إسلام ويب

شرح كتاب الإبانة - فضائل الإيمان وعلى كم شعبة هوللشيخ : حسن أبو الأشبال الزهيري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • يعتبر الإيمان بالله عز وجل أفضل الأعمال وأجلها عند الله عز وجل، وقد عد العلماء من أخلاقه وصنوف شعبه ما إذا سمعه العقلاء من المؤمنين دأبوا على رعاية أنفسهم باستعمالها، وكل هذه الأخلاق والشعب قد جاء بها الكتاب، وجاءت بها السنة، وشهد بصحتها العقل السليم.

    1.   

    باب فضائل الإيمان وعلى كم شعبة هو وأخلاق المؤمنين وصفاتهم

    إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وبعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    أما بعد:

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب: فضائل الإيمان وعلى كم شعبة هو، وأخلاق المؤمنين وصفاتهم].

    حديث أبي هريرة (الإيمان بضع وستون شعبة)

    قال: [عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (الإيمان بضع وستون أو بضع وسبعون شعبة، أفضلها: شهادة أن لا إله إلا الله، وأدناها: إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان)].

    الراجح من جهة الرواية والنص: (بضع وستون)، وهي المتفق عليها بين أهل العلم.

    أما من جهة الواقع وجمع شعب الإيمان من الكتاب والسنة، وتتبع الآيات والروايات؛ فقد وصل غير واحد إلى أن شعب الإيمان بضع وسبعون شعبة.

    قوله: (أفضلها شهادة أن لا إله إلا الله) يفيد أن التوحيد على قمة الإيمان، والتوحيد شهادة، ولذلك قال: (أفضلها شهادة أن لا إله إلا الله)، أي: النطق باللسان بهذه الكلمة.

    وأدناها متعلق بعمل الجوارح، فقال: (وأدناها إماطة الأذى عن الطريق).

    ومن شعب الإيمان: الحياء، والحياء هو انفعال نفسي أو غريزي يخلق في العبد أو يجبل عليه.

    قال: [وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الإيمان سبعون باباً أو اثنان وسبعون باباً، أرفعه لا إله إلا الله، وأدناه إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان)]، روايات مختلفة في هذا الباب، منها الصحيح ومنها الضعيف.

    [قال عبيد الله بن محمد، وهو أبو عبد الله بن بطة: وأنا أذكر من أخلاق الإيمان وصنوف شعبه ما إذا سمعه العقلاء من المؤمنين دأبوا على رعاية أنفسهم باستعمالها، لعل الله تعالى أن ينفعني وإياهم بها، فيحشرنا في زمرة المؤمنين الذين جمع الله الكريم فيهم هذه السبعين خصلة التي ذكرها النبي صلى الله عليه وسلم، وبالله نستعين، فهو حسبنا ونعم الوكيل].

    أراد الإمام أن يعدد خصال الإيمان التي وصل إليها بعض أهل العلم، ولذلك قال القاضي عياض : تكلف جماعة حصر هذه الشعب بطريق الاجتهاد، وفي الحكم بكون ذلك هو المراد صعوبة. يعني: لقد اجتهد أقوام من أهل العلم في حصر شعب الإيمان، لكن هذا الأمر محل اجتهاد، ويصعب القطع بأن المراد بشعب الإيمان هي التي جمعها أهل العلم، خاصة وأن بعض هذه الشعب المجموعة أدلتها ضعيفة، بل ضعيفة جداً، بل موضوعة، فيصعب القطع بأن ما جمعه أهل العلم تحت باب شعب الإيمان هي المرادة من حديث النبي عليه الصلاة والسلام.

    ولا يقدح عدم معرفة حصر ذلك على التفصيل في الإيمان.

    وقال الحافظ ابن حجر : ولم يتفق من عد الشعب على نمط واحد، فقد عدها ابن حبان ، وعدها البيهقي ، وغير واحد من أهل العلم، لكنهم لم يتفقوا على شعب واحدة، فعند كل واحد ما ليس عند الآخر، وأقربها إلى الصواب طريقة ابن حبان ، قال الحافظ : لكن لم نقف على بيانها من كلامه، وقد لخصت مما أوردوه ما سأذكره. ثم شرع في بيانها في فتح الباري المجلد الأول صفحة (52)، وقد ألف الحافظ البيهقي كتاباً كبيراً في شعب الإيمان، بلغ عدة مجلدات، والكتاب الآن مطبوع طبعتين، وقد اختصره القزويني في مجلد واحد اسمه: مختصر شعب الإيمان للإمام البيهقي ، كما قد سبق البيهقي إلى ذلك شيخه الحليمي ، فألف كتاباً في شعب الإيمان، وهو مطبوع، وقد اعتنى بشرح الآيات وشرح الأحاديث.

    سرد المؤلف لشعب الإيمان

    أما اجتهاد ابن بطة في ذكر كلام أهل العلم في حصر هذه الشعب، فقد جاء بسنده عن الضحاك بن مزاحم أنه قال: [إن أحق ما بدأ به العبد من الكلام أن يحمد لله ويثني عليه. الحمد لله نحمده ونثني عليه بما اصطنع عندنا أن هدانا للإسلام، وعلمنا القرآن، ومنَّ علينا بمحمد عليه السلام، وأن دين الله الذي بعث به نبيه صلى الله عليه وسلم هو الإيمان، والإيمان هو الإسلام]. وفي الحقيقة أن هذا عند التفرد، يعني إذا ذكر الإيمان وحده في نص أو في دليل شمل معه الإسلام، وإذا ذكر الإسلام وحده في نص شمل معه الإيمان، أما إذا ذكر الإيمان والإسلام في نص واحد فلكل واحد منهما مدلول يخصه، ولذلك يقول العلماء: الإيمان والإسلام إذا اجتمعا افترقا اجتمعا، أي: إذا اجتمعا في نص افترقا في المعنى والمدلول، وإذا افترقا، أي: ذكر كل واحد منهما لوحده اشتمل على الآخر.

    قال: [وبه أرسل المرسلون قبله، قال الله تعالى: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ [الأنبياء:25]، وهو الإيمان بالله، واليوم الآخر، والملائكة، والكتاب، والنبيين، والتصديق والإقرار بما جاء من الله، والتسليم لقضائه، وحكمه، والرضا بقدره، وهذا هو الإيمان، ومن كان كذلك فقد استكمل الإيمان]. أي: من حقق هذا كله، فقد حقق كمال الإيمان وتمامه، إذاً: هو يشير إشارة إلى كمال الإيمان ونقصانه؛ لأن الشيء الذي يقبل الزيادة والكمال لا بد أن يقبل النقصان، وإلا فقبل أن يكمل كان ناقصاً، وهذا معتقد أهل السنة والجماعة، أي: أن الإيمان يزيد وينقص.

    قال: [ومن كان مؤمناً حرم الله ماله ودمه، ووجب له ما يجب على المسلمين من الأحكام]. يعني: إذا ثبت الإيمان -ومعه الإسلام من باب أولى لعبد- فقد حرم الله عز وجل دم هذا المؤمن وعرضه وماله إلا بحقه، قال: [ولكن لا يستوجب ثوابه ولا ينال الكرامة إلا بالعمل فيه، واستيجاد ثواب الإيمان عمل به]. أي: لا بد لمن زعم أنه مؤمن أن يأتي من العمل ما يوجب لصاحبه الثواب عند الله عز وجل، إذ إن الأعمال داخلة في مسمى الإيمان، والأعمال جزء من الإيمان، ومن الأعمال ما ينقض الإيمان، بل وينقض الإسلام، ومن الأعمال ما له تعلق بالكمال الواجب، ومن الأعمال ما له تعلق بالكمال المستحب على التفصيل السابق.

    قال: [والعمل به]، أي: بموجبات الإيمان، [اتباع طاعة الله تبارك وتعالى في أداء الفرائض، واجتناب المحارم، والاقتداء بالصالحين، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت من استطاع إليه سبيلا]، هذا كله من الإيمان، [ومحافظة على أداء الجمعة، والجهاد في سبيل الله، والاغتسال من الجنابة، وإسباغ الطهور، وحسن الوضوء للصلاة، والتنظيف، وبر الوالدين، وصلة الرحم، وصلة ما أمر الله تعالى به أن يوصل، وحسن الخلق مع الخطأ، واصطناع المعروف إلى الأقرباء، ومعرفة كل ذي حق حقه، من والد فوالدة فولده، فذي قرابة، فيتيم، فمسكين، فابن سبيل، فسائل، فغارم]، أي: المدين، [فمكاتب]، الذي يكاتب سيده على الحرية في مقابل ثمن مدفوع، [فجار، فصاحب، فما ملكت اليمين]؛ كل ذلك الإتيان به من الإيمان، [والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والحب في الله، والبغض في الله تعالى، وموالاة أولياء الله، ومعاداة أعداء الله، والحكم بما أنزل الله، وطاعة ولاة الأمر]، أي: ما داموا موحدين، وما داموا يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، [والغضب، والرضا، ووفاء بالعهد، وصدق الحديث، ووفاء بالنذور، وإنجاز الموعود، وحفظ الأمانة من كتمان السر أو المال، وأداء الأمانة إلى أهلها، وكتاب الدين المؤجل بشهادة ذوي عدل]، أي: كتابة الدين الذي بينك وبين أخيك من الإيمان، وكثير من الأخوة يتورعون عن ذلك! [والاستشهاد على المبايعة، وإجابة الداعي للشهادة، وكتابة بالعدل كما علم الله تعالى، وقيام الشهادة على وجهها بالقسط]، أي: بالعدل، [ولو على النفس والوالدين والأقربين، ووفاء الكيل والميزان بالقسط، وذكر الله تعالى عند عزائم الأمور، وذكر الله تعالى على كل حال، وحفظ النفس، وغض البصر، وحفظ الفرج، وحفظ الأركان كلها عن الحرام، وكظم الغيظ، ودفع السيئة بالحسنة، والصبر على المصائب، والقصد في الرضا والغضب، والاقتصاد في المشي والعمل، والتوبة إلى الله تعالى من قريب]، أي: المبادرة والمسارعة إلى التوبة، [والاستغفار للذنوب، ومعرفة الحق وأهله، ومعرفة العدل إذا رأى عامله، ومعرفة الجور إذا رأى عامله كيما يعرفه الإنسان من نفسه إن هو عمل به، ومحافظة على حدود الله، ورد ما اختلف فيه من حكم أو غيره إلى عالمه]، إذا كان جاهلاً فمرد ذلك إلى أهل العلم الذين يستنبطون الأحكام من كتاب الله، [وجسور على ما لم يختلف فيه من قرآن منزل، وسنة ماضية، فإنه حق لا شك فيه، ورد ما يتورع فيه من شيء إلى أولي الأمر الذين يستنبطونه منهم، وترك ما يريب إلى ما لا يريب]، أي أن ترك المشتبهات من الإيمان، [واستئذان في البيوت، فلا يدخل البيت حتى يستأذن ويسلم على أهله من قبل أن ينظر في البيت أو يستمع فيه، فإن لم يجد فيها أحداً]، أي: في البيت، [فلا يدخل بغير إذن أهلها، فإن قيل: ارجعوا فالرجوع أزكى وأطيب، وإن أذنوا فقد حل الدخول]، أي: حل لك أن تدخل، [وأما البيوت التي ليس فيها سكان وفيها المنافع لعابري سبيل أو لغيرهم يسكن فيها ويتمتع فيها فليس فيها استئذان، واستئذان ما ملكت اليمين صغيراً أو كبيراً، ومن لم يبلغ الحلم من حرمة أهل البيت ثلاثة أحيان من الليل والنهار، أو آخر الليل قبل صلاة الفجر، وعند القيلولة إذا خلا رب البيت بأهله، ومن بعد صلاة العشاء إذا أوى رب البيت وأهله إلى مضاجعهم، وإذا بلغ الأطفال من حرمة أهل البيت الحلم]، يعني: إذا بلغ الأطفال سن البلوغ وجب عليهم أن يستأذنوا، لكن قبل البلوغ يستحب الإذن في حقهم، [فقد وجب عليه من الاستئذان كل هذه الأحيان]. أي: هذه الثلاثة الأوقات: من بعد صلاة العشاء، وقبل صلاة الفجر، وحين تضعون ثيابكم من الظهيرة، ثلاث عورات لكم، أي: هذه الأوقات غلبة الظن أن الرجل مع أهل بيته يتخففان من ثيابهما، فيحرم على ملك اليمين أن يدخل بغير استئذان في هذه الأوقات الثلاثة إذا كان بالغاً، وإذا لم يكن بالغاً، أو كذلك الأطفال وإن كانوا أبناء لزوجين؛ فإنه يكره لهم الدخول ويحرم عليهم بعد البلوغ إلا إذا استأذنوا، قال: [واجتناب قتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، واجتناب أكل أموال الناس بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم، واجتناب أكل أموال اليتامى ظلماً، واجتناب شرب الخمر، واجتناب شرب الحرام من الأشربة والطعام، واجتناب أكل الربا والسحت، واجتناب أكل القمار والرشوة والغصب، واجتناب النجش والظلم، واجتناب كسب المال بغير حق].

    لو لاحظت فقد تكلم أولاً عن المأمورات الفعلية، ثم تكلم عن المنهيات، مما يدل على أن الإيمان يتكون من إتيان الفعل، كالصلاة، والصيام، والزكاة، والحج، والبر، والأمر المعروف وغير ذلك، أما هذه النواهي والمحاذير فداخلة في باب الترك، فإذا كان الإيمان يتكون من الإتيان والترك فكذلك الكفر يكون بالإتيان والترك؛ لأن الإيمان ضد الكفر وعكسه، فالذي يتكون منه الإيمان يتكون بنقيضه الكفر.

    قال: [واجتناب التبذير والنفقة في غير حق، واجتناب التطفيف في الوزن والكيل، واجتناب نقص المكيال والميزان، واجتناب نكث الصفقة، وخلع الأئمة، واجتناب الغدر والمعصية، واجتناب اليمين الآثمة]، يمين الغموس، [واجتناب بر اليمين بالمعصية، واجتناب الكذب والتزيد في الحديث، واجتناب شهادة الزور، واجتناب قول البهتان، واجتناب قذف المحصنة]، أي: الشريفة العفيفة، [واجتناب الهمز واللمز، واجتناب التنابز بالألقاب، واجتناب النميمة والاغتياب، واجتناب التجسس]، والتهاون به، [واجتناب سوء الظن بالصالحين والصالحات، واجتناب الإصرار على الذنب والتهاون به، واتقاء الإمساك عن الحق، والتمادي في الغي والتقصير عن الرشد، واتقاء الكبر والفخر والخيلاء، واتقاء الفجور والمباراة بالشر]، أي: المصارعة بالشر، [واتقاء الإعجاب بالنفس، واتقاء الفرح والمرح والتنزه من لفظ السوء]، وإلا فالفرح والسرور بالخير والمباح جائز، لكن أن يكون ذلك من لفظ السوء فهو محرم، [والتنزه عن الفحش، وقول الخنا، والتنزه من سوء الظن، والتنزه من البول والقذر كله. فهذه صفة دين الله عز وجل]. أي: هذا الذي مضى كله وغيره مما لم يذكر إنما هو دين الله، [وهو الإيمان].

    قال: [وما شرع الله فيه من الإقرار بما جاء من عند الله، وبيَّن من حلاله وحرامه، وسننه وفرائضه، قد سمي لكم ما ينتفع به ذوو الألباب من الناس]، أي: أصحاب العقول والأفئدة، [وفوق كل ذي علم عليم.

    ويجمع كل ذلك التقوى]؛ لأنها على قمة الإيمان، [فاتقوا الله واعتصموا بحبله ولا قوة إلا بالله، أسأل الله أن يوفقنا وإياكم لما نبلغ به رضوانه وجنته].

    [قال الشيخ ابن بطة : فهذه إخواني! رحمكم الله شرائع الإيمان وشعبه، وأخلاق المؤمنين الذين من كملت فيهم كانوا على حقائق الإيمان، وبصائر الهدى، وإمارات التقوى، فكلما قوي إيمان العبد وازداد بصيرة في دينه، وقوة في يقينه، تزيدت هذه الأخلاق]، أي: زادت معه هذه الأخلاق، [وما شاكلها فيه، ولاحت أعلامها وأماراتها في قوله وفعله]. يعني: كلما ازداد العبد إيماناً ازدادت معه هذه الأخلاق، وهذه الصفات، وهذه الخصال، حتى يجد ذلك عليه في مشيه، وفي كلامه، وصمته، وهديه، وأخلاقه، وتعاملاته؛ لأن منفعة ذلك كله هو تقوى الله، وهو الإيمان بالله، قال: [فكلها قد نطق بها الكتاب، وجاءت بها السنة، وشهد بصحتها العقل الذي أعلى الله رتبته، ورفع منزلته، وأفلج حجته]، أي: وأوضح حجته، [وعلى قدر نقصان الإيمان في العبد وضعف يقينه يقل وجدان هذه الأخلاق فيه]، إذاً هذه الأخلاق التي عددناها وغيرها مما لم نعد، إنما تزيد من ازدياد الإيمان وتضعف من ضعف الإيمان، [وتعدم من أفعاله وسجاياه]. والأمر كما قال ابن عيينة من قبل: الإيمان يزيد وينقص، قال له أخوه إبراهيم : قل: يزيد، قال: اسكت، إنما ينقص الإيمان في قلب العبد حتى لا يبقى منه شيء.

    حديث أبي هريرة رضي الله عنه (أكمل المؤمنين إيماناً...)

    قال: [عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً، وخياركم خياركم لنسائهم)].

    قوله: (أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً) لو أن واحداً سيئ الخلق، بأن يكون شخصاً كذاباً، فاحشاً بذيء اللسان، فهل تسلب عنه الإيمان حتى لا يبقى منه شيء، أم لا بد أن يكون عنده قدر من الإيمان؟

    لا بد أن يكون عنده قدر من الإيمان، إذاً هذه الشعبة -أي: حسن الخلق- متعلقة بكمال الإيمان، والنص واضح، قال: (أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً)، فأثبت له الإيمان، لكنه يزداد إيماناً وكمالاً وتماماً بحسن الخلق، وكذلك قوله: (خياركم)، أي: أفضلكم وأحسنكم خلقاً وإيماناً من كان خيراً لنسائه وأهله.

    قال: [وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً، وألطفهم بأهله)]، إذاً: المعاشرة بالمعروف كما قال تعالى: وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ [النساء:19] من الإيمان يا إخواني! ومعاملة الرجل لزوجته معاملة حسنة ليس خدشاً في رجولته وإيمانه، بل يدل ذلك على كمال وتمام الإيمان في قلبه.

    قال: [وعن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (إن من أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً وألطفهم بأهله)]، وهذا لا ينسحب على رجل يخاف من امرأته، إذ إنه مضطر أن يعاملها أحسن معاملة، ومنبع ذلك هو الخوف من زوجته! فهل يستويان؟!

    حديث أبي هريرة ( الحياء شعبة من الإيمان)

    قال: [وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (الحياء شعبة من الإيمان)]، كلام جميل.

    والحياء نوعان: حياء مشروع، وحياء غير مشروع، فلو قيل لامرأة متبرجة: البسي خماراً.. استري نفسك قليلاً، تقول لك: أنا أستحي من الناس، ماذا أقول للناس؟ لو رآني الناس مرتدية النقاب أو الخمار فماذا أقول لهم؟ أين أذهب منهم؟ أنا ممكن في الحي أن أخرج باللباس العادي وأضع الخمار معي في الشنطة، فإذا خرجت من الحي لبسته! فهل هذا حياء؟ لا، هذا جبن وضعف وخور، فضلاً عن كونه معصية لله عز وجل ولرسوله.

    كذلك الرجل الذي يستحي أن يتزيا بزي الإسلام في وجهه أو في بدنه، يستحي أن يلبس عمامة، أو يلبس طربوشاً، أو يلبس ثوباً، مع أن اللباس هو دلالة على منهجية معينة، هذه المنهجية أولى من منهجية من تجلس معه، إذاً: فلم الحياء؟ إذا كان الشرع قد أذن لنا بأوصاف في الزي دون تحديد زي بعينه، يعني: لو نظرت إلى هذا النقاب تجده غير نقاب الحجاز، تجده غير النقاب في سوريا، تجده غير النقاب في بلاد المغرب، إذاً: لكل امرأة من هذه البلاد نقاب يخصها، فلو أنك رأيت امرأة مصرية في المغرب تلبس النقاب عرفت أن هذه مصرية في بلاد المغرب؛ لأنها ملتزمة بزيها الذي اقتنعت بأنه الزي الشرعي، فهل تأثم إحدى هؤلاء النساء؟ الجواب: لا تأثم ما دامت قد حققت شروطاً معينة اتفق عليها أهل العلم في زيها، ولا يلزم المرأة أن تلبس النقاب المصري، بل إذا لبست النقاب الحجازي أو المغربي أو الشامي تكون متبعة، والمهم تحقق الشروط التي اشترطها الشرع في لباس الرجل والمرأة، فإذا كان ذلك فهذا زي مشروع، وقلت هذه المقدمة لأن بعض الناس يستحي -بزعمه- أن يلبس الزي الأزهري، مع أن الزي الأزهري مشروع ولا بأس به؛ خاصة وأنه صار علامة ودلالة على أهل العلم، فالناس أول ما ينظرون إلى شخص يلبس عمامة حمراء أو طربوشاً أحمر، ويلبس جلابية -حتى وإن كان أجهل الجاهلين، حتى ولو لم يكن أزهرياً- يسرعون إليه يستفتونه في كل شيء؛ لأنه قد عرف عند الناس أن هذا الزي علامة ودليل على أهل العلم. إذاً: هذا الزي أخذ وقتاً معيناً، إذا قلنا إن المسبحة مشروعة، وقد جاءت أدلة كثيرة على مشروعيتها، ومن قال: بأنها غير مشروعة رجع عن قوله هذا إلى مشروعيتها، لكن بقيت الكراهة التنزيهية في استعمال المسبحة مع مشروعيتها؛ لأنها صارت علامة على أهل البدعة، يعني: صارت علامة على التصوف والدروشة والابتداع، فهي وإن كانت في أصلها مشروعة، لكن لما صارت علامة على أهل البدع كره العلماء استعمال هذه المسبحة.

    ولذلك نهينا أن نتشبه باليهود والنصارى، فأمرنا بإعفاء اللحى، مع أنهم الآن يطلقون لحاهم، فهل نقول: مخالفة لليهود والنصارى سنحلق لحانا؟! لا؛ لأن المخالفة فيما اختصوا به دوننا، كذلك اليهودي عنده طاقية سوداء يضعها على زاوية من رأسه جهة اليمين أو الشمال، فأنا أقول: أصل الطاقية مشروع، بل مسنون، ومن الذي يمنعني أن ألبس هذه الطاقية؟! افرض أن طاقية وقعت من يهودي وهو ماش أو راكب على الباص، فقمت أنا ولبستها وجعلتها في زاوية من رأسي، الذي يراني ماذا يقول عني إنني يهودي، صح أو لا؟ لأن لبس هذه الطاقية بعينها على نحو معين أو بهيئة أو كيفية معينة دليل على معتقد اللابس، والصلة بين المظهر والجوهر وثيقة، يعني: العلاقة بين الظاهر والباطن وثيقة جداً، فتجد مثلاً الذي يلبس زي النبي عليه الصلاة والسلام، أو يتمثل الزي الشرعي يتفاخر بذلك، أو يتعالى ويرتفع بإيمانه على هذا الواقع المر الباطل الذي يراه من حوله، ويشعر بقوة الإيمان، كما أن الجندي في المعركة وهو يلبس زي الجندية والعسكرية يشعر بالقوة والفتوة، كما إذا أتيت الآن بواحد وهو لابس للجلابية مثل حالتي هذه وتعطيه بندقية وتقول له: ادخل الصف وحارب، فسوف يقع مرة بالكل ثم يقع على وجهه، ومرة على ظهره، ومرة على جنبه، والعساكر الذين يلبسون زياً عسكرياً لا بد أنهم سيسبقونه، نفس الروح التي يشعر بها الجندي لا يشعر بها من لم يتجند، أو لم يشارك في حروب المجاهدين، وهكذا العلاقة القوية بين الظاهر والباطن.

    بيان معنى حديث (الحياء شعبة من الإيمان) عند المؤلف رحمه الله

    [قال ابن بطة : فإن سأل سائل عن معنى هذا الحديث، فقال: كيف يكون الحياء شعبة من الإيمان، والإيمان إنما هو قول وعمل ونية؟] هذا مذهب أهل السنة، والحياء هل هو قول؟ ليس قولاً، هل هو نية؟ ليس نية، هل هو عمل؟ منهم من قال: هو عمل، ومنهم من قال: ليس بعمل، قال: [والحياء سجية غريزية يطبع عليها البر والفاجر، والمؤمن والكافر]. يعني: أن الكافر يستحي، فهل تتصورون أن الجاهلية قبل مبعث النبي عليه الصلاة والسلام لم يكونوا يفعلون خيراً قط؟ كان فيهم الخير والشر، لكن ليست لهم في الخير نية، وكذلك هذه الشعبة، أي: الحياء.

    قال الإمام: [فنقول في معنى ذلك والله أعلم: إن المؤمن يحول بينه وبين المعاصي والكبائر وارتكاب الفواحش الإيمان بالله عز وجل]، يعني: السد المنيع الذي يحول بينك وبين المعاصي هو إيمانك بالله، [والتصديق له فيما تواعد عليها من العقاب، وأليم العذاب]. إذاً: الذي يحول بينك وبين المعصية أمران: إيمانك بالله عز وجل، ووعده لك بالثواب إن تركت المعاصي، وخوفك من الله عز وجل الذي توعدك بالعقاب والجزاء إن اقترفت المعصية، قال:[ وكذلك يقوده إلى البر، واصطناع المعروف، والإيمان بالله عز وجل، التصديق له فيما وعد، وضمن لفاعلها من حسن المآب وجزيل الثواب، وكذلك تجد المستحي ينقطع بالحياء عن كثير من المعاصي]. وربما اشتاقت نفس العبد إلى الوقوع في معصية وتهيأت له أسبابها، وكان في خلوة من الناس، لكنه يوقن أن الله تعالى مطلع عليه، ويعلم سره ونجواه، فمنعه حياؤه من الله عز وجل أن يقترف المعصية على هذا النحو، أليس هذا باباً من أبواب الحياء، إذاً: الحياء شعبة من شعب الإيمان.

    قال: [وإن لم تكن له تقية، فصار الحياء يفعل ما يفعله الإيمان من ترك المعاصي.

    وكذلك أيضاً ربما سئل الرجل في نوائب المعروف واصطناع الخير، فأجاب سائله حياءً منه وإن لم يكن له هناك نية سبقت فيه.

    وقال رجل للحسن: يا أبا سعيد! إن الرجل ليسألني وأنا أمقته فما أعطيه إلا حياءً]. أي: شخص يسأل الحسن البصري فيقول: يأتيني السائل وفي حقيقة الأمر أنا أبغضه، وأريد ألا أعطيه شيئاً، لكني أعطيه حياءً، مثل أن يحرجك واحد فتعطيه حياءً، فهل لك على هذه الكيفية نية؟ أنت لم تدفع إلا من أجل أن تتخلص منه. ولذلك يعتبر التسول غلطاً، ربنا يعافينا وإياكم من هذه الصنعة، فهي قد بلغت الكمال والتمام، يعني: تعرف كيف تأخذ من المسئول، فإذا كان الأمر كذلك فهل دافع الصدقة الحياء؟ لا، ليس الحياء.

    فقال: [فهل لي في ذلك من أجر؟ قال أبو سعيد : إن ذاك من المعروف، وإن في المعروف لأجراً]. رجل أراد أن يتخلص من ماله الحرام، كأن يكون عنده أموال من ربا، فهو يريد أن يتخلص منها امتثالاً لأمر الله تعالى وأمر رسوله عليه الصلاة والسلام، وكان بإمكانه أن يحتفظ بهذا المال وينفقه حيث شاء؛ لكن حياءه من الله عز وجل هو الذي دفعه أن يتخلص من هذا المال، وإن لم يكن للعبد فيه نية الصدقة أو نية الإنفاق في سبيل الله إلا أنه مأجور، إذ إنه استحى من الله وتخلص من هذا المال الحرام؛ لأنه لو أبقاه لكان آثماً كما في قول الصحابة رضي الله عنهم للنبي عليه الصلاة والسلام حين قال: (وفي بضع أحدكم صدقة)، والبضع هو الجماع، أو كناية عن الجماع، ولذلك قالوا (يا رسول الله! كيف يأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها صدقة)، أي: مع أن هذا أمر غريزي يأتيه المرء بنية وبغير نية، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: (أرأيت لو وضعها في حرام أكان عليه وزر؟ قال: نعم. قال: فكذلك إذا وضعها في حلال كان له بها أجر)؛ لأنها من عموم المعروف، ومن عموم أداء الواجبات؛ لأن إتيان المرأة واجب على الرجل، وهناك خلاف بين أهل العلم في المدة التي يجب على الرجل أن يأتي فيها امرأته:

    فمنهم من قال: تجب مرة في كل أربعة أيام، قياساً على ما لو كان المسلم قد نكح أربعاً من النساء، فإن حظ كل واحدة مع التعدد ليلة يأتيها فيها الرجل.

    ومنهم من قال: يجب عليه وجوباً -يأثم بتركه- أن يأتيها في كل طهر مرة، وهؤلاء هم الظاهرية، واستندوا إلى قول الله عز وجل: فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ [البقرة:222].

    وكذلك المسافر إذا استأذن امرأته فيما لا يزيد عن أربعة أشهر إلا بإذن وطيب خاطر من المرأة، وأن يكون ذلك في سفر ضروري لطلب معاش أو رد عدو أو غير ذلك من الأغراض الشرعية للسفر.

    قال: [قال سعيد بن المسيب عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال]، وهذا إسناد مرسل، لكن معنى الحديث تشهد له نصوص شرعية كثيرة: [(إن قلة الحياء كفر)]. أي: كفر عملي لا يخرج به صاحبه من الملة، قال: [فهذا شبيه بقوله: (الحياء شعبة من الإيمان)] إذاً: هذا خرج مخرج مفهوم المخالفة، يعني: هذا تخريج على الأصل، فالأصل أن الحياء من الإيمان، فترك الحياء لا بد أن يكون من الكفر.

    قال: [وذلك أن الرجل إذا قل حياؤه ارتكب الفواحش، واستحسن القبائح، وجاهر بالكبائر، فكأنه على شعبة من الكفر، فصار هذا تخريجاً على التضاد]. أي: ما دام الحياء من الإيمان، إذاً ترك الحياء من الكفر، أي: ربما يؤدي به إلى الكفر، منه العملي ومنه الاعتقادي.

    قال: [الحياء شعبة من الإيمان، وقلة الحياء شعبة من الكفر، نسأل الله الحياء والتقى والعفة والغنى].

    حديث أبي أمامة (من أحب لله وأبغض لله...)

    قال: [عن أبي أمامة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (من أحب لله، وأبغض لله، وأعطى لله، ومنع لله، فقد استكمل الإيمان)].

    إذاً: هذه الشعب متعلقة بكمال الإيمان؛ لأنه قال: (من أحب لله)، فأنا أحب فلاناً لكن ليس لله بل لمصلحة دنيوية، وهذا لا يجوز، فأنا أحبك في الله لأنك رجل موحد، رجل تحافظ على دينك أمراً ونهياً، إتياناً وتركاً، رجل تغضب لغضب الله عز وجل وغضب رسوله، وتفرح لفرح الله ولفرح رسوله عليه الصلاة والسلام، رجل قائم بالكتاب والسنة؛ فهذا هو الحب في الله، لكن إن أحببت من أول نظرة، ولم أعرف ما هو دينك، ما هي أخلاقك، فهل هذا هو الحب في الله؟! لو أن واحداً أحب آخر على هذا النحو لا يؤجر عليه؛ لأنه لم ينعقد في الله عز وجل، لكنني لو أحببتك لله، لا يشرع لي أن أبغضك إلا لله عز وجل، ولذلك أهل السنة والجماعة يعتقدون أن المرء لا يحب لذاته ولا يبغض لذاته، وإنما يحب لعمله ويبغض لعمله، ومن الناس من يجمع الخير والشر، الطاعة والمعصية، الصلاح والفساد، فمن عقيدة أهل السنة أن المرء يحب على قدر ما فيه من طاعة، ويبغض على قدر ما فيه من معصية، وعندما تأتي وتبحث على أصول الاعتقاد عند أهل السنة والجماعة في هذه القضية، أي: قضية الحب والبغض، تجد أننا ليس لنا علاقة بأهل السنة والجماعة، كيف؟ فلان هذا يصوم ويصلي ويزكي ويحج ويعتمر ويتطهر من الجنابة، ويفعل كل الطاعات؛ لكن إن كان بيني وبينه قضية مبنية على الطمع فحرمني أبغضته، رغم ما فيه من طاعة، فهذا البغض يأثم به العبد؛ لأنه لم ينعقد في الله، ووقع على هذا العبد الطائع بغير ذنب منه ولا جريرة ارتكبها.

    حديث (من أعطى لله ومنع لله..)

    قال: [قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من أعطى لله، ومنع لله، وأحب لله، وأبغض لله، وأنكح لله، فقد استكمل إيمانه)]، أي: أن هذا أمر متعلق بكمال وتمام الإيمان، فقال: العطاء والمنع لا بد أن تنعقد في الله عز وجل، فمثلاً: عندما تسافر أو تذهب إلى الحج فترى كل أهل البلد منهم من جاء بوزة، ومنهم من جاء ببطة، ومنهم من جاء بعجل وغير ذلك، وهم في حقيقة الأمر لم يعطوه مساعدة وإنما ينتظرون نوالاً قادماً، ولو رجع هذا الحاج من الحج صفر اليدين، فانظر إلى السخط والغضب الذي ينصب عليه، واتهامه بالبخل والشح وغير ذلك، وهذا يدل على أن العطاء أولاً لم يكن لله؛ لأنك الآن عندما تأتي بهدية لفلان أو تذهب إلى فلان وتعطيه هدية، الأصل ألا تنتظر أن يردها إليك، لكنه من حسن إيمانه أن يرد إليك الهدية وزيادة، يعني: هذا من حسن الخلق، ومن أعظم البر، ولذلك لما (استلف النبي عليه الصلاة والسلام بعيراً، فلما جاء صاحب البعير ليأخذه من النبي عليه الصلاة والسلام، قال النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه: التمسوا له بعيراً، فذهبوا ليلتمسوا له بعيراً فلم يجدوا إلا بعيراً هو أفضل من بعيره، قالوا: يا رسول الله! لم نجد إلا بعيراً هو أفضل من بعيره، قال: أعطوه إياه، فإن خيركم أحسنكم قضاءً)، ولذلك هل هذا داخل في باب الربا أو في حسن القضاء؟

    في حسن القضاء، فمثلاً: أنت عندما تعطيني ألف جنيه سلفاً، وتقول لي: خذ هذه الألف جنيه، ثم بعد سنة أتيت أردها لك ألف جنيه، فقلت لي: لا، الألف بألف ومائة، أعطني المائة قبل الألف، فهذا غير مشروع؛ لأنه ربا، وهو معروف في القرآن بربا النسيئة، أي: ربا التأخير، إذاً: التأخير في الزمن مقابل الزيادة لا يجوز، لكن لو أخذت منك الألف جنيه، وفي وقت القضاء أتيت بخمسمائة جنيه فوق الألف هدية، فلك أخذها، أي: الهدية؛ لأنك على يقين أن هذا ليس من باب الربا؛ لأنه ليس مشروطاً، ولم تصب إليه نفس الدائن، وإنما هو أعطاك قرضاً حسناً، فلو أتيت ترده له بنفس القدر فلا حرج عليك ولا عليه، لكن لو أعطيته زيادة من باب الهدية فهذا بلا شك من باب حسن القضاء لا من باب الربا، وإنما يفرق بين هذا وذاك أن يكون مشروطاً في عقد المداينة، مثل البنك بالضبط، فعندما تأخذ من البنك عشرة آلاف جنيه، ثم بعد عام أردت أن ترجع هذا المبلغ للبنك؛ فإنه يضع في يديك كلبشات الحديد، يعني: أن البنك حين التعاقد يقول لك: إقترض مني ما شئت في مقابل (16%) فائدة العام الأول، فإن تأخرت سيضاعف عليك هذه الفائدة حتى تصل إلى مئات في المائة، وهذا مصداق لقول الله عز وجل: يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ [البقرة:276]، فالربا بلاء عظيم جداً بخلاف الزكاة، فإن بعض الناس يتصور أن دفع الضرائب للحكومة زكاة، ويقول: لقد زكيت، وهذا خلط بين الإيمان والكفر، خلط بين ما هو مشروع وما هو ممنوع، وبعض الناس يتصور أن الزكاة تنقص المال، وهذا تصور لا يخرج إلا من قلب قد فسد إيمانه؛ لأنه يحاج الله تعالى في قوله: وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ [البقرة:276]، وقال الله تعالى: خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا [التوبة:103]، فإخراج الزكاة إنما هو طهرة للبدن والمال، وزكاة للأنفس التي أخرجت هذا المال، أما أن يعتقد إنسان أن إخراج الزكاة منقصة للمال؛ فإن المال ليس بعدده ولا كيله، وإنما هو ببركته التي يطرحها الله عز وجل فيه، فكم من إنسان يتقاضى راتباً بالألف، لكنه يبكي بالليل والنهار، وكم من إنسان يأخذ بعض الدراهم، لكنه يعيش عيشة سعيدة بسبب إيمانه وتقواه، ويبارك الله له في ماله وفي ولده وفي رزقه، وكم من إنسان يأخذ الألف وفي كل شهر يبتلى جزاء هذا المال المحرم في ولده أو في امرأته أو في نفسه أو في قلبه، بخلاف إنسان تقي نقي صفي يأخذ مالاً قليلاً، ويمشي على قدر هذا المال طيلة الشهر، والعجب أنه يدخر منه، ولا يشعر بأي ضيق في الحياة، ويرى أن الحياة كلها سعادة وهناء، وإنما مرد ذلك إلى الإيمان والكفر، إلى السعادة والشقاء، إلى الطاعة والمعصية، إلى الصلاح والطلاح، وليس ذلك مرهوناً بإخراج بعض المال مما يملك الإنسان.

    أثر كعب (من أقام الصلاة...)

    قال: [عن كعب قال: من أقام الصلاة وآتى الزكاة وسمع وأطاع، فقد توسط الإيمان]. وهذا يدل على أن الإيمان منه ما هو دون، ومنه ما هو وسط، ومنه ما هو في القمة والكمال والتمام، قال: [ومن أحب في الله، وأبغض في الله، وأعطى لله، ومنع لله، فقد استكمل الإيمان].

    حديث أبي رزين العقيلي (ما الإيمان...)

    قال: [وعن أبي رزين العقيلي]، وإن كان الإسناد فيه ضعف، لكن يشهد له ما قبله وما بعده، [قال: (أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله! ما الإيمان؟ قال: أن تشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله، وأن يكون الله ورسوله أحب إليك مما سواهما، وأن تحرق بالنار أحب إليك من أن تشرك بالله، وأن تحب غير ذي نسب لا تحبه إلا لله)]. أي: تحب الغريب الذي لا تربطك به رابطة نسب، وهذا الحب لا يكون إلا في الله، قال: [(فإذا كنت كذلك فقد دخل حب الإيمان قلبك كما دخل حب الماء قلب الظمآن في اليوم القائظ -أي: اليوم الشديد الحر - قلت: يا رسول الله! كيف لي أن أعلم أني مؤمن؟ قال: ما من أمتي أو من هذه الأمة من عبد يعمل حسنة فيعلم أنها حسنة والله جازيه بها خيراً منها، ولا يعمل سيئة فيعلم أنها سيئة، ويستغفر الله منها، ويعلم أنه لا يغفر الذنوب إلا هو فهو مؤمن)].

    وهذا مصداق [قوله عليه الصلاة والسلام: (من سرته حسنته وساءته سيئته فهو مؤمن)].

    فمثلاً: لو أن واحداً صلى وشعر بعد الصلاة بتوفيق الله عز وجل له في هذه الصلاة، وأنه كان على قدر لا بأس به من الخشوع والخضوع والذل بين يدي العزيز الجبار سبحانه وتعالى؛ فلا شك أن هذا العبد أفضل من آخر صلى بجواره وهو غافل لاه ساه، فخرج من صلاته ولا يدري هل قرأ فيها أم لا؟ وإذا كان قد قرأ فلا يدري ما قرأ؟ بخلاف الآخر الذي استحضر الخشوع، ونظر الله تبارك وتعالى إليه، فأتى بهذه الصلاة على وجهها، فأتمها بخشوعها، وأداء أركانها، وواجباتها ومستحباتها، ففرق عظيم بين هذا وذاك، فهذا العبد الثاني لما استشعر أن هذا من رحمة الله عز وجل فرح بهذه الحسنة التي أداها، وفرحه هذا إنما منبعه الإيمان؛ لأن المؤمن إذا عمل خيراً فرح به، وإذا بدت منه سيئة استاء واغتم أشد الغم لما بدر منه؛ لما قصر في جنب الله، ولذلك المؤمن الكامل الإيمان إذا قام ورأى الشمس قد أشرقت ولم يصل الصبح فماذا يكون حاله؟ لا شك أنه يكون في غاية الضيق والهم والغم، بل والكسل طيلة النهار، وكأنه وقع في ذنب لا يغفر أبداً، مع أن هذا قد حصل من النبي عليه الصلاة والسلام، وأنتم تعلمون حديث بلال وأنس وغيرهما: (أن النبي عليه الصلاة والسلام نام وأصحابه ورضي الله عنهم أجمعين حتى ضربت الشمس بحرها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: تحولوا بنا عن هذا الوادي فإن به شيطاناً، ثم أمر بلالاً فأذن فتوضئوا وصلوا الفجر، ثم صلوا الظهر بعد ذلك).

    وهذا مصداق لقوله عليه الصلاة والسلام: (من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها، فإنما ذلك وقتها).

    والشاهد أن المرء الذي عنده شيء من الإيمان -لا أقول: كمال الإيمان وتمامه- لو أنه سرق أنبه إيمانه وضميره وخوفه من الله عز وجل، وربما أخفى المال المسروق بين يديه؛ لشهوة أو ضعف في إيمانه أو حاجة إلى هذا المال أو غير ذلك، لكنه على أية حال غير مطمئن البال لما بدر منه؛ لأنه ساءته سيئته، وهذا بخلاف المنافق، فإنه لا تسره حسنته ولا تسوءه سيئته، بل إنه يتظاهر بالخير ويبطن الشر، يتظاهر بالإيمان ويبطن الكفر، ويظن أنه في مأمن من مكر الله عز وجل، واطلاع الله عز وجل على سره، كاطلاعه على علانيته سواء بسواء، فهذا هو الفرق بين المؤمن والمنافق، فالمؤمن إذا فعل سيئة استاء بها، وإذا فعل حسنة سر بها، ومصدر السرور بالحسنة والإساءة بالسيئة إنما هو الإيمان، فيكون قوله عليه الصلاة والسلام: (من سرته حسنته وساءته سيئته فهو مؤمن)، أي: مصدر الإساءة ومصدر الإحسان هو الإيمان، فلو أنه فعل سيئة استاء منها، وهذا الاستياء دليل على إيمان العبد، وإذا فعل حسنة سر بها، وهذا السرور دليل على الإيمان، ولذلك قال النبي عليه الصلاة والسلام : (علامة الإيمان حب الأنصار، وعلامة النفاق بغض الأنصار)، إذاً: حب الأنصار شعبة من شعب الإيمان، وأنا لابد أن أسأل نفسي سؤالاً: لماذا أحب الأنصار؟ هناك من الأنصار مشركون، ومن أبناء الأنصار مشركون، لكنني أحببت الأنصار في الجملة؛ لأجل محبتهم لله عز وجل ولرسوله ونصرتهم لدينه، وتقديمهم الغالي والنفيس في سبيل نصر دين الله عز وجل. لكن لو أني -عياذاً بالله- منافق، فهل أحبهم لأجل نصرتهم لدين الله؟ الجواب: لا، إذاً: علامة الإيمان حب الأنصار، أي: بسبب نصرتهم لله ورسوله، لكن لو أن اثنين من الأنصار تخاصموا مع بعضهم البعض، أليس الأوس والخزرج من الأنصار؟ بلى، فلو أن شخصاً من الأوس تخاصم مع شخص من الخزرج؛ فلا شك أن هذا سيورث شيئاً من البغض بين الأوسي والخزرجي، فهل بغض الأوسي للخزرجي بسبب نصرة الخزرجي لله ورسوله؟ فلو أن أوسياً أبغض خزرجياً هل يكون هذا مؤثراً على إيمان الأوسي؟ لا؛ لأن بغضه للخزرجي ليس بسبب نصرة الخزرجي لله، ولرسوله وكذلك العكس بالعكس، فلو أنك عقدت قلبك ونيتك على حب الأنصار لأجل ما قدموه وما بذلوه من الغالي والنفيس في سبيل نصرة دين الله ورسوله فلا شك أن هذا من عظائم شعب الإيمان، وإذا كنت تبغضهم لأجل هذا فاعلم أنك على شعبة عظيمة وخطيرة من النفاق، لكن لو ذهبت إلى السعودية مثلاً ووجدت واحداً من أهل المدينة سيكون من أبناء الأنصار، وثارت بينك وبينه مشكلة، فورث حساسية وشيئاً في نفسك أدى إلى بغض هذا الرجل بعينه، لكن بغض هذا من طريق بعينه، وهو أنها حدثت بينك وبينه مشكلة بعيدة عن دين الله عز وجل، فهل يؤثر على إيمانك أم لا؟ لا يؤثر؛ لأنك لم تبغضه لأجل النصرة أو نصرة آبائه وأجداده، وإنما أبغضته لما دار بينك وبينه، نسأل الله السلامة والعافية.

    أثر يحيى بن معاذ (ما من مؤمن يعمل المعصية...)

    قال: [قال يحيى بن معاذ الرازي : ما من مؤمن يعمل المعصية لله تبارك وتعالى إلا ويكون معها حسنتان: خوف العقاب، ورجاء العفو].

    من عقيدة أهل السنة والجماعة أن المرء يطير إلى الله بجناحين: جناح الخوف، وجناح الرجاء، وهما جناحان للعبد لا تصح عبادته إلا بهما، فإذا عبد المرء الله عز وجل بالخوف فقط أدى ذلك إلى اليأس والقنوط من رحمة الله عز وجل، وإذا عبد العابد الله تعالى بالرجاء فقط فلا بد أنه سيؤدي به إلى التقصير والتفريط في جنب الله عز وجل، ويوقعه في الإرجاء وترك العمل، فينبغي أن يسير السائر إلى الله عز وجل بهذين الجناحين على قدم وساق، خوف يحفزك إلى مزيد من العمل، ورجاء في أن الله عز وجل سيجازيك على عملك هذا خيراً.

    وبعض أهل العلم قال: ويستحب تغليب جانب الخوف على جانب الرجاء إلا في مرض الموت، أو المرض الشديد الذي يغلب على الظن مفارقة الحياة الدنيا معه، فيغلب الرجاء حتى يلقى العبد ربه بحسن ظنه، لقول النبي الكريم كما عند مسلم وأبي داود : (لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بربه)، ومصدر حسن الظن الرجاء بالله عز وجل.

    وقال الله عز وجل في الحديث القدسي: (أنا عند ظن عبدي بي، فليظن بي ما شاء)، وفي رواية: (فلا يظن بي إلا خيراً)، فينبغي تغليب الخوف في حال القوة والنشاط، بخلاف حال الضعف والمرض والإشراف على الهلاك، فيستحب أن يغلب جانب الرجاء.

    أثر عبد الله بن عمرو بن العاص (لا يؤمن العبد...)

    حديث أبي هريرة (من سره أن يجد طعم الإيمان ...)

    قال: [وقال النبي عليه الصلاة والسلام: (من سره أن يجد طعم الإيمان فليحب العبد لا يحبه إلا لله)].

    حديث أبي هريرة (والذي نفسي بيده لا تدخلون الجنة...)

    أثر علي في صفة المؤمن

    قال: [وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: صفة المؤمن قوة في دين، وجرأة في لين، وإيمان في يقين، وحرص في فقه، ونشاط في هدى، وبر في استقامة، وكيس في رفق، وعلم في حلم، لا يغلبه فرحه، ولا تفضحه بطنه، نفسه منه في عناء، والناس منه في راحة؛ لا يغتاب ولا يتكبر]. وهذه خصال الإيمان.

    حديث ابن مسعود (ليس المؤمن بالطعان...)

    قال: [وقال النبي عليه الصلاة والسلام: (إن المؤمن ليس بالطعان، ولا اللعان، ولا الفاحش، ولا البذيء)]، أي: المؤمن كامل الإيمان، ليس بالطعان، ولا اللعان، ولا الفاحش، ولا البذيء.

    أثر الحسن (إن من أخلاق المؤمنين...)

    وفي بعض كلام أهل العلم قال: [إن من أخلاق المؤمنين قوة في الدين، وحزماً في لين، وإيماناً في يقين، وحرصاً في علم، وقصداً في غنى، وتجملاً في فاقة -أي: فقر- ورحمة للمجهود، وعطاءً في حق، ونهياً عن شهوة، وكسباً في حلال، وتحرجاً عن طمع، ونشاطاً في هدى، وبراً في استقامة، لا يحيف على من يبغض، ولا يأثم في الحب، ولا يدعي ما ليس له، ولا ينابز بالألقاب، ولا يشمت بالمصائب، ولا يضر بالجار ولا يهمز، في الصلاة متخشع، وإلى الزكاة متسرع، إن صمت لم يغمه الصمت]، أي: لم يصب بغم بسبب صمته، [وإن ضحك لم يعل صوته، في الزلازل وقور، وفي الرخاء شكور، قانع بالذي له، لا يجمح به الغيظ، ولا يغلبه الشح، يخالط الناس ليعلم، ويصمت ليسلم، وينطق ليفهم، إن كان مع الذاكرين لم يكتب من الغافلين، وإن كان مع الغافلين كتب من الذاكرين، وإن بغي عليه صبر حتى يكون الله هو الذي ينتقم له يوم القيامة].

    آثار ابن عمر وأبي الدرداء والعباس في أعمال الإيمان وأثرها

    قال: [وقال عبيد بن عمير: الإيمان هيوب]. أي: أن المؤمن مهاب بسبب إيمانه، إذ يجعل الله تعالى هيبته في قلوب الخلق.

    قال: [قال أبو الدرداء : على الحق نور، وعلى الإيمان وقار].

    قال: [وقال عباس بن عبد المطلب : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (ذاق طعم الإيمان من رضي بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد رسولاً)].

    [قال ابن بطة : فهذه أخلاق الإيمان، وصفات المؤمنين، يزيد في العبد، ويقوى بقوتها وزيادتها، وينقص ويضعف بضعفها ونقصانها]، ثم قال: [وسأذكر الأفعال والأقوال التي تخرجه من إيمانه ويصير كافراً بها]. وهذا القول في غاية الأهمية؛ لأن بعض الناس يقولون: لا يكفر العبد إلا بالاستحلال، ومذهب أهل السنة والجماعة: أن العبد يكفر بالاستحلال وبالأعمال، والاستحلال شيء قلبي، والعمل شيء ظاهري، ولذلك قال الإمام هنا: (وسأذكر الأفعال والأقوال التي تخرجه من إيمانه ويصير بها كافراً)، وهذا يدل على أن الكفر والردة تكون بالقول والعمل والاعتقاد، قال: [وكل ذلك في نص التنزيل، وسنة الرسول صلى الله عليه وسلم، وقول العلماء الذين هم الحجة والقدوة، وذلك خلاف مقالة المرجئة الذين حجبت عقولهم، وصرفت قلوبهم، وحرموا البصيرة، وأخطئوا طريق الصواب، أعاذنا الله وإياكم من دخول مذاهبهم].

    وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.