ لو لم تكن عليهم فيه حجة إلا قوله تعالى: هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ [التغابن:2] ]. أي: جعل منكم مؤمناً وجعل منكم كافراً.

    قال: [ وعن زيد بن أسلم قال: والله ما قالت القدرية كما قال الله عز وجل، ولا كما قالت الملائكة، ولا كما قال النبيون، ولا كما قال أهل الجنة، ولا كما قال أهل النار، ولا كما قال أخوهم إبليس. إذ إن إبليس أخو القدرية ]، والدليل على أنهم لم يقولوا كما قال الله تعالى: وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ [التكوير:29]، فما من إنسان يشاء إيماناً إلا لابد أن يكون الله تبارك وتعالى قد شاء له الإيمان، وما من إنسان يريد كفراً إلا قد سبق علم الله في إرادة الكفر لهذا الإنسان.

    وقالت الملائكة: سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا [البقرة:32]، أي: ننزهك يا رب! عن كل نقص، ونصفك بكل كمال، ومنه العلم، فالله تبارك وتعالى عليم، وعلام الغيوب سبحانه وتعالى: سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا [البقرة:32]، أي: نسبوا العلم إلى الله عز وجل.

    بينما القدرية قالوا: لا قدر وأن الأمر أنف، وهناك حديث في صحيح مسلم من حديث عبد الله بن عمر، قال معبد الجهني : لا قدر وأن الأمر أنف، أي: لا يوجد شيء اسمه قدر؛ لأن الله لا يعلم الأشياء إلا بعد وقوعها، أما قبل وقوعها فلا يعلم شيئاً، وهذا معنى قول القدرية: وأن الأمر أنف، أي: مستأنف، وهذا كفر بواح، ولذلك قال عبد الله بن عمر لـحميد بن عبد الرحمن ، ويحيى بن يعمر البصريان: فإذا لقيتموهم فأخبروهم أني بريء منهم، وهم برآء مني، قال النووي عليه رحمة الله: وكلام عبد الله بن عمر ظاهر في تكفيرهم، وأجمع أهل السنة والجماعة على أن منكر مرتبة العلم ومرتبة الكتابة كافر بلا نزاع.

    وقال شعيب عليه السلام، وهو قول الأنبياء: وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا [الأعراف:89]، أي: لا يمكن أن نرجع إلى ما كنا عليه قبل النبوة والرسالة من ضلال إلا أن يشاء الله ربنا.

    وقال أهل الجنة: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ [الأعراف:43]، فنسبوا الهداية لله عز وجل.

    وقال أهل النار: رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ [المؤمنون:106].

    وقال أخوهم إبليس: رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي [الحجر:39]، أي: اعترف بربوبية الله عز وجل، كما اعترف أن هذا الرب يملك القدر، والإغواء، والضلال، وأن الله تعالى أراد ذلك لإبليس، وأن إبليس مهما أراد الضلال فإنه لا يملكه إلا أن يأذن الله تعالى بوقوعه.

    انحراف القدرية في القدر رغم سماعهم للآيات الدالة عليه

    قال: [ فالقدرية المخذولة يسمعون هذا وأضعافه، ويتلونه ويتلى عليهم، فتأبى قلوبهم قبوله، ويردونه كله، ويجحدونه بغياً وعلواً، وأنفة من الحق وتكبراً على الله عز وجل وعلى كتابه، وعلى رسوله، وعلى سنته، وللشقوة المكتوبة عليهم، فهم لا يسمعون إلا ما وافق أهواءهم، ولا يصدقون من كتاب الله ولا من سنة نبيه إلا ما استحسنته آراؤهم، فهم كما قال الله عز وجل: وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ [الأنعام:111]، هم كما قال الله عز وجل: صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ [البقرة:171].

    وهكذا القدري الخبيث الذي قد سلط الله عليه الشياطين يمدونهم في الغي مداً ثم لا يقصرون، تزجره بكتاب الله تعالى فلا ينزجر، وبسنة النبي رسول الله فلا يدّكر، ويقول الصحابة والتابعين وأئمة المسلمين فلا ينحسر -أي: تذكره بأقوال الصحابة والتابعين وأئمة الإسلام فلا ينحسر- وتضرب له الأمثال فلا يعتبر، مصر على مذهبه الخبيث النجس الذي خالف فيه رب العالمين، والملائكة المقربين، والأنبياء والمرسلين، والصحابة والتابعين، وجميع فقهاء المسلمين، وضارع فيه اليهود -فالقدري شبيه باليهود والنصارى- والنصارى والمجوس والصابئين، فلم يجد أنيساً في طريقته، ولا مصاحباً على مذهبه غير هؤلاء، أعاذنا الله وإياكم من مذاهب القدرية، والأهواء الرديئة، والبدع المهلكة المردية، وجعلنا وإياكم للحق مصدقين، وعن الباطل حائدين، وثبتنا وإياكم على الدين الذي رضيه لنفسه واختص به من أحبه من عباده، الذين علموا أن قلوبهم بيده، وهممهم وحركاتهم في قبضته، فلا يهمون ولا يتنفسون إلا بمشيئته، فهم فقراء إليه في سلامة ما خولهم من نعمه، يدعونه تضرعاً وخفية كما أمرهم به من مسألته: رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ [آل عمران:8] ].

    إكثار النبي في قوله: (يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك)

    قال: [ وعن أم سلمة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: (يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك) ]، ومن منا يعتقد أن قلب النبي يزيغ؟! لا أحد يعتقد ذلك، لكن القدرية يقولون بإمكان وقوع الكفر على الأنبياء، وهذا مكتوب في كتبهم، بل وفي كتب الملل والنحل، ولكن النبي عليه الصلاة والسلام لاعتقاده: (أن القلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء)، وقلبه إنما هو قلب من القلوب، فكان دائماً يدعو ربه، إذ إن الدعاء هو العبادة كما قال عليه الصلاة والسلام: (يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك)، ثم قرأ رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ [آل عمران:8].

    قال: [ وعن أم المؤمنين قالت: (كانت دعوة من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقول: يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك، قلت: يا رسول الله هل تخاف؟ -أي: نخاف نحن، أما أنت فهل تخاف؟!- قال: وما يؤمنني وليس من أحد إلا وقلبه بين أصبعين من أصابع الله عز وجل -أي: ما هو الداعي لأن آمن من مكر الله؟ وكيف لي بذلك؟!- إن شاء أن يقيمه أقامه، وإن شاء أن يزيغه أزاغه، يقلب أصبعيه عليه الصلاة والسلام)، فتأمل هذا القول من النبي عليه الصلاة والسلام.

    كلام أبي شامة في حكم من شبه شيئاً من صفات الله بما يقابله من جوارحه

    قال: [ وقال: أبو شامة رحمه الله تعالى: من ذكر شيئاً من أوصاف الله عز وجل، وأشار إلى ما يقابل ذلك من جوارحه عوقب ببتره، قال ذلك في كتاب: الحوادث والبدع، وأبو شامة من أئمة أهل السنة، ومعنى كلامه هذا: أن من ذكر شيئاً من أوصاف الله عز وجل كالعين مثلاً، فإذا ذكر المؤمن قول الله تعالى: وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي [طه:39]، وأشار إلى عينه، قال: فحكمي فيه أن تفقأ عينه ]، وهذا لما أراد بهذه الإشارة تشبيه الخالق بالمخلوق، وإذا أراد بالتمثيل التقريب، أي: تقريب المعنى إلى أذن السامع مع استقرار الفارق بين أوصاف الخالق والمخلوق فلا بأس بذلك، ولذلك (دخل على النبي عليه الصلاة والسلام يهودي أو حبر من أحبار اليهود فقال: يا محمد! إنا لنعلم أن الله عز وجل خلق الخلق فجعل الأرض على ذه، والسماء على ذه، والجبال على ذه، والبحار على ذه وأشار إلى أصابعه، ثم ضحك النبي عليه الصلاة والسلام وقال: ألم تسمعوا إلى ما يقول هذا اليهودي؟! فقال رجل من المسلمين: ماذا قال يا رسول الله؟ فقال النبي عليه الصلاة والسلام: إنه أتاني وقال: إنا لنعلم يا محمد -عليه الصلاة والسلام- أن الله تعالى خلق الخلق فجعل السماء على ذه، والأرض على ذه، والجبال على ذه، والبحار على ذه، ثم قبض اليهودي قبضته، ثم قال النبي عليه الصلاة والسلام: وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّموَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ [الزمر:67])، وتلا آيات من صفات الله عز وجل، والشاهد أن النبي عليه الصلاة والسلام أشار إلى أصابعه، كأن الله تعالى جعل السماء على أصبع، والأرض على أصبع، والبحار على أصبع، وغير ذلك من سائر مخلوقاته، وكل ذلك مطوي في يمين الله عز وجل: وَالسَّموَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ [الزمر:67] سبحانه وتعالى، فما أنكر عليه الصلاة والسلام على اليهودي، بل تبسم لما سمع قوله؛ لأنه قد استقر في أذهان الصحابة والسامعين أن أصابع الخالق تختلف عن أصابع المخلوقين، ولكنه ما أشار إلا لتقريب المعنى وإظهار مكانه فحسب، أما من أشار إلى أصبعه ليبين أن أصابع الخالق سبحانه وتعالى كأصابعه فهذا حكمه كما قال أبو شامة : أن تقطع أصابعه.

    ولذلك قال النبي عليه الصلاة والسلام: (يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك، قلت: يا رسول الله هل تخاف؟ قال: وما يؤمنني وليس من أحد إلا وقلبه بين أصبعين من أصابع الله عز وجل، إن شاء أن يقيمه أقامه، وإن شاء أن يزيغه أزاغه، يقلب أصبعيه عليه الصلاة والسلام) فهذا التشبيه لتقريب المعنى، لا لأن التقليب هو التقليب.

    عمل العباد من طاعة أو معصية لا يخرج عن إرادة الله وقدره

    قال: [ وعن محمد بن كعب القرظي قال: الخلق أدق شأناً من أن يعصوا الله عز وجل طرفة عين فيما لا يريد ]. أي: أن هؤلاء الخلق لو اجتمعوا في صعيد واحد مؤمنهم وكافرهم، وأرادوا أن يعصوا الله تعالى بمعصية ما أرادها أن تقع في الكون فلا يقدرون على المعصية، وقوله: (الخلق أدق شأناً)، أي: أهون على الله عز وجل من أن يعصوا الله طرفة عين فيما لا يريد، إذاً المعصية والطاعة ما وقعتا في الكون إلا بمشيئة الله تعالى وإرادته.

    قال: [ قال ابن عباس: كلام القدرية، وكلام الحرورية ضلالة، وكلام الشيعة هلكة، وقال: ولا أعرف الحق، أو لا أعلم الحق إلا في كلام قوم ألجئوا ما غاب عنهم من الأمور إلى الله -وهذا الحق أنك ترد علم الغيب إلى الله عز وجل- ولم يقطعوا بالذنوب العصمة من الله، وفوضوا أمرهم إلى الله، وعلموا أن كلاً بقدر الله ]. وهذا كلام أهل الحق.

    اقتصار دعوة الرسل على البلاغ واختصاص الله بالهداية والتوفيق

    قال: [ فاعلموا رحمكم الله تعالى أن هذه طريقة الأنبياء عليهم الصلاة السلام، وبذلك تعبدهم الله -هذا الذي أمرك الله عز وجل أن تعبده به- وأخبر به عنهم في كتابه أن المشيئة لله عز وجل وحده، ليس أحد يشاء لنفسه شيئاً من خير وشر، ونفع وضر، وطاعة ومعصية، إلا أن يشاءها الله، وبالتبري إليه من مشيئتهم، ومن حولهم، وقوتهم، ومن استطاعتهم، بذلك أخبر عن نوح عليه السلام حين قال له قومه: يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ * قَالَ إِنَّمَا يَأْتِيكُمْ بِهِ اللَّهُ [هود:32-33] ].

    لأنهم قالوا له: (فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا)، فقال لهم: ليس في يدي أن آتيكم بما وعدكم، وإنما الذي يأتيكم به هو اللَّهُ إِنْ شَاءَ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ * وَلا يَنفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [هود:33-34]، (وَلا يَنفَعُكُمْ نُصْحِي) أي: دعوتي، (إِنْ أَرَدْتُ) أي: ذلك، ومعنى الآية: وما ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم إن كان الله يريد شيئاً غير ذلك، فمهما نصحتكم إذا كان الله يريد شيئاً غير هذا فإنه لا يتم إلا ما أراد الله عز وجل، هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [هود:34].

    قال: [ فلو كان الأمر كما تزعم القدرية كانت الحجة تظهر على نوح من قومه، ولقالوا له: إن كان الله هو الذي يريد أن يغوينا فلم أرسلك إلينا، ولم تدعونا إلى خلاف مراد الله لنا؟

    ولو كان الأمر كما تزعم هذه الطائفة بقدر الله ومشيئته في خلقه، وتزعم أنه يكون ما يريده العبد الضعيف الذليل لنفسه، ولا يكون ما يريده الرب القوي الجليل لعباده، فلم حكى الله عز وجل ما قاله نوح لقومه مثنياً عليه وراضياً بذلك من قوله؟

    وقال شعيب عليه السلام: قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا [الأعراف:89].

    ثم قال شعيب: وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ [هود:88] ]، أي: ما أنا بموفق ومسدد إلا بمشيئة الله، عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ [هود:88].

    قال: [ وقال إبراهيم في محاجته لقومه: أَتُحَاجُّونِي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ [الأنعام:80]، إذاً الله تعالى هو الذي بيده الهداية، وَلا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ [الأنعام:80].

    وقال أيضا فيما حكاه عن إبراهيم وشدة خوفه، وإشفاقه على نفسه وولده أن يبلى بعبادة الأصنام: رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الأَصْنَامَ [إبراهيم:35] ]، فإبراهيم عليه السلام صاحب الملة الحنيفية السمحاء يخاف أن يتحول قلبه! فدعا الله عز وجل أن يجنبه وبنيه عبادة الأصنام.

    قال: [ وقال فيما أخبر عن يوسف، ولجئه إلى ربه، وخوفه الفتنة على نفسه إن لم يكن هو المتولي لعصمته، رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي [يوسف:33]، إذاً الذي يصرف الشر هو الله عز وجل، وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ [يوسف:33]، قال الله تعالى: فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [يوسف:34].

    ثم أخبر تعالى أن العصمة في البداية وإلهامه إياه الدعوة كانت بالعناية الإلهية من مولاه الكريم به، فقال: وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ [يوسف:24].

    وقال عز وجل فيما أخبر عن موسى حين دعا على فرعون وقومه بألا يؤمنوا، وعن استجابته له وإعطائه ما سأل: رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الأَلِيمَ [يونس:88]، قال الله تعالى: قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا [يونس:89].

    وقال فيما أعلمه لنوح بكفر قومه وتكذيبهم له: وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ فَلا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ [هود:36] ]، أي: لا تحزن، ولا تذهب نفسك عليهم حسرات.

    قال: [ وقال تعالى فيما أخبر عن أهل النار واعترافهم بأن الهداية من الله وليست من الأنبياء، وما الأنبياء إلا منذرين ومبشرين، فقال: وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا فَقَالَ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ قَالُوا لَوْ هَدَانَا اللَّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ [إبراهيم:21] ]، أي: لو هدانا الله لكنا سبباً في هدايتكم، ولكن الله تعالى أراد لنا الشقاء، فهؤلاء أهل النار اعترفوا أن الهداية بيد الله، وأن الشقاء بيد الله عز وجل.

    قال: [ فاعترف أهل النار بأن الله عز وجل منعهم الهداية، وأنه لو هداهم اهتدوا، فاسمعوا رحمكم الله إلى كتاب ربكم، وانظروا هل تجدون فيه مطمعاً لما تدعيه القدرية عليه من نفي القدرة والمشيئة والإرادة عنه سبحانه، وإضافة القدرة والمشيئة إلى أنفسهم، وتفهموا قول الأنبياء لقومهم، وكلام أهل النار واعتذار بعضهم إلى بعض بمنع الله الهداية لهم، والله عز وجل يحكي ذلك كله عنهم غير مكذب لهم ولا راد ذلك عليهم.

    واعلموا رحمكم الله أن الله عز وجل أرسل رسله مبشرين ومنذرين وحجة على العالمين، فمن شاء الله تعالى له الإيمان آمن، ومن شاء الله أن يكفر كفر، فلم يجب الرسل إلى دعوتهم، ولم يصدقهم برسالتهم إلا من كان في سابق علم الله أنه مرحوم مؤمن، ولم يكذبهم ويرد ما جاؤوا به إلا من سبق في علم الله أنه شقي كافر، وعلى ذلك جميع أحوال العباد صغيرها وكبيرها، كلها مثبتة في اللوح المحفوظ والرق المنشور قبل خلق الخلق، فالأنبياء ليس يهتدي بدعوتهم ولا يؤمن برسالتهم إلا من كان في سابق علم الله أنه مؤمن بهم، ولقد حرص الأنبياء وأحبوا الهداية والإيمان لقوم من أهاليهم وآبائهم وأبنائهم وذوي أرحامهم، فما اهتدى منهم إلا من كتب الله له الهداية والإيمان، ولقد عوتبوا في ذلك بأشد العتب، وحسبك بقول نوح عليه السلام: رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ [هود:45]، وبجواب الله عز وجل: فَلا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ [هود:46].

    ثم أخبرنا بجملة دعوة المرسلين، وبماذا كانت الإجابة من قومهم أجمعين، فقال عز وجل في سورة النحل: وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ [النحل:36] ]، هذه دعوة المرسلين: اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ [النحل:36]، والهادي هو الله تعالى، فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ [النحل:36].

    قال: [ ثم عزى الله تعالى نبيه في حرصه على هداية قومه فقال: إِنْ تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ [النحل:37]، فمن خذله الله بالمعصية فمن ذا الذي ينصره بالطاعة؟

    ثم قال تعالى لنبيه: إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ [القصص:56].

    وقال: قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ [الأعراف:188].

    وقال عز وجل: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [إبراهيم:4].

    فكل هذا يدل العقلاء، ويؤمن المؤمنين من عباد الله والعلماء، أن الأنبياء إنما بعثوا مبشرين ومنذرين حجة على العالمين، وأن من شاء الله له الإيمان آمن، ومن لم يشأ له الإيمان لم يؤمن، وأن ذلك كله مفروغ منه، قد علم ربنا عز وجل المؤمن من الكافر، والمطيع من العاصي، والشقي من السعيد، وكتب لقوم الإيمان بعد الكفر فآمنوا، ولقوم الردة والكفر بعد الإيمان فكفروا وارتدوا، والطاعة بالتوبة بعد المعصية فتابوا، وعلى الآخرين الشقوة فكفروا فماتوا على كفرهم، وكل ذلك في إمام مبين ]. أي: في اللوح المحفوظ.

    قول بعض السلف في تفسير بعض آيات القدر

    قال: [ وعن مجاهد في قول الله تعالى: وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ [يس:12] قال: وما أورثوا من الضلالة، وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ [يس:12] قال: في أم الكتاب.

    وعن جابر قال: قال النبي عليه الصلاة والسلام في هذه الآية: إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ [هود:107]، قال: تقضي على القرآن كله، أي: كافية وحاكمة بأن الله عز وجل يفعل في خلقه ما يشاء ].

    قال: [ وعن سفيان عن عبد العزيز بن رفيع عمن سمع عبيد بن عمير يقول: (قال آدم عليه السلام: يا رب! أفرأيت ما أتيت أشيء ابتدعته من تلقاء نفسي أم شيء قدرته علي قبل أن تخلقني؟ قال: لا، بل شيء قدرته عليك من قبل أن أخلقك، قال: أي رب! فكما قدرته علي فاغفر لي، فلذلك قوله تعالى: فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ [البقرة:37]).

    وعن مجاهد : إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ [البقرة:30] قال: علم إبليس المعصية وخلقه لها ].

    قال: [ فاعلموا رحمكم الله أن من كان على ملة إبراهيم، وشريعة المصطفى صلى الله عليه وسلم، ومن كان دينه دين الإسلام، ومحمد نبيه، والقرآن إمامه وحجته، وسنة المصطفى نوره وبصيرته، والصحابة والتابعون أئمته وقادته، وهذا مذهبه وطريقته، وقد ذكرنا الحجة من كتاب الله عز وجل، ففيه شفاء ورحمة للمؤمنين وغيظ للجاحدين ].

    ثم يذكر الإمام مقدمة بعد ذلك نرجئها للدرس القادم بمشيئة الله تعالى.

    أقول قولي هذا، وأستغفر الله تعالى لي ولكم.

    وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

    دعاء للمجاهدين الأفغان في قتالهم مع الروس

    في أفغانستان أظن أن الحرب قد بدأت منذ ساعة، ولذلك جاءت الأخبار سواء في الصحافة المقروءة أو المرئية أو المسموعة بأن الحرب ضروس وقد حمي الوطيس.

    فنسأل الله عز وجل بأسمائه الحسنى وصفاته العلا أن ينصر إخواننا.

    اللهم انصر إخواننا في أفغانستان، اللهم انصر إخواننا في أفغانستان، اللهم انصر إخواننا في أفغانستان.

    اللهم كن لهم ولا تكن عليهم.

    اللهم إنهم حفاة فاحملهم، عراة فاكسهم، مهزومون فانصرهم.

    اللهم كن لهم ولا تكن عليهم، اللهم كن لهم ولا تكن عليهم.

    اللهم اغلب الكفر والكافرين، اللهم اغلب الكفر والكافرين.

    اللهم عليك بالروس، اللهم خذهم أخذ عزيز مقتدر فإنهم لا يعجزونك، اللهم خذهم جميعاً فإنهم لا يعجزونك، اللهم خذهم جميعاً فإنهم لا يعجزونك.

    اللهم أرجعهم إلى ديارهم حسرى وندامى مخذولين مهزومين.

    اللهم كن لإخواننا ولا تكن عليهم.

    اللهم قو إيمانهم، اللهم ثبتهم يا رب العالمين، اللهم ثبتهم في أوطانهم، اللهم ثبت الإيمان في قلوبهم.

    اللهم انصرهم على عدوك وعدوهم، اللهم كن لهم ولا تكن عليهم.

    اللهم قو إيمانهم، اللهم سدد رميهم، اللهم سدد رميهم ووحد كلمتهم، وائت بقلوب الموحدين، اللهم ائت بقلوب الموحدين إليهم.

    اللهم مدهم بمدد من عندك، اللهم أنزل عليهم ملائكتك، اللهم أنزل عليهم ملائكتك، اللهم أنزل عليهم سكينتك، اللهم أنزل عليهم سكينتك.

    اللهم ألق الرعب والفزع في قلوب أعدائهم، اللهم ألق الرعب والفزع في قلوب أعدائهم، اللهم ألق الرعب والفزع في قلوب أعدائهم، اللهم ألق الرعب والفزع في قلوب أعدائهم حتى يخافوا كل شيء.

    اللهم أنزلن سكينة على عبادك الموحدين حتى يأمنوا من كل شيء.

    اللهم أنزلن سكينة على عبادك الموحدين حتى يأمنوا من كل شيء، ويكون الكفار في أعينهم كالجرذان، والجعلان، والقطط، والفئران.

    اللهم كن لهم ولا تكن عليهم.

    وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

    مشروعية الدعاء في النوازل وآدابه

    عبادتكم يا إخواني! في هذه الليالي الدعاء لإخوانكم فلا تنسوا، والدعاء سلاح فتاك، وخير ما يتقرب به العبد الضعيف إلى الله عز وجل أن يدعو في الأوقات المستجابة خاصة ثلث الليل الآخر حين ينزل الرب تبارك وتعالى فيقول: (ألا هل من داع فأستجيب له؟ ألا هل من مستغفر فأغفر له؟ ولا يزال كذلك حتى يطلع الفجر)، وفي رواية: (حتى تطلع الشمس)، فالدعاء سلاح عظيم جداً، وقد أخبر النبي عليه الصلاة والسلام أنه عين العبادة، فقال: (الدعاء هو العبادة)، أي: هو عين العبادة، والله تعالى قد وعد بالاستجابة فقال: ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ [غافر:60].

    وكثير من الناس يظن أن الدعاء هو لغة المتكلين أو لغة الضعفاء المخذولين وغير ذلك، ونسوا أن النبي عليه الصلاة والسلام يقول: (وهل ترزقون وتنصرون إلا بدعاء ضعفائكم وصلاتهم وصيامهم)، أي: إنما يرزق المرء بطاعته ودعوته، وكذلك ينصر بدعاء الشيوخ والنساء والأطفال، وكان عمر رضي الله عنه إذا لقي طفلاً في الطريق طلب منه أن يدعو له بالمغفرة، فإذا قيل له: يا أمير المؤمنين! طفل يدعو لك؟ قال: إنه مجاب الدعوة خاصة وأنه لم يبلغ الحلم ولم يجر عليه القلم.

    كما لا ننسى القنوت في الصلوات الخمس في الركعة الأخيرة قبل الركوع لا بعد الركوع، وذلك لمن كان منكم إماماً، أو مصلياً في الليل، أو حتى في صلاة النافلة أو الرواتب، فالقنوت من أقرب القربات إلى الله عز وجل، ونسأل الله تعالى أن ينصر إخواننا في كل مكان من بقاع الأرض، فإن الخطب جلل، ولكن النصر بإذن الله تعالى لعباده الصالحين، كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي [المجادلة:21]، وقال الله تعالى: وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنصُرُهُ [الحج:40]، فهذا وعد الله عز وجل الذي لا يتخلف، وهذه عقيدتنا في الله.

    الحكم على حديث: (يا علي! لا تنم قبل أن تأتي بخمسة أشياء ...)