إسلام ويب

الصوتيات

  1. الصوتيات
  2. علماء ودعاة
  3. محاضرات مفرغة
  4. حسن أبو الأشبال الزهيري
  5. شرح كتاب الإبانة من أصول الديانة
  6. شرح كتاب الإبانة - ذكر ما أعلمنا به الله في كتابه أنه يضل من يشاء ويهدي من يشاء

شرح كتاب الإبانة - ذكر ما أعلمنا به الله في كتابه أنه يضل من يشاء ويهدي من يشاءللشيخ : حسن أبو الأشبال الزهيري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الله عز وجل هو الهادي المضل، كتب لمن شاء من عباده الهداية والسعادة، وقدر على من شاء منهم الغواية والشقاوة، والرسل الذين يرسلهم الله بالتوحيد ليسوا مكلفين إلا بالبلاغ، أما الهداية فهي أمر اختص الله عز وجل به، وجعل أمره إليه، وهذا من إحكام الله وعدله الذي لا يجوز لأحد أن يتفكر أو يخوض فيه بالجهل والهوى.

    1.   

    مراتب القدر

    إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    وبعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    أما بعد:

    فلا يمكن لأحد أن يفهم سر القدر إلا بمعرفة مراتب القدر، ومراتب القدر: العلم، والكتابة، والإرادة، والخلق.

    فالمرتبة الأولى: العلم، وهو علم الله تعالى الأزلي السابق بما كان وبما سيكون.

    المرتبة الثانية: الكتابة، وأن الله عز وجل كتب كل ما سيكون في اللوح المحفوظ.

    ومرتبة العلم أدلتها من الكتاب والسنة كثيرة جداً، ومنها اسم الله تعالى العليم. وأما الكتابة فمن الأدلة عليها قول الله عز وجل: يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ [الرعد:39].

    والمحو والإثبات يكون في الصحف التي بأيدي الملائكة، وأما اللوح المحفوظ فلا يقبل المحو، كما قال تعالى: وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ ، أي: الذي لا يقبل بعد ذلك محواً ولا إثباتاً.

    وجاء في مسلم : (إن الله تعالى كتب مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة).

    والمرتبة الثالثة: مرتبة الإرادة، والإرادة إرادتان، شرعية دينية، ومبناها على المحبة والرضا، مثل قول الله عز وجل: وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ [البقرة:43]. فمن صلى حقق محبة الله عز وجل ووافق إرادة الله تعالى الشرعية.

    وإرادة كونية قدرية، وهي كل ما يقع في الكون من خير وشر، فإذا كان خيراً فقد وافق مراد الله عز وجل كوناً وشرعاً، وإذا كان شراً فقد وافق مراد الله تعالى القدري الكوني، وخالف الإرادة الشرعية، فالزنا والسرقة والقتل وفعل المعاصي كل ذلك يقع بإرادة الله عز وجل ومشيئته تعالى؛ لأنه لا يكون في الكون إلا ما أراد الله تعالى وقدر، فلا يستطيع أحد أن يعمل شيئاً رغماً عن الله عز وجل، فكل ما يكون في الكون من خير وشر هو بإرادة الله تعالى ومشيئته، ولا يعني ذلك أن الله تعالى يحب هذا، بل إنه تعالى يحب الخير ويبغض الشر، كما قال تعالى: وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ [الزمر:7]. ومع هذا أذن الله تعالى في وجود الكفر والمعاصي، الكبائر منها والصغائر، ونهى عنها، فمن امتثل النهي فقد وافق الإرادة الشرعية، ومن خالف النهي ووقع في المحذور فقد خالف الإرادة الشرعية ووقع في الإرادة الكونية القدرية.

    المرتبة الرابعة: مرتبة الخلق، قال تعالى: هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ [فاطر:3]؟ فلا خالق إلا الله، فهو تعالى الذي خلق إبليس وهو رأس الشر، ولا يصح أن نقول: لم خلق الله إبليس؟

    ومرتبة الخلق تعني: أن أفعال العباد من خلق الله عز وجل، وكتب الأفعال بأيدي الملائكة، فالسارق الذي ينطلق من مكانه إلى موضع السرقة ثم يكسر الحرز ويأخذ المال المسروق لو أن الله تعالى أراد ألا يسرق لما مكنه من ذلك، فنقول: الله تعالى مكن هذا السارق من إيقاع السرقة، ولكن الذي باشر السرقة هو العبد.

    فأفعال العباد مخلوقة لله عز وجل، بمعنى: أن الله تعالى أذن في وقوع السرقة من باب الخلق والإيجاد، وأما من باب الكسب والمباشرة فالذي اكتسب السرقة هو العبد.

    والله عز وجل هو خالق الخير والشر، والهدى والضلال، وبعض الناس استشكل ذلك، وسأل: كيف خلق الله تعالى الشر؟ ونقول: الشر ليس شراً محضاً، فما من شر إلا ومعه خير، إما للعبد وإما لغير العبد، وهذا الخير الذي مع الشر إما أن ينتفع به الشرير أو ينتفع به المجتمع بأسره، فمثلاً الزنا والسرقة والقتل شرور، بل كبائر تتلو بعضها بعضاً، ولكن لو أن سارقاً سرق فأقيم عليه الحد بقطع اليد ورأى ذلك طائفة من الناس، فكل واحد ممن رأى أو سمع لابد أنه سيفكر مليون مرة إذا سولت له نفسه السرقة، وبالتالي يكف عن السرقة، ولذلك لما رفعت الحدود تجرأ القاصي والداني على السرقة وعلى القتل والزنا؛ لأنه يعلم أنه لن يقام عليه حد.

    وفي ظل هذه المدنية والتقنية العظيمة جداً نقول: إن الحدود خيرها ونفعها متعد إلى أقصى حد، فلو أقيم على الهواء حد على الزاني أو السارق لفكر العالم بأسره فيما لو أراد أن يسرق أو يزني أنه سيفعل به مثلما فعل بفلان من الناس في البلد الفلاني، فالأمر كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: (والخير كله في يديك والشر ليس إليك)، أي: الشر المحض ليس من أفعال الله عز وجل، ولكن الشر الذي يبدو للناس أنه شر وفيه وجه من وجوه الخير فهذا مما أذن الله تعالى في وقوعه ووجوبه وخلقه، والذي باشر ذلك وكسبه هو العبد.

    1.   

    تابع ذكر ما أخبرنا الله تعالى في كتابه أنه ختم على قلوب من أراد من عباده

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [الباب الأول: ذكر ما أخبرنا الله تعالى في كتابه أنه ختم على قلوب من أراد من عباده] أي: أن الله تعالى أراد أن يختم على قلوب فريق من عباده ففعل.

    قال: [فهم لا يهتدون إلى الحق ولا يسمعونه ولا يبصرونه]، وأنه طبع على قلوبهم، أي: ختم عليها وطبع عليها، فهم لا يسمعون الحق، ولا يبصرونه ولا يهتدون إليه؛ لأن الله تعالى بعلمه السابق الأزلي علم أن هذا العبد الذي طبع على قلبه بعد ذلك عبد شقي وليس عبداً سعيداً، فعلم الله تعالى ذلك وكتبه في اللوح المحفوظ، وطبع على قلب العبد حتى لا يسمع ولا يهتدي إليه، وهذا من أفعال الله عز وجل، ولذلك من المسائل المهمة جداً في باب القدر نفي القياس بين أفعال الله وأفعال الخلق؛ لأن أفعال المخلوقين فيها عدل وفيها ظلم، مثلما لو قلنا لشخص: لن نعقد الاختبار في الأسبوع القادم، ثم فاجأناه بالاختبار فهذا ظلم؛ لأننا وعدناه بعدم الاختبار، ثم فاجأناه بذلك وطالبناه به، وهو غير مستعد له، فهذا نوع ظلم وقع من الإنسان على بني جنسه. في حين أن الله عز وجل قد أخبرنا أنه سيبتلي وسيختبر العباد في الدنيا والآخرة، فمن آب وتاب دخل الجنة وإلا فلا.

    الأدلة من القرآن على أن الله يختم على قلب من أراد من عباده ويجعله من أهل الشقاء

    قال الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ [البقرة:6]. وهذا الخطاب موجه لنبينا محمد عليه الصلاة والسلام، فهو يقول: يا محمد! هؤلاء الكفار سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ ، أي: عندهم، أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ [البقرة:6]، والسبب خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ [البقرة:7]. فإذاً: الختم على القلب والسمع، خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ [البقرة:7]. والشخص إذا كان أعمش فإنه لا يرى الشيء رؤية واضحة، فضلاً عن أن يكون أعمى فإنه لا يرى شيئاً أصلاً، وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ [البقرة:7]. والله عز وجل هو الذي طبع على قلوبهم وعلى سمعهم وجعل على أبصارهم غشاوة، ومع هذا أعد لهم يوم القيامة عذاباً أليماً؛ لأنهم اختاروا الكفر على الإيمان، فالآية في أولها تقول: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ ، يعني: عندهم أَأَنذَرْتَهُمْ يا محمد! أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ ، وذلك بسبب تمكن الكفر من قلوبهم، واختيارهم للكفر على الإيمان، وعلامة ذلك: خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ. هذا في الدنيا، وفي الآخرة أعد لهم عذاباً أليماً.

    ولو أن هذا وقع من العبد على العبد لقلنا أن فيه نوع ظلم، بل هو الظلم بعينه، ولكن لا نقول: إن هذا فعل من أفعال الله مبني على ظلم العباد؛ لأن الظلم صفة نقص، والله تبارك وتعالى منزه عن صفات النقص ومتصف بصفات الكمال، فلا يجوز توجيه السؤال ابتداء؛ لأن هذا من أفعال الله، وأفعال الله تبارك وتعالى كلها مبنية على الحكمة والعدل والفضل، فالله تبارك وتعالى يجازي بالحسنة عشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، ويضاعف بعد ذلك لمن يشاء، مع أن العقل يقول: الحسنة تقابل الحسنة، والسيئة تقابل السيئة، ولكن هذا فضل الله عز وجل يؤتيه من يشاء.

    وقال تعالى: بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ [النساء:155]. والباء للسببية، والضمير في عليها يعود على القلوب، بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ ، أي: بسبب كفرهم، فَلا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا [النساء:155].

    وقال عز وجل: وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا [المائدة:41]. والإرادة هنا إرادة كونية قدرية؛ لأنها متعلقة بالفتنة، أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ [المائدة:41].

    وقال عز وجل: وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً [الأنعام:25]، أي: أغلفة وأغطية، أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا [الأنعام:25]، أي: ثقلاً في آذانهم، وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِهَا [الأنعام:25]. وهذه إرادة كونية قدرية كذلك؛ لأنهم يسمعون، لكن ليس سماع المجيب، والسماع أنواع، فهناك من يسمع ولا يلقي بالاً لما يسمعه، وهناك من يسمع ويستجيب وينفذ فوراً، وأنت تقول في صلاتك: سمع الله لمن حمده، يعني: أجاب الله تبارك وتعالى حمد من حمده، فالثناء في قوله: سمع الله لمن حمده سماع إجابة، ولو أنك فتحت الراديو أو المذياع على أغنية وسمعتها بمحض إرادتك فإنك تأثم بذلك، ولو فتحها أحد بجوارك وليس في إمكانك أن تنهاه عن ذلك، أو نهيته فلم يستجب، وهو قريب منك أو جار لك، بحيث لا يمكنك أن تقول: أنا ما سمعت الأغاني أو الموسيقى؛ لأنك قد سمعتها بالفعل، فهذا سمع غير إرادي وقع على أذنك، والأول سمع إرادي أنت قد اقترفته.

    فأنت في الحالين قد سمعت، فمرة سمعت بإرادتك وأنت آثم، ومرة سمعت بغير إرادتك ولا تأثم بذلك.

    فهناك فرق بين سماع الإجابة وسماع الإعراض.

    وقال عز وجل: فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ [الأنعام:125]. وهذه إرادة شرعية دينية؛ لأن مبناها على المحبة والرضا، فالله تعالى يحب الإسلام والإيمان، فمنهم من سمع واستجاب، ومنهم من سمع وأعرض، فأما من سمع واستجاب فهذا قد شرح الله تعالى صدره للإسلام. وهذا الشرح من إرادة الله تعالى الشرعية الدينية.

    قال: وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ [الأنعام:125]. والناس هم الذين اختاروا طريق الضلال، ولا عذر لهم في ذلك؛ لأن الله تعالى أراد ابتداء هداية الخلق جميعاً، ولذلك جعلهم عقلاء، ولم يكلف المجنون ولا الصبي الصغير، ثم أرسل إليهم الأنبياء، وأنزل عليهم الكتب، وأقام عليهم الحجة، فمن أعرض عن دعوة الأنبياء والمرسلين وعن الدعوة بعد بلوغها إليه استحق العقاب، ولكنه ما أعرض رغماً عن الله، ولكن الله تعالى علم أزلاً أن عبده فلاناً ستبلغه الدعوة، وسيكون موقفه منها الإعراض.

    فتقدم علم الله عز وجل الأزلي بذلك فكتبه عنده في اللوح المحفوظ.

    إذاً: كتابة الله تبارك وتعالى شقاوة العبد أزلاً قبل أن يخلقه مبني على علم الله عز وجل بموقف هذا العبد من الأنبياء والمرسلين، وليس في أفعال الله عز وجل قط ظلم.

    وقال عز وجل: رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ [التوبة:87]، أي: الذين تخلفوا، وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ [التوبة:87]. فلما رضوا بذلك واختاروا أن يتخلفوا طبع الله عز وجل على قلوبهم، فالله تعالى علم أزلاً أن عباده هؤلاء سيتخلفون ويرضون بالتخلف عن رسول الله، ولذلك طبع على قلوبهم عقوبة لهم لما اختاروا التخلف ورضوا به، فلما علم الله عز وجل ذلك أزلاً كتبه في اللوح المحفوظ، فهو لا يقبل أبداً المحو بعد ذلك؛ لأن هذا علم الله تعالى الأزلي الذي سبق في عباده مؤمنهم وكافرهم.

    وقال تعالى: وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ [التوبة:87].

    وقال عز وجل: أُوْلَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ [النحل:108]. والقلب له معرفة، وأعظم معرفة هي معرفة القلب، وهو محل الإيمان بالله عز وجل.

    وقوله: وَسَمْعِهِمْ فآذانهم قد تكون أحسن سماعاً من آذاننا، وقوله: وَأَبْصَارِهِمْ فلهم عيون جميلة، وهم أصحاب منظر حسن، ولذلك الله عز وجل وصف الكافرين بقوله: وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ [المنافقون:4]، ولكنهم كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ [المنافقون:4]، أي: أن كلاً منهم مثل الجدار واللوح، مع أن منظره قمة الجمال، وهو كافر طبع الله تعالى على قلبه، وختم على سمعه وبصره، فهو لا يعلم ولا يفقه، ولا يساوي عند الله شيئاً، وأنت تراه أسوة وقدوة، وهذا بلاء عظيم جداً، وهو ترد إلى الهاوية إذا كان هؤلاء هم القدوة والأسوة الذين يتمثل الناس بأفعالهم، وبأشكالهم، وإن كانوا لا يساوون عند الله تعالى جناح بعوضة، وهذا بلا شك طمس لهوية الأمة.

    وقال الله عز وجل: وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا [الإسراء:45]. ومستور مفعول بمعنى: فاعل؛ لأن الحجاب لا يكون مستوراً، وإنما يكون ساتراً، فتقدير حجاباً مستوراً أي: حجاباً ساتراً. وتصور أن شخصاً يقف أمام النبي عليه الصلاة والسلام فيقرأ عليه القرآن والأحاديث والآيات والسور، وهو لا يعقل شيئاً من ذلك؛ لأن الله تعالى علم بعلمه الأزلي أن هذا العبد يسمع سماع الإعراض، فطبع على قلبه، وختم على سمعه وبصره، فهو لا يعقل ولا يسمع؛ لوجود الحجاب الساتر بينه وبين نور العلم وسبل الهداية.

    ثم قال تعالى: وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا [الإسراء:46]؛ لأنهم يريدون أن يذكر اللات والعزى وهبل، والآلهة التي كانوا يعبدونها من دون الله عز وجل، لتقربهم إلى الله زلفاً بزعمهم، ولذلك قالوا: أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ [ص:5]، أي: عجيب بل عيب أن تترك هذه الآلهة كلها وتذمها وتقول: إله واحد، والإله الذي تعبده حق، ولكننا نستحي أن نعبده مباشرة، ونحن إنما اتخذنا هؤلاء الآلهة ليقربونا إلى الله زلفى، وهذا أعظم أبواب الشرك.

    وقال الله عز وجل: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا [الكهف:57]. فهو إذا ذكر أعرض، وإذا قلت له: قال الله وقال رسوله، قال لك: أما زلت تعيش في زمن قال الله وقال الرسول ونحن في زمن قال الأمريكان وقال الروس وقال الغرب وقال الإنجليز؟ يعني: أن قول هؤلاء في القرن الحادي والعشرين مقدم على قول الله عز وجل وقول رسوله. وإن لم يكن هذا كفراً فليس في الدنيا كفر، فتقديم كلام المخلوقين على كلام الخالق تبارك وتعالى كفر أعظم، وهو مخرج من الملة، وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا [الكهف:57].

    وقال عز وجل: وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الأَعْجَمِينَ * فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ مَا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ * كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ * لا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الأَلِيمَ [الشعراء:198-201]، يعني: لا يؤمنون بأن هذا حق إلا يوم القيامة، يوم أن يعاينوا ويبصروا بأعينهم عذاب الله عز وجل، فيقولون: هذا الذي كنا ندفعه كان حقاً، وكان يجب علينا اتباعه، ولكن في يوم لا ينفع فيه الندم.

    وقال عز وجل: لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ [يس:7]، أي: كلمة العذاب حقت عليهم بسبب تركهم للإيمان، إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلالًا فَهِيَ إِلَى الأَذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ * وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ * وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ [يس:8-10]، أي: في كل الأحوال يا محمد! أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ [يس:10].

    وقال عز وجل: أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ [الجاثية:23]. وتصور أن شخصاً يتخذ إلهه هواه ومزاجه، وإذا قلت له: قال الله، يقول لك: لا، أنا أتبع عقلي وهواي ومزاجي وراحتي، ولست مستعداً لقال الله وقال الرسول، أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ [الجاثية:23]، يعني: بعد بلوغ العلم وقيام الحجة الرسالية عليه وتركه لها واختياره للهوى أضله الله عز وجل، وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلا تَذَكَّرُونَ [الجاثية:23].

    وقال عز وجل: أُوْلَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ [محمد:16]، أي: بسبب اتباع أهوائهم.

    وقال عز وجل: ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ [المنافقون:3]، يعني: بعد معرفتهم بالإيمان وأصول الإيمان وربما دخلوا فيه، إلا أنهم آثروا الكفر واختاروه على الإيمان، فتركوا الإيمان ودخلوا في الكفر، فهؤلاء طبع الله على قلوبهم فهم لا يفقهون.

    هذه الآيات ونحوها من القرآن الكريم مما يستدل به العقلاء من عباد الله المؤمنين على أن الله عز وجل خلق خلقاً من عباده أراد بهم الشقاء، فقد خلق الله تعالى الناس فريقين: خلقاً للنار، وقال: يا أهل النار! خلود بلا موت، وخلقاً للجنة، وقال: يا أهل الجنة! خلود بلا موت، والله عز وجل قال هذا قبل أن يخلق الخلق؛ لأن الله تعالى علم ما العباد عاملون وما هم إليه صائرون قبل أن يخلقهم.

    علم الله مطلق وعلم الخلق محدود

    أنت الآن لا تعلم إلا بعض ما مضى عليك، وأما المستقبل فلا تعلمه، فربما تنزل علينا صاعقة من السماء فلا يقوم منا أحد، فلا تقل: بعد خمس دقائق سأقوم وأتوضأ أو أنطلق إلى المسجد، فهل ضمنت أن تحيا خمس دقائق؟ وما مضى من أحداث لا تذكر منها إلا اليسير.

    وأما علم الله عز وجل فهو مطلق، وهو على الكمال التام في كل أسمائه تعالى وصفاته، فالله تعالى علم ما كان وما يكون وما سيكون، وما لو كان كيف يكون، ويعلم الفعل وكيف يكون الفعل، ويعلم القول وكيف يكون بالقول، فهو علم مطلق شامل لا يحده حد.

    وعلم العباد لا يتساوى مع علم الله عز وجل، وكذلك بقية الأسماء والصفات، فالله تبارك وتعالى مالك الملك، فهو المالك سبحانه وتعالى، وهو المتصرف فيما يملك بكل أنواع التصرف، وهذا هو الأصل في الملك، والإنسان ليس مالكاً حقيقياً؛ لأن مالك الملك يملكك وما تملك، ولذلك أمرك أن تصنع في مالك المعروف، ونهاك أن تصنع فيه المنكر، فلا تقل: سأشرب بمالي الخمر؛ لأنك تأثم بذلك وهو محرم عليك، فلا تتصرف في مالك إلا على وفق الشرع الذي شرعه مالك الملوك سبحانه وتعالى، وأما الله تبارك وتعالى فيتصرف في ملكه كيف شاء، فهو يهدي فلاناً ويضل فلاناً، ويسعد فلاناً ويشقي آخر.

    وإذا أسعد فلاناً فهذا فضل الله عز وجل، وإذا أشقى فلاناً فهذا عدل من الله عز وجل؛ لأن أفعال الله تعالى تدور بين الفضل والعدل، وكلها متصفة بالحكمة.

    ختم الله على قلوب الكفار

    قال: [فختم على قلوبهم -أي: الأشقياء- فحال بينهم وبين الحق أن يقبلوه، وغشى أبصارهم عنه فلم يبصروه، وجعل في آذانهم الوقر فلم يسمعوه، وجعل قلوبهم ضيقة حرجة، وجعل عليها أكنة، ومنعهم الطهارة فصارت رجسة؛ لأنه خلقهم للنار، فحال بينهم وبين قبول ما ينجيهم منها، فإنه قال تعالى: وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ [الأعراف:179] ]، أي: أضل من الأنعام، والأنعام أشرف منهم.

    وقال تعالى: وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ [هود:119].

    وهذا وما أشبهه فرض على المؤمنين الإيمان به]، أن يؤمنوا أن الهداية بيد الله ومن عنده، وأن الشقاء بيد الله ومن عنده، فهو يهدي من يشاء ويضل من يشاء سبحانه وتعالى، وكل ذلك داخل في مشيئته عز وجل، فهدايته للخلق محض فضل الله تعالى على من هداه، وإضلاله وإتعاسه وإشقاؤه لبعض خلقه عدل من الله عز وجل.

    قال: [فهذا وما أشبهه فرض على المؤمنين الإيمان به، ويرد علم ذلك ومراد ذلك إلى الله تعالى، ولا ينبغي للمخلوقين أن يتفكروا فيه].

    يعني: أنت لا يحق لك أن تقول: لماذا أضل الله فلاناً؟ والله قادر على أن يجعل شارون مسلماً؛ لأن الله تعالى على كل شيء قدير، وهو قادر على ذلك، ولو أراد الله عز وجل لقذف الإيمان في قلب شارون ، وسيكون هذا حدث من الأحداث التي يتكلم عنها القاصي والداني، والتي ستغير وجه الأرض ووجه العالم، وهذا فيما يتعلق بنظري ونظرك، ولكن علم الله عز وجل مقدم على ذلك، وقد علم أن الحكمة في بقاء شارون على الكفر، ومعلوم أن اليهود والنصارى كفار، وهذا معلوم بالضرورة، وقد نوقشت.

    رسالة في جامعة القاهرة منذ عدة أيام، ولما قال الطالب: وقد قال فلان من الكفار، قالوا له: إنه ليس من الكفار، فقال: أليس هذا كاتب إنجليزي؟ قالوا: نعم كاتب إنجليزي، وهو نصراني، فكيف يكون كافراً؟ فقال: الله عز وجل يقول: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ [الحجرات:10]، فقال له المناقش: هؤلاء إخواننا في الإنسانية، ولا داعي لأن نسميهم كفاراً.

    والأمر بيننا وبين اليهود والنصارى إيمان وكفر، وليس هناك وسط بيننا وبينهم، وهو إما أن يكون مؤمناً أو كافراً، فلما نفى الله عز وجل عنهم الإيمان وأثبت لهم الكفر بسبب إعراضهم عن دعوة محمد عليه الصلاة والسلام كفروا قولاً واحداً، ومن قال غير ذلك فهو جاهل غبي أحمق، لا علم له بالكتاب ولا بالسنة كذلك.

    حكم الزواج من اليهودية أو النصرانية

    لا يحل للمسلم أن يتزوج إلا امرأة مؤمنة أو امرأة نصرانية أو يهودية، والمرأة المؤمنة خير من ملء الأرض من اليهوديات والنصرانيات، والشرع أجاز لنا أن نتزوج الكتابية، ولا تقل: إن كتب اليهود والنصارى قد حرفت، فقد حرفت من قبل بعثة النبي عليه الصلاة والسلام، فالنصرانية إذا زعمت أن عيسى هو الله أو ابن الله لا يحل الزواج منها، وإنما النصرانية التي تؤمن أن عيسى رسول الله هي التي يحل الزواج منها، وأما التي تزعم أن عيسى ابن الله أو هو الله فهذه امرأة مشركة ولا يحل لنا أن نتزوج المشركات.

    أفعال الله تعالى مبنية على الحكمة

    لا ينبغي للمخلوقين أن يسألوا: لم فعل الله ذلك؟ ولا كيف فعل الله ذلك؟ فالله يفعل هذا بعلم وحكمة، ولست مطالباً بالكيفية أبداً، بل إنك منهي عن الخوض فيها، وقد فرض الله تعالى على المؤمن أن يعلم أن ذلك الفعل عدل من الله، يعني: إذا فعل الله تعالى فعلاً ولم تعلم حكمته فعليك التسليم، سواء علمت الحكمة من ورائه أو لم تعلم، لأن عندك أصلاً أصيلاً، وهو أن أفعال الله تعالى كلها مبنية على الحكمة.

    فإذا جاء شخص معتزلي عقلاني من المدرسة العقلية يقول: إن ربنا سبحانه وتعالى أمرنا بالتفكر والتدبر والتعقل، فقال: (( أَفَلا تَعْقِلُونَ ))، ((أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ))، ((أَفَلا تَتَفَكَّرُونَ))، فنقول له: نعم أمرك بهذا، ولكنه جعل لعقلك حداً لا تتعداه، فإذا شرع الله تبارك وتعالى شرعاً وأعلمك وأطلعك على الحكمة منه فهذا خير وبركة، ولا يلزم من ذلك أن تعلم الحكمة من كل فعل من أفعال العباد، ولا من كل تشريع من تشريعات الله عز وجل.

    فضل الله سبحانه على عباده

    قال: [قال تعالى: وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُوْلَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ [الحجرات:7]. فأخبر أنه حبب إليهم الإيمان، وزينه في قلوبهم، وكره إليهم الكفر والفسوق والعصيان، وسماهم راشدين، وأثنى عليهم بإحسانه إليهم].

    يعني: أنه سبحانه وتعالى أحسن إليهم وهداهم وأرشدهم إلى الحق، ومع هذا يمدحهم؛ لأنه خصهم بالنعمة قبل أن يعرفوه، وبدأهم بالهداية قبل أن يسألوه، ودلهم بنفسه من نفسه على نفسه؛ رحمة منه لهم وعناية بهم من غير أن يستحقوه، وصنع بهم ما وجب عليهم شكره، فشكرهم هو على الإحسان إليهم قبل أن يشكروه، وابتاع منهم ملكه الذي هو له وهم لا يملكونه، وجعل ثمن ذلك ما لا يحسنون أن يطلبوه، فقال: إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ [التوبة:111]. والجنة: مخلوقة لله عز وجل.

    ثم قال: فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [التوبة:111]. فثمن الجنة أن أبيع نفسي ومالي لله عز وجل، فالله عز وجل هو الذي رزقك هذا المال، وهو الذي هدى نفسك للإيمان وحببه إليها، فهو تبارك وتعالى يمن عليك ثم يشكرك على ذلك، ويجزيك داراً عرضها السماوات والأرض سبحانه وتعالى.

    ولو أن العبد عمر مليون عام في عبادة الله عز وجل فإنه لا يستحق الجنة على ذلك، لأن هذه العبادة الله عز وجل هو الذي قواه عليها، وقد كان من الأول قادراً أن يسلبه القدرة عليها.

    ولو أن العباد عمروا ملايين الأعوام فقضوها في عبادة الله لما استحقوا جزاء أفعالهم وعبادتهم هذه الدار، ولكن الله تبارك وتعالى حبب إليهم الإيمان وزينه في قلوبهم، وكره إليهم الكفر والفسوق والعصيان، ثم جازاهم على إحسانه إليهم الجنة. فلا يمكن أبداً أن تساوي عبادتهم فضل الله عز وجل، ولكنه فضل الله تعالى، وهم لما قبضوا ثمن ابتياعه منهم ووصلوا إلى ربح تجارتهم لابد أن يشكروا الله حق الشكر، فقالوا: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ [الأعراف:43].

    فالهداية بيد الله عز وجل، والذي يملك الهداية لابد أنه يملك الشقاء، لأنه لا يوجد إله يملك الهداية وإله آخر يملك الشقاء، وإنما الذي بيده الهداية هو الذي بيده الضلال، فهو يهدي من يشاء ويضل من يشاء، وهو إله واحد، يملك هذا وذاك، ويملك العالمين سبحانه وتعالى.

    بعض اعتراضات الملحدين على قدر الله والجواب عليها

    الجاهل الملحد المعترض على الله عز وجل في أمره والمنازع له في ملكه يقول: كيف قضى الله علي بالمعصية ثم يعذبني عليها؟ وأحياناً يورد الواحد منا في ذهنه هذا السؤال: لم لم يهد الله فلاناً وهو قادر على هدايته؟

    وإذا كان ربنا سبحانه وتعالى هو الذي يملك الضلال وهو الذي أوجبه على هذا العبد فلم يعذبه مادام أنه هو الذي فرضه عليه؟ وهذا السؤال من أعظم أوجه الإلحاد، والذي يسأل هذا السؤال لا علم له بالإيمان بالقضاء والقدر أبداً؛ لأنه لو علم مراتب القدر أو بعضاً مما ذكرناه فلا يمكن أن يخطر بباله هذا السؤال.

    ويقول: وكيف حال بين قوم وبين الإيمان؟ وكيف يصليهم على ذلك في النيران؟ ثم يعترض عليه في هدايته لأنبيائه وأصفيائه وأوليائه، فيقول: لم خلق الله آدم بيده، وأسجد له الملائكة؟ ولم اتخذ إبراهيم خليلاً وآتاه رشده من قبل؟ ولم كلم الله موسى تكليماً؟ ولم خلق عيسى من غير أب وجعله آية للعالمين وخصه بإحياء الأموات، وجعل فيه الآيات والمعجزات؛ من إبراء الأكمه والأبرص وأن يخلق من الطين طيراً؟ تعالى الله عن اعتراض الملحدين علواً كبيراً.

    ونحن نقول: إن لله المنة والشكر فيما هدى وأعطى، وهو الحكم العدل فيما منع وأضل وأشقى، يعني: بحكمة الله عز وجل وعدله أشقى فلاناً ولم يظلمه؛ لأن الله تعالى منزه عن الظلم، فله الحمد والمنة على من تفضل عليه وهداه، وله الحجة البالغة على من أضله وأشقاه.

    قال تعالى: يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلإِيمَانِ [الحجرات:17]، فالهداية بيد الله عز وجل.

    فقوله: يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا ، أي: الإسلام أنت لا تملكه، فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ [الأنعام:125]. فالذي شرح صدرك للإسلام هو الله، فهو الذي هداك إليه، فلا تمن على الله بأنك مسلم، بل هو الذي يمن عليك بهذا الإسلام والإيمان؛ لأنه هو الذي شرح صدرك إليه ووفقك لاتباع الإسلام وقبول الإيمان، فهو من عند الله، والله تعالى هو الذي وفقك إليه وإلى الإيمان.

    وقال أهل النار: قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا [المؤمنون:106]، فحتى أهل النار يوم القيامة سيعترفون أن هذا الشقاء بسبب أفعالهم هم، فلن يقولوا: ربنا غلبت علينا شقوتك لنا وإضلالك لنا؛ لأنهم نسبوا الشقاء إلى أنفسهم بسبب أفعالهم الكفرية واعتراضهم على الله عز وجل وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ [المؤمنون:106]، يعني: بسبب الضلال أوجب الله تبارك وتعالى عليهم في الآخرة الشقاء في النار. وكما قال تعالى عنهم: وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ [الملك:10]. وهم قد سمعوا وعقلوا، ولكنهم سمعوا سماع إعراض، بل كانوا يجلسون ويسمعون القرآن والنبي يقرؤه في الكعبة عليه الصلاة والسلام، فيضحكون ويتمايلون ويتبخترون ويستهزئون بكلام الله عز وجل وبدعوة النبي عليه الصلاة والسلام، فاستحقوا بذلك أن يكونوا في أصحاب السعير.

    والكفر له أئمة، كما قال الله تعالى: فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ [التوبة:12]. وكما أن للهداية أئمة فكذلك للضلال أئمة.

    1.   

    باب في ذكر ما أعلمنا الله تعالى في كتابه أنه يضل من يشاء ويهدي من يشاء

    قال: [الباب الثاني: في ذكر ما أعلمنا الله تعالى في كتابه أنه يضل من يشاء ويهدي من يشاء]، أي: يهدي من يشاء مشيئة دينية شرعية، ويضل من يشاء إرادة كونية قدرية، وأنه لا يهتدي بالمرسلين والكتب والآيات والبراهين إلا من سبق في علم الله أنه يهديه، ولذلك بين الله تعالى لنبيه أنه لا يهدي من يحب، ولكن الله يهدي من يشاء، ومهما حرص الناس على ذلك فإنه لا يكون إلا ما يريده الله، فالنبي عليه الصلاة والسلام كان حريصاً على إيمان أبي لهب ، وكان حريصاً كل الحرص أن يسلم جميع الخلق، وقد علمه ربه من فوق سبع سماوات أن الخلق جميعاً لن يكونوا مؤمنين، وإلا فلم خلق الله تعالى النار؟ والنبي عليه الصلاة والسلام قال: (اطلعت في النار فرأيت فيها فلاناً وفلاناً وفلاناً، وذكر أشياء، وقال: ووجدت أكثر أهلها النساء، فقالت امرأة جزلة -عاقلة-: يا رسول الله! ولم؟ قال: لأنهن يكفرن، قالت: يكفرن بالله؟ قال: لا، يكفرن الإحسان ويكفرن العشير؛ يحسن الرجل إليهن الدهر كله، فإذا بدا منه شيء قالت: ما رأيت منك خيراً قط). وهذا شأن النساء.

    بعض الآيات الدالة على هداية الله لمن يشاء من عباده وإضلاله لمن يشاء

    قال الله عز وجل: فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ [النساء:88]، أي: يا محمد! أتريد أن تهدي من كتب الله تعالى وقدر عليه الضلال؟ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا [النساء:88]. فلا يمكن أبداً أن تسلك إلى قلبه مسلكاً، فالقلوب لها أقفال ومفاتيح أعظم من أقفال ومفاتيح أي باب، فإذا كان الله تعالى طبع على قلب فلان فلا يمكن لجميع الأنبياء والمرسلين مجتمعين أن يفتحوا هذا القلب، ومهمة الأديان والأنبياء والمرسلين هي تبليغ دعوة الحق إلى الخلق فقط، أي: إرشادهم إلى الله، والذي يملك الهداية والضلال هو الله عز وجل.

    وقال تعالى: مُذَبْذَبِينَ [النساء:143]، أي: المنافقين مترددين، بَيْنَ ذَلِكَ لا إِلَى هَؤُلاءِ وَلا إِلَى هَؤُلاءِ [النساء:143]، أي: لا هم مع أهل الإيمان قولاً واحداً، قلباً وقالباً، ولا مع الكافرين قولاً واحداً، وإنما هم مع الكافرين بقلوبهم ومع المؤمنين بأبدانهم، فهم يصومون ويصلون ويزكون ويحجون ويجاهدون ويقتلون في الحروب في معسكر الإيمان، ولكنهم ليسوا مؤمنين؛ لأن قلوبهم لم يدخلها الإيمان، بل الكفر لازال مستقراً فيها، وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا [النساء:88].

    وقال تعالى: وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُمَاتِ مَنْ يَشَإِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [الأنعام:39]. اللهم اجعلنا منهم.

    وقال تعالى: قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ [الأنعام:149].

    وقال تعالى: وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ [الأنعام:110].

    وقال تعالى: وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ [الأنعام:111].

    وتصور شخصاً يخرج من تحت الأرض، إن هذا لشيء مرعب، وينزل إليك ملك من السماء، وكل شيء بجوارك يحشر إليك من الشجر والدواب والطير والحشرات والهوام وغير ذلك من آيات الله عز وجل، فإنك يقيناً لابد أن تقول: آمنت بالله، وإذا كان الواحد من الكفار إذا وقع في ساحة القتال بيد مجاهد من المجاهدين قال: أسلمت؛ بسبب خوفه من السيف، فكيف يكون الحال إذا حشر كل شيء في السماء والأرض، إنه أمر مرعب، فلابد أن يسلم في هذه الحالة، ويخرج من الكفر إلى الإيمان، وهو في هذه الحال لن يخرج من الكفر إلى الإيمان إلا بمشيئة الله.

    وقال تعالى: وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ [الأنعام:35]، أي: لا تغضب يا محمد! إن كانوا معرضين، فقد كتب الله تعالى عليهم الضلال، فاعلم هذا ولا تأخذ نفسك بشيء، فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ [فاطر:8]. وقال: لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ [الشعراء:3].

    فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ [الأنعام:35]. فهدايتهم بيد الله، وليس عليك يا محمد! إلا البلاغ المبين، هذه مهمة المرسلين.

    وقال تعالى: مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هَادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ [الأعراف:186].

    وقال تعالى: قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ [الرعد:27].

    وقال تعالى: إِنَّمَا أَنْتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ [الرعد:7]، أي: أنت المنذر يا محمد! ولكن الهادي هو الله تعالى.

    وقال: أَفَلَمْ يَيْئَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا [الرعد:31].

    وقال: بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ [الرعد:33]. فقال: وَصُدُّوا ، وليس وصَدّوا، وإنما وَصُدُّوا بالبناء للمجهول، والذي صدهم عن السبيل هو الله؛ لأن هذا نوع ضلال والله تعالى يملكه، وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ [الرعد:33].

    وقال: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ [إبراهيم:4].

    فالضلال بيد الله والهداية بيد الله.

    وقال: وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَائِرٌ وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ [النحل:9].

    وقال: وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ [النحل:36]. ولا تكون العبادة كاملة وتامة إلا باجتناب عبادة الطاغوت، فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ [النحل:36].

    وقال تعالى: إِنْ تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ [النحل:37] أي: يا محمد! فَإِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ [النحل:37].

    وقال: وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِهِ [الإسراء:97].

    وقال: مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا [الكهف:17]، ].

    وقال: وَكَذَلِكَ أَنزَلْنَاهُ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَأَنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يُرِيدُ [الحج:16]، يعني: بعد هذه الآيات البينات لا يهتدي إلا من أراد الله تعالى هدايته.

    وقال: يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ [النور:35].

    وقال: وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ [النور:40].

    وقال: لَقَدْ أَنزَلْنَا آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [النور:46].

    وقال: إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ [القصص:56]، أي: سبق في علم الله الأزلي الذي يقبل هدى الله والذي يرد هدى الله، ولما سبق في علم الله ذلك كتبه عليه، فلا محاولة ألبتة غير البلاغ والإنذار، وهذه مهمة الأنبياء.

    وقال تعالى: بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ [الروم:29].

    وقال: وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا [السجدة:13]، أي: فكل نفس منفوسة على وجه الأرض لو شاء الله تعالى هدايتها لهداها، وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي [السجدة:13]، أي: بالعلم الأزلي السابق بصد وإعراض أناس عن الحق والهداية، لَأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ [السجدة:13].

    وقال تعالى: أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا [فاطر:8]. وهذا ضلال عظيم جداً أن يعمل الشخص عمل السوء، وهذا بلاء، والأعظم منه بلاء أن يرى فعله السيئ حسناً فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ [فاطر:8].

    وقال: ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ [الزمر:23].

    وقال: وَيُخَوِّفُونَكَ ، أي: يا محمد! أنت ومن معك وقوادك وجنودك وأمتك، بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ ، أي: من دون الله عز وجل، وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ [الزمر:36]، وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُضِلٍّ أَلَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انْتِقَامٍ [الزمر:37]. فالله تعالى يستطيع أن يهلك الكافرين، فهو تعالى عزيز لا يقهر، وهو ذو انتقام من المجرمين، كما قال: إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنتَقِمُونَ [السجدة:22].

    وقال تعالى: يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ [غافر:33].

    وقال: كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ [المدثر:31]. فالهداية والضلال بيد الله عز وجل.

    الهداية والضلال بيد الله وحده

    قال الإمام ابن بطة: [ففي كل هذه الآيات التي مضت يعلم الله عز وجل عباده المؤمنين أنه هو الهادي المضل الذي يملك الهداية والضلال، وأن الرسل لا يهتدي بهم إلا من هداه الله]، والنبي عليه الصلاة والسلام لا يملك أن يهدي أحداً من الناس، وإنما الذي يملكه هو الله، والنبي عليه الصلاة والسلام سبب موصل لهداية الله، فالرسل لا يهتدي بهم إلا من هداه الله، ولا يأبى الهداية إلا من أضله الله، ولو كان من اهتدى بالرسل والأنبياء مهتدياً بغير هدايته لكان كل من جاءهم المرسلون مهتدين؛ لأن العبرة بمجيء الرسول إليهم، والرسول جاء إلى أبي بكر وإلى أبي لهب ، ونفس الذي بلغه رسول الله لـأبي بكر بلغه لـأبي لهب ، فيقال حتى من جهة اللغة: جاء الرسول إلى أبي بكر وجاء الرسول إلى أبي لهب ، فالنبي صلى الله عليه وسلم بلغ الاثنين، لكن الله تعالى أراد الهداية لـأبي بكر وأراد الضلال والشقاء لـأبي لهب .

    إذاً: الهداية والشقاء بيد الله عز وجل، يريدها لعبد ويمنعها من عبد، ولو كان الرسل هم الهادون لكان كل من أرسل إليهم المرسلون مهتدين، سواء تبعوه أو لم يتبعوه.

    ولذلك قال: [ولو كان من اهتدى بالرسل والأنبياء مهتدياً بغير هداية الله لكان كل من جاءهم المرسلون مهتدين؛ لأن الرسل بعثوا رحمة للعالمين، ونصيحة لمن أطاعهم من الخليقة أجمعين، فلو كانت الهداية إليهم لما ضل أحد جاءوه]، يعني: لو كانت الهداية بيد الرسل لما أفلت من أيديهم أحد، لكن الهداية بيد الله.

    أما سمعت ما أخبرنا مولانا الكريم من نصيحة نبينا صلى الله عليه وسلم وحرصه على إيماننا حين يقول: لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ [التوبة:128]، وفي قراءة: (من أنفَسكم)، يعني: من أحسنكم نسباً وأعظمكم شرفاً، عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ [التوبة:128]، يعني: يعز عليه عنتكم ومشقتكم، حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ [التوبة:128].

    وبالذي أخبرنا به عن خطاب نوح عليه الصلاة والسلام لقومه: وَلا يَنفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ [هود:34] يعني: يقول لهم: أنا ما علي إلا البلاغ، وَلا يَنفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ قد سبق في علمه أنه يضلكم، وأنكم ضُلال، وكتب عليكم الشقاء، فإنكم لا تقبلون نصيحتي مطلقاً، يعني: أنه هو لا يملك الهداية للخلق ولا الشقاء، وإنما الذي يملكهما هو الله عز وجل.

    وهذا من عدل الله الذي لا يجوز لأحد أن يتفكر فيه، ولا يظن في ربه غير العدل، فلا يحل لك أن تظن بربك غير العدل، والله عز وجل يقول: (أنا عند ظن عبدي بي فليظن بي ما شاء). والله عز وجل لا يقول هذا من باب التخيير، وإنما من باب التهديد، كما قال عز وجل: فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ [الكهف:29]. فهذا صيغة أمر، والأمر يفيد الوجوب إلا أن يصرفه صارف، والأمر في اللغة على نحو اثنين وعشرين وجهاً، فقوله عز وجل: فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ [الكهف:29] كلمة (فليؤمن) فعل أمر يدل على الوجوب، وهو على ظاهره؛ لأن المطلوب من العباد أن يؤمنوا بالله؛ لأن هذا أمر الله تعالى إليهم، وقوله: وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ ، يعني: الذي يريد أن يؤمن يؤمن، والذي يريد أن يكفر يكفر، فالآية ظاهرها التخيير، ولكنه غير مراد هنا، وإنما هو تخيير تهديد، وهذا كما تقول لابنك: إذا أردت أن تذاكر فذاكر، وإذا لم ترد أن تذاكر فلا تذاكر، وقد نويت ضربه إن لم يذاكر، فأنت هنا لا تخيره في هذا، وإنما تهدده، بدليل أنك ستضربه إن لم يذاكر. وكذلك قوله تعالى: وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ ، فللكفار نار لا تهدأ ولا تنطفئ أبداً.

    قال: [هذا من أحكام الله وعدله الذي لا يجوز لأحد أن يتفكر فيه، ولا يظن بربه غير العدل، وأن يحمل ما جهله من ذلك على نفسه، ولا يقول: كيف بعث الله عز وجل نوحاً إلى قومه، وأمره بنصيحتهم ودلالتهم على عبادته، والإيمان به وبطاعته، والله يغويهم ويحول بينهم وبين قبول ما جاء به نوح إليهم عن ربه حتى كذبوه وردوا ما جاء به؟

    ولقد حرص نوح على هداية الضال من ولده، ودعا الله أن ينجيه مع أهله، فما أجيب، وعاتبه الله في ذلك بأغلظ العتاب حين قال نوح: رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي [هود:45]، قال الله عز وجل: إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ [هود:46]، أي: إنه ليس من أهل الإيمان، وهو وإن كان من أهلك -أي: من ولدك ومن نسلك- إلا أنه ليس في معسكر الإيمان، فهؤلاء هم الأهل الحقيقيون، إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ [هود:46]. وذلك أن ابن نوح كان ممن سبقت له من الله الشقوة، وعلم الله تبارك وتعالى أزلاً أنه لا يقبل الهداية، ولا الشرع الذي جاء به والده، وكتب في ديوان الضلالة من الأشقياء، فما أغنت عنه نبوة أبيه ولا شفاعته فيه.

    فنحمد ربنا أن خصنا بعنايته، وابتدأنا بهدايته من غير شفاعة شافع ولا دعوة داع، وإياه نسأل أن يتم ما به ابتدأنا، وأن يمسكنا بعرى الدين الذي إليه هدانا، ولا ينزع منا صالحاً أعطانا].

    وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3003433625

    عدد مرات الحفظ

    718688668