إسلام ويب

الصوتيات

  1. الصوتيات
  2. محاضرات مفرغة
  3. حسن أبو الأشبال الزهيري
  4. شرح كتاب الإبانة من أصول الديانة
  5. شرح كتاب الإبانة - ما جاء من الآثار في كراهة الخوض والكلام في القدر

شرح كتاب الإبانة - ما جاء من الآثار في كراهة الخوض والكلام في القدرللشيخ : حسن أبو الأشبال الزهيري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • ورد في الأحاديث النبوية وآثار الصحابة كراهة الخوض في القدر والكلام فيه؛ وذلك لأن القدر من أسرار الله عز وجل، نمره كما جاء عنه سبحانه من غير خوض فيه؛ لأن الخوض فيه هو سبيل إلى الشك والكفر بالله عز وجل.

    1.   

    الأحاديث والآثار في كراهة الخوض والكلام في القدر

    إن الحمد لله تعالى، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    أما بعد:

    ففي الدرس الماضي تكلمنا عن القدر وكان هو بداية الكلام عن القدر، وبينا هناك أن الله تعالى خالق الخير والشر بدليل أنه خلق إبليس الذي هو رأس الشر.

    وأن للقدر مراتب أربعاً:

    المرتبة الأولى: مرتبة العلم.

    والمرتبة الثانية: مرتبة الكتابة ومن أنكرهما كفر بالإجماع.

    والمرتبة الثالثة: مرتبة الإرادة، وقيل: المشيئة على خلاف بين أهل العلم فيما يتعلق بمعنى الإرادة والمشيئة.

    والمرتبة الرابعة: مرتبة الخلق، والمقصود بها: أن الله تعالى خالق الخير والشر، وأن العبد مكتسب الخير والشر.

    إذاً: الأفعال والأعمال في حق العبد اكتساب، وفي حق الرب تبارك وتعالى خلق وإيجاد، الله تعالى خلق وأوجد الخير والشر، ولكن الذي باشر ومارس الخير والشر بنفسه هو العبد.

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [وقد كان سلفنا وأئمتنا رحمة الله تعالى عليهم يكرهون الكلام في القدر، وينهون عن خصومة أهله ومواضعتهم القول في ذلك أشد النهي، ويتبعون في ذلك السنة وآثار المصطفى].

    هناك أحاديث جاءت في القدر، لكن بعضها ضعيف والآخر صحيح أو حسن، فمن الضعيف قوله عليه الصلاة والسلام الذي رواه عنه [عمر بن الخطاب رضي الله عنه: (لا تجالسوا أهل القدر ولا تفاتحوهم)]، وهو حديث ضعيف، والحسن: هو حديث أبي ذر رضي الله عنه قال: (خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم على أصحابه ذات يوم وهم يتذاكرون شيئاً من القدر -أي: يتباحثون في بعض مسائل القدر- فخرج عليهم مغضباً صلى الله عليه وسلم، فكأنما فقئ في وجهه حب الرمان) أي: من شدة الغضب احمر وجهه عليه الصلاة والسلام، فقال: (أبهذا أمرتم؟) أي: أنا أمرتكم أو أن الله أمركم أن تخوضوا في مسائل القدر؟ ( أوما نهيتم عن هذا؟ إنما هلكت الأمم من قبلكم في هذا، إذا ذكر القدر فأمسكوا، وإذا ذكر أصحابي فأمسكوا، وإذا ذكرت النجوم فأمسكوا).

    نهاهم النبي عليه الصلاة والسلام عن الخوض في هذه المسائل الثلاث؛ لأن الخوض فيها يؤدي إلى الهلكة، (إذا ذكر القدر فأمسكوا) أي: لا تتحدثوا فيه ولا تقولوا: لم؟ وكيف؟ لم فعل الله هذا؟ وكيف فعل الله هذا؟ ولم لم يفعل الله هذا؟ قال: (فإذا ذكر القدر فأمسكوا، وإذا ذكر أصحابي) أي: أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام (فأمسكوا، وإذا ذكرت النجوم فأمسكوا) هذه الثلاثة أشياء نحن مطالبون ومأمورون ألا نخوض فيها أبداً، وإنما نؤمن بها كما جاءت.

    قال: [وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج على أصحابه وهم يتنازعون في القدر فكأنما فقئ في وجهه حب الرمان، فقال: أبهذا أمرتم؟ -أبهذا وكلتم؟- انظروا ما أمرتم به فاتبعوه، وما نهيتم عنه فاجتنبوه)]، كأنه عليه الصلاة والسلام قال: لقد نهيتهم عن الكلام في القدر، فما بالكم تخالفون هذا النهي؟

    قال: [وعن ابن عباس قال: (خرج النبي صلى الله عليه وسلم يوماً فسمع ناساً يتذاكرون القدر، فقال: إنكم قد دخلتم في شعبتين بعيدتي الغور -يعني: قعرهما بعيد ومهلك- فيهما هلك أهل الكتاب)] كأنه يذكر القدر والنجوم.

    قال: [وعن مسلم بن يسار رحمه الله تعالى لما سئل عن القدر فقال: واد عميق لا يدرك غوره -أي: قعره وبعده- قف عند أدناه. واعمل عمل رجل يعلم أنه يجزى بعمله، وتوكل توكل رجل يعلم أنه لن يصيبه إلا ما كتب الله له.

    وعن محمد بن إبراهيم القرشي عن أبيه قال: كنت جالساً عند ابن عمر فسئل عن القدر فقال: شيء أراد الله ألا يطلعكم عليه]. كأن القدر هذا هو سر الله تعالى، وهذا قد جاء صريحاً عن علي بن أبي طالب : القدر سر الله تعالى في خلقه. فلما سئل ابن عمر عن القدر قال: [شيء أراد الله ألا يطلعكم عليه. فلا تريدوا من الله ما أبى عليكم.

    وعن ميمون بن مهران قال: ثلاث ارفضوهن -أي: ارفضوا الكلام فيهن- ما شجر بين أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، والنجوم، والنظر في القدر]، فكأن هذه من مسائل الإجماع عند السلف؛ لأن الكل أجمع على النهي عن الخوض فيما شجر بين الصحابة رضي الله عنهم جميعاً، والإمساك عن النجوم وأن لها عملاً وتأثيراً في الخلق، وكذلك الكلام عن القدر.

    قال: [وسئل يحيى بن معاذ الرازي عن القدر فقال: من أحب أن يفرح بالله ويتمتع بعبادة الله فلا يسألن عن سر الله، يعني: القدر].

    الكتاب والسنة يخرجان من مشكاة واحدة

    قال الشيخ ابن بطة رحمه الله يشرح موقف السلف القديم الذي ذكرناه هذا: [فإن قال قائل: قد رويت أحاديث في الإمساك عن الكلام في القدر والنظر فيه، ومع هذا فقد روي عن رسول الله عليه الصلاة والسلام وأصحابه الكرام وعن جماعة من التابعين وفقهاء المسلمين أنهم تكلموا فيه]، فكأن الإمام ابن بطة عليه رحمة الله يقول: ظاهر النصوص في باب القدر فيها تضارب؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم تكلم عن القدر ونهى عن الكلام في القدر، والصحابة نهوا عن القدر وتكلموا في القدر، وكذلك التابعون وأتباع التابعين وفقهاء المسلمين نهوا عن الكلام في القدر ومع هذا تكلموا فيه، بل صنفت كتب كثيرة جداً في القدر، منها ما كان بأيدي سلفنا رضي الله عنهم، ومنها ما هو بيد المعاصرين لـابن بطة أو حتى ممن جاء بعد ابن بطة ، فظاهر الكلام التضارب والتعارض، وأنتم تعلمون إذا كان الله تعالى نهانا عن الكلام في القدر وتكلم فيه، وكذلك النبي عليه الصلاة والسلام إذا كان قد نهانا عن القدر وتكلم فيه فلا شك أن مشكاة الوحي واحدة، وإذا كانت مشكاة الوحي واحدة ومصدرها السماء، والكلام كلام الله عز وجل فلا يمكن أن يكون فيه تضارب ولا تعارض: وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا [النساء:82].

    فلما لم يكن فيه أدنى اختلاف كان ذلك يقيناً أن هذا الكلام من عند الله عز وجل، أما هذا الكلام الذي ظاهره التعارض فمآله إلى ما يسمى عند أهل العلم بتأويل مختلف الحديث، وتأويل ما ظاهره الاختلاف وليس الائتلاف، فإذا كان الأمر كذلك فقد قال ابن خزيمة رحمه الله تعالى وهو سيد المسلمين وشيخ المحدثين في زمانه: أشهد أنه ما بين نصين وردا عن الله ولا عن رسوله عليه الصلاة والسلام أدنى تعارض، ومن وجد شيئاً من ذلك فليأتني به لأؤلف له بينهما.

    فلا تعارض قط بين نصوص الوحي خاصة إذا كانت صحيحة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا كان قد ورد في القدر إباحة الكلام فيه والنهي عن الكلام فيه، وكذلك الصحابة وكذلك النجوم فمآل ذلك إلى التأويل.

    بيان ما يجوز فيه ذكر النجوم وما لا يجوز فيه ذكر النجوم

    قال: [أما النجوم فقد ورد فيها كلام بالإباحة وكلام بالمنع فأحدهما واجب علمه والعمل به، فأما ما يجب علمه والعمل به فهو أن نتعلم نحن من النجوم ما نهتدي به في ظلمات البر والبحر كما أمر الله عز وجل، ونعرف به القبلة والصلاة والطرقات، فبهذا العلم من النجوم نطق الكتاب ومضت السنة.

    إذا نظرنا إلى الآيات المتعلقة بالنجوم في الكتاب والسنة لكان مدار هذه الآيات وهذه الأحاديث بأن نتعلم من النجوم ما نستنير به في طرقاتنا في البر والبحر، ونعرف به القبلة، ونعرف به مواقيت الصلوات وغير ذلك، فلا يجوز لنا بعد ذلك أن نتعلم من النجوم شيئاً غير الذي أمرنا الله تعالى به، وأمرنا به رسوله عليه الصلاة والسلام، وأن ما لا يجوز النظر فيه -أي: في النجوم والتصديق به- ويجب علينا الإمساك عنه من علم النجوم فهو ألا نحكم للنجوم بعمل، لا نقول: إن النجوم لها تأثير في الأعمال؛ لأن النجوم لا تعمل شيئاً.

    أفل نجم في زمن النبي عليه الصلاة والسلام، فقال لأصحابه: ما كنتم تقولون في مثل هذا؟ قالوا: والله يا رسول الله! كنا نقول: لا يكون ذلك إلا لموت عظيم أو لميلاد عظيم، فبين النبي عليه الصلاة والسلام فساد هذه العقيدة، وقال: (إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله عز وجل لا تنخسف لموت أحد ولا لميلاده) فالخسوف والكسوف آيتان من آيات الله تتم بقدر الله عز وجل، فلا تسأل: لماذا وكيف؛ لأن هذا مما نهيت عنه أيضاً، ولا يقضى لها بالحدود في أمره كما يدعي الجاهلون من علم الغيوب بعلم النجوم ولا قوة إلا بالله، فهذا الذي نهينا عن الكلام فيه].

    بيان ما يجوز فيه أن يقال عن الصحابة إذا ذكروا وما يجب الإمساك عنه عند ذكرهم

    قال: [وكذلك أمر الصحابة رضي الله عنهم، فكذلك أمرهم على وجهين.

    الأول: فرضي علينا علمه والعمل به، والثاني: يحرم علينا الخوض فيه.

    فأما الواجب علينا علمه والعمل به فهو ما أنزله الله في كتابه من وصفهم وما ذكره من عظيم أقدارهم وعلو شرفهم ومحل رتبتهم، وما أمرنا به من الاتباع لهم بإحسان مع الاستغفار لهم، وعلم ما جاءت به السنة من فضائلهم ومناقبهم، وعلم ما يجب علينا حبهم لأجله من فضلهم وعلمهم ونشر ذلك عنهم؛ لتنحاش القلوب إلى طاعتهم]، أي: لتنحاز وتميل القلوب إلى طاعتهم.

    قال: [وتتألف على محبتهم، فهذا كله واجب علينا علمه والعمل به.

    ومن كمال ديننا طلب ذلك]، كما أنه من كمال ديننا معرفة فضائل الصحابة رضي الله عنهم ونشر هذه الفضائل والمناقب في الناس؛ حتى يتحلوا بهذه الأخلاق الكريمة التي هي أخلاق سلفنا رضي الله عنهم خاصة أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام.

    قال: [وأما الذي يجب علينا تركه ويحرم علينا الخوض فيه وفرض علينا الإمساك عنه هو النظر فيما شجر بين الصحابة] النظر فيما اختلف فيه الصحابة خلافاً أدى إلى النزال والوقاع والحروب بينهم لا أن ذلك في الفروع، فالصحابة رضي الله عنهم اختلفوا في فروع المسائل العملية التي هي مسائل الأحكام الفقهية، فهذا لم ننه عن النظر فيه بل نحن مستفيدون من اختلاف الصحابة رضي الله عنهم في المسائل العملية هذه.

    أما ما شجر بينهم من خلاف ونزاع وحروب فنحن قد أمرنا أن نمسك عن هذا؛ ولذلك لما سئل عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه ورحمه عن الفتنة التي جرت بين علي ومعاوية رضي الله عنهما فقال: فتنة نزه الله منها سيوفنا، فلم لا ننزه منها ألسنتنا؟ فهذا كلام الإنسان الفقيه البصير بما وجب عليه وما نهي عنه، فيحرم علينا النظر فيما شجر بينهم.

    قال: [والخلف الذي كان جرى منهم؛ لأنه أمر مشتبه، ونرجئ الشبهة إلى الله عز وجل، ولا نميل مع بعضهم على بعض، ولا نظلم أحداً منهم، ولا نخرج أحداً منهم من الإيمان، ولا نجعل بعضهم على بعض حجة في سب بعضهم لبعض، فرضي الله عنهم].

    فإذا وقع بينهم السباب والشتائم فهل هذا حجة لنا أن نسب أحد الفريقين؟ ليس في ذلك حجة، ولذلك كلام الأقران يطوى ولا يروى، فضلاً عن أن هذا السب فيما يبدو للقائل أو الناظر أنه سب، لكن لو أخذنا مثالاً لقول عائشة رضي الله عنها في أبي هريرة رضي الله عنه. تقول: كذب أبو هريرة لم يكن رسول الله عليه الصلاة والسلام يسرد الحديث كسرده هذا؛ لأن أبا هريرة رضي الله عنه كان يجلس تحت جدار غرفة عائشة رضي الله عنها في المسجد، ويسأله الصحابة والتابعون، فيسرد لهم الحديث سرداً، وكان مكثراً وأمة في العلم كما تعلمون.

    فقالت عائشة رضي الله عنها: (كذب أبو هريرة . والله ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يسرد كسرده، وإنما كان إذا أراد العاد أن يعد كلامه لأحصاه؛ كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا تكلم بكلمة أعادها ثلاثاً لتفهم عنه) وفي رواية: (لتعقل عنه)، ولما سئلت عائشة عما قال عبد الله بن عمر في شأن تعذيب الميت ببكاء أهله وأنه قال: سمعت النبي عليه الصلاة والسلام يقول: (إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه)، قالت: كذب أبو عبد الرحمن ، إنما ذلك الكافر هو الذي يعذب ببكاء أهله عليه.

    فالشاهد هنا: أنها قالت: كذب أبو عبد الرحمن، وفي الحقيقة لو نظرنا إلى معنى الكذب في اللغة والاصطلاح لوجدنا أن الكذب: هو إخراج الكلام على غير الحقيقة، وأرادت عائشة رضي الله عنها بإطلاق لفظ الكذب أن أبا عبد الرحمن تكلم بكلام على غير جهة الحقيقة، كأنها قالت: أخطأ أبو عبد الرحمن، فالكذب بمعنى: الخطأ. أخطأ أو ظن ظناً لا يوافق الواقع أو الحقيقة.

    فالصحابة رضي الله عنهم إذا وقع منهم شيء من ذلك فلا يحل لنا نحن أن نقول: كذب أبو عبد الرحمن أو كذبت عائشة ، وإنما يجب علينا تركه كما قلنا.

    قال: [ولا نجعل بعضهم على بعض حجة في سب بعضهم لبعض، ولا نسب أحداً منهم بسبه صاحبه، ولا نقتدي بأحد منهم في شيء جرى منه على صاحبه، ونشهد أنهم كلهم على هدى وتقوى وخالص إيمان؛ لأنا على يقين من نص التنزيل وقول الرسول صلى الله عليه وسلم أنهم أفضل الخلق، وخير الخلق بعد نبينا صلى الله عليه وسلم؛ ولأن أحداً ممن أتى بعدهم ولو جاء بأعمال الثقلين الإنس والجن من أعمال البر، ولو لقي الله تعالى ولا ذنب له ولا خطيئة عليه؛ لما بلغ ذلك أصغر صغيرة من حسنات أدناهم، وما فيهم دني، ولا شيء من حسناتهم صغير. والحمد لله].

    ما يجوز الكلام فيه في القدر وما لا يجوز الكلام فيه

    قال: [وأما الكلام عن القدر فعلى وجهين كذلك]، فقد بينا الوجهين في النجوم والوجهين في الصحابة، يبقى أن نبين الوجهين في القدر.

    قال: [فالقدر الواجب علينا علمه والتصديق به والإقرار بجميعه أن نعلم أن الخير والشر من الله -هذا الذي يجب علينا علمه في باب القدر الذي قد ورد به النص في الكتاب والسنة- وأن الطاعة والمعصية بقضاء الله وقدره، وأن ما أصابنا لم يكن ليخطئنا، وما أخطأنا لم يكن ليصيبنا، وأن الله خلق الجنة وخلق لها أهلاً، علمهم بأسمائهم وأسماء آبائهم قبل أن يخلقهم، ووفقهم لأعمال صالحة رضيها سبحانه، وأمرهم بها؛ فوفقهم لها وأعانهم عليها وشكرهم بها، وأثابهم الجنة عليها]. يعني: الأعمال سبب، لكن دخول الجنة بفضل الله عز وجل منه ورحمة.

    قال: [وخلق النار وخلق لها أهلاً أحصاهم عدداً، وعلم ما يكون منهم، وقدر عليهم ما كرهه لهم، خذلهم بها وعذبهم لأجلها غير ظالم لهم، ولا هم معذورون فيما حكم عليهم به]. يعني: ليس لهم عذر؛ لأن الله تعالى أرسل لهم الرسل وأنزل عليهم الكتب، وجعلهم مكلفين مميزين عاقلين.

    قال: [فكل هذا وأشباهه من علم القدر الذي لزم الخلق علمه، والإيمان به والتسليم لأمر الله وحكمه وقضائه وقدره: لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ [الأنبياء:23]]، هذا الذي يجب علينا الإيمان به في باب القدر.

    قال: [وأما الذي يحرم علينا الخوض فيه في باب القدر هو أن نقول في باب القدر: كيف ولم]، كأن نقول: لم خلق الله إبليس؟ والله تعالى قبل أن يخلقه يعلم أنه رأس الشر فلم خلقه إذاً؟ هذا لا يحل لنا أن نتوجه إلى الله تعالى بالسؤال عنه.

    قال: [كيف ولم وما السبب؛ لأن القدر هو سر الله تعالى المخزون وعلمه المكتوم، الذي لم يطلع عليه ملكاً مقرباً ولا نبياً مرسلاً، وحجب العقول عن تخيل كنه علمه، والناظر فيه كالناظر في عين الشمس -الناظر في القدر كالناظر في عين الشمس- كل ما ازداد فيه نظراً ازداد فيه تحيراً، ومن العلم بكيفيتها بعداً، فهو التفكر في الرب عز وجل: كيف فعل كذا وكذا؟ ثم يقيس فعل الله عز وجل بفعل عباده، فما رآه من فعل العباد جوراً يظن أن ما كان من فعل مثله جور، فينفي ذلك الفعل عن الله، فيصير بين أمرين: إما أن يعترف لله عز وجل بقضائه وقدره، ويرى أنه جور من فعله، وإما أن يرى أنه ممن ينزه الله عن الجور فينفي عنه قضاءه وقدره].

    فينفي ذلك الفعل عن الله يقول: ليس ممكناً أن الله يعمل هكذا؛ لأن هذا ظلم؛ لأنه لو كان من عند خلقه لكان ظلماً. يعني: يقول مثلاً: الله تعالى يلقي الكافر في النار وهو الذي قدر عليه الكفر أولاً فكيف يعذبه آخراً؟

    قال: ولو أن ملكاً من ملوك الدنيا هو الذي استدرج عبيده إلى الوقوع في الخطأ والبعد عن الصواب ثم عاقبهم على ذلك لكان هذا منه ظلماً، يقيسون فعل العبد على أفعال الله عز وجل. يقولون: الله تعالى خلق إبليس وهو يعلم أنه رأس الشر ثم يعذبه بعد ذلك، هذا من الظلم؛ لماذا وقعوا في هذا؟ لأنهم قاسوا أفعال الله على أفعال العبيد.

    والمعلوم أن الله تعالى واحد في أفعاله: لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ [الأنبياء:23]، هذا الذي حدا بالقدرية إلى الكفر بالله عز وجل: قياس أفعال الخالق على أفعال المخلوق.

    حكم من قال: (لم خلق الله إبليس وهو يعلم أنه سيعصيه)

    قال: [فيصير القدري بين أمرين: إما أن يعترف لله عز وجل بقضائه وقدره، ويرى أنه جور من فعله -أي: يرى أن فعل الله تعالى فيه ظلم وتعد على العباد- وإما أن يرى أنه ممن ينزه الله عن الجور؛ فينفي عنه قضاءه وقدره -وكلاهما شر- فيجعل مع الله آلهة كثيرة يحولون بين الله وبين مشيئته، فبالفكر في هذا وشبهه، والتفكر فيه والبحث والتنقير عنه هلكت القدرية؛ حتى صاروا زنادقة وملاحدة ومجوساً، حيث قاسوا فعل الرب بأفعال العباد، وشبهوا الله تعالى بخلقه، ولم يعوا عنه ما خاطبهم به، حيث يقول تعالى: لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ [الأنبياء:23]]، ولما كانت هذه الجزئية من الجزئيات العظيمة أراد ابن بطة أن يضرب مثلاً.

    قال: [فمما لا يحل لأحد أن يتفكر فيه ولا يسأل عنه ولا يقول فيه: لم لا ينبغي لأحد أن يتفكر؟ لم خلق الله إبليس؟] وأنتم تعلمون أن كثيراً من الناس يسأل هذا السؤال.

    قال: [لم خلق الله إبليس وهو قد علم قبل أن يخلقه أنه سيعصيه، وأنه سيكون عدواً له ولأوليائه؟ ولو كان هذا من فعل المخلوقين إذا علم أحدهم أنه إذا اشترى عبداً يكون عدواً له ولأوليائه ومضاداً له في محابه، وعاصياً له في أمره، ولو فعل ذلك لقال أولياؤه وأحباؤه: إن هذا خطأ وضعف رأي وفساد نظام الحكمة، فمن تفكر في نفسه وظن أن الله لم يصب في فعله حيث خلق إبليس فقد كفر].

    يعني: لو أن واحداً قال: لم خلق الله إبليس وهو يعلم أنه سيعصيه وسيكون عدواً له ولأوليائه؟ وقاسوا ذلك على رجل عظيم أو ملك من ملوك الدنيا اشترى عبداً وهو يعلم أن هذا العبد سيئ الخلق وسيكون عدواً له ولبقية العبيد عنده. قالوا: هذا الملك لابد أنه سيكون سفيهاً حينئذ، فقارنوا فعل الملك بفعل الله عز وجل.

    قال الإمام: من قاس أفعال المخلوقين بأفعال الخالق فنتج عن ذلك السفه والغفلة فقد كفر، وهذا كلام في غاية الثبات؛ لأن الله تعالى واحد في أفعاله: لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ [الأنبياء:23] سبحانه وتعالى.

    قال: [ومن قال: إن الله لم يعلم قبل أن يخلق إبليس أنه يخلق إبليس عدواً له ولأوليائه فقد كفر، ومن قال: إن الله لم يخلق إبليس أصلاً فقد كفر]. لأنه لابد أن يقول: إن مع الله آلهة أخرى خلقت إبليس، والله تعالى واحد في خلقه فهو الخالق أو يقول: إن إبليس خلق نفسه، وكل هذا كفر وضلال.

    قال: [وهذا قول الزنادقة والملاحدة.

    فالذي يلزم المسلمين من هذا أن يعلموا أن الله خلق إبليس وقد علم منه جميع أفعاله؛ ولذلك خلقه]. يعني: لما علم الله تعالى ما سيكون عليه إبليس من الفساد في الأرض وإفساد العباد على الله عز وجل خلقه.

    قال: [ويعلم أن فعل الله ذلك عدل وصواب] يعني: لابد أن تعلم أن الله تعالى علم ماذا سيصنع به ومع هذا خلقه، وما خلقه الله تعالى إلا من باب الحكمة والعدل.

    قال: [وأن الله تعالى في جميع أفعاله لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ [الأنبياء:23].

    ومما يجب على العباد علمه وحرام عليهم أن يتفكروا فيه ويعارضوه في آرائهم، ويقيسوه بعقولهم وأفعالهم، لا ينبغي لأحد أن يتفكر: لم جعل الله لإبليس سلطاناً على عباده وهو عدوه وعدوهم مخالف له في دينه، ثم جعل له الخلد والبقاء في الدنيا إلى النفخة الأولى؟].

    أي: لم جعل الله كل هذا السلطان لإبليس وأعوانه وهو قادر على ألا يجعل له ذلك؟ لو شاء الله تعالى أن يهلكه من ساعته لفعل؛ فلم لم يفعل؟ ولو كان هذا من فعل العباد لكان خطأً؛ لأن الملك إذا أخطأ عبد مرة أو اثنتين أو ثلاثة -وربما لا يتحمل خطأه من أول وهلة- لقتله ليستريح منه.

    فمن قال: فلم لم يقتل الله تعالى إبليس ويريح منه العباد؟ فقد كفر؛ لأن هذا اعتراض على الله تعالى في أفعاله وفي عدله وحكمته.

    قال: [ولو كان هذا من فعل العباد لكان خطأً، وكان يجب في أحكام العدل من العباد أن إذا كان لأحدهم عبد وهو عدو له ولأحبائه ومخالف لدينه ومضاد له في محبته أن يهلكه من ساعته، وإذا علم أنه يضل عبيده ويفسدهم؛ ففي حكم العقل والعدل من العبادات ألا يسلطه على شيء من الأشياء، ولا يجعل له سلطاناً ولا مقدرة، ولو سلطه عليهم كان ذلك من فعله عند الباقين من عباده ظلماً وجوراً؛ حيث سلط عليهم من يفسدهم عليه ويضادهم فيه وهو عالم بذلك من فعله..] إلى آخر هذا الكلام.

    حكم مقولة: لم جعل الله لإبليس وذريته سلطاناً أن يأتوا بني آدم

    قال: [ومن ذلك نوع آخر أن الله عز وجل جعل لإبليس وذريته أن يأتوا بني آدم في جميع أطراف الأرض]. ليس في مكان بعينه، بل مهما ذهبت في باطن البحر أو في قعر الصحراء فإن إبليس معك، جعل الله تعالى لإبليس سلطاناً على بني آدم في جميع أطراف الأرض، كما أنه جعل له سلطاناً أن يرانا هو وقبيله من حيث لا نراهم كما ذكر الله تعالى.

    قال: [وجعلهم يجرون من بني آدم مجرى الدم، ولم يجعل للرسل من بني آدم ذلك السلطان]. يعني: تصور أن الله تعالى كان قادراً أن يجعل للرسل سلطاناً، ويجرون في عروق ودماء بني آدم كما جعل ذلك لإبليس؛ فلم جعل الله تعالى ذلك لإبليس ولم يجعله لعباده الصالحين من الأنبياء والمرسلين؟

    قال: [ولو كان هذا في أحكام العباد لكان من العدل بينهم أن يكون مع إبليس وذريته علامة كعلامة السلطان، أو يكون عليهم أجراس يعرفونهم بها].

    يعني: يقولون: لماذا لم يجعل الله لبني آدم علامة وأمارة يعرفون بها إبليس، أو يجعل مع العبد جرساً يكون نذيراً له عندما يقترب منه إبليس؟ لو حصل ذلك فإن الجرس لن يتوقف ولا يكاد ينتهي، بل يضرب باستمرار؛ فيكون في ذلك إزعاج، فيكفيك يا أخي المسلم! أن يبين الله تبارك وتعالى لك في القرآن أن معك قريناً من الشياطين وقريناً من الملائكة، حتى النبي عليه الصلاة والسلام كان معه قرين، إلا أن الله تعالى أعانه عليه فأسلم، فأكبر علامة لوجود إبليس أنه جاثم على صدرك بالليل والنهار لا يبرحك أبداً، وكلما فرغ من وسوسة ذهب إلى وسوسة أخرى، وهذا الذي بينه القرآن وبينته السنة.

    ومن الناس من يقول: لو كان الله عز وجل جعل لنا علامة القبول والرد في الأعمال والأقوال لعلمنا ما هو المقبول من أعمالنا وما هو المردود، ولو وقع ذلك لعنت عنتاً شديداً، وواجه مشقة شديدة جداً.

    فهذا من رحمة الله عز وجل بك أنه لم يخبرك بهذا، وإلا لكان كل واحد منا الآن إلا من رحم الله في ضيق وعنت شديدين جداً، كلما عمل العبد عملاً رد عليه.

    لو وقعت أنا في ضائقة، وأحببت أن أتوسل إلى الله بصالح عملي؛ فإني أقسم بالله العظيم أنني لا أجد لي عملاً صالحاً واحداً، وهذا بلاء عظيم جداً، فمن رحمة الله عز وجل أن أرجع ذلك للآخرة، وبين لك علامات قبول الأعمال وعلامات رد الأعمال في الكتاب والسنة، فشرط قبول العمل الإخلاص لله عز وجل وعدم الشرك والرياء، ومتابعة الرسول عليه الصلاة والسلام، وترك البدع في الدين.

    لو أنك تعمل عند رجل صاحب عمل، وكلما اجتهدت في تحسين العمل رده وقال لك: العمل هذا لا يعجبني. أعد العمل مرة أخرى، لو أنه فعل بك ذلك مرتين أو ثلاث مرات في عمل واحد وقد بذلت الوسع في إرضائه ولم يرض؛ ليئست من العمل معه وتركته.

    فلو أنك يئست من رحمة الله ماذا ستفعل؟ وإلى أين تذهب؟ لابد أنك ستذهب إلى الجحيم باليأس من رحمة الله عز وجل، فمن رحمة الله عز وجل أن ترك ذلك لنا إلى الآخرة، أما أن تطالب الله تبارك وتعالى أن يجعل لك علامات من الآن تعرف بها الخير من الشر، وتعرف بها القبول من الرد فهذا من العنت الذي نهينا عنه كذلك؛ ولذلك هؤلاء لو طالبوا أن يكون لهم علامة كعلامة السلطان، أو يكون عليهم أجراس يعرفونهم بها، ويسمعون حسهم، فيأخذون حذرهم منهم؛ حتى إذا جاءوا من بعيد علم العباد أنهم هم الذين يضلون الناس فيأخذون حذرهم، حينئذ سيكون هذا كلاماً مردوداً، أو يجعل الرسل يصلون إلى صدور الناس، ويزينون طاعة الله لهم، كما يوسوس الشيطان وذريته لهم، ويزين لهم المعصية، وهذا أيضاً من العنت.

    كذلك لا ينبغي لأحد أن يقول: لم سلط الله الكفار على الرسل في الدنيا؟ أليس الله قادراً على أن يجعل مع النبي ملكاً من أول لحظة، حتى إذا آذى شخص النبي قتله الملك؟ أليس الله قادراً على هذا؟

    لو أن أهل مكة أطبقوا على مخالفة أمره عليه الصلاة والسلام فقام ملك الجبال وأطبق عليهم الأخشبين. أليس هذا ممكناً؟ الجواب: نعم. لكن هذا مخالف للسنن يا إخواني! كذلك الله قادر على أن ينجحك من غير أن تذاكر، لكن هذا مخالف للسنن، والله قادر على أن يوفقك في الامتحان دون أن تنظر في الكتاب ولا أن تحضر المحاضرات؛ لأنه على كل شيء قدير سبحانه وتعالى، قادر على أن يجعل المرأة رجلاً والرجل امرأة، قادر على أن يجعل السماوات والأرض في بيضة، لكن كل هذا مخالف للسنن؛ فلم يفعله الله عز وجل، وحذرنا أن نسأل مثل هذه الأسئلة؛ لأن هذا هو الضلال بعينه.

    حكم من قال: لم سلط الله الكفار على الرسل والمؤمنين وهو قادر على إبادتهم؟

    ومن الناس من يقول: لماذا ربنا سبحانه وتعالى سلط الكافرين في البوسنة والهرسك وفي الشيشان وفي روسيا وفي أمريكا وفي فلسطين وغيرها على المسلمين؟ الجواب: هذا لحكمة عظيمة جداً لا يعلمها إلا هو سبحانه وتعالى، فهو يسلط الكافرين على المؤمنين؛ فيموتون شهداء، فهل أجر الشهيد الذي قتل كأجر الذي قتله في الدنيا؟ هذا في الجنة وذاك في النار، فالله تبارك وتعالى علم أن هذا العبد له من الذنوب ما لا يغفره إلا الشهادة في سبيل الله، فجعله عرضة لذلك، وسلط عليه الكافر حتى يموت شهيداً، وهذه حكمة لا يعلمها إلا الله عز وجل.

    قال: [ومما لا ينبغي لأحد أن يتفكر فيه لم سلط الله الكفار على الرسل في الدنيا، وسلط الكافرين على المؤمنين حتى قتلوهم وعذبوهم، وقتلوا الذين يقومون بالقسط من الناس، وإنما سلط الله أعداءه على أوليائه ليكرم أولياءه في الآخرة بهوان أعدائه، وهو قادر على أن يمنع الكافرين من المؤمنين، ويهلك الكفار من ساعته، ولكن الله تعالى لم يفعل ذلك لحكمة، ولو كان هذا من أفعال بعض ملوك العباد كان جوراً عند أهل مملكته؛ حيث سلط أعداءه على أنصاره وأوليائه وهو قادر على هلكتهم].

    لو أن حاكماً من حكام المسلمين الآن أذن للكفار بدخول بلاده ومملكته وتسلطوا على من كانوا تحت يده من رعيته؛ فلابد أننا سنقول: إن هذا ظلم وجور وخيانة.

    وعندما يكون الحاكم جالساً على كرسي ويقول لليهود مثلاً: تعالوا ادخلوا البلاد واقتلوا من شئتم واسبوا من شئتم؛ لابد أن هذا ظلم بين وجور وعمالة، لا يختلف على ذلك أحد، والله تبارك وتعالى سلط إبليس وأعوانه على أوليائه، وسلط أعداءه على أوليائه. فهل يستوي فعل الله مع فعل ذلك الحاكم أو الملك؟ لا يستويان، الأول جور وظلم وعمالة، والثاني: حكمة وعدل من الله عز وجل.

    حكم من قال: لم مكن الله لأعدائه في البلاد بالقوة والعتاد وأمر أولياءه أن يقاتلوهم

    قال: [وخصلة أخرى من الخصال التي نهينا عنها: أنه لا ينبغي لأحد منا أن يتفكر لم مكن الله لأعدائه في البلاد؟] هذه من المسائل التي أمرنا بالإمساك عنها.

    قال: [لم مكن الله تعالى لأعدائه في البلاد وأعانهم بقوة الأبدان ورشاقة الأجسام وأيدهم بالسلاح والدواب، ثم أمر أنبياءه وأولياءه أن يعدوا لهم السلاح والقوة، وأن يحاربوهم ويقاتلوهم، ووعدهم أن يمدهم بالملائكة، ثم قال هو لنفسه: إني معكم على قتال عدوكم، وهو قادر على أن يهلك أعداءه من وقته بأي أنواع الهلاك شاء من غير حرب ولا قتال، وبغير أنصار ولا سلاح].

    هذا الكلام وارد، بل هو من عقيدتنا، فالله تعالى قادر على أن يهلك من في الأرض، ويجعلها ملساء جرداء بفعل منه سبحانه وتعالى، فلم يمكن الله تعالى لهؤلاء الكفار، ويمدهم بالسلاح والعتاد والقوة ورشاقة الأجسام وغير ذلك، ويجعل المؤمنين ضعفه أذلة قلة ويأمرهم بإعداد ما استطاعوا؟ هذه المسألة في قمة الأهمية، فهي مسألة اعتقادية.

    إن الله تبارك وتعالى مكن للكفار في البلاد، ومكن لهم عن طريق السلاح والعدد والعدة وغير ذلك، ولم يأمرنا الله تبارك وتعالى أن نعد للقتال مع الكفار بنفس ما هم عليه من إعداد، وإنما قال: وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ [الأنفال:60]، فإعداد العدة سبب لابد منه، وأنتم تعلمون أن الاعتماد على السبب شرك بالله عز وجل، وترك الأسباب مخل بتوحيد الله عز وجل.

    فأمرنا الله تبارك وتعالى أن نعد لأعدائنا ما استطعنا، ولم يأمرنا أن نعد لهم كما أعدوا هم، وإنما جعل ذلك على قدر استطاعتنا، والله تبارك وتعالى لا يحاسبنا على ما هو فوق قدراتنا وطاقاتنا، وإنما يحاسبنا على ما أمرنا به من توخي الحذر وإعداد ما في استطاعتنا ومقدورنا، وبعد ذلك الله تعالى معنا ونصيرنا، وإذا كنت تريد أن توجه هذا السؤال الآن في مواجهة اليهود في فلسطين أو في غيرها من سائر البلدان الإسلامية في العالم كله فلابد أن نرد عليك بنفس السؤال: لم لم يمكن الله عز وجل لنبيه صلى الله عليه وسلم في مكة؟ ولم لم يمكن له في غزوة أحد أو في غيرها من الغزوات التي أوذي فيها النبي عليه الصلاة والسلام؟ الجواب: لأن هذه سنن ربانية في الكون لابد من إتمامها لحكمة عظيمة جداً. علمها من علمها وجهلها من جهلها.

    قال: [فلو كان هذا من أفعال العباد وأحكامهم لكان جوراً وفساداً أن يقوي أعداءه على أوليائه، ويمدهم بالعدة، ويؤيدهم بالخيل والسلاح والقوة، ثم يندب أولياءه لمحاربتهم]؛ أي: ثم يدعو أولياءه لمحاربتهم، تصور لو أن دولة اليمن أو عُمان أو غيرها من البلدان الصغيرة جداً التي لا جيش لها، أمر الحاكم فيها أهل بلده أن يدخلوا في حرب ضروس مع إيران؛ فهل الكفة متعادلة؟ الجواب: ليست متعادلة نهائياً، ويغلب على الظن أن النصر لإيران، فلما أدخل أنا الآن في حرب وأنا على يقين أنني خسران فأنا إنسان مجنون لست عاقلاً ألبتة، هذا في أفعال العباد.

    أما في أفعال الله عز وجل فالأمر يختلف والموازين تختلف تماماً؛ لأن الله تبارك وتعالى هو الذي أمرك أن تقاتل عدوك وهو أكثر منك عدداً وعدة، وقد جعل الله تبارك وتعالى لك ملائكة مؤيدين، كما أن الله تعالى معك يسددك ويؤيدك وينصرك ويقويك، وهو تبارك وتعالى في الوقت نفسه ضد أعدائه وخصم لهم، والحرب بين الله تعالى وبينهم، كما قال تعالى: إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا * وَأَكِيدُ كَيْداً [الطارق:15-16].

    إذاً: الحرب معلنة ومنشورة بين الله تعالى وبين أعدائه، ومن كان الله معه لا يغلب قط، حتى وإن هزم في نظر الناس فإنه ليس عند الله مهزوماً؛ لأن المؤمن يدور أمره في القتال بين أمرين: إما النصر وإما الشهادة، وكلاهما خير، وكلاهما مراد العبد من هذا القتال، فإذا كان الأمر هكذا في أفعال العباد فلا شك أن هذا ظلم وجور، أما في أفعال الله عز وجل فهو عدل وحكمة.

    الحكمة من خلق الله سبحانه للحيات والأفاعي والعقارب والهوام والسباع

    قال: [ومما لا ينبغي كذلك لأحد أن يتفكر فيه أنه لا ينبغي أن يضمر في نفسه فيقول: لم خلق الله الحيات والعقارب والهوام والسباع التي تضر بني آدم ولا تنفعهم وسلطها عليهم؟]، الحية أو الثعبان قد ملئت سماً، لكن الله خلقها، مع أن الله قبل أن يخلقها يعلم أن سمها يضر بني آدم، وأنها عدو من أعدائه، لكن العبد حين يذكر جهنم يقول: لو لم يكن في جهنم إلا الحيات والعقارب لكفى! ومعلوم أن نار الدنيا جزء من سبعين جزءاً من نار الآخرة، فلو لم يكن في النار إلا ثعبان واحد يدور على أهل النار لكفى، فيقول هذا السائل: لم خلق الله الحيات والعقارب والهوام والسباع التي تضر بني آدم ولا تنفعهم، وسلطها على بني آدم، ولو شاء ألا يخلقها ما خلقها؟ ولا يجوز أن يوجه هذا السؤال لله عز وجل.

    قال: [ولو كان هذا من فعل ملوك العباد لقال أهل مملكته: هذا غش لنا ومضرة علينا بغير حق؛ حيث جعل معنا ما يضر بنا، ولا ننتفع نحن ولا هو به، فمن تفكر في نفسه فظن أن الله لم يعدل حيث خلق الحيات والعقارب والسباع، وكل ما يؤذي بني آدم ولا ينفعه؛ فقد كفر، ومن قال: إن لهذه الأشياء خالقاً غير الله فقد كفر. وهذا قول الزنادقة والمجوس وطائفة من القدرية، فهذا مما يجب على المسلمين الإيمان به، وأن يعلم أن الله خلق هذه الأشياء كلها، وعلم أنها تضر بعباده وتؤذيهم هو عدل من فعله، وهو أعلم بما خلق: لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ [الأنبياء:23]].

    حكم من قال: لم ترك الله العباد يشركون ويجحدون وهو قادر على هدايتهم

    قال: [وكذلك يسأل السائل يقول: لم ترك الله العباد حتى يجحدوا ويشركوا به ويعصوه؟] لم جعل الله تعالى العباد يقعون في الشرك والجحود، وبيد الله تعالى أن يجعلهم مؤمنين، أليس ذلك في مقدور الله؟ بلى، لكن لم جعل الله تعالى الشرك والكفر في العباد مع أنه قادر على أن يجعل كل الخلق به مؤمنين، ولم خلق الله تعالى الشرك أصلاً وجعل له أهلاً وهو قادر على أن يمنع قلوبهم أن تدخلها شهوة شيء من معصيته أو محبة شيء من مخالفته، وهو القادر على أن يبغض للخلق أجمعين معصيته ومخالفته، وقادر على أن يهلك من هم بمعصيته مع همته، وهو قادر على أن يجعلهم كلهم على أفضل عمل عبد من أوليائه فلم لم يفعل الله ذلك؟

    قال: [فمن تفكر في نفسه فظن أن الله لم يعدل؛ حيث لم يمنع المشركين من أن يشركوا به، ولم يمنع القلوب أن يدخلهم حب شيء من معصيته، ولم يهد العباد كلهم؛ فقد كفر، ومن قال: إن الله أراد هداية الخلق وطاعتهم له، وأراد ألا يعصيه أحد ولا يكفر أحد فلم يقدر على ذلك؛ فقد كفر، ومن قال: إن الله قدر على هداية الخلق وعصمتهم من معصيته ومخالفته فلم يفعل ذلك وهو جور من فعله؛ فقد كفر، وهذا مما يجب الإيمان به والتسليم له، وترك الخوض فيه والمسألة عنه، وهو أن يعلم العبد أن الله عز وجل خلق الكفار، وأمرهم بالإيمان، وحال بينهم وبين الإيمان، وخلق العصاة، وأمرهم بالطاعة، وجعل حب المعاصي في قلوبهم، فعصوه بنعمته وخالفوه بما أطاعهم من قوته، وحال بينهم وبين ما أمرهم به، وهو يعذبهم على ذلك، وهم مع ذلك ملومون غير معذورين، والله عز وجل عدل في فعله ذلك بهم وغير ظالم لهم، ولله الحجة على الناس جميعاً، له الخلق والأمر تبارك وتعالى: لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ [الأنبياء:23].

    فهذا من علم القدر الذي لا يحل البحث عنه ولا الكلام فيه ولا التفكر فيه، وبكل ذلك مما قد ذكرته وما أنا ذاكره إن شاء الله نزل القرآن وجاءت السنة، وأجمع المسلمون من أهل التوحيد عليه، لا يرد ذلك ولا ينكره إلا قدري خبيث مشئوم، قد زاغ قلبه وألحد في دين الله وكفر بالله، وسأذكر الآيات في ذلك من كتاب الله عز وجل الذي لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ [فصلت:42]]، وكذلك من سنة النبي صلى الله عليه وسلم وهذا موعدنا في الدرس القادم بمشيئة الله.

    وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

    1.   

    الأسئلة

    حكم الاستثناء في الإيمان

    السؤال: قال شيخ الإسلام ابن تيمية : إن أهل السنة والجماعة أجازوا قول المسلم: أنا مؤمن إن شاء الله تحقيقاً لا تعليقاً ولا على سبيل الاستثناء؟

    الجواب: هذا النقل عن ابن تيمية نقل خطأ، ومسألة الاستثناء في الإيمان نحن قد ذكرناها من قبل وقلنا: إن بعض أهل العلم قالوا: إذا كان المراد الشك في الإيمان فحينئذ يقول المؤمن: أنا مؤمن جزماً لا تعليقاً، يعني: لا يعلق ذلك على مشيئة الله، فلا يقول: أنا مؤمن إن شاء الله؛ لأن الإيمان هو عبارة عن إيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وبالقدر خيره وشره، وأنت مؤمن بذلك تحقيقاً، فإذا كان المجال مجال شك في الإيمان لا تعليقاً فأنت مؤمن.

    أما إذا كان من باب التزكية أو غير ذلك أو من باب معرفة المآل فكل ذلك لا يعلمه إلا الله عز وجل، والأعمال بالخواتيم كما قلنا من قبل، فيستحب للمسلم أن يقول: أنا مؤمن إن شاء الله.

    الفرق بين الشيطان والعفريت

    السؤال: ما الفرق بين الشيطان والعفريت؟

    الجواب: الشيطان والعفريت والمارد كلهم من جنس الجن، وما هم إلا درجات في الشيطنة والعفرتة، تكلمنا سابقاً في مسجد خولة أن الجن درجات، فمن الجن من إذا زادت شقوته فكان شيطاناً، فإذا زادت شيطنته صار عفريتاً، فإذا زاد في شيطنته صار مارداً، فإذا زاد كان كما قال الحافظ ابن حجر : كان عفريتاً نفريتاً، جمع الوصفين. يقال: هذا فلان عفريت نفريت، يعني: بلغت الشيطنة والأذى والفساد فيه مبلغاً عظيماً جداً ليس بعدهن شيء، وهذه هي الدرجات.

    حكم زواج الإنسان من الجن

    السؤال: هل يجوز للإنسان أن يتزوج من الجن أم لا؟

    الجواب: لا يحل للإنسي أن يتزوج من الجنية، وكذلك الجني لا يتزوج من الإنسية، وهذا يقع، لكنه ليس مشروعاً، فالزنا ممكن حدوثه، والقتل ممكن حدوثه، كل هذه المعاصي ممكنة الوقوع لكنها غير مشروعة.

    ومذهب الإمام مالك عليه رحمة الله وكذلك شيخ الإسلام ابن تيمية : أن التزاوج مع الجن ممكن مع عدم مشروعيته، ففهم بعض من يعالج بالقرآن أن كلمة (ممكن) في كلام مالك وابن تيمية أنه ممكن شرعاً، وكان هذا في عام (1987)م وظل يدعو الناس في مسجد الرحمة في شارع الهرم: سنزوج إن شاء الله فلاناً من واحدة من أخواتنا من الجن، وفي كل أسبوع يقول: الجنية اعتذرت، أو أن الأخ لم يأت، وكان يجمع الحمقى وما أكثرهم، والناس لا تجتمع إلا لمثل هذه الأشياء التي لا فائدة منها، وذات مرة قلت له: يا سيدنا! إما أن تزوجه الليلة وإلا فقد أعددت رسالة عن منهجك كله سميتها: دليل المحتار في الرد على الشيخ فلان، وسأقرؤها الآن على الجمهور. قال لي: أرجوك. قلت له: قل للناس: إن هذا العمل غير مشروع وأنا ما قلت ذلك إلا لجمعكم، فقال ذلك للناس لكن بطريقة لف ودوران، فقلت: لا مشكلة في ذلك.

    وقلت له: الشرط الثاني: ألا تدخل هذا المسجد مرة أخرى، فانطلق لا يلوي على شيء، ثم بدأت الدعوة السلفية في هذا المسجد وامتدت بعد ذلك؛ لأن هذا المسجد كان يعج بالتصوف والرقص والطبل في كل ليلة، وأسأل الله أن يحفظ الحاج شعبان صاحب المسجد، الحقيقة أنه رجل فاضل جداً، وأحسبه من الصالحين، ولا أزكيه على الله.

    ويذكر أن الشيخ الألباني رحمه الله جاءه أحد الإخوة ونحن في الأردن سنة 1983م فقال له: يا شيخ! لقد اتفقت مع واحدة من الجن أن أتزوجها، وأرجو منك أن تعقد الزواج، فقال الألباني : هذا الزواج لا يمكن أن يتم. قال: لماذا لا يتم، وقد ذكرتك بالاسم أن تعقد لها؟ قال له: متى العقد؟ قال: لقد تركت ذلك لك من باب احترام أهل العلم، قال: لا مشكلة في ذلك، يوم الخميس القادم في مسجد فلان إن شاء الله، ولا أدري كيف سمع الناس بالخبر وجاءوا من كل حدب وصوب حتى بلغوا الآلاف، فقال الشيخ للرجل: مخطوبتك وصلت يا ولدي؟! قال: لم تصل. قال: اذهب وادعها، فدخل غرفة الإمام ثم خرج وقال: وصلت يا شيخ! فقال الشيخ: اجعلها تظهر لنا. قال: لا، سامحني يا شيخ! هذا أمر لا أرضاه لنفسي. قال: هل تحب هي القرآن؟ قال: كلما قابلتني قالت لي: اقرأ علي القرآن، فقال الشيخ الألباني رحمه الله: ليست العبرة في أن تسمع القرآن، إنما العبرة في أن تقرأ هي القرآن، فإن قرأت عليك القرآن زوجتك وإلا فلا، فدخل الرجل يترجاها ساعتين أن تقرأ آية واحدة أو تقرأ البسملة فأبت. قال الشيخ: ألم أخبرك أن هذا لن يتم وأنها كافرة وليست مؤمنة، فانظر إلى هذا الموقف، وإلى المواقف التي كانت في مسجد الرحمة، والفرق بينها شاسع، فالشيخ الألباني رجل فتح الله عليه وعلمه، فالعلم نور السماء، أما الذي في مسجد الرحمة فهو إنسان مهرج يجمع الأمة على الغثاء والبدع والضلالات.

    وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.