إسلام ويب

الصوتيات

  1. الصوتيات
  2. محاضرات مفرغة
  3. حسن أبو الأشبال الزهيري
  4. شرح كتاب الإبانة من أصول الديانة
  5. شرح كتاب الإبانة - ذكر ما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم من لزوم الجماعة والتحذير من الفرقة

شرح كتاب الإبانة - ذكر ما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم من لزوم الجماعة والتحذير من الفرقةللشيخ : حسن أبو الأشبال الزهيري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الاجتماع هو سر قوة الأمة؛ إذ به تصون كرامتها، وتقيم دينها دون خوف من أحد، وبه ترد كيد أعدائها، أما التفرق والتشرذم فلا يأتي إلا بالويلات والنكبات على الأمة، ويجعلها ضعيفة أمام عدوها، عاجزة عن تحقيق أهدافها، ولذلك حث النبي عليه الصلاة والسلام على الالتزام بالجماعة، وشدد النكير والعقوبة على دعاة الفرقة والشتات.

    1.   

    باب ذكر ما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم من لزوم الجماعة والتحذير من الفرقة

    الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة.

    أما بعد:

    في الدرس الماضي ذكرنا الآيات من كتاب الله عز وجل، والتي تحذر من الفرقة والشتات والتفرق والتشرذم، وبيان خطر ذلك، والأمر بلزوم الجماعة.

    ودرس اليوم متمم لدرس الأسبوع الماضي من سنة النبي عليه الصلاة والسلام، وكذلك آثار سلفنا رضي الله تعالى عنهم.

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب ذكر ما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم من لزوم الجماعة والتحذير من الفرقة]:

    حديث أبي هريرة: (ترك السنة الخروج من الجماعة)

    قال: [عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ترك السنة الخروج من الجماعة)].

    والجماعة إما أن يقصد بها المعنى العام وهي جماعة أهل السنة، وإما أن يقصد بها ما عليه سواد المسلمين من اعتقاد صحيح.

    فإما أن يقصد بالجماعة صحة الاعتقاد في الله عز وجل، أو لزوم جماعة المسلمين، أي: لزوم الأمير ومن معه.

    والأمير بالمعنى العام: الخليفة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث: (ترك السنة هو الخروج من الجماعة)، بمعنى أنه يجب على كل مسلم أن يلزم الخليفة، وأن يلزم إمارته وولايته وطاعته إلا في معصية الله عز وجل، فمن ترك ذلك وتنكب هذا فإنه قد ترك السنة.

    وفي هذا بيان أهمية الجماعة، وبيان أهمية التزام منهج أهل السنة والجماعة تحت راية الإمام أو الخليفة، وأن من خالف ذلك فإنما خالف سنة النبي عليه الصلاة والسلام.

    حديث أبي هريرة: (من ترك الطاعة وفارق الجماعة ...)

    [وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من ترك الطاعة وفارق الجماعة ثم مات فقد مات ميتة جاهلية)].

    فقوله: (من ترك الطاعة) أي: طاعة الإمام والأمير والسلطان.

    وقوله: (وفارق الجماعة) أي: جماعة أهل السنة، فمات على هذه الحال فميتته حينئذ ميتة جاهلية؛ لأن أهل الجاهلية لا إمام لهم ولا أمير ولا سلطان، بل كل إنسان منهم إلهه هواه، وأما المسلم في داخل الجماعة فإنما يأتمر بأمر الأمير وينتهي عما نهاه عنه الأمير والسلطان والخليفة، فالذي ينشق عن الإمام ويخالفه ويشق عصا الطاعة ثم يموت وهذه حالته، فإنما يشبه موتته بموت رجل من أهل الجاهلية.

    وهذا الحديث روي بطرق متعددة وبأسانيد مختلفة، منها ما رواه [أبو هريرة نفسه عن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (من خرج من الطاعة وفارق الجماعة فمات على ذلك فميتته جاهلية)].

    وفي رواية عنه [قال النبي عليه الصلاة والسلام: (من اعترض أمتي لا يحتشم من برها ولا فاجرها، ولا يفي لذي عهدها، فليس مني، ومن خالف الطاعة، وفارق الجماعة فمات، فميتته جاهلية، ومن قتل تحت راية عمية، يدعو إلى عصبية، أو يغضب للعصبية، فمات فميتته جاهلية)].

    وهذا الحديث حديث صحيح، وهو عظيم جداً، وقد اشتمل على جملة من الفوائد والأحكام.

    أولها: قوله: (من اعترض أمتي لا يحتشم من برها ولا فاجرها)، أي: من خرج على جماعة المسلمين لا يرعى فيهم إلاً ولا ذمة، ولا يميز بين البر والفاجر، وإنما خرج عليهم جميعاً بالقتال والسلب، أو شق عصا الطاعة، أو فارق جماعتهم.

    وقوله (لا يحتشم) بمعنى: لا يستحي ولا يألو جهداً في الخروج عليهم ومخالفتهم بشتى أنواع المخالفة.

    وقوله: (ولا يفي لذي عهد بعهده)، يعني: لا يعبأ بالمواثيق والعهود التي أبرمها مع آحاد هذه الجماعة، فهو لا يفي بالعهد، ولا يستريح لإمامه، ولا يفي له. قال النبي عليه الصلاة والسلام: (فليس مني)، أي: من فعل ذلك فليس مني.

    وربما فهم بعض الناس كما فهم الخوارج من قبل أن قول النبي عليه الصلاة والسلام في أي حديث (ليس مني من فعل كذا) أي: أنه ليس من المؤمنين حقاً، بل إنه بذلك قد خرج عن حد الإسلام ودخل في حد الكفر، وليس الأمر كذلك إلا في حالة واحدة، وهي إذا استحل ذلك وقامت الحجة عليه بحرمة النفس، يعني: قامت عليه الحجة بحرمة قتل المسلم وإهراق دمه فقال: بل هو حلال الدم، فمن فعل ذلك فهو كافر خارج عن حد الإسلام، وداخل في حد الكفر، وأما من قاتل فقتل أو قتل، أو من أراق دم أخيه المؤمن أو المسلم غير مستحل لذلك؛ فهذا من أكبر الكبائر، فقتل النفس بغير حق من أكبر الكبائر، ولكنها لا تخلد فاعلها في النار؛ لأنها كبيرة، فإن تاب منها قبل أن ينالوا منه يلزمه دفع الدية، وإلا فالأصل في القتل العمد القصاص، والقتل الخطأ فيه الدية، وديته على العاقلة، أي: على عشيرته وقبيلته لا عليه هو.

    فقول النبي عليه الصلاة والسلام هنا: (من اعترض أمتي لا يتحاشى برها ولا فاجرها، ولا يفي لذي عهد بعهده فليس مني) أي: ليس من أخلاقنا ولا عاداتنا وسلوكنا، وإنما شريعتنا تخالف ذلك وتنهى عنه وتحذر منه، وتعد عليه بالنار في الآخرة، أو بإقامة الحد في الدنيا.

    فقوله: ( ليس مني من فعل كذا ) أي: ليس من هدينا ولا من طريقتنا، ولا يحمل على ظاهره إلا في حالة الاستحلال بعد قيام الحجة عليه، وأما غير ذلك فلا، وهذا مذهب أهل السنة والجماعة، وقد نقله غير واحد، وقد بلغ نقلته المئات، ومن قال بغير ذلك فقد قال وتفوه بغير سنة النبي عليه الصلاة والسلام.

    قال: (ومن خالف الطاعة) يعني: أتى بالمعصية.

    (وفارق الجماعة) أي: صار وحده، أو تحيز وتميز هو ومن معه لمجادلة الجماعة الكبرى، أي: جماعة الإمام، فهذا يسمى محايداً، ولم يخرج على الإمام على مر التاريخ طوله وعرضه إلا الخوارج.

    الطرق الشرعية لنصب الإمام

    السلطان إما أن يتعين تعييناً شرعياً، أو يتعين تعييناً جبرياً، ولا يخلو حاله من هذين.

    فإما أن يوليه أهل الحل والعقد ويتولى ولاية صحيحة من جهة الشرع، فيكون أميراً بالترشيح والانتخاب الذي يسميه الشرع بالبيعة، أي: بالبيعة الحقة، وهي بيعة أهل الحل والعقد، كما بويع أبو بكر الصديق في سقيفة بني ساعدة، وبايعه بعد ذلك الناس في مسجد النبي عليه الصلاة والسلام. وهذه إحدى الطرق في تعيين الإمام أو الخليفة، وهي أعظم الطرق وأحسنها.

    وإما أن يتولى السلطان ولاية جبر واستفزاز، بمعنى: أن يفرض عليك فرضاً، وما فرض بهذه الطريقة إلا لأنه ملك القوة والعدة والعدد والعتاد.

    فالأول طاعته واجبة بلا خلاف بين أهل العلم؛ لأحقية ذلك له من جهة الشرع.

    والثاني طاعته واجبة بلا خلاف بين أهل العلم، لكن لا لكونه مستحقاً ذلك من جهة الشرع، وإنما للضرر الناتج عن حربه ومجابهته والخروج عليه.

    محاسبة الرعية للولاة في عهد السلف

    كان الواحد من سلفنا رضي الله عنهم إذا تولى ولاية يقوم آحاد الناس فيقول له: من أين لك هذا؟ وكيف لبست هذا الثوب؟ ومن أين لك المال الذي معك؟

    وكان عامة الناس يحاسبون ولاتهم وأمراءهم وخلفاءهم على النقير والقطمير، وكانوا يعيشون في أمن وأمان؛ لأن الله تعالى هو الذي أمنهم، كما أنه هو الذي تولى تعيينهم برضا منه، وهو الذي بث في قلوب الخلق تبجيله واحترامه وتعظيمه، ولما قال عمر رضي الله عنه وهو يخطب الناس على المنبر: أيها الناس! اسمعوا وأطيعوا، قام أعرابي وقال: لا سمع لك ولا طاعة، قال: ولماذا؟ قال: من أين لك هذا الثوب الذي تلبسه؟ وكان عمر يوزع أثواباً قصاراً، أي: ما يكفي لتفصيل ثوب قصير، وكان عمر قد جمع إلى ثوبه -أي: إلى حظه من القماش- نصيب ولده عبد الله، فقال عمر : قم يا عبد الله ! فبجل أباك، فقال: إني وهبت أبي حظي، فجعلهما ثوباً واحداً، فقال الأعرابي: الآن نسمع ونطيع.

    ولو أن الأمة الآن بأسرها قالت لأحد ملوكها: من أين لك هذا؟ لما تورع هذا الحاكم عن إحراقها عن آخرها دون أن يعير هذا السؤال جواباً. وهذه ولاية إجبار.

    فالطاعة في ولاية الإجبار لا لأحقية الوالي من جهة الشرع، وإنما مخافة الفتن الناجمة التي تشق وحدة المسلمين. فالطاعة في الحالين واجبة إلا فيما حرمه الله ورسوله، لكنها تختلف في أن الطاعة في الأولى طاعة بحب ورضا، وفي الثانية مخافة الاستبداد وإراقة الدماء.

    علة النهي عن الخروج على الإمام

    والشاهد من هذا: أن الخروج على الإمام في كل الأحوال خطره محقق ومحدق بالأمة من كل جانب نتيجة الخروج، وربما يفهم البعض أنني إذا تكلمت عن الخروج أن هذا يعني السكوت عن بيان الحق وفضح الباطل، فأقول: بل هاتان المسألتان متباينتان، فإن ترك الخروج لا يمنعنا من قول كلمة الحق وإظهار وجه الفساد، فهذه مسألة وتلك مسألة أخرى، فالخروج لا يقره عاقل لا في الولاية الشرعية ولا في الولاية الاستبدادية، وأما إظهار الحق ورد الباطل فيجب على كل الولاة وعلى كل إنسان، ولذلك قال النبي عليه الصلاة والسلام: (أفضل الجهاد كلمة حق -أو قال: كلمة عدل- عند سلطان جائر)، يعني: يحكم بالجور أو الظلم وتعدي الحد، والحد هنا هو حد الشرع، فإذا تعدى الحاكم أو السلطان أو الأمير أو الوالي حده الذي رسمه له الشرع فيجب إيقافه ممن وجب عليه إيقافه، وليس من كل أحد، وإنما من أهل العلم الذين أوجب الله تبارك وتعالى عليهم هذا الحق.

    قال: (ومن ترك الطاعة وفارق الجماعة فمات فميتته جاهلية، ومن قتل تحت راية عمية)، يعني: عصبية، كأن يقاتل لأجل بلدته أو لأجل عشيرته أو لأجل أن يقال: شجاع أو عملاق أو جريء، أو غير ذلك من هذه المصطلحات، فهذه كلها ما دامت ليست في الله عز وجل فكلها عمية وجاهلية.

    قال: (ومن قتل تحت راية عمية يدعو إلى عصبية أو يغضب للعصبية فمات على هذه الحال فميتته جاهلية).

    التحذير من مفارقة الجماعة والخروج عن طاعة الإمام

    قال: [عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (من فارق الجماعة، وخرج عن الطاعة فمات، فميتته جاهلية)].

    إذاً: الخروج عن الطاعة المقصود به الخروج عن طاعة ولي الأمر، وولي الأمر إما أن يكون من العلماء أو من الأمراء؛ لأن أولياء الأمور بإجماع أهل السنة هم العلماء والأمراء، والأمراء بمعنى الخليفة الأكبر ومن ولاه؛ لأن الأصل أن جماعة المسلمين هي جماعة واحدة، وسواء شرقت أو غربت فهي جماعة واحدة، فلا يكون عليها إلا خليفة واحد، وهذا الخليفة لا بد أنه يولي ولاة وأمراء وسلاطين على الأمصار والبلدان، فطاعة هؤلاء الولاة والأمراء والسلاطين الذين ولاهم الخليفة إنما هي من طاعة الخليفة، وطاعة الخليفة من طاعة الرسول عليه الصلاة والسلام، وطاعة الرسول صلى الله عليه وسلم هي طاعة لله عز وجل، فانظر إلى تسلسل هذه الطاعة، وأنها في الأصل طاعة لله عز وجل ولرسوله صلى الله عليه وسلم، وتنزل هذه الطاعة على الأمراء الموجودين الآن. والجماعات الموجودة الآن ليست فرقاً، ومن قال بأنها من الفرق فقد فقد عقله، ولا يدري ما يخرج من رأسه، فهي ليست فرقاً، كما أنه ليست واحدة منها هي الجماعة الأم، أو هي الجماعة التي يجب أن تبايع، بل لك أن تنخرط في أي منها، بشرط أن يكون الولاء لله تعالى ورسوله، وليس لهذه الجماعة، وإن كان الذي يترجح لدي من أقوال أهل العلم في باب الجماعة أن ترك الجماعة بأسرها أمر أفضل من الأول؛ لأن الانخراط في سلك هذه الجماعات يضعف الولاء لله عز وجل، ويجعل الشخص يعادي إخوانه من الجماعات الأخرى، وينظر إليها شزراً ربما أكثر من النظر إلى اليهود والنصارى، بل إذا سألته عن حكم المعاملة مع اليهود والنصارى أجابك بكل ثقة أنه يتعامل معهم دائماً من باب أن الله تعالى قال ذلك، ولكنه لا يقبل أن يتعامل مع أخيه المؤمن من جماعة أخرى؛ لأنه تربى في داخل جماعته على العداء والبغض لكل من لم يكن في جماعته، ولا يمكن أن يكون هذا ديناً.

    ونحن نعتقد أن هذه الجماعات سلاح ذو حدين؛ لأن كل جماعة تقف على ثغر من ثغور الإسلام، وربما وجد فيها فساد عظيم، وقد تأمر الجماعة بالصلاة والمحافظة عليها، وهذا وجه حسن، ولكن الوجه القبيح الذي ربما لا يصمد أمامه الوجه الحسن هو أن هذه الجماعات تعادي بعضها البعض، وهذا كلام عظيم جداً.

    ولذلك على الواحد منا أن يدعو ربه حتى في نومه أن يؤلف بين هذه الجماعات جميعاً تحت راية واحدة، وتحت مذهب واحد، وهو مذهب السلف الصالح؛ لأنه المذهب الصحيح، وهو مراد الله عز وجل ومراد رسوله عليه الصلاة والسلام من سنته، وأما المناهج الأخرى فربما فيها من الخلل على قدر ما فيها من الصواب، بل وربما يكون خللها أعظم من صوابها، ولذلك أنا أعتقد اعتقاداً جازماً منذ أواخر السبعينات أن الانضمام بأي جماعة من هذه الجماعات إنما هو تضييع للوقت والجهد، بينما الانشغال بطلب العلم على يد أناس لا ولاء لهم ولا انتماء لهم إلا لله ورسوله وأصحابه الكرام، فهذا هو المنهج السديد الذي أدعو إليه فيما يزيد عن عشرين عاماً إلى يومنا هذا. وأسأل الله تعالى أن يوفقني إلى ذلك.

    قال: [(من فارق الجماعة وخرج عن الطاعة فمات فميتته جاهلية، ومن خرج على أمتي يضرب برها وفاجرها، لا يحاشي مؤمناً لإيمانه -أي: لا يترك مؤمناً لإيمانه- ولا يفي لذي عهد بعهده؛ فليس من أمتي، ومن قتل تحت راية عمية يغضب للعصبية أو يقاتل للعصبية، فقتلته جاهلية)].

    حديث عمر: (من أراد بحبوحة الجنة فليلزم الجماعة)

    [وعن عمر رضي الله عنه قال: قال النبي عليه الصلاة والسلام: (من أراد بحبوحة الجنة فليلزم الجماعة؛ فإن الشيطان مع الواحد، وهو من الاثنين أبعد)]، يعني: كلما كثرت الجماعة كانت في مأمن من خطر الشيطان والفتن وغير ذلك.

    ربما يدور في أذهان بعض الحاضرين سؤال وهو: أنني دائماً أدعو لجماعة الإمام الأعظم الذي هو الخليفة، حيث إنه لا خليفة الآن، ولا بد للمؤمن أن يكون في جماعة أو مع جماعة، فيد الله مع الجماعة كما جاء في الحديث، فأي جماعة الآن نكون معها؟

    وأقول: الجماعة الآن حقاً هي جماعة الكتاب والسنة، وهم أهل العلم المتحلون بكل خير، الملتزمون بمراد الله عز وجل من كلامه ومراد الرسول عليه الصلاة والسلام من كلامه، الداعون لذلك، والعاملون بذلك، وليس لهم من دعوتهم ولا علمهم مطلب ولا هوى ولا بدعة إلا أنهم يدعون إلى الله عز وجل، وأما أن يدعو رجل إلى مذهب أو إلى جماعة، أو إلى نهج انتهجه، أو إلى عصبية أو حمية أو غير ذلك، فليس هذا من دين الله عز وجل، وإنما الجماعة هي جماعة الكتاب والسنة على نهج وهدي السلف، هذه الجماعة التي نريد أن تنخرط في سلكها، فهي قد اتخذت لنفسها المنهج الذي قال الله عز وجل فيه: لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا [المائدة:48]، أي: عقيدة وشريعة. وهذه العقيدة هي عقيدة النبي عليه الصلاة والسلام وعقيدة أصحابه الكرام والخلفاء الراشدين، وأما الشريعة فهي ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم.

    وأما هذه الفرق التي فارقت جماعة المسلمين وجماعة الأئمة والخلفاء الراشدين، فليست من دين الله عز وجل من قريب ولا من بعيد، بل إنها قد انحرفت عنه انحرافاً، وتحقق فيها وعيد النبي عليه الصلاة والسلام.

    حديث عمر: (أكرموا أصحابي فإنهم خياركم ...)

    [عن عبد الرحمن بن عبد الله قال: قدم عمر الجابية -وهي قرية من قرى الشام- فقام فينا خطيباً، فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله، ثم قال: قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم كما قمت فيكم، فقال: (أكرموا أصحابي)].

    وقالت عائشة رضي الله عنها: أمروا بالاستغفار لأصحاب النبي عليه الصلاة والسلام فسبوهم، أي: فلم يستغفروا لهم، بل سبوهم وشتموهم. فنحن مأمورون بالاستغفار لأصحاب النبي عليه الصلاة والسلام، اللهم اغفر لهم وارحمهم.

    قال: [(أكرموا أصحابي؛ فإنهم خياركم، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يظهر فيكم الكذب)]، أي: بعد هذه القرون الخيرية، كما قال عليه الصلاة والسلام: [(فإنهم خياركم، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يظهر الكذب حتى يحلف الرجل وإن لم يستحلف، ويشهد وإن لم يستشهد، ألا من أراد بحبوحة الجنة فعليه بالجماعة؛ فإن الشيطان مع الواحد وهو من الاثنين أبعد، ألا لا يخلون رجل بامرأة فإن معهما الشيطان، ومن ساءته خطيئته فهو مؤمن)].

    يعني: علامة الإيمان أن من عصى الله تعالى وعصى رسوله صلى الله عليه وسلم، فاستاء بهذه المعصية وتفطر قلبه وحزن حزناً بالغاً عليها؛ فهذا دليل على صدق الإيمان.

    ولذلك لما أتى الصحابة رضي الله عنهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقالوا: (يا رسول الله! إن أحدنا تحدثه نفسه بالشيء لأن يخر من السماء أحب إليه من أن يتفوه به، قال: أوقد فعلها الشيطان؟) وفي رواية مسلم (أوقد وجدتم ذلك؟ ذاك صريح الإيمان).

    وكما قال النووي وابن حجر عليهما رحمة الله: إن هذه وسوسة الشيطان في ذات الله عز وجل، فتجد الرجل يفكر في نفسه ما لو أنه يخر من السماء أحب إليه من أن يتكلم به، فقال لهم النبي عليه الصلاة والسلام: (أوقد فعلها؟) يعني: الشيطان قد فعلها وضحك عليكم؟ وأنتم ساءتكم هذه، مع أنه حدثته به نفسه حديثاً، ومرت عليه مرور الكرام ولم تستقر في القلب، ولذلك قال النبي عليه الصلاة والسلام: (إن الشيطان يأتي أحدكم فيقول: من خلق السماء؟ فتقولون: الله، فيقول: من خلق الأرض؟ فتقولون: الله، فيقول: من خلق الجبال؟ فتقولون: الله، فيقول الشيطان: هذا الله خلق كل شيء، فمن خلق الله؟ فإذا بلغ الشيطان منكم ذلك المبلغ فاستعيذوا بالله وانتهوا)، وفي رواية: (وقولوا: آمنا بالله ورسوله).

    وقوله: (فاستعيذوا بالله) أي: لدحر الشيطان وطرده، فالاستعاذة تطرد الشيطان.

    وقوله: (وانتهوا) أي: جاهدوا أنفسكم ألا يستقر هذا الوسواس في قلوبكم، وأن يكون مجرد خاطر خطر في القلب ومر ولم يستقر في القلب.

    وقوله: (وقولوا: آمنا بالله ورسوله) تحديد من النبي عليه الصلاة والسلام لعلاج هذا الداء الفتاك العظيم.

    وقوله عليه الصلاة والسلام: (ذاك صريح الإيمان)، أي: إذا ساءتك هذه المعصية ولم تفرح بها.

    وصاحب الأمراض القلبية يتمنى بزعمه أن لو يجد متشابهاً في القرآن فيقف عنده، وقد نبهنا الله تعالى أن هؤلاء هم مرضى القلوب والعقول، الذين يتتبعون المشتبهات، وأما المسلم فإنه يؤمن بها ويمرها كما جاءت ولا يحملها إلا على أحسن المحامل، بخلاف المريض من أهل الشبهات ومن العامة والجهلاء. وكلام الله تعالى واحد، كما قال تعالى: وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا [النساء:82]. فلما لم يكن فيه اختلاف دل على أنه من عند الله عز وجل.

    فقوله عليه الصلاة والسلام: (ذاك صريح الإيمان) أي: خوفك البالغ مما وقع في قلبك أو خطر على قلبك أكبر دليل على أنك رجل صالح مؤمن، وكذلك عندما تفعل المعصية ثم تتوب إلى الله عز وجل فوراً، وترجع إليه حالاً، وتستاء غاية الإساءة مما بدر منك.

    وقد قال حنظلة : (يا رسول الله! نكون بين يديك كأننا نرى الجنة والنار، فإذا خرجنا من عندك وعافسنا الزوجات وانشغلنا بأموالنا اتهمنا أنفسنا بالنفاق)، يعني: عندما نكون في مجلس النبي عليه الصلاة والسلام فكأنا نرى الجنة والنار حقيقة، فإذا خرجنا من مسجده النبوي الشريف وانشغلنا بأمور الدنيا غاب عنا بعض التصور الذي نجده في مجلس العلم مع النبي عليه الصلاة والسلام، وبهذا اتهموا أنفسهم بالنفاق، وليسوا كذلك، ولذلك قال لهم النبي عليه الصلاة والسلام: (لو ظللتم على ما أنتم عليه لصافحتكم الملائكة). وأمر جبلي فطري أن الإنسان حينما ينشغل بشيء يغيب عنه أشياء، فـعمر بن الخطاب مثلاً كان يجعل نفسه جملاً لأولاده ويقعد في ساحة البيت وغير ذلك، ولو أن عمر في هذه اللحظة تصور أو تذكر النار لما مازح أبناءه، وهذا من رحمة الله عز وجل بالخلق.

    حديث النعمان بن بشير (الجماعة رحمة والفرقة عذاب)

    [وعن النعمان بن بشير رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الجماعة رحمة والفرقة عذاب)]، أي: جماعة الإمام. وكل جماعة تأخذ هذه الأحاديث وتنزلها على نفسها، ولو أن هذه النصوص قد وردت في كل جماعة من هذه الجماعات الموجودة على الساحة، فلا بد وأن الأمة قد أجمعت على الباطل منذ قرون عديدة، وأول الجماعات هذه كانت سنة (1926م)، ولم توجد جماعة قبل هذا إلا الجماعة الأم، وقد سقطت الجماعة الأم سنة (1924م)، وكانت متمثلة في الخلافة العثمانية، فأتت فكرة إنشاء جماعة مسلمة قوية تسد الفراغ، يعني: أن القضية في أولها كانت نواياها حسنة، ثم صارت هذه الجماعة كغيرها من الجماعات السابقة التي تأخذ الولاء والبراء فيما بينها بعد أن قامت على غير أسس، ثم وضعت لها بعد ذلك الأسس، ثم أصبحت جماعة شيعية، وبعد هذا جماعة اعتقادية، وبعد هذا فرقة من الفرق وغير ذلك.

    فهذه الجماعات سلكت نفس المسلك وإن لم تكن فرقاً، فهي قامت أولاً لأجل أن تحافظ على الكيان الإسلامي للمسلمين بعد أن سقطت الخلافة، ثم دعت بعد ذلك كل جماعة لنفسها، وادعت كل جماعة بأنها الجماعة الحقة، وهذا يلزم من جهة ثانية أن تكفر أو تفسق كل جماعة الأخرى، وهذا وجه من وجوه تفرق الأمة.

    حديث: (إن أمتي لا تجتمع على ضلالة ...)

    [وقال النبي عليه الصلاة والسلام: (إن أمتي لا تجتمع على ضلالة، فإذا رأيتم اختلافاً فعليكم بالسواد الأعظم)]. وهذا نفس الحديث الأول: (لا تجتمع أمتي على ضلالة). وهو حديث صحيح.

    فمن خرج علينا الآن يقول بقول لم تقل به الأمة منذ قرون متعددة، ويقول: هذا دين الله عز وجل، فهو مخترع مبتدع في دين الله عز وجل، لا تجوز موالاته ولا موافقته على ما أحدثه.

    فإن كان من أهل الاجتهاد والعلم فهو مأجور أجراً واحداً، أما إذا كان دون ذلك فهو إنسان مبتدع. فالأمة لا تجتمع على ضلال، لكن قد يكون الضلال موجوداً في بعض الأفراد، ولا يقصد من هذا النص نفس الضلال مطلقاً، وإنما بمعنى آخر، فقد تجد بعض الأمة ليسوا على الحق، بل على الضلال المبين، وقد يكونوا في ضلال في فهم النصوص ولا يرجعون إلى كلام أهل العلم، وإما في ضلال في استخدام دين الله عز وجل للحصول على كرامة أو أموال أو وجاهة أو غير ذلك. وهذا أيضاً نوع ضلال. ولا يعني هذا الضلال أن الحق قد خفي والتبس على الأمة، بل الحق ظاهر عند غير هؤلاء، وهذا معنى (لا تجتمع أمتي على ضلالة)، أي: لا يعم فيها الضلال في وقت من الأوقات ولا في بلد من البلدان، بل لا بد من قيام أحد أبناء الملة بالحجة في كل زمان ومكان، لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَا مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ [الأنفال:42].

    قال: (فإن رأيت اختلافاً فعليك بالسواد الأعظم). وهذا الشق بالذات ضعيف، بل ضعيف جداً، وفي إسناده مناكير، وأما معناه فربما يكون صحيحاً، فإذا رأيتم اختلافاً فعليكم بالسواد الأعظم، والسواد الأعظم ليسوا عامة الناس ورعاع الناس، وإنما السواد الأعظم علماء الأمة؛ لأن بعضهم يتصور أن السواد الأعظم هم العوام، والعوام لا عبرة بهم ولا حكم لهم نهائياً، فالعوام شر القطيع، وإنما المقصود بالسواد الأعظم في النصوص هم السواد الأعظم من أهل العلم؛ لأنه لا يمكن أن يجتمع السواد الأعظم من العلماء على الضلال، بل قد يكون في أفراد العلماء، وأما في المجموع فلا.

    وفي حديث ابن مسعود : الحق ما عرف المسلمون، والباطل ما لم يعرفه المسلمون، أو بمعنى هذا الكلام. قال الشيخ الألباني وغيره من أهل العلم: (المسلمون) أي: علماؤهم.

    حديث: (يد الله فوق الجماعة ...)

    وقال: (يد الله فوق الجماعة، فمن شذ لم يبال الله بشذوذه).

    وقوله: (يد الله فوق الجماعة) الأصل إجراء هذا النص على ظاهره وعدم تأويله، وإن أولته فلا بأس بذلك بشرط أن يكون الأصل إجراءه على ظاهره، ومن العلماء في زماننا من لم يتصور قول الله تعالى: يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ [الفتح:10]، مع أنه من أهل السنة ويدعو إلى السنة، ولكنه كما يقولون: لكل جواد كبوة، وقال في قوله تعالى: يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ أي: قدرة الله فوق قدرتهم، وأن المراد باليد القدرة، ولا شك أن قدرة الله فوق قدرتهم، ولكن هذا لا يمنع إجراء النص على ظاهره، وأن يد الله فوق أيديهم. فقال: وكيف نفهم أن يد الله فوق أيديهم؟ فقلت له: كما تفهم أن السماء فوق الأرض بغير عمد، كما نقول: فلان فوق فلان، أي: في الرتبة والمنزلة والقوة والمكانة والعظمة والوجاهة، ويلزم من هذا أنه كان فوقه، فقوله تعالى: يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ أي: هي فوق خلقه، ولكن تثبت اليد لله على ما يليق بكمال الله عز وجل. فوقف عند هذا وقال: أنا لا أتصور هذا النص إلا مؤولاً.

    وهو قد قضى حياته في نشر عقيدة السلف، فهذا يغفر له ذلك إن شاء الله بين يدي الله عز وجل؛ لأن الأصل فيه الاستقامة، وربما يكون قد قال هذا الكلام فيكم، أو أن أحداً منكم سمعه إن لم يكن كثير منكم سمعه، وأظنه إن شاء الله سيرجع.

    قال: (فمن شذ)، أي: من فارق الجماعة (لم يبال الله بشذوذه) وفراقه لهذه الجماعة.

    حديث (من فارق الجماعة شبراً ...)

    [وعن علي رضي الله عنه قال: من فارق الجماعة شبراً فقد نزع ربقة الإسلام من عنقه]، والربقة هي الحبل الذي فيه عقد، فكأن الإسلام كالحبل الذي فيه عقد، وفي الحديث: (تنقض عرى الإسلام عروة عروة، فيكون أوله نقضاً الحكم، وآخره الخشوع في الصلاة). ومن فارق الجماعة قيد شبر فقد نزع ربقة الإسلام من عنقه، وهذا الحديث محمول على الوعيد الشديد جداً لمن خالف جماعة الإمام.

    [وقال حذيفة: من فارق الجماعة شبراً فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه]. وهذا قول يؤيد قول علي رضي الله عنه.

    [وقال حذيفة : قال النبي عليه الصلاة والسلام: (من فارق الجماعة شبراً فارق الإسلام)]. وهذا الحديث فيه نظر، ففي أحد رواته ضعف يسير.

    حديث: (إن الله أمر يحيى بن زكريا بخمس كلمات ...)

    [عن أبي الحارث الأشعري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله أمر يحيى بن زكريا بخمس كلمات فذكر الحديث بطوله، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وأنا آمركم بخمس كلمات أمرني الله بهن)، أي: بخمس خصال وخمس واجبات. (بالجماعة، والسمع، والطاعة، والهجرة، والجهاد في سبيل الله).

    فالجماعة مأمور بها، وكذلك السمع والطاعة والجهاد في سبيل الله والهجرة، أي: الهجرة من بلاد الكفر إلى بلاد الإيمان، لا من مكة إلى المدينة؛ لأن الهجرة من مكة نسخت إلى يوم القيامة.

    [وقال النبي عليه الصلاة والسلام في رواية أخرى: (أنا آمركم بخمس: بالسمع، والطاعة، والجماعة، والهجرة، والجهاد في سبيل الله، فمن خرج من الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام من رأسه إلا أن يراجع)]، أي: إلا أن يرجع إلى الجماعة.

    حديث: (خط رسول الله صلى الله عليه وسلم خطاً ...)

    [عن عبد الله قال: (خط رسول الله صلى الله عليه وسلم خطاً -أي: خطاً مستقيماً- وخط عن يمينه وعن شماله خطوطاً -أي: خطوطاً معوجة يميناً ويساراً- ثم قال: هذا صراط الله مستقيماً، وهذه السبل، على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه)].

    فصراط الله المستقيم هو هذا الخط الذي صوره ومثله النبي عليه الصلاة والسلام بخط مستقيم، والانحراف عن هذا الخط يعني الانحراف عن الإسلام والهدى ومنهاج النبوة، فكلما انحرف المرء عن هذا الخط انحرف عن الإسلام، ويزيد انحرافه عن الإسلام حسب انحرافه عن هذا الخط؛ لأنه يبتعد عن الإسلام بقدر غلوه وتماديه في هذا السبيل الذي سلكه بعيداً عن صراط الله المستقيم.

    [ثم تلا ابن مسعود : وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ [الأنعام:153]].

    وجاء ذلك أيضاً عن ابن عباس وجابر بن عبد الله ، فقد قال [جابر رضي الله عنه: (كنا جلوساً عند النبي صلى الله عليه وسلم فخط خطاً هكذا أمامه -يعني: خطاً مستقيماً- فقال: هذا سبيل الله، وخطين عن يمينه وخطين عن شماله وقال: هذه سبل الشيطان، ثم وضع يده في الخط الأوسط، ثم قال هذه الآية: وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [الأنعام:153])].

    حديث: (من عمل لله في جماعة فأصاب تقبل الله منه)

    جاء في رواية [ابن عباسقال النبي عليه الصلاة والسلام: (من عمل لله في جماعة فأصاب تقبل الله منه)]، أي: من عمل لله وهو في داخل الجماعة تقبل الله منه، [(وإن أخطأ غفر الله له)] وبهذا تعلم بركة العمل في الجماعة.

    فلو أوكل إلى شخص معين أو اثنين أو ثلاثة أو أربعة العمل، فعمل هذا مجلة، وهذا انشغل بالخطابة، وهذا بكذا، فهؤلاء انشغلوا في المصلحة العامة للمسلمين، وهذا العمل صورته صورة عمل جماعي، فالعمل الجماعي على هذا النحو مشروع بلا خلاف بين أهل العلم، بل حتى الحيوانات والحشرات والدواب تعمل عملاً جماعياً، حتى النمل والنحل تعمل عملاً جماعياً، ولا يلزم أن يكون لها أمير معين من قبل الخليفة.

    فالعمل الجماعي الذي يكون لله عز وجل لا يشترط له إمارة ولا بيعة ولا سمع ولا طاعة، فحينما يقوم واحد بأمر الدعوة مثلاً، ويتعاون مع غيره من الدعاة أو الشيوخ، فهذا عمل جماعي. وهذا لا يستلزم بالضرورة أنني أسمع وأطيع له، ولو أنه أميري لما كان يوجد شيء اسمه حر في هذه الحالة.

    ولو أن قاضياً تعين للقضاء فكان يذهب إلى المحكمة ويضع رجلاً على رجل ويقول: أنا لست قاضياً، ولن أحكم بين الناس، ولن أفصل في المنازعات؛ لم يصح هذا، بل يأثم عليه؛ لأن الذي عينه على القضاء هو الخليفة أو الأمير.

    ولو أنه حكم نفسه بين الناس ولم يتعين عليه التحكيم، بل الناس اضطروا إليه؛ فهذا التحكيم ليس ملزماً له، بخلاف القضاء، فالقضاء ملزم، وله سلطة تنفيذية، وأما هذا فبإمكانه أن يمتنع عن التحكيم من غير أن يأثم.

    فالعمل الجماعي إذا كان بصورة اتفاقية بين الناس لإتمام عمل مشروع كالدعوة إلى الله عز وجل، فلا بأس بذلك ولا حرج، وهذا العمل لا يستلزم أمر الإمام.

    حكم الإمارة في السفر والإمارة في الحضر

    والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: (إذا كنتم ثلاثة في سفر فأمروا أحدكم). فإمارة السفر إمارة مسنونة ومشروعة، واختلف فيها أهل العلم هل هي واجبة أم مستحبة؟ والراجح أنها مستحبة، وهناك من قال: إنها واجبة؛ لورود النص بها، ولم يقس الحضر على السفر إلا اثنان من أهل العلم ابن تيمية في الفتاوى ثم الشوكاني ، فقالا: الإمارة في الحضر جائزة قياساً على الإمارة في السفر، بل الإمارة في الحضر من باب أولى؛ لأن الإمارة في السفر تنتهي بانتهاء السفر، وأما الحضر فإنما دعت إليها ضرورة العمل إلى ما لا نهاية، ولم يوافقهم على ذلك أحد.

    ثانياً: إن الذين يركنون إلى كلام ابن تيمية ومن بعده كلام الشوكاني أصحاب هوى، فقد كانوا قبل أن يعلنوا أنهم جماعة يردون على ابن تيمية والشوكاني ، وبعد أن أعلنوا أنهم جماعة قالوا في نهاية أمرهم بكلام ابن تيمية وكلام الشوكاني ، وهذا يدل على وجود الهوى.

    ثالثاً: إن ابن تيمية ومن بعده الشوكاني قالا بجواز الإمارة في الحضر، وهم يقولون بوجوب الإمارة في الحضر، وشتان بين الجواز وبين الوجوب، فـابن تيمية والشوكاني لم يقولا بالوجوب، وإنما قالا بالجواز إذا دعت الحاجة والمصلحة إلى ذلك.

    والنبي صلى الله عليه وسلم ما كان يربي أصحابه على ذلك، واليوم مثلاً نجد أهل مسجد معين يقولون: لا بد من الجلوس بعد صلاة الفجر في المسجد، والذي يتخلف يدفع جنيهاً، وهذا الجنيه يوضع في صندوق المسجد، أو يقولون: يلزم كل واحد فينا بأن يصلي الليلة في بيته، فإن لم يقم يعزر بدفع مبلغ كبير، أو بأن ينام على ظهره في المسجد ويرفع رجليه ويجلد عشر جلدات تعزيراً، والنبي عليه الصلاة والسلام لم يكن يضرب من أجل هذا، ومن لم يكن له وازع من قلبه فلا خير فيه، والذي يسمع النص ولا يتأثر به ولا يعزم من داخله على التزامه فلن ينفع معه الضرب، وإن لم يقتنع تماماً بقولك فلن يقتنع به بعد الضرب، بل سيزداد منه بعداً، وهذه الطريقة التي يعملونها في المساجد هي طريقة في غاية النكارة، ولو سمع الصحابة بهذا لماتوا ضحكاً مما وقع بنا، فأنت ليس عليك إلا أنك تذكره، فإن كان من أهل الذكرى انتفع بها، وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ [الذاريات:55]. فالذي ليس معه إيمان بالشيء ولا ينتفع بنصيحة فلا خير فيه، وأما أنك تعزره وتؤدبه ثم تهجره فلا، والنبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: (نعم الرجل عبد الله لو كان يقوم الليل). ولم يضربه أو يعلقه في المسجد وغير ذلك، فلما سمع عبد الله هذه الكلمة ما ترك قيام الليل لا في حضر ولا سفر، ولا في غزوة ولا حرب، فالحر تكفيه الإشارة، والعبد تقرعه العصا، وكان هذا في الماضي، وأما في هذا الوقت فالحر نفسه لا تقرعه العصا.

    معنى العمل لله في الجماعة

    [قال ابن عباس : قال النبي عليه الصلاة والسلام: (من عمل لله في الجماعة فأصاب تقبل الله منه، وإن أخطأ غفر الله له)]. فقوله: (من عمل لله) يعني: أن يكون هذا العمل خالصاً. والسلف إما زمناً وإما معنى، يعني: أن السلف رضي الله عنهم عند الإطلاق نعني بهم أصحاب القرون الخيرية، وهم الصحابة والتابعون وأتباع التابعين والأئمة المتبوعون، فهؤلاء هم سلفنا، لكن كلمة (سلف) لها معنى آخر، وهو المنهج، يعني إما أن يكون سلفي الزمن وإما سلفي المنهج، فالسلف عند الإطلاق يعنون به سلفية الزمان الأول وسلفية المنهج، وليس كل من تقدم سلفياً، فالفرق الباطلة ظهرت في القرن الأول الهجري، مع أن النبي عليه الصلاة والسلام يقول: (خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم). وهذا لا يعني أنهم من خير القرون، وإنما يعني أن جل أصحاب هذه القرون هم خير الناس، بخلاف من شذ عنهم وبخلاف من فارقهم، فقوله هنا عليه الصلاة والسلام: (خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم). هؤلاء سلفية الزمن والمنهج، ثم يأتي بعد ذلك سلفية المنهج، فـابن تيمية كان سلفياً وكذلك ابن القيم وابن نصر المروزي ، وغيرهم من أهل العلم قديماً وحديثاً إلى يومنا هذا من الدعاة الذين لا علاقة لهم بهذه الجماعات الموجودة على الساحة، إلا الالتزام بالكتاب والسنة على نهج السلف الصالح، فهؤلاء سلفيو المنهج، وهم الجماعة سواء عرفتهم أو لم تعرفهم، وهم شيء واحد، وقد كان الواحد منهم -أي: في القرون الخيرية- يرسل السلام إلى صاحبه في المغرب وهو في المشرق؛ لأنه يعلم أنهما شيء واحد لاتحاد المنهج، وهذه هي في حقيقتها الجماعة.

    وقوله: (وإن أخطأ)، أي: في عمله لله في الجماعة ( غفر الله له ).

    ثم قال: [(ومن عمل لله في الفرقة؛ فإن أصاب لم يقبل الله منه، وإن أخطأ فليتبوأ مقعده من النار)]. وهذا كلام ابن عباس.

    حديث النواس بن سمعان: (ضرب الله مثلاً صراطاً مستقيماً....)

    حديث معاذ: (إن الشيطان ذئب الإنسان كذئب الغنم ...)

    [عن معاذ بن جبل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إن الشيطان ذئب الإنسان كذئب الغنم، يأخذ السيرة والقاصية والناحية، فإياكم والشعاب -أي: إياكم أن تتفرقوا في الشعاب- وعليكم بالجماعة والعامة والمسجد)]، أي: وعليكم بالجماعة والعامة والمسجد.

    [وقال عبد الله : يا أيها الناس! عليكم بالطاعة والجماعة، فإنها حبل الله الذي أمر به، وإن ما يكرهون في الجماعة خير مما يحبون في الفرقة].

    وقصر الصلاة في موسم الحج في عرفة ومنى ومزدلفة يجوز حتى لأهل مكة وأهل منى، وهذه رخصة من الله عز وجل، وعثمان بن عفان رضي الله عنه لما كان خليفة وصلى في مسجد الخيف في منى في موسم الحج، فأتم الصلاة، وترك هذه السنة مجتهداً ومتأولاً، فأنكر عليه عبد الله بن مسعود ؛ لأنه حق يجب ظهوره، وبعد أن أنكر عليه صلى معه وأتم، وعثمان كان متأولاً، فأصر على تأويله، فقد كانت له أرض وأهل بمكة، فقال: أنا من أهل مكة، وظن أنه لا رخصة له لكونه من أهل مكة، فاستمر على ما يعتقد، ولما كان هو الإمام كان يلزم الناس أن يصلوا بصلاته ويتمون كما هي السنة كذلك، فلما أتم ابن مسعود خلف عثمان قيل له: يا أبا عبد الرحمن ! ألا تدري أن السنة قصر الصلاة؟ قال: نعم، قال: لم صليت خلفه أربعاً؟ قال: الخلاف شر.

    ولو كان أحدنا مكان عبد الله بن مسعود لكان فضح عثمان على المنبر، ولألب عليه جميع المسلمين، ولانشق بجماعة وصلى بهم في ناحية من المسجد، ولكن عبد الله بن مسعود رغم وضوح الحق عنده إلا أنه خالف ما عنده من حق؛ لأنه لو صلى أربعاً لا تبطل صلاته، وما دام أنها لا تبطل فلنصل معه بدلاً من إحداث مشكلة، وتقسيم المسلمين فريقين في موسم الحج، فالاختلاف شر.

    قول مجاهد في معنى آية: (ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله)

    [قال مجاهد : وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ [الأنعام:153] قال: البدع والشبهات]، أي: لا تتبعوا البدع والشبهات فتفرق بكم عن سبيل الله عز وجل.

    [وقال أبو العالية : تعلموا الإسلام، فإذا تعلمتم الإسلام فلا ترغبوا عنه يميناً ولا شمالاً، وعليكم بالصراط المستقيم، وعليكم بسنة نبيكم والذي كان عليه أصحابه، وإياكم وهذه الأهواء التي تلقي بين الناس العداوة والبغضاء. فحدثت الحسن بذلك فقال: صدق والله ونصح -أي: صدق للأمة ونصح لها- فحدثت به حفصة بنت سيرين فقالت: يا بني! أنت حدثت بهذا محمداً، تعني: أخاها ابن سيرين؟ فقلت: لا. قالت: فحدثه إذاً].

    [وقال الأوزاعي : حدثنا أبو عمار قال: حدثني جار كان لـجابر بن عبد الله قال: قدمت من سفر فجاء جابر يسلم عليَّ، فجعلت أحدثه عن افتراق الناس وما أحدثوا، فجعل جابر يبكي ثم قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (إن الناس دخلوا في دين الله أفواجاً، وسيخرجون منه أفواجاً)].

    حديث ابن عمر: (من خلع يده من طاعة...)

    وعن نافع وسالم عن عبد الله بن عمر قال: [جاء ابن عمر إلى عبد الله بن مطيع فلما رآه قال: ألا أحدثك بحديث سمعته من النبي صلى الله عليه وسلم؟ سمعته يقول: (من خلع يده من طاعة لقي الله يوم القيامة ولا حجة له، ومن مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية)]. وهذه البيعة هي بيعة الخليفة الأعظم، وليست بيعة هؤلاء، وقد قابلت رجلاً كبيراً -عليه رحمة الله- من علماء المسلمين الأجلاء، وكان من أفذاذ أهل العلم في الحديث والفقه، وله في الحديث والفقه مصنفات عظيمة جداً، وقلت له: يا شيخ! هل بايعت أحداً؟ قال: نعم، في رقبتي يا بني بيعة لفلان، قلت: ولما مات فلان هل بايعت من بعده؟ قال: لا.

    حديث عرفجة: (إنها ستكون هنات وهنات ...)

    [وقال: عرفجة : قال النبي عليه الصلاة والسلام: (إنها ستكون هنات وهنات، فمن جاءكم يفرق بين جماعتكم فاضربوا عنقه كائناً من كان)]، يعني: إذا كان أمر الخليفة قائماً ومعه جماعة المسلمين، ثم ظهر شخص يقول: أنا خليفة، فاضربوا عنق الثاني كائناً من كان، وهذا عند العلماء بالإجماع، كما نقله النووي وابن عبد البر وغيرهما، أي: اضربوا عنقه إذا لم يندفع إلا بالقتل، أما إذا أمكن دفعه بغير القتل فادفعوه بغير القتل ويحرم عليكم قتله.

    يعني: إذا كان الخليفة قائماً وقد بويع له ثم أتى آخر يقول: أنا الخليفة، وإذا كنتم بايعتم فلاناً، ففلان وفلان وفلان بايعوني، فأنا كذلك خليفة، فيجب أن يرد هذا الرجل عن بدعته التي أتى بها، فإن رد بالترغيب والترهيب والتهديد وغير ذلك، فلا يحارب بغير هذا ولا يدفع بغيره، وإذا لم يمكن دفعه إلا بالقتل وجب على الخليفة الأول وجماعته قتله، وليس على أفراد الناس.

    نكتفي بهذا القدر. ونسأل الله تعالى أن يتقبل منا ومنكم صالح الأعمال والأقوال؛ إنه ولي ذلك والقادر عليه!