إسلام ويب

الصوتيات

  1. الصوتيات
  2. محاضرات مفرغة
  3. حسن أبو الأشبال الزهيري
  4. شرح كتاب الإبانة من أصول الديانة
  5. شرح كتاب الإبانة - ذم المراء والخصومات في الدين والتحذير من أهل الكلام [1]

شرح كتاب الإبانة - ذم المراء والخصومات في الدين والتحذير من أهل الكلام [1]للشيخ : حسن أبو الأشبال الزهيري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لقد ذم الله سبحانه الذين يخوضون في آياته، وحذر النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته والتابعون من مجالستهم ومخالطتهم، فأصحاب الأهواء والخصومات قد باعوا دينهم، وتمت خسارتهم بكثرة خطاياهم، وانشغالهم بما لا يعنيهم حتى أكثروا التلون في الدين والتنقل والتحول، وواقع المسلمين اليوم يشهد بذلك.

    1.   

    باب ذم المراء والخصومات في الدين، والتحذير من أهل الجدال والكلام

    إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    أما بعد:

    الباب الذي نحن بصدده هو باب: ذم المراء والخصومات في الدين، والتحذير من أهل الجدال والكلام.

    والمراء: هو الملاحاة والخصومات والجدال بالباطل، فإذا كان ذلك في دين الله عز وجل فإنه مذموم، بل هو أشد ذماً؛ لأن الجدال بالباطل في غير الدين أمر مذموم، فهو مذموم من باب أولى إذا كان في دين الله عز وجل، والخصومة والمراء والجدال لا يكون إلا في أصحاب الكلام والفلسفة، وأما أهل التقوى وأهل العلم الراسخون فيه فإنهم وقَّافون عند حدود القرآن، وحدود السنة الصحيحة.

    ولذلك فهذا الباب متمم للبابين اللذين قبله، وأقوال أهل العلم في هذا الصدد كثيرة لا تكاد تنتهي، وما من كتاب أُلِّف في السنة -كهذا الكتاب الذي بين أيدينا- إلا وعقد فصولاً متعاقبة متتابعة في أهمية هذا الأمر، والتحذير منه، أي: أهمية الوقوف عند حدود القرآن والسنة، والتحذير من الخصومات والجدال والمراء والملاحاة في دين الله عز وجل بغير علم.

    الجدال وأقسامه

    ولا بد أن تعلم -قبل البدء- أن الجدال منه ما هو محمود، ومنه ما هو مذموم..

    فالجدال المحمود هو كما قال الله تعالى: وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [النحل:125]، فمعنى (التي هي أحسن): قال الله وقال رسوله صلى الله عليه وسلم، وأجمع العلماء، وهي حجة أقوى من حجة الخصم. فهذا هو الجدال بالتي هي أحسن.

    وأما أن تقصد بهذه المجادلة وهذه المنازعة الباطل، أو الانتصار للرأي، أو العصبية لفلان أو علان، أو قومك أو عشيرتك، أو انتصاراً لرأيك؛ فإن هذا هو الجدال المذموم.

    وأما ما يشهده بعض الناس، وخاصة في مكة والمدينة.. في موسم الحج والعمرة في رمضان، أنهم يؤجرون المنازل ويغلون جداً في أسعار السكنى أو غيرها، فإذا جادلتهم في خفض الأسعار قالوا: يا فلان! لا تجادل في الحج.

    كل من ذهب إلى مكة في موسم العمرة في رمضان، أو موسم الحج في ذي الحجة فإنه لا بد أن يسمع هذه الكلمة، فيعتبرون أن طلب خفض أسعار السكن، ومراجعة الملَّاك في هذه البلاد في مثل هذا الشأن جدالاً مفسداً للحج، أو يؤثر على ثواب الحاج!!

    وهذا بلا شك فهم مغلوط لمعنى الجدال المذموم، ومعنى الجدال الممدوح، فنتفق أولاً أن الجدال المذموم هو الجدال في دين الله عز وجل بالباطل، والذي يبتغى به رد آيات الله عز وجل، ورد أحاديث النبي عليه الصلاة والسلام.

    بيان أبغض الرجال إلى الله

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [قالت عائشة رضي الله عنها: قال النبي عليه الصلاة والسلام: (إن أبغض الرجال إلى الله الألد الخَصِم أو الألد الخصيم)، وفي رواية: (إن أبغض الرجال إلى الرسول عليه الصلاة والسلام هو الألد الخصم).

    والألد: هو الشديد، يعني: صاحب الخصومة الشديدة الذي يشار إليه أن فلاناً مجادل، وأن فلاناً منازع، وأن فلاناً مخاصم، فإذا كانت الخصومة والجدال والملاحاة علامة على شخص ما؛ فاعلم أن هذا الشخص إنما هو مبَغَّض إلى الله عز وجل، كما أنه مبَغَّض إلى الرسول عليه الصلاة والسلام.

    تفسير الحسن البصري لقوله تعالى: (وهو ألد الخصام وبيان أنواع الكذب، وخطر الكذب على النبي

    [وعن الحسن في قوله تعالى: وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ [البقرة:204]، قال: كاذب القول].

    يعني: لا يقول قولاً صدقاً، وأنتم تعلمون أن الكذب في اللغة وفي الاصطلاح هو القول الذي لا يطابق حقيقة الواقع، سواء كان قائله متعمداً، أو مخطئاً، أو ناسياً، فيقال: إنه قول كاذب، لكن هل يأثم قائله بذلك؟ إذا كان متعمداً فإنه يأثم، وإذا كان غير متعمد لذلك فإنه لا يأثم.

    والكذب منه ما هو مذموم أشد الذم، بل ذهب بعض أهل العلم إلى كفر قائله، كالكذب على النبي عليه الصلاة والسلام، كما في قوله: (من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار)، فلم يرد مثل هذا التهديد والوعيد في الكذب في حديث الناس، ولما قاله عليه الصلاة والسلام: (إن كذباً علي ليس ككذب على أحد).

    وبهذا يتبين أن الكذب على النبي عليه الصلاة والسلام إنما هو دين يتعبد به إلى قيام الساعة؛ ولذلك لم يستو الكذب في حديث الناس مع الكذب على النبي عليه الصلاة والسلام؛ لأنك لو كذبت على النبي عليه الصلاة والسلام فكأنك تقول: هذا دين الله عز وجل الذي قد أتى به نبينا محمد عليه الصلاة والسلام.

    وبالتالي يلزمكم أيها الناس! أن تتقربوا إلى الله بمثل هذا الكلام، وفي حقيقة الأمر أن النبي عليه الصلاة والسلام لم يقل هذا الكلام، بل هو مفترى عليه عليه الصلاة والسلام، ولكن من رحمة الله عز وجل ومن حفظ الله عز وجل لهذا الدين أن قيض لسنة النبي الأمين أناساً يذبون عنه، وينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين؛ فميزوا وغربلوا السنة غربلة، وميزوا وفرقوا بين ما صح وما ثبت عن صاحب الشريعة الغراء وما لم يثبت.

    فتعبدنا الله عز وجل بما ثبت عن نبيه عليه الصلاة والسلام، وأما ما دون ذلك فإنه مردود لا يجوز العمل به قط، بل ولا حتى في فضائل الأعمال على أرجح الأقوال من كلام أهل العلم.

    والكذب مذموم كله، وهو يهدي إلى الفجور، والفجور يهدي إلى النار.

    والكذب كله ما ورد في الكتاب والسنة، بل ولم يذكر في لسان العرب إلا في معرض الذم، ولم يستثن منه الشرع إلا مواطن محددة، كالكذب على العدو؛ لأن الحرب خدعة، والكذب على الزوجة؛ لاستقامة الحياة، وهو الكذب فيما يتعلق بالثناء عليها، والحث لها، وقبول أعمالها.. وغير ذلك، كأن تقول لها مثلاً: أنت جميلة، وهي في حقيقة الأمر دميمة، وكأن تقول لها: طبخك أو طهيك ما أجمله وما ألذه، وهو في حقيقة الأمر تأنف منه الكلاب، لكن على أية حال لو أنك قلت ذلك لدامت العشرة، وطاب الخاطر، فمثل هذه المسائل أجازها الشرع لمصلحة أعظم من الكذب، وهو كذب لا يؤثر على دين الله عز وجل لا أخذاً ولا رداً.

    ما جاء في النهي عن ضرب الأدلة بعضها ببعض، وضرورة إرادة الحق في الجدل

    قال: [وقال أبو أمامة : ما ضلت أمة بعد نبيها إلا كان أول ضلالتها التكذيب بالقدر].

    يعني: ينفون عن الله عز وجل علمه بما كان، وأنه لا يعلم ما كان إلا بعد أن كان ووقع، فعلمه بعد أن صار حدثاً، وأما قبل صيرورته حدثاً واقعاً فإن الله لا يعلمه، ويزعمون أن الله تعالى لم يكتب مقادير العباد قبل أن يخلق العباد، فمن نفى علم الله عز وجل السابق ونفى الكتابة؛ فإنه كافر عند أهل العلم من الصحابة ومن بعدهم إلى يومنا هذا.

    قال: [وما ضلت أمة بعد نبيها إلا أعطوا الجدل، كما قال تعالى: مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ [الزخرف:58]] يعني: مهنتهم الخصومة والملاحاة والجدال.

    [وعن أبي أمامة قال: (بينما نحن نتذاكر عند رسول الله صلى الله عليه وسلم القرآن ينزع هذا بآية، وينزع ذاك بآية)].

    فانظروا إلى الملاحاة والخصومة! لا يريد أطراف الخصومة أن يصلوا إلى الحق، وإنما كل واحد يريد أن يصل إلى إثبات ما استقر عليه رأيه، وإن كان أمراً شرعياً في أصله، فتجد مثلاً بعض من الإخوة في الصحوة يتربون في قضية ما على رأي واحد، فهو يتبناها، لا لأنه درسها وقرأها وعرف أدلتها وتعبد بهذه المسألة، لكن لأن فلاناً من أهل العلم -المحبب والمقرب إلى قلبه- يميل إلى هذا الرأي؛ فهو كذلك يميل إليه بالعاطفة لا بعلم ولا بدراسة.

    ولذلك فكثير من المسائل التي استقرت لديكم ينبغي مراجعتها، ودراستها دراسة علمية؛ حتى تعبد الله تعالى على بصيرة؛ لأن البصيرة هي العلم لا العاطفة.

    فلو أننا أشرنا بالأصابع الآن إلى فلان وفلان من الناس الحاضرين وقلنا له: ماذا يترجح لديك في مسألة: كشف الوجه وتغطيته؟ فلا بد أنه يبادر إلى وجوب النقاب وتغطية الوجه.

    فإن قلنا له: اذكر دليلاً من القرآن، ودليلاً واحداً من السنة، ورأي من هذا؟ هل هو رأي الجمهور أم غيرهم؟ لتوقف وسكت؛ وذلك لأنه منذ نعومة أظفاره في المساجد وفي طلب العلم استقر عنده رأي وتبناه، وهذا الرأي هو أن النقاب فرض لازم، فربما اعتقد أن كشف الوجه سفور وفجور، فهو يهاجم ويسب ويلعن الرأي الآخر.

    والقائم على الرأي الآخر إذا سألته: من أين لك هذا؟ سكت، بل ربما هاجم.

    ولو سألت فلاناً من الناس: ماذا تقول في صلاة الجماعة: أهي سنة مؤكدة أم واجبة، أم أنها شرط في صحة الصلاة؟

    وهذه هي في صلاة الجماعة، ولكل مذهب أدلته، فماذا درست أنت من أدلة في هذه المذاهب كلها؟ ثم ما الذي ترجح لديك؟

    الجواب: أنك تحفظ من أول الأمر أن صلاة الجماعة واجبة، فإذا قلنا: اذكر لنا دليلاً من الكتاب أو من السنة؛ فإنك لا تذكر، ولكنك تربيت على مثل هذا، فأنت ليس عندك استعداد للمناقشة والإقناع.

    إذاً: إذا دخل مثل هذا في خصومة ومجادلة لإثبات الرأي الراجح من أقوال أهل العلم؛ أصر على رأيه؛ لأنه تربى عليه، ويصعب عليه جداً أن ينحرف عنه، وأن ينتقل إلى غيره؛ وذلك لأنه لم يدرس، ولما سئل في أول الأمر أظهر الذي ترجح لديه بالعاطفة والهوى، ومحبة للشيخ الذي أفتاه بذلك، فتجده يتعصب جداً ويغضب جداً، وربما يشتكي، وينقل هذا للغير.

    بل وربما يشير إلى أن هذا الشيخ يقره، فصار يقول: إن صلاة الجماعة سنة، والمستقر عنده أنها واجبة.

    وليس هذا من باب الجدال بالباطل، وإنما هو جدال بالحق، ولذلك نحن إذا فتحنا كتب الفقه -كالمغني والمجموع وغيرهما من الكتب- لوجدنا أن مسائل الإجماع في رأي معين أو علم قليلة جداً؛ ولذلك جمعت في كتيبات، وأما جل مسائل الفقه فمحل نزاع وأخذ ورد، وأصول تختلف من الجمهور إلى الحنفية.. وغير ذلك، وهم يبنون فتاواهم الشرعية على أساس هذه القواعد الكلية، أو الأصول العامة في علم أصول الفقه، فالأمر يحتاج إلى دراسة موسعة جداً، ورحابة صدر إذا كنا نتناقش لأجل الوصول إلى الحق.

    ولذلك ينبغي أن يبتغي كل مجادل الوصول إلى الحق، كما كان السلف رضي الله عنهم يفعلون ذلك.

    فـالشافعي عليه رحمة الله يقول: رأيي صواب يحتمل الخطأ، ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب.

    وقال: وما ناظرت أحداً قط إلا تمنيت أن يظهر الله تعالى الحق على لسانه ويده. أي: على لسانه هو لا لسان الشافعي، مع أن لسان الشافعي من أطيب الألسن، وأعلم الألسن، لكنه تجرد لله عز وجل.

    قال: ما ناظرت أحداً إلا وتمنيت أن يظهر الله الحق على لسانه هو؛ لأن هذا فيه فائدة عظيمة جداً للإمام الشافعي ، كون الشافعي يظهر له أن الحق مع خصمه، فهذا يدل على أنه قد علم أدلة لم تكن لديه، فلو علمها قبل المناظرة لقال بها.

    وهو القائل: إذا تعارض قولي مع قول النبي عليه الصلاة والسلام فاضربوا بقولي عرض الحائط. رحمه الله تعالى ورضي عنه.

    وهكذا كل عالم مخلص كتب له القبول عند الله عز وجل وعند المؤمنين، إنما كانت هذه سيرته، فهي سيرة طيبة في إرادة إظهار دين الله عز وجل، بغير تعصب لمذهب، ولا تعصب لقول ولا لشخص، وإنما التعصب دائماً لله عز وجل ولرسوله الكريم عليه الصلاة والسلام.

    [قال أبو أمامة : (بينما نحن نتذاكر عند رسول الله صلى الله عليه وسلم القرآن، ينزع هذا بآية وهذا بآية)] لماذا؟ لأن كل واحد يريد أن ينتصر لرأيه هو، وهي مسألة فيها خلاف، والخلاف ليس في ثبوت الدليل؛ لأنه يقول: هذا يأتي بآية، والآخر يأتي بآية أخرى، فالنبي عليه الصلاة والسلام حينما رأى هذه الصورة غضب غضباً شديداً، لأن هذا ضرب للقرآن بعضه ببعض.

    ولأنه -كما قال أهل العلم-: لو سكت الجاهل لقل الخلاف، والجاهل إنما طريقه التعلم لا المناظرة.

    ضرورة التحلي بالعلم والحكمة في الدعوة إلى الله

    وبعض الإخوة يقول: إذا كنا مأمورين بالدعوة إلى الله عز وجل؛ فكيف نوفق بين ما أُمرنا به وبين قولك: أننا لا نجادل ولا نماري ولا نخاصم ولا ندعو إلى الله عز وجل؟

    والجواب: أنا ما قلت هذا القول، ولم يَفهم أحد تقريباً من كلامي أني قلت هذا، لكن لا بد أن تعلم أنك مأمور بالدعوة إلى الله عز وجل إذا كنت على مستوى ذلك، فتدعو إلى الله عز وجل، فكم من الناس -وربما يكون عنده علم- إذا دعا إلى الله كاد أن يفسد أكثر مما يصلح؛ لأن شرط الدعوة أن تكون بالحكمة، وبعض الناس لا حكمة عنده ألبتة، فعندما يأمر كأنه يأمر بالعصا والسيف، فلا يقبل منه ذلك، بل ربما تأخذ المأمور العزة بالإثم فيرد الحق الذي معك؛ لغلظتك وفظاظتك، والله تعالى يقول لنبيه: وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ [آل عمران:159]، فلما لم ينفضوا من حوله، بل التفوا حوله؛ تبين أنه عليه الصلاة والسلام لم يكن فظاً، ولا غليظ القلب عليه الصلاة والسلام، بل كان أولى بالمؤمنين من أنفسهم، وكان يحرص عليهم أكثر من حرصه على نفسه وعلى أهله وولده عليه الصلاة والسلام، فمثل هذا هو الذي يدعو.

    وكذلك لا يدعو أحد بغير علم، وأنتم تعلمون أننا نعيب على الإخوان الذين يدعون إلى الله بزعمهم بغير علم، فينشرون البدع، وينشرون الخرافات في العقيدة والعمل؛ فهذا أمر لم يكلفنا الله عز وجل به؛ ولذلك قال الله تعالى: قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ على ماذا؟ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا أي: النبي وَمَنِ اتَّبَعَنِي .

    فالذي يدعو إلى الله عز وجل لا بد أن يتحلى بالحلم ومكارم الأخلاق، ويكون عاملاً كذلك بما يدعو الناس إليه ويأمرهم به، ويكون منتهياً عما ينهاهم عنه، وكذلك يكون عالماً بالأمر الذي يأمر به، أو عالماً بالنهي الذي ينهى عنه.

    فربما ذهب ينهى الناس عن أمر ويغلب على ظنه أنه حرام؛ فإذا به واجب، وربما ذهب يأمر الناس بعمل معين، وإذا به منهي عنه في الشرع؛ ولذلك فالعلم شرط في الدعوة إلى الله عز وجل.

    فبهذه القيود وغيرها من القيود والشروط التي اشترطها أهل العلم للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تكون الدعوة، أما أن يُفهم من كلامي ترك الناس للدعوة إلى الله عز وجل بالكلية؛ فهذا لا أقصده ولا أقوله قط.

    تابع ما جاء في النهي عن ضرب الأدلة بعضها ببعض بالجدل المذموم

    [قال أبو أمامة : (فخرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم كأنما صب على وجهه الخل)] يعني: لما خرج عليهم ووجد أن هذا يأتي بآية وذاك يأتي بآية، وكل واحد يأتي بالدليل الذي يستطيعه من باب نصرة رأيه على رأي الآخرين؛ غضب وكأنه صب على وجهه الخل.

    فقال: [(يا هؤلاء! لا تضربوا كتاب الله بعضه ببعض؛ فإنه يوقع الشك في قلوبكم، فإنه لن تضل أمة إلا أوتوا الجدل)].

    وعند ابن ماجه بإسناد حسن: (ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدل)].

    فاعلم أن الجدال والخصومة والمراء في دين الله بغير علم، وبغير هدى وكتاب منير؛ هو طريقك إلى ركوب الأهواء والضلالات والبدع.

    بيان أن الصالحين والموعودين بالجنة لا يجادلون في دين الله تعالى

    قال: [وقال أبو الدرداء وأبو أمامة وأنس بن مالك وواثلة بن الأسقع رضي الله عنهم أجمعين: (خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إن الإسلام بدأ غريباً، وسيعود غريباً؛ فطوبى للغرباء)].

    وطوبى قيل: هي منزلة في الجنة، وقيل: هي شجرة في الجنة.. وقيل غير ذلك.

    [قال: (فطوبى للغرباء، فقيل: يا رسول الله! من الغرباء؟ قال: الذين يصلحون إذا فسد الناس)] أي: يُصلِحون الناس حين فسدوا، أو يَصلُحون هم في وقت قد فسد فيه الناس.

    [قال: (لا يمارون في دين الله، ولا يكفرون أهل القبلة بذنب)]، وهذه زيادة، وأصل الحديث عند مسلم: (إن الإسلام بدأ غريباً).

    وقوله: (قيل: من الغرباء؟).. إلى آخر الحديث هي زيادات متنوعة وكثيرة جداً لم يصح منها من جهة الإسناد شيء إلا ما يشهد له بعض النصوص، كما جاء (قيل: يا رسول الله! ومن الغرباء؟ قال: النزاع من القبائل)، وقيل: (هم الذين يصلحون عند فساد الناس).. وقيل غير هذا.

    [وعن أبي أمامة رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (أنا زعيم لمن ترك المراء وهو محق ببيت في ربض الجنة)].

    قوله: (أنا زعيم): يعني: أنا كفيل ومسئول، وربض الجنة: هو ما حواليها.

    [قال: (وبيت في وسط الجنة، وبيت في أعلى الجنة)] أي: حوالي الجنة، فهذه ثلاثة بيوت لمن ترك المراء وهو محق؛ حتى لا يتمادى مع أصحاب الأهواء، وأصحاب الكلام، وأصحاب البدع؛ لأنه لو تمادى ربما وقع في قلبه ما يشككه، أو يعكر عليه صفوه.

    فهذه دعوة للحفاظ على القلوب، والحفاظ على العقول، فإذا أنت لم تفلح في رد هذا الخصم؛ فلا أقل من أنك تشوش في معلوماتك وفي عقيدتك، وتراجع نفسك مرة أخرى، وهذه المراجعة الذي دفعك إليها هو بداية الشك الذي أوقفك عليه ذلك المجادل.

    ولذلك قال عليه الصلاة والسلام: (أنا زعيم لمن ترك الجدال وهو محق ببيت في ربض الجنة، وبيت في وسط الجنة، وبيت في أعلى الجنة)، فهذه ثلاثة بيوت لمن ترك الجدال وهو محق.

    نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن التخاصم والتنازع في القدر

    قال: [وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج على أصحابه وهم يتنازعون في القدر، يعني: يتخاصمون في القدر، هذا ينزع بآية وذاك ينزع بآية- فكأنما فقئ في وجهه حب الرمان -يعني: احمر وجهه وغضب غضباً شديداً لمَّا وجد ذلك- فقال: أبهذا أمرتم؟ أبهذا أوكلتم، تضربون كتاب الله بعضه ببعض؟ انظروا إلى ما أمرتم به فاتبعوه، وإلى ما نهيتم عنه فاجتنبوه)].

    فهم قد أمروا بالإيمان بالقدر، لكن لما كان هذا أمراً شائكاً فالأصل فيه إذا ذكر الإمساك، (إذا ذكر القدر فأمسكوا)، وآمنوا به إيماناً جازماً، وسلموا له تسليماً مطلقاً.

    فعلينا إذاً: أن نعرف الحلال لنعمله، ونعرف الحرام الذي لا خلاف فيه لنجتنبه، فإنه في القديم لم يكن أحد ينازع قط في حرمة شرب الخمر؛ لأن حرمته أمر معلوم يقيناً، وهذه المسألة بالإجماع، ولا ينبغي أن يكون فيها خلاف، وأما الآن فيأتي من يقول: يا أخي! دعنا من الخمر، أنا أتكلم عن (الوسكي) و(الشمبانيا)، والمشروبات الروحية، والمشروبات الكحولية، كيف تكون حراماً؟!

    وواحد آخر يقول: ولم هذه الأشياء محرمة إذا كانت الحكومة مرخصة لها؟! وكأن هذه الحكومة حامية الحمى! ألا ترى الزنا والعري والفجور وبيوت الدعارة، ماذا ستقول في هذه الأمور؟ أحرام أم لا؟ يقول لك: لا.. لا، هذه تصرفات شخصية.. فردية، وكذلك هذه الأمور مرخص لها، أرأيتم الفلسفة؟!

    فإذا دخل الأمر إلى هذا الحد فقاطع الجدال والخصومة، فهذا دين الله عز وجل، فهذا أمر حرام ظاهر الحرمة، فيمنع أن يتكلم فيه أحد.

    [وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: (خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن نتنازع في القدر، فغضب حتى احمر؛ حتى كأنما فقئ في وجهه حب الرمان، ثم أقبل علينا فقال: أبهذا أمرتم؟ أو بهذا أرسلت إليكم؟ إنما هلك من كان قبلكم حين تنازعوا في هذا الأمر؛ عزمت عليكم ألا تنازعوا فيه)] يعني: أؤكد عليكم ألا تتنازعوا في مثل هذا الأمر.

    الامتناع من الجدال والخصومات المؤدية إلى تكذيب القرآن

    قال: [وعن أبي العالية قال: آيتان في كتاب الله ما أشدهما على الذين يجادلون في القرآن: قوله تعالى: مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا [غافر:4]]. إذاً: فالجدال من صفات الكافرين.

    [وقوله تعالى: وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ [البقرة:176]] أي: خلاف وتناحر ونفرة، ولذلك لن تجد أبداً اثنين من الجهلة جالسين يتكلمان في مسألة إلا وينصرفان على خلاف وتفرق في القلب، وهذا أكيد، فكل واحد منا قد دخل هذا الباب عدة مرات، وإن وافقه الخصم على ذلك قبل على مضض، وإن فارقه وتمسك بما عليه قام وبينهما قطيعة ربما لا تنتهي، ومردُّ ذلك كله إلى الجهل، فالاثنان مطلوب منهما أن ينصرفا إلى رجل من أهل العلم ليفصل بينهما، أو يعلمهما أصل هذه القضية من دين الله عز وجل كتاباً أو سنة.

    وأما أن يستند كل واحد منهما إلى ظاهر آية أو ظاهر حديث؛ فيفهم منه دون أن يرجع إلى كلام أهل العلم، أو إلى خلاف أهل العلم في هذه المسألة؛ فإن هذا ما لا يعرفه أحد من السلف.

    [وعن جابر قال: قال لي محمد بن علي -أي: أبو جعفر الباقر-: يا جابر ! لا تخاصم؛ فإن الخصومة تكذب القرآن].

    أي: لا تخاصم ولا تجادل؛ لأنها تؤدي إلى التكذيب بالقرآن الكريم، فأنت ستأتي بآية وهو سيأتي بآية، وهذا تكذيب بلسان الحال، لا بلسان المقال، فأنت لا تقول له: هذه ليست آية في كتاب الله، وإنما تقر أنها آية في كتاب الله، لكنك تريد أن تنتصر لرأيك؛ فترد العمل بما قد أتى به صاحبك من آيات وأحاديث، وتعمل جاهداً دائماً على رد كل الأدلة التي أتى بها خصمك؛ لعلة واحدة؛ انتصاراً لرأيك فقط ليس أكثر، ليس انتصاراً لدين الله عز وجل، وإن كانت أدلة الخصم أوضح من الشمس في رابعة النهار تقول: لا، أنا دليلي فقط هو الحق.

    [وعن أبي جعفر الباقر قال: لا تجالسوا أصحاب الخصومات؛ فإنهم الذين يخوضون في آيات الله، كما في قوله تعالى: وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ [الأنعام:68]].

    يعني: هذا يأتي بآية وذاك يأتي بآية، وكل إنسان يحاول أن يجمع أكثر عدد من الأدلة من القرآن والسنة؛ ليثبت صحة ما عليه هو، لا ليثبت أصل المسألة، أو يرجع إلى كلام أهل العلم وأفهام أهل العلم لهذه الآيات والأدلة، وإنما يجمع الأدلة ويحشدها حشداً لإثبات صحة ما عليه هو.

    دخول الشيطان على العالم في ساعة الجدال والخصومة

    قال: [وعن مسلم بن يسار قال: إياكم والمراء؛ فإنها ساعة جهل العالم].

    يعني: لو مارى وخاصم عالم فإنه في هذه المرة ليس جاهلاً فهو عالم، لكن في لحظة ضعف منه أو غفلة تسلط عليه الشيطان، وجعله يناظر وينافح ويأخذ ويعطي، فأثبت أن ربا البنوك حلال، وأتى بأدلة أو شبه أدلة من هنا وهناك، وأتى بكلام لأناس مغمورين لا يعرف أحد أنهم من أهل العلم من القرون الأولى والقرون الوسطى إلى يومنا هذا، ثم يبلور من هذا كله رأياً: وهو أن الربا حلال، ويفتي بذلك للعامة، مع العلم أن هؤلاء العامة أفقه ممن قال بهذا الرأي، لكن لما أعجبهم هذا الرأي ووافق هواهم؛ قالوا به، وعملوا من خلاله، وهم إذا استوقفوا ليقسموا يمين الطلاق عما إذا كانوا يعتقدون صحة هذا القول من عدمه؛ فإنهم يقولون: إن هذا القول باطل عندما نضعه على المحك.

    أذكر أن شخصاً وضع أمواله في البنك، وصار يأخذ فوائد -وإن شئت فقل: ربا هذا المال- للإنفاق على نفسه وعياله في كل شهر، فاستفتاني ولده فقلت: هذا المال حرام، والآثم في ذلك أبوك، وإذا كنت في حل من المعاش معه فيحرم عليك هذا، وإلا فكل هنيئاً مريئاً على قدر الكفاف، والإثم عليه.

    فذهب ونقل إلى أبيه هذه الفتوى، فأتاني الأب في بيتي وقال: أنت تضلل الناس، وأنت تفعل كذا، وأنت تفعل كذا.. قلت: وما القصة؟ قال: قلت: كيت وكيت وكيت.. كيف تفتي بأن فوائد البنوك حرام؟ وهل أنت ند لفلان الذي يقول: إنها حلال؟ قلت له: أنا لست نداً، وأعوذ بالله أن أكون نداً، لكني أرتضي أن تحلف لي بقولك: امرأتي طالق.. امرأتي طالق.. امرأتي طالق؛ إذا كان هذا المال حراماً؟ قال: لا. أنا لا أستطيع أن أحلف، قلت له: لماذا؟ قال: أنت تضعني في طريق ضيق. قلت له: بما أنك تعلم أنه طريق ضيق ومغلق ومقفول فلماذا تدخله؟ إن الطريق المفتوح هو الذي يؤدي إلى الجنة، وأما المغلق ففي نهايته سقوط إلى الهاوية.

    قال: يكفي الشهادة لله إذا كنت تريد أن تحلفني اليمين، ثم قال: امرأتي طالق.. امرأتي طالق امرأتي طالق إذا كنت أعتقد أن هذا المال حلال، بل أعتقد أنه حرام.

    قلت: إذاً: يلزمك أن تذهب إلى صاحبك الذي قرنت بيني وبينه لتخبره بهذا.

    قال: هذا لا يعتقد بقول أحد قط إلا بقوله هو. يعني: أن العوام أنفسهم يفهمون هذه المسألة.

    إذاً: لم يخالف هذا الفهم؟

    الجواب: لأن الأمر يوافق هواهم، ويتصورون أنهم في منجىً بقولهم: (ضعها في رقبة عالم واطلع منها سالم!).

    وهذا كلام باطل، وإنما إذا كنت فعلاً تريد الحق، وتبتغي الحق، فإنك تسأل أكثر من واحد من أهل العلم، ثم تأخذ بالأحوط، وحينئذ ضعها في رقبة عالم واخرج منها سالماً، وهذا للجهال الذين ليس لهم نوع اجتهاد، ولا بحث ولا نظر في كتب وفي كلام أهل العلم وأدلتهم.

    قال: [إياكم والمراء؛ فإنها ساعة جهل العالم، وفيها يبتغي الشيطان زلته]. فيبدأ يزين له، ويزخرف له القول، وربما ذكره بالأدلة التي تعين على إثبات هذا الباطل الذي هو عليه.

    الخائضون في الباطل أكثر الناس خطايا يوم القيامة، وسبب اتباع الأهواء

    [وعن عبد الله بن مسعود قال: أكثر الناس خطايا يوم القيامة أكثرهم خوضاً في الباطل]. أي: هم أعظم الناس إثماً يوم القيامة.

    [وعن عمرو بن قيس قال: قلت للحكم : ما اضطر الناس إلى الأهواء؟ -يعني: ما الذي جعل الناس يركبون الأهواء؟- قال: الخصومات].

    أثر الخصومات والجدال في الدين على الأعمال

    [وعن إبراهيم النخعي في قول الله عز وجل: فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ [المائدة:14] قال: أغرى بعضهم ببعض في الخصومات والجدال في الدين].

    فما من أحد من أهل الأهواء والخصومات إلا ويخاصم بالمتشابه، أما المحكم فلا، فدائماً تجدون أن طريق أهل الأهواء هو في المتشابه، فالمتشابه هو مادة الخصومات لدى أصحاب الأهواء، والأصل في مجلس العلم الاجتماع لا التفرق، والأصل في مجلس العلم أن له آدابه العظيمة، والجدال ليس منها، بل هو ينافيها.

    والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: (ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله)، ولم يقل ما تفرق قوم في بيت من بيوت الله، وإنما قال: (ما اجتمع)؛ فالأصل فيه الاجتماع.

    وأنتم تعلمون حديث الثلاثة الذين دخلوا المسجد في حلقة علم النبي عليه الصلاة والسلام، فقال: (أما أحدهم فأعرض فأعرض الله عز وجل عنه، وأما الثاني فوجد فرجة فسدها فسد الله عنه، وأما الآخر فاستحيا؛ فاستحيا الله منه) فالأصل في مجلس العلم الاستفادة.

    وأما الآن فتجد واحداً ينام على جنبه، وتجد آخر يشخر، وآخر يمد رجليه، والآخر يجلس على نصف رجل، بل كثير من الإخوة يجلس متكئاً على اليد اليسرى أو اليد اليمنى، أو يديه خلف ظهره.. كل هذا مما عم وطم، وإذا كان الواحد فيكم لا يعرف هذا، أو لا يعرف كيف يجلس في عموم جلساته -وخاصة في مجلس العلم- فكيف يكون طالب علم؟!

    قال: [لا أعلم أحداً من أهل الأهواء يخاصم إلا في المتشابه، أما المحكم فلا.

    وعن معاوية بن قرة قال: الخصومات في الدين تحبط الأعمال].

    أي: أن هذا باب من أبواب فساد العمل، فقد تعمل عملاً ثم تخاصم؛ فإذا بك عند الله كأن لم تكن قد عملت هذا العمل، فهي محبطة للأعمال، أي: لثواب الأعمال.

    أقوال عمر بن عبد العزيز في التحذير من الخصومات في الدين

    قال: [وقال عمر بن عبد العزيز : من جعل دينه غرضاً للخصومات أكثر التنقل].

    يعني: أكثر التحول، فكلما أتاه خصم لجج حجته أقوى من حجة المخاصم الأول تحول، حتى يتحول مرة ومرتين وثلاثاً وأربعاً وعشر مرات.

    فتجده اليوم من الإخوان المسلمين، ويوم غد من جماعة التكفير، فلو أنه اتقى الله عز وجل في دينه ونفسه من أول الأمر؛ لوفقه المولى عز وجل إلى المذهب الحق الذي كلف به من قبل الشرع، وثبت عليه، واستقام عليه إلى أن يلقى الله، لكنه إنسان دخل بهوى، أياً كان نوع هذا الهوى؛ لأن الأهواء متعددة وكثيرة، ومن أجل ذلك عاقبة رب العزة تبارك وتعالى بكثرة التحول والتنقل، وربما يكون هذا الهوى هو حب الرئاسة، أو الزعامة، أو الظهور، أو الصدارة في المجالس، أو حب الكلام.. أو غير ذلك من الأهواء.

    قال: [وعن عمر بن عبد العزيز أنه قال: من عمل بغير علم كان ما يفسد أكثر مما يصلح]. وهذه هي صفة النصارى، والله سماهم ضلَّالاً، والنبي عليه الصلاة والسلام بين أن المغضوب عليهم هم اليهود، والضالين هم النصارى، فاليهود مغضوب عليهم لأنهم علموا ولم يعملوا، والنصارى ضلال لأنهم عملوا بغير علم، والأصل في المسلم: أن العلم يهتف بالعمل، فإن أجابه وإلا ارتحل.

    ولا يسعك علم بغير عمل، كما أن العمل بغير علم الأصل فيه الابتداع في الدين، فالذي يعمل بغير علم كان ما يفسد أكثر مما يصلح.

    قال: [ومن لم يعد كلامه من عمله كثرت خطاياه، ومن كثرت خصوماته لم يزل يتنقل من دين إلى دين، ومن نحلة إلى نحلة، ومن مذهب إلى مذهب؛ بسبب كثرة الخصومات].

    تحذير حذيفة لأبي مسعود الأنصاري من التلون في دين الله

    قال: [وعن أبي مسعود الأنصاري أنه قال لـحذيفة : أوصني! قال: إن الضلالة حق الضلالة أن تعرف ما كنت تنكر، وتنكر ما كنت تعرف، وإياك والتلون في دين الله؛ فإن دين الله واحد].

    أرأيتم هذا الكلام الجميل! فهذه وصية عظيمة جداً، فهو يقول له: أوصني يا حذيفة! فقال له: (إن الضلالة حق الضلالة أن تعرف ما كنت تنكر، وتنكر ما كنت تعرف).

    إننا الآن نجد إخوة أفاضل وملتحين وغير ذلك ولهم سنوات طويلة في حقل الدعوة، أو في حقل الالتزام، ثم بعد ذلك نفاجأ بأنه انزوى واختفى سنة، أو سنتين، أو ثلاث سنوات فلا يراه أحد، فنذهب لزيارته فإذا به قد حلق لحيته، وتخلص من كل مظهر للإسلام على بدنه بعد أن كان من أشد الناس.

    وأذكر بهذه المناسبة عندما كنا في الأردن أن رضوان دعبول صاحب مؤسسة الرسالة -وهي مؤسسة كتبية كبيرة مشهورة- كان صاحب دين، وصاحب أياد بيضاء على طلاب العلم، وأنا عملت معه عامين في مؤسسة الرسالة تحت إشراف الشيخ شعيب الأرنؤوط في مكتب التحقيق بالأردن بعمان، وكان أحد إخواننا من مصر مقيماً معنا هناك في عمان، وكان يجهل كثيراً جداً على الشيخ الألباني في مجالسه، وأذكر أنه عندما قال الشيخ: إن بيع التقسيط حرام؛ قام عليه هذا الأخ ولم يبق من كلامه إلا أن ينطق بكلمة الكفر لشيخنا رحمه الله.

    وكنت إذا ذهبت معه لنصلي في مسجد من المسجد ينطلق مسرعاً إلى الإمام قبل أن يكبر ويقول له: ماذا تقول في الإيمان؟ وماذا تقول في الإحسان؟ وماذا تقول في القرآن الكريم: هل هو مخلوق أم غير مخلوق؟ فكنت أقول له: يا أخي الكريم! لا يصح هذا، هذا الفعل من البدع، وهذا من الأهواء.

    فيقول: لولا أني أعرفك لقلت فيك كلاماً غير ذلك، فكان معروفاً بشدته وحدته إلى أقصى حد، ودخل في باب التنطع من أوسع الأبواب.

    فالشاهد من هذا: أني زرت مؤسسة الرسالة في عمان يوماً مع هذا الأخ، فقلت له: تعال نسلم على رضوان فقال على مضض: السلام سنة، سلم عليه، وأنا أعرف أن هذا الأخ غلطان؛ لأنه دائماً غلطان، فدخل في منتهى العبوس وسلم عليه، فقال له رضوان: ماذا بك يا شيخ فلان؟! لماذا أنت غضبان هكذا؟ هل أحد أغضبك؟ إن غضبت من الزوجة؟ نزوجك!! ويمازحه بخفة دم لا نهاية لها، فقال: اسمع يا رضوان! لا بد أن تعلم أنك من أهل النار، ولست من أهل الجنة، قال رضوان: لماذا؟! قال: أنت حليق، ولابس قميصاً وبنطلوناً، ولا تصلي جماعة في المسجد!

    فقلت له: إن هذا الكلام لا يصح، قال: وهل أنت تشك في أن هذا يكفر؟! قلت: لا. أنا على يقين أن هذا لا يكفر، إن هذه المخالفات لا تكفر، بل هي معاص، فأنت الآن يا فلان! تقول بقول الخوارج، بل ربما لم يقل أحد على مثل هذه الأفعال الثلاثة من الخوارج: إنها كفر؛ فتكون قد أبعدت النجعة، وغاليت مغالاة لم يغالها الخوارج.

    فغضب غضباً شديداً جداً وانصرف وتركني معه، فلم تكد تمر الأيام حتى أثبت لنا أنه لن يشاد الدين أحد إلا غلبه، فإما أن ترجع إلى أصل الدين، وهو الاعتدال والوسطية، وإما أن ترجع إلى ذروة الضلال، فلا تتمكن قط من الرجوع، وهذه سنة الله عز وجل في الخلق.

    فمرت حوالي عشر سنوات وإذا بهذا الأخ يأتي إلى المسجد المجاور لبيته في شارع الهرم، وعند أن كبر الإمام ودعا دعاء الاستفتاح ثم قرأ الفاتحة سكت، ثم قرأ الآيات، وما إن فرغ من الصلاة إلا وقام عليه، وكاد أن يضربه ويفسقه ويبدعه؛ لأنه سكت بين الفاتحة وبين القراءة، وهذه مسألة خلافية بين أهل العلم، والراجح: عدم السكوت، لكن لا يعالج الخطأ بمثل هذا، ثم انتظرني حتى أتيت في وقت متأخر من الليل وبات معي، فلما رأيته اندهشت؛ فقد كان لابساً ملابس ضيقة، و(كرفتة)، وحالقاً لحيته، وخلع العمامة، فقلت في نفسي: مادام أنك حكمت من قبل بأن هذا كفر .. لكني استحييت أن أكلمه.

    ولما صلينا الفجر قال: أتيت لأن معي بعضاً من الكتب قد أعددتها للطباعة، ونريد أن نبيعها بما لك من صحبة مع بعض الناشرين، فقلت له: أنا أعرف ناشراً محترماً جداً، وهو الآن نازل في فندق الأمان، أنذهب إليه؟ فقال: لنذهب، قلت له: هو يصلي الفجر، ويقرأ الأذكار، ثم ينصرف إلى المعرض، فذهبنا إلى رضوان دعبول

    -وهو الذي كفره من قبل- فلما دخلنا عليه قال: أهلاً يا شيخ فلان! وما الذي ترتديه؟ ما الذي جرى يا شيخ فلان؟! ويشير إلى (الجلابية) التي يلبسها، ويقول: ما بك؟ قال: الضرورة، وتمر الأيام وقابلته على رصيف في محطة أتوبيس جالس، وبه من الغم ما الله به عليم، فقد جاء له جواب من مصر فيه: أن أباه قد تبرأ منه، وأمه تبرأت منه، وأخته تبرأت منه؛ فأشفقت عليه، وجلست بجانبه مخاطباً له: أنا أخوك فلان من مصر .. فجلس يسب مصر. فالشاهد: أن الخصومات في دين الله عز وجل لها ضريبة ويحكم ذلك نيتك في نصرة دين الله عز وجل بالحكمة والموعظة الحسنة، وأما إذا دخلت في طريق مغلق فإن هذا لا ينفعك بين يدي الله عز وجل؛ لذلك قال حذيفة: (إن الضلالة حق الضلالة أن تعرف ما تنكر، وأن تنكر ما كنت تعرف، وإياك والتلون في دين الله؛ فإن دين الله واحد).

    أقوال إبراهيم النخعي ومالك وعطاء وعمر بن عبد العزيز في كراهة التلون في دين الله

    [وعن إبراهيم قال: كانوا يكرهون التلون في الدين، وقال: كانوا يرون التلون في الدين من شك القلوب في الله عز وجل.

    وقال مالك : الداء العضال التنقل في الدين.

    وقال كذلك: قال رجل: ما كنت لاعباً به فلا تلعبن بدينك].

    يعني: إذا كنت ولا بد لاعباً فالعب بأي شيء ولا تلعب بالدين؛ لأن التنقل من دين إلى دين، ومن مذهب إلى مذهب، ومن ملة إلى ملة لعب يؤدي بك إلى الهلكة، ولا يؤدي بك إلى النجاة.

    [وعن عطاء قال: الساقط يوالي من شاء]. أي: أن الإنسان الساقط هو الذي يوالي من شاء، وأما الإنسان المعتدل المحترم فإنه يوالي الله ورسوله، ويوالي أهل العلم، فالإنسان الساقط المنحط علمياً وأخلاقياً وقلبياً يوالي كل يوم من راقت وتاقت نفسه إليه.

    [وعن إسحاق بن عيسى الطباع قال: كان مالك بن أنس يعيب الجدال في الدين، ويقول: كلما جاءنا رجل أجدل من رجل أردنا أن نرد ما جاء به جبريل عليه السلام إلى النبي عليه الصلاة والسلام!!

    وعن معن بن عيسى قال: انصرف مالك بن أنس يوماً من المسجد وهو متكئ على يديَّ -يعني: خرج من المسجد متكئاً على يد معن بن عيسى -قال: فلحقه رجل يقال له: أبو الجويرية كان يتهم بالإرجاء، فقال: يا أبا عبد الله! اسمع مني شيئاً أكلمك به وأحاجك، وأخبرك برأيي، قال: فإن غلبتني؟ قال: فإن غلبتك اتبعتني، قال: فإن جاء رجل آخر فكلمنا فغلبنا؟ قال: نتبعه، قال مالك: يا عبد الله! بعث الله محمداً بدين واحد، وأراك تتنقل من دين إلى دين؟!

    قال عمر بن عبد العزيز : من جعل دينه غرضاً للخصومات أكثر التنقل].

    ضرورة التأهل قبل مناظرة أهل البدع

    وكلمة (مناظرة) لم تكن على ألسنة السلف إلا عند نصرة دين الله عز وجل، فمثلاً رد الإمام أحمد بن حنبل على الجهمية، وكذلك رد الإمام الشافعي على بشر المريسي، وكتب الله تعالى النصرة لـأحمد وللشافعي على رءوس البدعة والضلالة.

    ورد عبد الله بن عمر على معبد الجهني قال: بئس المعبد هو، رد عليه فيما يتعلق بالقدر.

    ومن العجب أن يأتي الأصاغر فيقولون: تعال نتجادل.. تعال نتناظر! نتناظر في ماذا؟ إنك لا تحمل شيئاً من العلم؟ إنك لا تعلم كيفية الوضوء ولا تصلي ولا تصوم ولا..! فحالتك منحطة، وتقول: أناظر؟ من تناظر؟

    والأدهى من ذلك أن يأتي جاهل يضرب بأطنابه في الجهل إلى عالم ويقول له: أناظرك!! ولا يقول: أتعلم، ولا يأتي للتعلم فيسأل تعلماً ولا يسأل تعنتاً.

    الشيخ الألباني ومناظرته لبعض الجهاديين

    وفي ذات مرة أتى رجل إلى الشيخ الألباني وقال: أناظرك، فقال له الشيخ الألباني: أنا أناظرك في مسألة الجهاد، وكان هو إخوانياً، ثم تحول في السجن فصار تكفيرياً، فلما خرج من السجن تحول عن التكفير إلى جماعة الجهاد، وقال للشيخ: أناظرك، فالشيخ قال له: المناظرة ليست سهلة، فلما ألح عليه وأصر قبل الشيخ المناظرة، فقال للرجل: هات الذي عندك، قال له: حججي كيت وكيت وكيت، والشيخ قال له: وأسئلتي على هذه الأدلة كيت وكيت وكيت.. أجب؟

    فلما سمع الأسئلة خنس كالشيطان، ثم قال للشيخ: لا بأس! دعني أراجع ذلك، قال له: أحسنت: تفضل راجع.

    فأخذ الشريط، وكان يأخذ سؤالاً واحداً من أدلة الشيخ ويسجله على الشريط، ويسجل رده على الشيخ في غرفة النوم، وأخذ يرد في الظلام، لكن الجهال عندما يسمعون الرد يقولون: ما شاء الله! إن فلاناً هذا أعلم من الشيخ الألباني، وقد حصلت بينهما مناظرة، وعندما رد فلان على سؤال الشيخ لم يستطع الشيخ التعقيب. وكيف يعقب الشيخ وهو ليس موجوداً؟!

    فهذا الرجل رد عليه في غرفته، وأنزل الشريط إلى السوق، لكن الله عز وجل يجعل الغلبة والتأييد والنصرة لدينه على لسان الشيخ الألباني ، فإنه عندما علم أن هذه الأشرطة قد سجلت ودبرت له بليل قال: أنا أبرأ إلى الله عز وجل مما نسب إلي في الشريط الفلاني والفلاني، ثم دعا على الفاعل، وحصل انتقام الله عز وجل لأوليائه، فقد هرب هذا الفاعل من سجن في مصر إلى الأردن، فلما ضيق عليه في عمان أمنياً هرب إلى السعودية، ثم جيء به من السعودية عن طريق الأمن؛ فقضى أعواماً عديدة في سجون مصر مرة أخرى، ثم خرج قريباً من هذه الأيام، أو يبقى له عدة أشهر.

    فالذي يعرف أسلوب الشيخ في المناظرات والخصومات يعلم أن هذه الردود لا يسكت عليها قط، فالذين كانوا يسكنون معه في البيت بعمان هم الذين نقلوا للشيخ هذه المناظرة، وما كانوا يتصورون أن يتجرأ هذا الرجل على نشر هذه المفتريات والأكذوبات، فلما أرسلها إلى مصر وانتشرت في مصر عثروا على بعض أشرطة للشيخ، ففضح الأمر وفضح الفاعل، وهذا باب من أبواب دفاع الله عز وجل عن المؤمنين كما وعد في كتابه: إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا [الحج:38].

    دينك هو رأس مالك فاحرص عليه من كل ما يكدره

    [قال الحسن: رأس مال المؤمن دينه، حيثما زال زال دينه، لا يخلفه في الرجال، ولا يؤتمن عليه الرجال].

    يعني: احذر أن تؤمن رجلاً على دينك؛ لأنه رأس مالك، وتصور لو أن عندك مائة ألف جنيه هل يعقل أنك تتركه عند شخص بسهولة وتقول له: انتبه لهذا المال؟! لا يمكن، بل إن حزمة الجرجير لا تأتمن عليها أحد، فلماذا تعرض دينك لمن يريد أن ينهش فيه؟! فدينك أعز عليك من كل شيء.

    [قال هشام بن حسان : جاء رجل إلى الحسن فقال: يا أبا سعيد ! تعال حتى أخاصمك في الدين، فقال الحسن : أما أنا فقد أبصرت ديني -أي: أنا على يقين مما أنا عليه- اذهب وتكلم مع آخر شاك في دينه] وأما أنا فقد أبصرت ديني ولا حاجة لي في أن أجادل أحداً فيه.

    [قال ابن وهب: سمعت مالكاً يقول: كان ذلك الرجل إذا جاءه بعض هؤلاء أصحاب الأهواء قال: أما أنا فعلى بينة من ربي، وأما أنت فشاك؛ فاذهب إلى شاك مثلك فخاصمه.

    وقال مالك : وقال ذلك الرجل: يلبِّسون على أنفسهم ثم يطلبون من يعرفهم] يعني: هم الذين أدخلوا أنفسهم في الأهواء ومضلات الفتن، ثم يطلبون من الناس أن يعرفوهم الطريق الحق.

    [وقال رجل لـمالك : لقد دخلت في هذه الأديان كلها، فلم أر شيئاً مستقيماً، فقال رجل: فأنا أخبرك لم ذلك؛ لأنك لا تتقي الله، فلو كنت تتقي الله جعل لك من أمرك مخرجاً].

    أي: أن هذا التيه والحيرة التي تعيشها هي بسبب البعد عن تقوى الله عز وجل.

    من أراد الله به خيراً أغلق عنه باب الجدال

    [وقال معروف : إن الله عز وجل إذا أراد بعبد خيراً فتح له باب العمل، وأغلق عليه باب الجدل، وإذا أراد بعبد شراً فتح عليه باب الجدل، وأغلق عنه باب العمل].

    وبعضهم طوال النهار ينصب المجلس، ويظل يجادل ويخاصم ويناظر، فإذا قلت له: لم لا تعمل؟ يقول لك: ليس هناك وقت!

    [وقال ابن وهب : سمعت مالكاً يقول: القرآن هو الإمام، فأما هذا المراء فما أدري ما هو] لا هو إمام ولا مأموم، إنما الإمام هو القرآن الكريم.

    من كان كثير المراء والجدال فقد تمت خسارته

    قال: [وقال هلال بن سعد : إذا رأيت الرجل لجوجاً ممارياً يعجب برأيه؛ فقد تمت خسارته].

    أي: إذا رأيت الرجل مجادلاً ومماحلاً ومخاصماً ويصر على ذلك؛ فاعلم أن خسارته قريبة جداً، هذا إن لم يكن بالفعل قد خسر خسراناً مبيناً.

    [وعن يزيد بن أبي حبيب قال: إذا كثر مراء القارئ فقد أحكم الخسارة.

    وقال عمر بن عبد العزيز رحمه الله: سَنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم وولاة الأمر من بعده سنناً الأخذ بها اتباع لكتاب الله، واستكمال لطاعة الله، وقوة على دين الله، ليس لأحد من الخلق تغييرها ولا تبديلها، ولا النظر في شيء خالفها، من اهتدى بها فهو مهتد، ومن استنصر بها فهو منصور، ومن تركها اتبع غير سبيل المؤمنين، وولاه الله ما تولى، وأصلاه جهنم وساءت مصيراً].

    وهذا النص قد شرحناه شرحاً مستفيضاً في كتاب الإيمان من صحيح البخاري عندما تعرضنا له.

    الجلوس مع أهل الخصومات والجدال عدوى ينبغي الحذر منها

    قال: [وقال محمد بن واسع : رأيت صفوان بن محرز رأى قوماً يتجادلون قريباً منه؛ فقام ينفض ثيابه ويقول: إنما أنتم جرب.. إنما أنتم جرب]؛ فخشي أن يصاب أو أن يعدى بعدواهم.

    قال: [وعن أبي إدريس الخولاني قال: لئن أرى في المسجد ناراً تضطرم -أي: من شدتها- أحب إلي من أن أرى فيه بدعة لا تغير].

    إفساد أصحاب الرأي والجدل والبدع لبيوت الله تعالى

    قال: [وعن يونس بن عبيد قال: قال لي الشعبي: ما مجلس أجلسه أحب إلي من المسجد؛ إذ كنا نجلس فيه إلى أبيك، ثم نتحول إلى الربيع بن خثيم فيقرئنا القرآن، حتى نشأ هؤلاء الصعافقة].

    والصعفوق: هو التاجر الذي ليس معه مال، فيدخل السوق ليبيع ويشتري وليس معه مال!

    فهو يقول: لم يكن هناك مجلس أحب إلى قلبي من الجلوس في بيت من بيوت الله، كنا نجلس نسمع لأبيك، ثم نتحول إلى الربيع بن خثيم ، ثم إلى الثالث والرابع نتعلم؛ حتى ظهر هؤلاء المفاليس الذين لا علم عندهم. قال: [والله لأن أجلس على كناسة أحب إلي من أن أجلس إليهم].

    يعني: لو جلست على مزبلة أحب إلي من أن أجلس في مسجد وأصحاب الكلام فيه.

    [وقال صالح بن مسلم : كنت مع الشعبي ، فلما حاذينا المسجد -أي: كنا بحذاء المسجد وقبالته- قال: لقد بغض إلي هؤلاء الآرائيون هذا المسجد].

    أي: أصحاب: أرأيت لو كان كذا ماذا يكون؟ أو لو كان كذا ماذا يكون؟ وغير ذلك.

    قال: [لقد بغض إلي هؤلاء الآرائيون هذا المسجد حتى صار أبغض إلي من كناسة داري].

    فـالشعبي لم يقل ذلك إلا لأن هؤلاء أفسدوا أمر الشريعة، فهو لا يكره بيوت الله عز وجل، وإنما كان سبب كراهته دخول هذه البيوت تلك البدع التي أنشئت وأحدثت فيها، فمثلاً أنت الآن تمر على مسجد فيه قبر، فهل تريد أن تدخل فيه؟ هل تحب ذلك؟ فوجود القبر في هذا المسجد هو الذي بغَّض إليك المسجد.

    أو هناك إمام مبتدع يؤم الناس في مسجد، فلا شك أنك تبغض هذا المسجد لأجل هذا الإمام، وهكذا لا يبغض المسجد لكونه مسجداً، وإنما يبغض لما أحدثت فيه من البدع.

    نسأل الله تعالى أن يسلمنا وإياكم من كل بدعة وسوء، وأن يجنبنا وإياكم كل معصية.

    اللهم اغفر لنا ذنوبنا، وإسرافنا في أمرنا، وكل ذلك عندنا.

    وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.