إسلام ويب

الصوتيات

  1. الصوتيات
  2. محاضرات مفرغة
  3. حسن أبو الأشبال الزهيري
  4. شرح كتاب الإبانة من أصول الديانة
  5. شرح كتاب الإبانة - ذكر ما جاءت به السنة من طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم

شرح كتاب الإبانة - ذكر ما جاءت به السنة من طاعة الرسول صلى الله عليه وسلمللشيخ : حسن أبو الأشبال الزهيري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لقد جاءت الأحاديث الكثيرة في السنة توجب طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم، وتعتبرها من طاعة الله عز وجل، ومن تنكب طريق الطاعة فقد تنكب طريق الجنة، إذ إن الجنة مرهونة بطاعة النبي عليه الصلاة والسلام.

    1.   

    ذكر ما جاءت به السنة من طاعة الرسول عليه الصلاة والسلام

    الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.

    وبعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة.

    أما بعد:

    فلا يزال الكلام في طاعة النبي عليه الصلاة والسلام موصولاً من خلال سنته بعد أن سردنا كثيراًمن الآيات التي تأمر بطاعته عليه الصلاة والسلام، وتبين هذه الآيات أن طاعة النبي عليه الصلاة والسلام طاعة لله عز وجل؛ لأنه لا يتكلم من عند نفسه، وإنما يتكلم بوحي من السماء.

    وفي هذه الآثار والأحاديث التي سنسردها شاهد قوي جداً لتلك الآيات في لزوم طاعته عليه الصلاة والسلام، ومن تنكب طريق الطاعة لا بد أنه تنكب طريق الجنة، فإن الجنة مرهونة بطاعة النبي عليه الصلاة والسلام، وهي أقرب إلى أحدنا من شراك نعله، وكذلك النار أقرب إلى أحدنا من شراك نعله.

    فالله عز وجل إنما خلق الخلق وجعلهم قسمين .. خلق النار وقسم لها قسماً من خلقه، وقال: يا أهل النار! خلود بلا موت، وخلق الجنة وجعل لها قسماً من خلقه، وقال: يا أهل الجنة! خلود بلا موت.

    والله عز وجل لو قذف العباد جميعاً في النار لكان ذلك بعدله سبحانه وتعالى، ولو شاء أن يدخلهم جميعاً الجنة لجعلهم مؤمنين أولاً، ولكن لا تستقيم الحياة إذا كان كل الناس كفاراً أو كلهم مؤمنين، ولذلك قال الله تعالى: وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأَرْضُ [البقرة:251]، فلا بد من الدفع، ولا بد من الجهاد، ولا بد من القتال؛ وهذا يستلزم أن يكون الناس فريقين: فريقاً مؤمناً، وفريقاً كافراً.

    أما الكافر فإن الله تعالى أعد له النار، وأما المؤمن فإن الله تعالى أعد له الجنة، وجعل له منزلاً في النار إذا عصى، ورتب ذلك على مشيئته؛ فإن شاء عفا، وإن شاء أخذ عباده بذنوبهم.

    والباب الذي نتكلم عنه في هذه الليلة هو تتمة وتكملة لما بدأناه في الدرس الماضي من وجوب طاعة النبي عليه الصلاة والسلام، وأن من عصاه دخل النار كما أخبر عليه الصلاة والسلام: (كل الناس يدخل الجنة إلا من أبى، قالوا: ومن يأبى يا رسول الله؟ -أي: من الذي يرفض أن يدخل الجنة؟- قال: من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى) أي: أبى أن يدخل الجنة، إذ إنه حكم على نفسه بالطرد من رحمته سبحانه وتعالى، وبالتالي استحق أن يدخل النار.

    حديث أبي رافع (لا ألفين أحدكم متكئاً على أريكته...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [عن عبيد الله بن أبي رافع عن أبيه يبلغ به النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا ألفين أحدكم متكئاً على أريكته، يأتيه الأمر من أمري مما أمرت به أو نهيت عنه فيقول: لا أدري! ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه)].

    في هذا الحديث يحذر النبي عليه الصلاة والسلام أصحابه من قوم سيظهرون من بعدهم، فهو يحذرهم أن يكون هذا فيهم، أو في القرون الخيرية؛ فقال: احذروا أن أجد أحدكم متكئاً على أريكته، والأريكة هي الكرسي الوثير العظيم؛ ولذلك أتى في إحدى طرق الحديث: (لا ألفين أحدكم متكئاً على أريكته شبعاناً)، أي: إنسان عنده تخمة، يعيش في النعيم، ويغص في نعم الله عز وجل، وجالس على الكرسي، ويضع رجلاً على رجل، فتقول له: أنت على معصية، فيقول لك: أين الدليل؟ فتقول له: قال النبي عليه الصلاة والسلام كذا وكذا، فيقول لك: لا تقل قال النبي كذا وكذا، فهذه سنة قد دخلها التحريف، فإما أن تأتيني بنص من كتاب الله، وإلا فلا حاجة لي في نصيحتك، ويزعم أنه مسلم، ويزعم أنه متبع، وهو يكذب بالوحي؛ ولذلك يقول لك: دعني من النبي وأقواله، فإن الأصل عندي أن الحل والحرمة في كتاب الله وإلا فلا، ولذلك دعا النبي عليه الصلاة والسلام على أمثال هؤلاء، والذي يقول هذا إما أن يكون منافقاً جاحداً زنديقاً، يتستر بقوله: ما كان في كتاب الله اتبعناه، وإما أن يكون جاهلاً يردد ألفاظ هؤلاء وكلمات هؤلاء وهو لا يدري أنها عين الكفر، فهو جاهل يقلد غيره، سمع الناس يقولون: لا شفاعة؛ فقال: لا شفاعة، سمع الناس يقولون: لا كيت ولا كيت ولا كيت من دين الله عز وجل؛ فسلك نفس المسلك، يقول مثلاً: لا عقاب، يقول: لا عذاب قبر، أي: أن القبر لا عذاب فيه ولا نعيم، وحتى يقول: إن الناس إذا ماتوا لا يبعثون!

    لماذا؟ لأنه سمع هذه المقالات تردد، وأدلتها في كتاب الله عز وجل، يقول الله تعالى: مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ [الأنعام:38]، فكل ذكر في كتاب الله عز وجل، لكن من الذي يستنبط الفهم من كتاب الله عز وجل؟

    لا بد أن يكون هناك علماء أجلاء مخلصون، ودعاة إلى الله عز وجل على علم وهدى وبصيرة ونور؛ حتى يعلموا ويربوا عامة الأمة، لكن عامة الأمة -للأسف الشديد- تركوا بيوت الله عز وجل، وتركوا مجالس العلم، وانشغلوا بالصحف والمجلات؛ وبالتالي فإنهم يتلقون دينهم عن هؤلاء الملاحدة، فما ذنب الدعاة إذاً؟ وما ذنب العلماء إذاً؟

    إننا نقول: إن هؤلاء المثقفين أو أرباع المثقفين إنما أئمتهم الصحفيون، وهؤلاء الصحفيون أئمة ضلالة، وهؤلاء تبع وأتباع لهم، وسيأتي بعضهم لبعض بالتبرئة يوم القيامة، فيتبرأ كل واحد من صاحبه يوم القيامة، فإذا كانوا أخلاء وأصدقاء في الدنيا فإنهم أعداء في الآخرة: الأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ [الزخرف:67]، فأهل التقوى لهم مسلك ومشرب واعتقاد يخالف هؤلاء.

    قال عليه الصلاة والسلام: (لا ألفين أحدكم متكئاً على أريكته)، انظر إلى هذا التصوير النبوي، وكأنه يقول لهم: احذروا أن أرى واحداً منكم متكئاً على كرسيه، فيأتيه الأمر والنهي مما أمرت أنا به، أو نهيت أنا عنه، فيقول: دعنا من كلام النبي عليه الصلاة والسلام؛ فإنه قد دخله التحريف، ودخله الضعف، والرواة فيهم ضعف وخلل وغير ذلك، وإنما نتمسك بكتاب الله عز وجل!

    من الذي نقل إلينا كتاب الله؟ ومن الذي نقل إلينا سنة النبي عليه الصلاة والسلام؟ إنهم الرواة بدءاً بالصحابة رضي الله عنهم، وانتهاءً بهؤلاء الأجلاء العظماء الذين حافظوا على نقل كتاب الله، وحافظوا على تدوين سنة النبي عليه الصلاة والسلام، فهم هم نفس الرواة، فإذا كنت تنكر السنة من باب أنه قد دخلها الضعف والزيغ والتحريف؛ فلزاماً عليك أن تنكر القرآن؛ لأن الذي حمل القرآن هو الذي حمل السنة، فلم تنكر هذا وتعتمد ذاك؟

    ثم بناء على كلامك فإن القرآن قد دخله تحريف، ودخله الزيغ، ودخله التصحيف، مع أن الله عز وجل هو الذي تكفل بحفظ وحيه وحفظ دينه، فقال: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ [الحجر:9]، فالذي يحفظ كلام الله هو الله عز وجل، والذي حفظ كلام الرسول عليه الصلاة والسلام هو الله عز وجل كذلك؛ ولذلك تجد في تفسير هذه الآية: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ [الحجر:9] أن كثيراً من المفسرين قالوا: بأن الذكر هو القرآن والسنة، وعلم الجرح والتعديل وعلم العلل وغيرها من العلوم التي تخدم السنة النبوية ما هي إلا نوع من أنواع حفظ الله عز وجل لهذا الوحي وهذا الدين، فالذي يزعم أن السنة قد دخلها التحريف نقول له: أنت مفتر وكافر، إلا أن تكون جاهلاً، فلم لم تقل هذا في القرآن؟ لأنه يعلم أنه إن قاله في القرآن كفر بإجماع أهل العلم؛ ولذلك فهو يحترز من هذا، فيذهب للطعن في سنة النبي عليه الصلاة والسلام.

    ولذلك فالنبي صلى الله عليه وسلم بين أن هذا يمكن أن يكون في هذه الأمة، وهو نوع هلكة؛ ولذلك قال عليه الصلاة والسلام: (ألا هلك المتنطعون.. ألا هلك المتنطعون.. ألا هلك المتنطعون!)، وفي رواية أخرى: (إنما نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن التعمق)، والتعمق هو التنطع.

    فتجد إنساناً جاهلاً، لكنه عرف مسألة أو مسألتين من دين الله عز وجل؛ فهو يتحذلق بهما، ويتعمق فيهما، ويتنطع فيهما، ثم يرى أن دين الله عز وجل يكمن في هاتين المسألتين، ثم يجد في نفسه أنه لزاماً عليه أن يعد العدة حتى يظهر عند الناس أنه من طلاب العلم، أو أنه من أهل العلم، فيعبس وجهه ويتجعد جبينه، ويظن أن هذه هي العدة لإثبات أنه من أهل العلم عند الناس.

    وهذا من أجهل الناس، ومن أجهل خلق الله، بل الناظر في كتب التراجم والسير يعلم أن كثيراً من أئمة الدين كانوا يمازحون الخلق، بل الناظر في سنة النبي عليه الصلاة والسلام وهديه يرى أنه كان يمازح الناس حتى العصاة؛ ولذلك أتاه رجل وقال: (يا رسول الله! هلك الأبعد)، فالرجل يعتقد أنه من الهلكى أو من الهالكين؛ فيقول النبي عليه الصلاة والسلام: (وما أهلكك؟ قال: وقعت على امرأتي في نهار رمضان، فقال: انتظر حتى ينزل فيك قرآن أو وحي، فلما نزل الوحي بالكفارات قال: أعتق رقبة، قال: فضرب على صفحة عنقه وقال: والله لا أملك غيرها، قال: صم شهرين متتابعين، قال: وهل أوقعني فيما وقعت فيه إلا الصيام؟! فتبسم النبي عليه الصلاة والسلام)، مع أن الأمر خطير جداً، لكن لو جاء إليك شخص يقول: أنا جامعت امرأتي في نهار رمضان، ستقول له: أعوذ بالله منك يا أخي! اذهب من أمامي حتى لا ينزل العذاب علي وعليك!

    لكن النبي عليه الصلاة والسلام عالج ذلك بحكمة النبوة، فقال: (أطعم ستين مسكيناً، قال: والله لا أجد في بيتي ما يطعمني وأهلي)، أي: أنا أتيت إليك وليس في بيتي شيء آكله، (فدخل النبي عليه الصلاة والسلام وأتى له بتمر يكفي ستين مسكيناً، قال: خذه فأطعم به ستين مسكيناً، قال: يا رسول الله! وهل تجد بين لابتيها -أي: بين جبليها- أفقر مني ومن أهل بيتي؟)، يعني: أنت يا رسول الله! حينما تنظر إلى المدينة كلها -والمدينة في واد بين جبلين- فلن تجد واحداً في المدينة بفضل الله أفقر مني ولا من أهل بيتي، (فتبسم عليه الصلاة والسلام وقال: اجعلها في نفسك وفي أهل بيتك).

    وحديث الرجل الذي بال في المسجد، وهو أمر فظيع جداً، بينما نحن الآن لو وجدنا طفلاً لم يبلغ من العمر خمس سنوات، فخلع ملابسه وبال في المسجد لقمنا عليه حتى أدميناه، وهو طفل غير عاقل وغير بالغ، لكن هذا الرجل أتى وبال في المسجد، وكان أعرابياً بدوياً لا يعرف آداب المسجد؛ ولذلك قام الصحابة جميعاً ليضربوه ويزجروه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تزرموه -أي: لا تفزعوه- ودعوه حتى يفرغ)، أي: يفرغ من بوله، فتصور واحداً مثل عمر وخالد بن الوليد وغيرهم من أقوياء الصحابة رضي الله عنهم أجمعين يرجعون بخيبة أمل، كانوا يريدون أن يفتكوا بهذا الرجل، لكن لا يسعهم إلا استجابة الأمر: (لا تزرموه)، حتى فرغ الرجل من بوله تماماً؛ فأمر النبي صلى الله عليه وسلم الصحابة أن يطهروا هذا المكان بسجل من ماء، أو دلو من ماء، ففعلوا، فلما رأى الرجل حلمه عليه الصلاة والسلام وعطفه وملاطفته للأضياف -وكان ضيفاً- قال: (اللهم ارحمني ومحمداً، ولا ترحم معنا أحداً أبداً)، أي: فهذا الرجل طيب، بخلاف هؤلاء الناس جميعاً، فانظر إلى النبي عليه الصلاة والسلام ماذا قال له؟ قال له: (لقد حجرت واسعاً)، انظر كيف يعالجه بقدر فهمه؛ لأنه قال: (اللهم ارحمني ومحمداً)، يعني: يا رب! احصر رحمتك علي وعلى هذا الرجل الطيب، أما بقية هؤلاء الناس فلا بد أن يستحقوا النار! أي: وكأنه يقول: يا رب! أهلك هؤلاء الناس، فالنبي صلى الله عليه وسلم يعلمه الأدب كيف يتكلم؟ وكيف يدعو؟ فقال: (لقد حجرت واسعاً)، رحمة الله وسعت كل شيء: وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ [الأعراف:156]، فكيف تجعلها حِكراً علي وعليك؟!

    وكذلك قصة معاوية بن الحكم السلمي رضي الله عنه لما لطم الجارية، وأنتم تعلمون أن الكلام كان مباحاً في الصلاة في أول الإسلام، فقد كان الواحد منهم يأتي وليس هناك مانع من أن يسأل الذي بجواره عن أي شيء.

    فأتى معاوية ولم يكن يعلم بنسخ ذلك بقول الله تعالى: وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ [البقرة:238]، أي: خاشعين غير متكلمين إلا بكلام هو في مصلحة الصلاة، فتكلم مع جاره، قال: فرماني القوم بأبصارهم، وكأنهم يسكِّتونني، فتكلمت فضربوا أفخاذهم بأيديهم، وكأنهم يصمِّتونني فسكت، فلما فرغ النبي عليه الصلاة والسلام من الصلاة قال: (أين المتكلم آنفاً، قلت: أنا يا رسول الله! فقال معاوية : فوالذي نفسي بيده ما رأيت معلماً قط أفضل منه صلى الله عليه وسلم، فما ضربني ولا كهرني ولا قهرني، ولكنه قال: يا معاوية ! إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هي قراءة القرآن والذكر والتسبيح).

    فانظر إلى التعاليم النبوية ومعاملة الجهال أو العصاة، ولا أدل على ذلك من موقفه عليه الصلاة والسلام من ماعز الأسلمي الذي زنى، وذلك لما سبه أحد الصحابة في وقت إقامة الحد عليه، فقال عليه الصلاة والسلام: (لا تفعل! فإني لأراه الآن يسبح في أنهار الجنة)، وكذلك المرأة الغامدية التي زنت وأقيم عليها الحد وصلى عليها النبي عليه الصلاة والسلام.

    فتصور لو أن امرأة زنت، ثم تابت توبة لم يتبها أحد منا، فإنه إذا علم أحدنا أنها زنت منذ خمسين عاماً ثم تابت من ذلك فإنه لا يصلي عليها؛ للخلل العلمي والتربوي، إذ إن المرء إذا تاب تاب الله عز وجل عليه، والله تعالى لا يحاسب عبده المذنب إذا تاب من ذنبه، بل يمحوه من صحيفته وكأنه لم يفعله.

    ولذلك قال النبي عليه الصلاة والسلام عن هذه المرأة الغامدية : (إنها تابت توبة لو تابها سبعون من أهل المدينة لوسعتهم)، أي: لكفتهم، وغير ذلك من مواقفه عليه الصلاة والسلام ممن أساء إليه، أو أساء إلى دينه، أو أساء إلى نفسه.

    فقوله: (لا ألفين أحدكم متكئاً على أريكته، يأتيه الأمر مما أمرت به أو نهيت عنه فيقول: ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه)، وكذب؛ ولذلك وصفه النبي عليه الصلاة والسلام مرة بأنه شبعان، يعني: أنه مالئ بطنه وجالس متكئ على الكرسي، فتقول له: قال النبي صلى الله عليه وسلم كذا وكذا، فيقول لك: دعك من النبي صلى الله عليه وسلم.

    إذاً ماذا تريد؟ يقول لك: لا تقل لي قال الله وقال رسوله، وذلك بعد أن تقول له: قال الله، فيقول لك: المقصود بالآية ليس هذا المعنى، فتأتي له بـالطبري وابن كثير وفلان وعلان وتضع أمامه عشرين أو ثلاثين تفسيراً، وأقوالهم مجتمعة على المعنى الذي نقلته له، ويقول لك: لا، فلان من الناس فهم من هذه الآية فهماً عصرياً، فهماً متحضراً نيراً، هؤلاء دعاة التنوير، وإن شئت فقل: هم دعاة التكفير، ودعاة الإلحاد والزندقة، وتصور أنه يدع كلام المفسرين من سلف الأمة، ويتمسك بتفسير رجل يعيش الآن بيننا، ولا علاقة له -لا من جهة العلم ولا من جهة العمل- بدين الله عز وجل، فيجعله إماماً له، فيأخذ عنه فهمه المعوج المنحرف لكتاب الله ولسنة النبي عليه الصلاة والسلام.

    فهؤلاء جميعاً قال لهم النبي عليه الصلاة والسلام: (ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه، ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه، ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه)، فالذي ينكر السنة ويقول: ائتوني بالقرآن، فما وجدنا فيه من حلال حللناه، وما وجدنا فيه من حرام حرمناه، ولا علاقة لي بالسنة؛ نقول له: السنة صنو القرآن، السنة قرينة للقرآن الكريم، لا انفكاك لأحدهما عن الآخر، وإن من كفر بالسنة فقد كفر بالقرآن الذي يزعم أنه قد آمن به؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر في سنته أنه أوتي القرآن ومثله معه، والمثلية هنا لا يمكن إلا أن نعتبر فيها كلام العلماء أنها السنة.

    قال: [قال سفيان أنه قال عليه الصلاة والسلام: لا ألفين أحدكم متكئاً على أريكته يأتيه الأمر والنهي مما أمرت أو نهيت عنه فيقول: لا ندري! ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه].

    حديث المقدام بن معدي كرب (ألا إني أوتيت الكتاب...)

    [وعن المقدام بن معدي كرب رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه، إلا أن يوشك شبعان على أريكته يقول: عليكم بالقرآن فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه، وما وجدتم فيه من حرم فحرموه، ألا لا يحل الحمار الأهلي .. وذكر الحديث).

    أحياناً الواحد يستشعر معنى هذا الكلام، وذلك عندما تذهب مثلاً إلى شخصية كبيرة جداً، وربما تكون هذه الشخصية عندها دكتوراه في الشريعة، أو لا يزال يحضر الدكتوراه، ومعه ليسانس في الشريعة الإسلامية، أو في علوم السنة أو غير ذلك، وتجده طويلاً وعريضاً في بدنه، بل قد تجد أن ارتفاع بطنه حوالي متر ونصف، فتقول له: السنة، فيقول لك: لا، سنة ماذا؟ أنا حضرت ماجستير في السنة، تقول لي: السنة؟! خذها واشبع بها، ويرد روايات في البخاري ومسلم ، ويقول لك: هذا الذي تسمعه أهو كلام دخل مخك؟! فتقول له: هل العيب في السنة أم في عقلي أنا؟ فيقول لك: لا بد من اتفاق النقل مع العقل، أقول له: صحيح، لكن اتفاق النقل مع العقل السليم، وليس العقل الخرف كحالتك، فيقول لك: أتصدق أن النبي صلى الله عليه وسلم سُحر؟

    وقد كان هناك شخص يناقشني في سحر النبي عليه الصلاة والسلام، فقلت له: عيب، الحديث في البخاري، وتلقته الأمة بالقبول، ولم يتعرض له أحد من أئمة الإسلام بالنقد، والأمة مجمعة على صحة الحديث، فيقول لك: هذا كلام فارغ! فهل إجماع الأمة كلام فارغ والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: (لا تجتمع أمتي على ضلالة)، فهل الأمة لها ألف وأربعمائة سنة مجمعة على ضلالة، وأنت يا مغفل أدركت الحقيقة بزعمك؟

    فيقول لك: دعنا من ذلك الحديث، هل أنت مصدق حديث الذبابة الذي في البخاري ؟ فهو يعرف أنه في البخاري، فأقول له: نعم، وفي النهاية تضطر أن تقول له: إن الطب أثبت فعلاً أنه في أحد جناحي البعوض داء وفي جناحها الآخر دواء؟ فيقول لك: غير معقول، أين قال هذا الطب؟ فتقول له: قد بحث في مكان كذا، فيقول لك: إذاً أنا آمنت فعلاً. يعني: أنت لا تؤمن إلا إذا بحث! والنبي والصحابة والعلماء والرواة، بل الأمة بأكملها لا تكفي! إلا قول طبيب من لندن أو من أمريكا أو من فرنسا أو من أي مكان آخر!

    ثم وهو يتحدث معك يجلس على الكرسي وبطنه أمامه، فهذا هو الذي صوره النبي عليه الصلاة والسلام بقوله: (لا ألفين أحدكم متكئاً على أريكته شبعان)، أي: عنده تخمة في بطنه وفي عقله، فيقول لك: لا نقبل السنة! فنقول له: إذاً ماذا تريد؟!

    إن معظم المثقفين معتزلة من حيث لا يدرون أنهم معتزلة، وعامة الأمة مرجئة من حيث لا تريد أن تكون كذلك، فإذا قلت لواحد من الأمة: صل، يقول لك: يا رجل! صلاة ماذا؟ أهم شيء القلب، هذا القلب في منتهى النظافة! ونسي أو لم يعلم أن النبي عليه الصلاة والسلام قد كفره، وقد يقول: وأمر النبي صلى الله عليه وسلم بإخراج الزكاة تقليل للمال، والله لم يأمر بذلك، فينكر القرآن والسنة من حيث لا يريد هو أن ينكر، لكنه الإرجاء.

    قال: [وقال المقدام : قال النبي عليه الصلاة والسلام: (أوتيت الكتاب وما يعدله)]، أي: السنة، ثم قال: [(يوشك شبعان على أريكته يقول: بيننا وبينكم هذا الكتاب، فما كان فيه من حلال أحللناه، وما كان فيه من حرام حرمناه، وإنه ليس كذلك)]، والضمير في الحديث يقول أهل العلم: يعود على الكتاب، وقال بعضهم: يعود على القائل، وهو الأقرب من قول أهل العلم.

    قال: (وإنه ليس كذلك)، أي: وإن الأمر ليس كما يزعم هذا الزاعم أنه متمسك بالكتاب؛ لأن من تمسك بالكتاب لزمه أن يتمسك بالسنة، فإما أن يؤمن بهما، وإما أن يكفر بهما.

    أثر عمران بن حصين في أن السنة مبنية لمجمل القرآن

    قال: [قال حبيب بن أبي نضلة المالكي : لما بني هذا المسجد مسجد الجامع، قال: وعمران بن حصين جالس، فذكروا عنده الساعة، فقال رجل من القوم: يا أبا نجيد إنكم لتحدثوننا أحاديث ما نجد لها أصلاً في القرآن].

    وعمران بن حصين صحابي، وانظر إلى هذا التابعي كيف يتجرأ عليه، ويقول له: يا أبا نجيد! أنتم تحدثون بأحاديث لا نجد لها أصلاً في كتاب الله عز وجل، فيلزمكم المخرج؟

    قال: [فغضب عمران وقال للرجل: قرأت القرآن؟ قال: نعم، قال: فهل وجدت فيه صلاة المغرب ثلاثاً، وصلاة العشاء أربعاً، والغداة ركعتين، والأولى أربعاً، والعصر أربعاً؟ قال: فممن أخذتم هذا الشأن؟ ألستم عنا أخذتموه؟ -يعني: ألستم أخذتم هذا عنا نحن معشر الصحابة؟- وأخذناه عن نبي الله عليه الصلاة والسلام، وعنا أخذتموه، أو عمن أخذتم في كل أربعين درهماً درهم؟ وفي كذا وكذا شاة كذا وكذا، ومن كذا وكذا بعير كذا وكذا، أوجدتم هذا في القرآن؟

    قال: لا، قال: فعمن أخذتم هذا؟ ألستم عنا أخذتموه، وأخذناه عن نبي الله صلى الله عليه وسلم، وأخذتموه عنا؟

    قال: وهل وجدتم في القرآن: وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ [الحج:29]؟ وجدتم طوفوا سبعاً، واركعوا خلف المقام ركعتين؟ هل وجدتم هذا في القرآن؟

    عمن أخذتموه: ألستم أخذتموه عنا، وأخذناه عن النبي عليه الصلاة والسلام، وأخذتموه عنا؟

    قالوا: بلى.

    قال: فوجدتم في القرآن: لا جلب ولا جنب ولا شغار في الإسلام؟ أوجدتم هذا في القرآن؟

    قالوا: لا.

    قال عمران : فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (لا جلب ولا جنب ولا شغار في الإسلام).

    قال: أوما سمعتم الله تعالى قال لأقوام في كتابه: مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ * وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ [المدثر:42-44] حتى بلغ: شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ [المدثر:48].

    قال حبيب : أنا سمعت عمران يقول: الشفاعة نافعة دون من يسبِّحون]، وفي رواية أخرى تشهد لها الرواية السابقة: [عن عمران أنه قال لرجل: إنك امرؤ أحمق، أتجد في كتاب الله الظهر أربعاً لا تجهر فيها بالقراءة؟ ثم عدد عليه الصلاة والزكاة ونحوها، ثم قال له: أتجد هذا في كتاب الله مفسراً؟ إن كتاب الله أحكم ذلك، وإن السنة تفسر ذلك].

    قوله: (إن كتاب الله أحكم ذلك). أي: أجمله، فقال: وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ [البقرة:43]، فهذا إجمال، لكن عدد الصلوات، كيفية الصلاة، الجهر فيها، هيئاتها، الدخول فيها والخروج منها، ما يبطلها وما يفسدها؛ كل هذا إنما ورد في السنة، فأنتم إذا اكتفيتم بالقرآن أتقدرون أن تصلوا؟ إذا اكتفيتم بالقرآن أتحسنون الزكاة؟ أتحسنون الصيام؟ أتحسنون كيت وكيت وكيت مما أجمله القرآن؟

    الجواب: لا، إذاً إنما أخذتم ذلك كله عن النبي عليه الصلاة والسلام.

    حديث ابن مسعود في لعن الواشمات بآية من كتاب الله

    قال: [وعن علقمة بن قيس قال عبد الله : لعن الله الواشمات والمستوشمات، والمتنمصات، والمتفلجات للحسن المغيرات خلق الله].

    واللعن هو الطرد من رحمة الله عز وجل، فهو على هلكة؛ ولعن الفعل يدل على أنه كبيرة؛ ولذلك من علامات الكبيرة أن يأتي لعن أو وعيد شديد أو إقامة حد في الدنيا، فكل هذه من علامات الكبيرة.

    والواشمة: هي التي تصنع الوشم، وذلك كالعلامات الخضراء التي تكون في البدن من كحل أو غيره، فتجد الواحد يرسم على ذراعه أو على صدره قلب حبيبته مثلاً، ويكتب اسمها، ثم بعد هذا يطلقها، فيريد التخلص من هذا الوشم؟ فيحرق نفسه من أجل أن يذهب هذا الوشم، وقد حدث هذا الأمر، ولما قابلته قلت له: ألا تعلم أن هذا حرام؟ قال: لم أكن أعلم أنه حرام، فقلت له: بل هو حرام، فقال: سبحان الله، ما أحلى هذه السنة! قلت له: كيف؟ قال: هذه البنت أنا أسرت بحبها سبع سنين، وفي الأخير تزوجتها بشق الأنفس، وبعد أن تزوجتها بثلاثة شهور طلقتها، ولو دفعوا لي مال قارون لا يمكن أرجعها، وأنا أريد أن أتخلص من هذا الوشم نهائياً، لكن كيف؟ قلت له: اذهب للذي صنع لك هذا الوشم فهو الذي يزيله، قال لي: أنا لا أريد أي شيء يذكرني بها، قلت له: وأنا ماذا أعمل لك؟ ليس عندي أكثر من هذا، فاذهب لتميط هذا الأذى عنك، وتستغفر ربك؛ فعلمت بعد عدة أشهر من لقائي به أنه قد انتحر بالنار حرقاً، وترك رسالة يحث فيها الشباب على أن هؤلاء البنات نصابات، وأن الواحدة ليس لها وفاء وعهد، لذا يمكن أن تحب عدة أشخاص في وقت واحد، فهو ينصح شلته وأصحابه من الانجرار خلف البنات.

    فالوشم هو: التأثير في البدن بتغيير بعض المواضع، بل بعضهم يكتب عنوانه على بدنه: فلان بن فلان الفلاني!

    وهذا من أكبر ما يرضي الشيطان، ولذلك عباد الشيطان الذين ظهروا -أبناء علية القوم- أبدانهم كلها من فوق إلى تحت مرسوم فيها رسومات وكاريكاتير أشبه بالشياطين، وعناوين وكلمات مقطعة وحروف ملخبطة، وحالتهم كلها لخبطة في لخبطة؛ لأن هذا كله من وحي الشيطان.

    فـعبد الله بن مسعود قال: (لعن الله الواشمة والمستوشمة)، والواشمة هي الفاعلة لذلك، والمستوشمة هي التي طلبت أن يفعل بها ذلك.

    قال: (والمتنمصات)، والنمص هو ترقيق الحواجب، وللأسف الشديد أنه لا يزال إلى الآن، بل قد تجد المنقبات اللاتي يجلسن معنا الآن في المسجد يفعلن ذلك، فهذه نصيحة لهن ولغيرهن بأن هذا الفعل حرام، فلا تستحي المرأة أن تظهر بحاجب عريض، ولا ترققه بالحلاوة أو بالفتلة أو بغير ذلك، وكل هذا إنما هو مجلبة للعن ومطردة للرحمة، والمرأة الفاعلة لذلك إذا كانت عالمة فهي مستحقة للعن، وإذا كانت جاهلة وعلمت فيلزمها أن تتوب إلى الله عز وجل.

    قوله: (والمتفلجات) له حكاية أخرى.

    لذا فإن المرأة قد تكون لها أسنان كبيرة، وبالذات القواطع التي في بداية الفم، وهذا شيء يضايقها، فتزيد أن تظهر بأحسن مظهر وأجمل مظهر، كـعمر الشريف ، فتقوم بالتفريق بين السنتين، وهذا فن قائم بذاته في أمريكا وأوروبا، ففي أمريكا تجد محلات لو ترجمت ما هو مكتوب عليها وجدته: محلات التفلج، يعني: هم يعلمون أن هذا تفلج. فتظهر المرأة وما بين السنين مقطوع ومجوف، وأول ما تفتح فمها تضحك لك بضحكة عريضة تشلك وتشل قلبك؛ لأنه فعلاً هو هذا الذي في الحديث: (والمتفلجات للحسن)، يعني: أنها لا تفعل هذا إلا لأجل أن تظهر بمظهر حسن، وأنت ستبقى تنظر إليها إلى أن تختفي عن الأنظار، والعملية كلها ما هي إلا دقائق أو أقل من دقيقة، يعني: عندما تظهر واحدة جميلة في الشارع، فإن هذه الواحدة الجميلة هي امرأتك، ومع امرأتك ما معها؛ ولذلك قال النبي عليه الصلاة والسلام: (إذا نظر أحدكم إلى امرأة فأعجبته فليأت أهله؛ فإن معها مثل الذي معها)، أليس هذا حديث النبي عليه الصلاة والسلام؟

    فالرجل هو الرجل، وإن تعددت الأشكال والألوان، والمرأة هي المرأة وإن تعددت الأشكال والألوان، فلا فرق بين رجل وآخر، ولا بين امرأة وأخرى إلا بتقوى الله عز وجل.

    فأنت حينما تنظر إلى امرأة على هذا النحو من الحسن والجمال، جاهد نفسك لحظة، وصوب نظرك إلى الأرض، امتثالاً لأمر الله عز وجل: قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ [النور:30]، و(يَغُضُّوا) فعل مضارع على اعتبار استمرار الغض، فالآن الشياطين تملأ الشوارع، يميناً وشمالاً وفوق وتحت، فماذا تعمل؟ تستمر في غض بصرك، وما هي إلا ثوان وهي خلف ظهرك.

    فيأتي شخص ويقول: أنا متعلق بها جداً، فهي حتى بعدما تمر ينظر إليها، فأنت قد أصابتك مصيبة، وتحتاج إلى أن تعالج قلبك بالدعاء وقيام الليل والتقرب إلى مولاك سبحانه وتعالى، فأنت لا يمكن أبداً أن تتقرب إلى الله عز وجل ويضيعك، بل الله عز وجل أشد تقرباً لعباده من تقرب العباد إليه.

    ولذلك قال في الحديث القدسي: (إذا تقرب إلي عبدي شبراً تقربت منه ذراعاً، وإذا تقرب مني ذراعاً تقربت منه باعاً، وإذا أتاني يمشي أتيته هرولة)، مع أنه غني عنك، ويمكن أن يتركك لتهلك في وادي الهلكة، لكن الله عز وجل يتودد ويتحنن إليك، وينزل لأجلك في الثلث الأخير من الليل إلى السماء الدنيا وينادي: هل من سائل؟ هل من مستغفر؟ حتى ينفلق الفجر، وأنت غافل ونائم، وبعد ذلك تريد التوفيق فيه!

    فالقضية كلها لحظات تقومها لله عز وجل، فتطلب الحبل الذي بينك وبين الله عز وجل، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: (إن القرآن طرفه بيد الله، وطرفه الآخر بأيديكم)، وهذا حديث صحيح، فالقرآن هو حبل الله المتين، طرفه الأول بيد الله، وطرفه الثاني بأيديكم، فإن شئتم أن تتمسكوا به فافعلوا، وإلا فلا تلوموا إلا أنفسكم.

    قال: (لعن الله الواشمات والمستوشمات والمتنمصات، والمتفلجات للحسن المغيرات لخلق الله).

    إذاً: هذا يدل على أن الواشمة، والمستوشمة، والمتفلجة، والمتنمصة كلها تعمل أعمالاً مغيرة لخلق الله.

    قال: [قال: (فبلغ ذلك امرأة من بني أسد يقال لها: أم يعقوب كانت تقرأ القرآن -يعني: كانت حافظة وتالية للقرآن- فأتته فقالت: ما حديث بلغني عنك؛ أراك لعنت الواشمات والمستوشمات والمتنمصات للحسن المغيرات خلق الله، فقال عبد الله : ومالي لا ألعن من لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في كتاب الله، فقالت المرأة: لقد قرأت ما بين اللوحين (المصحف) فما وجدته، قال: أما قرأت: مَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا [الحشر:7]؟)]، وفي رواية: (لو كنتِ قرأتيه لوجدتيه، قالت: أين أجده في كتاب الله؟ قال: وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا [الحشر:7]، وإني سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يلعن الواشمة والمستوشمة، والمتنمصة والمتفلجات للحسن المغيرات خلق الله).

    فهذا ما أتانا به النبي عليه الصلاة والسلام، وما نهانا عنه النبي عليه الصلاة والسلام، ونحن مأمورون بنص الآية أن نأتي ما أمرنا به، وأن نجتنب ما نهانا عنه عليه الصلاة والسلام.

    قال: [قال: سمعت أبا سلمة بن عبد الرحمن -وجلس في مسجد البصرة زمن خالد بن عبد الله بن خالد بن أسيد ، قال: فجاء الحسن ، أي: الحسن البصري - فجلس إليه فتحدثا، فقال أبو سلمة : حدثنا أبو هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إن الشمس والقمر يكوران في النار يوم القيامة).

    قال: فقال الحسن : ما ذنبهما؟ فقال: إني أحدثك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فسكت الحسن].

    وفي الحقيقة! أنا أتعجب جداً أن يصدر هذا من الحسن البصري ، وإن كان المحقق أثبت أن الحسن هو الحسن البصري ، لكن ليست هذه أخلاق الحسن البصري ، فإنه كان إمام السنة في زمانه، وهو بهذا لم يخرج عن السنة، لكن على أية حال أنا استعظمت أن يخرج هذا من الحسن .

    فيكفي أنك سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (إن الشمس والقمر يكوران في النار يوم القيامة)، فلم تسأل عن العلة؟ ولذلك قال أبو سلمة : يا حسن ! أنا أحدثك عن النبي صلى الله عليه وسلم وتقول: ما ذنبهما؟ فسكت الحسن ، فإن كان هو البصري حقاً فسكوته إيمان.

    اتباع ابن عمر لآثار النبي عليه الصلاة والسلام في الأمور الاعتيادية

    قال: [وعن عبد الله بن عمر أنه كان يتبع أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وآثاره وحاله وأفعاله ويهتم به].

    حتى الأفعال الجبلية، فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا بال في مكان يحرص عبد الله بن عمر أن يبول في نفس المكان، وإذا جلس واستظل بظل شجرة يحرص عبد الله بن عمر أن يستظل بظل تلك الشجرة؛ تبركاً بآثاره عليه الصلاة والسلام.

    قال: [وعن نافع قال: كان ابن عمر إذا مر بشجرة بين مكة والمدينة أناخ عندها، ثم صب في أصلها إداوة من ماء، وإن لم تكن إلا تلك الإداوة معه، قال: وقال نافع : وأرى أن النبي عليه الصلاة والسلام فعله ففعله].

    يعني: أن ابن عمر لم يكن معه إلا قربة ماء واحدة، والطريق طويل بين مكة والمدينة، لكنه رأى النبي عليه الصلاة والسلام في نفس المكان عند أصل هذه الشجرة قد سقى الشجرة بإداوة من ماء كانت معه؛ فأراد عبد الله بن عمر أن يصنع نفس الصنيع، مع أن الطريق طويل وربما يعطش، لكن اتباع آثاره عليه الصلاة والسلام أحب إليه من هذا، وهذا منتهى الإيمان: (لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده وأهله وماله والناس أجمعين)، والرواية هذه من طريقين أو من حديثين.

    قال: [وعن نافع قال: كان ابن عمر يتتبع آثار رسول الله عليه الصلاة والسلام فيصلي فيها، حتى إن النبي صلى الله عليه وسلم نزل تحت شجرة فكان ابن عمر يصب تحتها الماء حتى لا تيبس].

    قال: [وعن مجاهد قال: كنا مع ابن عمر في سفر، فمر بمكان فحاد عنه، فسئل: لم فعلت ذلك؟ قال: إني رأيت رسول الله فعل هذا ففعلت].

    قال: [وعن عاصم الأحول قال: كان ابن عمر إذا رئي في طريق، كأنه ذكر كلمة من شدة اتباعه لأثر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن قيل له: إن النبي صلى الله عليه وسلم لصق بالحائط لصق]، أي: إذا قيل لـعبد الله بن عمر : إن النبي صلى الله عليه وسلم وضع رأسه على هذا الجدار فإنه يضع رأسه على هذا الجدار.

    وأنتم تعلمون أن من السنة لزق البطن والصدر بالملتزم الذي بين الحجر الأسود والباب.

    [وإن قيل له: قعد قعد، وإن قيل له: مشى مشى] شدة اتباع.

    [قال الشيخ ابن بطة: والله هذه أفعال العقلاء -يعني: أفعال عبد الله بن عمر - والمؤمنين، وأخلاق الأئمة الهادين المهديين الراشدين المرشدين، الذين من اقتفى آثارهم فاز ونجا ورشد واهتدى، ومن تفيأ بظلهم لم يظمأ ولم يضح، ومن خالفهم ضل وغوى، وغضب عليه رب السماء؛ فنعوذ بالله من الشقاوة والعماء، ومن الضلالة بعد الهدى].

    قال: [وكان عبد الله بن عمر يحفظ ما يسمع من رسول الله عليه الصلاة والسلام، وإذا لم يحضر سأل من حضر عما قال رسول الله وفعل].

    وهذه سنة، أي: أنك عندما تغيب عن درس يوم تذهب إلى صاحبك وترتب معه في المسجد، فتقول له: اليوم الذي لا أحضر فيه يا فلان تحضر أنت فيه، واليوم الذي أنا أحضر فيه تذهب وتشتغل فيه، وقد جاء في كتاب العلم عند البخاري : أن عمر بن الخطاب كان له جار من الأنصار يتناوبان العلم، فـعمر بن الخطاب يذهب يوماً ويأتي بطعامه وطعام جاره، والجار يحضر مجلس النبي عليه الصلاة والسلام، ثم يظل في الليل يعلم عمر ما قال النبي صلى الله عليه وسلم وما صنع، وفي اليوم الثاني يذهب الأنصاري إلى المعاش والرزق والسوق والتجارة، فيتكسب له ولـعمر ، وعمر يجلس في مجلس النبي عليه الصلاة والسلام، وفي الليل بعد العشاء يأتي يعلمه عمر : النبي قال، النبي عمل، النبي أمر، النبي نهى، النبي شرح.

    قال عمر : كنت أنا وجار لي من الأنصار نتناوب الحضور في مجلس النبي عليه الصلاة والسلام.

    فانظر إلى عبد الله بن عمر ، هذا الشبل من ذاك الأسد، فقد كان إذا فاته مجلس ذهب إلى رفقائه الذين حضروا؛ ليسمع منهم ما فاته من النبي عليه الصلاة والسلام.

    قال: [وإذا لم يحضر سأل من حضر عما قال رسول الله وفعل، وكان يتتبع آثار رسول الله عليه الصلاة والسلام في كل مسجد صلى فيه]. يعني: أنه كان يصلي في نفس المكان الذي صلى فيه النبي صلى الله عليه وسلم.

    قال: [وكان يعترض براحلته في كل طريق]. لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتخذ راحلته سترة، وكذلك كان عبد الله بن عمر ، فقد كان يركب الدابة أو الحمار في السفر، فتحضره الصلاة فينزل، فيعرض الحمار ويتخذه سترة له.

    قال: [كان يعرض براحلته في كل طريق مر بها رسول الله عليه الصلاة والسلام، فيقال له في ذلك، فيقول: أتحرى أن تقع راحلتي على بعض أخفاف راحلة رسول الله عليه الصلاة والسلام].

    أرأيتم كيف يكون الاتباع؟! وليس هو فقط، وليس من أجل أن يصيب ما أصابه النبي صلى الله عليه وسلم، ولكن لعل خف راحلته تقع على نفس مكان خف راحلة النبي صلى الله عليه وسلم، يعني: حتى دابته يريد أن تكون متبعة لدابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا منتهى الاقتداء.

    وهذا الكلام لا يعجب أناساً تعرفونهم، لذا فقد يقول أحدهم: سمعت شيخاً في مسجد العزيز يقول: إننا لا بد وواجب علينا وحرام علينا إن لم نتحر آثار راحلة النبي عليه الصلاة والسلام! ويقوم فيرسم حماراً في صفحتي الكريكاتير، وواحد يضحك ويقول لك: الشيخ حرَّم!

    [قال الشيخ: فلله در أقوام دقت فطنهم -يعني: عظمت فطنتهم- وصفت أذهانهم، وتعالت بهم الهمم في اتباع نبيهم، وتناهت بهم المحبة حتى اتبعوه هذا الاتباع، فبمثل هدي هؤلاء العقلاء -إخواني- فاهتدوا، ولآثارهم فاقتفوا ترشدوا وتنصروا وتجبروا]. إي والله!

    أثر أبي بكر الصديق (لست تاركاً شيئاً...)

    [وعن عائشة قالت: إن أبا بكر رضي الله عنه قال: لست تاركاً شيئاً كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعمل به إلا عملت به، وإني لأخشى إن تركت شيئاً من أمره أن أزيغ].

    أرأيتم أبا بكر رضي الله عنه؟ مع أن أبا بكر لا يمكن أن يزيغ؛ لأنه مبشر بالجنة، ومحكوم له بأنه من أئمة الهدى، بل هو أعظم إمام من أئمة الهدى بعد الأنبياء، يعني: لا يمكن أن يزيغ ولا يضل ولا يخرف، فإن هذا كان بعيداً عنه تماماً؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين)، وكل هذه الأوصاف أوصاف للخلفاء، ومع هذا فهو يخشى الزيغ والضلال إن ترك سنة صغيرة من السنن الجبلية التي لسنا مطالبين بها.

    [قال الشيخ: هذا يا إخواني الصديق الأكبر يتخوف على نفسه الزيغ إن هو خالف شيئاً من أمر نبيه عليه الصلاة والسلام، فماذا عسى أن يكون من زمان أضحى أهله يستهزئون بنبيهم وبأوامره، ويتباهون بمخالفته، ويسخرون من سنته، نسأل الله عصمة من الزلل، ونجاة من سوء العاقبة].

    ابن بطة يقول هذا الكلام وهو في زمن بقية السلف!

    تحري سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولزومها عصمة من الضلال

    قال: [وعن سعيد بن جبير قال في قول الله تعالى: وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى [طه:82]، قال: لزم السنة] أي: سنة النبي عليه الصلاة والسلام التي عليها جماعة المسلمين.

    قال: [وعن يزيد بن أبي عبيد قال: رأيت سلمة بن الأكوع يصلي من وراء الصندوق]. وسلمة بن الأكوع من أجلة الصحابة ومن عظمائهم، وله آثار عظيمة جداً في مقاتلة المشركين، يعني: كان جيشاً لوحده، وآثاره عظيمة جداً في الصحيحين.

    قال: [فقلت له: ما لي أراك تصلي هاهنا؟ قال: إني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يتحرى هذا المكان]. أي: يصلي في هذا المكان بالذات، فأنا أتحراه كما تحراه النبي عليه الصلاة والسلام.

    قال: [وعن عمر بن عبد الرحمن بن مظعون قال: (لما دَفن رسول الله صلى الله عليه وسلم عثمان بن مظعون وسوى عليه التراب كانت صخرة قريبة من القبر، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: هاتوا هذه الصخرة، فثقلت على القوم، فقام النبي عليه الصلاة والسلام فأخرجها بيده حتى انتهى بها إلى رأس القبر فأثبتها رسول الله)]. يعني: أقامها عند رأسه.

    قال: [وقال: وكان أهل المدينة يضعون ذلك على قبورهم، حتى كانت إمارة مروان ، فإنه أمر بتسوية القبور، قال: فأزيلت الصخرة عن مكانها، فجاء ابن عمر مغضباً، فقال: ويحك يا مروان! أزلت شيئاً وضعه رسول الله بيده؟] وظل بـمروان حتى أرجع مروان الحجر إلى مكانه، وكان مروان أميراً وخليفة، ومع هذا يقوم إليه عبد الله بن عمر فيأمره وينهاه إلى أن أرجع الحجر إلى مكانه.

    أثر سعيد بن جبير (رسول الله أعلم بكتاب الله)

    قال: [وعن سعيد بن جبير أنه حدث عن النبي عليه الصلاة والسلام حديثاً، فقال رجل: إن الله تعالى قال في كتابه كذا وكذا]. أي: أن سعيد بن جبير يحدث عن النبي عليه الصلاة والسلام بحديث، فيقوم آخر ويقول: الظاهر أنه بين الآية والحديث تعارض، فيقوم سعيد بن جبير ويغضب غضباً شديداً، قال: [فقال: ألا أراك تعرض لحديث رسول الله بكتاب الله، ورسول الله أعلم بكتاب الله]. أي: أنا أرى أنك تضرب كتاب الله بسنة رسوله، مع أن الرسول صلى الله عليه وسلم الذي نقل إلينا هذا القرآن هو الذي قال هذا الحديث، وهو أدرى بكتاب الله وأعلم بكتاب الله منا، فليس هناك تعارض ولا تضارب بين القرآن والسنة.

    وإذا كان هناك تعارض ولا بد؛ فإما أن يكون الخلل في السند الذي رويت به سنة النبي عليه الصلاة والسلام، أو يكون الخلل في عقولنا نحن.

    أثر عبد الرحمن بن يزيد أنه رأى محرماً عليه ثيابه فنهاه ...

    قال: [وعن عبد الرحمن بن يزيد أنه رأى محرماً عليه ثيابه فنهى المحرم]. أي: أن شخصاً محرماً في الحج كان يلبس الملابس العادية، فنهاه أن يلبس إلا ملابس الإحرام.

    قال: [فقال: ائتني بآية من كتاب الله عز وجل بنزع ثيابي. فقرأ عليه: مَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا [الحشر:7]].

    أثر عمر بن الخطاب (سيأتي أناس يجادلونكم...)

    قال: [وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: سيأتي أناس يجادلونكم بشبهات القرآن، فجادلوهم بالسنن؛ فإن أصحاب السنن أعلم بكتاب الله].

    أسمعتم هذا الكلام الجميل؟! سيأتي إليك شخص ويقول لك: القرآن، فقال: هؤلاء أهل الرأي وأصحاب الهوى، فإذا قالوا مثل ذلك؛ فعليكم بالسنن وأهل السنن؛ فإنهم أعلم بكتاب الله عز وجل.

    وعن مكحول قال: القرآن أحوج إلى السنة من السنة إلى القرآن. أي: دائماً القرآن يأتي بالمجملات والكليات والقواعد العامة، وهذه محتاجة إلى تحليل وتفسير وتفصيل، ونجد كل هذا في السنة.

    إذاً: القرآن بحاجة إلى البيان؛ ولذلك أتى الأمر ببيان القرآن للنبي عليه الصلاة والسلام: وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ [النحل:44].

    فهنا النبي عليه الصلاة والسلام يقوم بمهمة البيان والتبليغ عن ربه، كما أن هذا البيان يكون أحياناً بالشرح والتفسير، وحمل المطلق على المقيد، وتفصيل المجمل وغير ذلك.

    إذاً: القرآن أحوج إلى السنة من السنة إلى القرآن؛ لأن بعض الناس يستعظم جداً هذا اللفظ مع أنه صحيح.

    ولذلك [قال يحيى بن أبي كثير] وأحمد بن حنبل من بعده: [السنة قاضية على الكتاب، وليس الكتاب قاضياً على السنة].

    أثر حسان بن عطية (كان جبريل عليه السلام ينزل على النبي بالسنة ...)

    قال: [وعن حسان بن عطية قال: كان جبريل عليه السلام ينزل على النبي عليه الصلاة والسلام بالسنة كما ينزل عليه بالقرآن، فيعلمه إياها كما يعلمه القرآن.

    وقال قتادة في قول الله تعالى: وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ [الأحزاب:34]، قال: القرآن والسنة].

    والأمر في الآية موجه لزوجات النبي عليه الصلاة والسلام بالدرجة الأولى، ثم لسائر الأمة بالتدبر والتذكر والحفظ والتلاوة، والعمل بما يتلى من كتاب الله عز وجل ومن سنته عليه الصلاة والسلام.

    امتناع عمران بن حصين عن الحديث بسبب معارضة بشير بن كعب

    قال: [وعن حجير بن أبي الربيع أنه سمع عمران بن الحصين يقول: قال النبي عليه الصلاة والسلام: (الحياء خير كله، فقال بشير بن كعب : إن منه ضعفاً ومنه وقاراً لله)].

    فقال له بشير بن كعب : لا، فأحياناً يكون الحياء ضعفاً، ومنه وقار لله، أي: أن هذا ليس بحياء شرعي ممدوح، وإنما هذا ضعف وخور.

    فمثلاً: لو أن متبرجة ارتدت النقاب بعد أن سمعت الشيخ يتكلم عن الحجاب والجنة والنار وغير ذلك، ثم قالت: أنا أستحي من الناس! وماذا سيقول عني الجيران؟ من هذه الطالعة والنازلة بالنقاب؟! فهذه المرأة تترك الحجاب حياء من الناس.

    هل هذا يسمى حياءً؟

    العرف سماه حياء، أما الشرع فلا يسمي هذا حياء، فالشرع حين تكلم عن الحياء إنما تكلم عن الحياء الشرعي، وأن الحياء خير كله.

    [ثم قال عمران: والله لا أحدثكم بحديث اليوم].

    أي: عقوبة لكم أن تحرموا اليوم من درس العلم، وهذا الكلام كان عليه أئمة السلف، فقد كان مجلس إسماعيل بن عياش لا يسمع به صوت، ولا يبرى فيه قلم، ولا يلتفت فيه أحد لأخيه، فإن التفت فيه أحد قام وتركهم، وكان يحضر مجلسه آلاف من الطلاب، وفي رواية: أن إسماعيل تهيأ للدرس، فلما جلس سمع رجلاً يضحك، قال: من الضاحك؟ قال الضاحك: أنا، قال: أتطلب العلم وأنت تضحك؟ فقال: وما لي لا أضحك؟ أليس الله عز وجل هو الذي أضحك وأبكى؟ -أرأيتم الفلسفة- قالوا: أنت ضحكت وربنا يضحك ويبكي، فأنت ضحكت وبقي منك البكاء فلم لا تبك؟! ثم قام إسماعيل وقال: والله لا أحدثكم شهراً.

    فتصور أنه بسبب سوء أدب وقلة حياء واحد يُحرم الآلاف من العلم ومن سماع كلام النبي عليه الصلاة والسلام لمدة شهر كامل، وهذه عقوبة.

    بعض الآثار الواردة في من عارض حديث النبي بعقله

    قال: [وعن عبادة بن الصامت أنه خرج مع رجل إلى أرض الروم، فنظر إلى الناس وهم يتبايعون كسرة الذهب بالدنانير، وكسرة الفضة بالدراهم.

    فقال: يا أيها الناس! إنكم تأكلون الربا]. مع العلم أن عبادة بن الصامت مشهور في الصحابة بشدته وغلظته في الدعوة إلى الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فهنا قال لهم: يا أيها الناس! إنكم تأكلون الربا، [سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (لا تبايعوا الذهب إلا مثلاً بمثل، لا زيادة بينهما ولا نظرة)].

    قوله: (لا زيادة)، يعني: لا تفاضل، (ولا نظرة)، يعني: لا نسيئة، فلا بد من التقابض في المجلس.

    قال: [فقال رجل: لا أرى الربا يكون في هذا إلا ما كان من نظرة].

    أي: أنه يقول له: يا عبادة! أتيتنا البارحة، ثم أنت اليوم تقول: إننا نتعامل بالربا، كم عمرك يا عبادة ؟ ثلاثون أو أربعون؟ نحن نتعامل بهذه المعاملة من قبل خمسين سنة فما أدراك أنت؟ وكأنك تحدث والدك بالضبط، تقول له: يا أبت! لا يصح أن تصلي بهذه الطريقة، إنك بهذا تنقر الصلاة نقر الغراب، وتقعي في صلاتك كإقعاء الكلب، فيقول لك: وما شأنك بي؟ أبسبب أنك حضرت في مسجد أهل السنة درسين أو ثلاثة تأتي وتقول: إن الصلاة كلها خاطئة، أتأتي تعلمني ولي خمسون سنة وأنا أصلي ولا أحد قال لي هذا الكلام؟!

    قال: [فقال رجل: لا أرى الربا يكون في هذا إلا ما كان من نظرة. فقال عبادة : أحدثك عن رسول الله وتحدثني عن رأيك، لئن أخرجني الله لا أساكنك بأرض لك عليَّ فيها إمرة. فلما قفل لحق بالمدينة -أي: لما رجع إلى البلد رجع إلى المدينة- فقال له عمر رضي الله عنه: ما أقدمك يا أبا الوليد؟ فقص عليه القصة، فقال: ارجع إلى أرضك وبلدك، ولا إمرة له عليك]. وهذا يدل على أن السائل كان مع معاوية.

    والراوي لم يذكر أنه معاوية، مع أنها مفهومة، لكنه لم يذكره تأدباً.

    وفي رواية البخاري: [ارجع إلى أرضك وبلدك ولا إمرة له عليك؛ فقبح الله أرضاً لست فيها وأمثالك].

    أي: أن أرضاً ليس فيها شخص من أمثالك يأخذ علمك؛ كادت هذه الأرض أن تهلك.

    قال: [وعن عطاء بن يسار: (أن رجلاً باع كسرة من ذهب أو ورق -فضة- بأكثر من وزنها، فقال له أبو الدرداء : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهى عن مثل هذا إلا مثلاً بمثل، فقال الرجل: ما أرى بمثل هذا بأساً.

    فقال أبو الدرداء: من يعذرني من فلان، أحدثه عن رسول الله ويخبرني عن رأيه؟! لا أساكنك بأرض أنت بها، ثم قدم أبو الدرداء على عمر بن الخطاب رضي الله عنه فذكر ذلك له، فكتب عمر بن الخطاب إلى الرجل: أن لا تبيع ذلك إلا مثلاً بمثل وزناً بوزن)].

    هل تعرفو هذه المخالفات يا إخواني؟! نحن في زمان نتمنى أن تكون معاصينا متمثلة في ذلك، يعني: بعد ضياع الحكم وضياع الدين والشريعة بأكملها نتمنى أن تكون معاصينا على قدر ما أنكره الصحابة فيما بينهم، إي والله! وذلك مصداقاً لقوله عليه الصلاة والسلام: (لا يأتي زمان إلا والذي بعده شر منه).

    قال: [عن الأعرج قال: سمعت أبا سعيد الخدري يقول لرجل: (أتسمعني أحدث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام أنه قال: لا تبيعوا الدينار بالدينار والدرهم بالدرهم إلا مثلاً بمثل، ولا تبيعوا منها عاجلاً بآجل، ثم أنت تفتي بما تفتي؟! والله لا يؤويني وإياك ما عشت إلا المسجد). أي: لا يمكن أن أجتمع بك في مكان إلا في المسجد؛ لأنه لا فكاك لي من حضور الجماعة وأنت تحضر الجماعة، أما أن أجتمع معك في قافلة أو في رحلة أو غير ذلك، فلا يمكن أبداً.

    قال: [وعن عبد الله بن مغفل رضي الله عنه قال: (نهى النبي عليه الصلاة والسلام عن الخذف)]، والخذف كنا نفعله قديماً ونحن نرعى الغنم، فنأتي بالعصا الطويلة التي نسوق بها الغنم، وننظر من الذي سيوصلها أبعد من الآخر؟ الذي يحرز مائة متر أو ثلاثمائة متر، وهذا الخذف قد نهى عنه النبي عليه الصلاة والسلام بقوله: (فإنه يفقأ العين ولا ينكأ العدو)، يعني: أن الخذف لا يذهب عنك العدو، بل قد يأتي في عين أخيك فيقلعها؛ فنهى النبي عليه الصلاة والسلام عن الخذف، [وقال: (إنها لا تصطاد صيداً، ولا تنكأ عدواً، ولكنها تفقأ العين، وتكسر السن).

    فقال رجل لـعبد الله بن مغفل : وما بأس هذا؟ فقال: إني أحدثك عن رسول الله وتقول هذا! والله لا أكلمك أبداً].

    تعقيب المؤلف على الآثار الواردة في وجوب طاعة الرسول

    [قال الشيخ ابن بطة : فاعتبروا يا أولي الأبصار، فشتان بين هؤلاء العقلاء السادة الأبرار الأخيار، الذين ملئت قلوبهم بالغيرة على إيمانهم، والشح على أديانهم، وبين زمان أصبحنا فيه وناس نحن منهم، وبين ظهرانيهم، هذا عبد الله بن مغفل صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وسيد من ساداتهم، يقطع رحمه، ويهجر حميمه، حين عارضه في حديث رسول الله عليه الصلاة والسلام، وحلف أيضاً على قطيعته وهجرانه وهو يعلم ما في صلة الأقربين وقطيعة الأهلين.

    وعبادة بن الصامت وأبو الدرداء سماه رسول الله عليه الصلاة والسلام حكيم هذه الأمة، وأبو سعيد الخدري يظعنون عن أوطانهم -يعني: يرحلون عن أوطانهم- وينتقلون عن بلدانهم، ويظهرون الهجرة لإخوانهم؛ لأجل من عارض حديثاً واحداً من أحاديث النبي عليه الصلاة والسلام، وتوقف عن استماع سنته، فيا ليت شعري! كيف حالنا عند الله عز وجل ونحن نلقى أهل الزيغ والضلال في صباحنا والمساء، يستهزئون بآيات الله، ويعاندون سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام حائدين عنها وملحدين فيها، سلمنا الله وإياكم من الزيغ والزلل].

    ذكر طاعة الرسول في القرآن في ثلاثة وثلاثين موضعاً

    [قال الفضل بن زياد: سمعت أبا عبد الله أحمد بن حنبل يقول: نظرت في المصحف فوجدت فيه طاعة رسول الله في ثلاثة وثلاثين موضعاً، ثم جعل يتلو: فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [النور:63]، وجعل يكررها ويقول: وما الفتنة الشرك، لعله أن يقع في قلبه شيء من الزيغ؛ فيزيغ قلبه فيهلكه، وجعل يتلو هذه الآية: فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ [النساء:65].

    قال: وسمعت أبا عبد الله يقول: من رد حديث النبي صلى الله عليه وسلم؛ فهو على شفا هلكة.

    قال الشيخ: فالله الله إخواني! احذروا مجالسة من قد أصابته الفتنة؛ فزاغ قلبه، وعميت بصيرته، واستحكمت للباطل نصرته، فهو يتخبط في عشواء، ويعشو في ظلمة أن يصيبكم ما أصابهم؛ فافزعوا إلى تواب كريم فيما أمركم به من دعوته، وحضكم عليه من مسألته، فقولوا: رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ [آل عمران:8]].

    قال: [قال رجل لـمالك بن أنس : أحرم من مسجد النبي عليه الصلاة والسلام أو من ذي الحليفة؟

    فقال له: بل من ذي الحليفة.

    فقال الرجل: فإني أحرمت أنا من مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال مالك : فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [النور:63]].

    قال: [قال أبو مجلز : قلت لـابن عمر : إن الله عز وجل قد أوسع، والبر أفضل من التمر]. أي: إن الله عز وجل أمرنا بأن نوسع على أنفسنا وعلى عيالنا والفقراء، ولكن الأمر ورد بالتمر، قال: والبر أفضل من التمر.

    قال: [فقال: إن أصحابي سلكوا طريقاً فأنا أحب أن أسلكه]. أي: إن أصحابي -وهم كبار الصحابة- سلكوا طريق إخراج التمر؛ فأنا أحب إخراج التمر.

    أثر عمر بن عبد العزيز (لا أرى لأحد منكم مع سنة رسول الله رأياً)

    قال: [وعن عمر بن عبد العزيز أنه كتب إلى الناس: لا رأي لأحد مع سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم]. أي: أول ما تسمعوا الحديث فقولوا: سمعنا وأطعنا، فلا أحد منكم يعارض الحديث بالرأي، ويعارض النقل بالرأي.

    أثر مكحول (السنة سنتان...)

    قال: [وقال مكحول : السنة سنتان: سنة الأخذ بها فريضة وتركها كفر، وسنة الأخذ بها فضيلة وتركها إلى غير حرج.

    قال الشيخ: وأنا أشرح لكم طرفاً من معنى كلام مكحول يخصكم ويدعوكم إلى طلب السنن التي طلبها والعمل بها فرض، والترك لها والتهاون بها كفر.

    فاعلموا رحمكم الله أن السنن التي لزم الخاصة والعامة علمها، والبحث والمسألة عنها والعمل بها؛ هي السنن التي وردت تفسيراً لجملة فرض القرآن مما لا يعرف وجه العمل به إلا بلفظ ذي بيان وترجمة، كما قال تعالى: وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ [البقرة:43] وقال: وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ [البقرة:196]، وقال: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ [البقرة:183]، وقال: وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ [البقرة:218]، وقال: فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ [النساء:3] وقال: وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا [البقرة:275].

    فليس أحد يجد سبيله إلى العمل بما اشتملت عليه هذه الجمل من فرائض الله عز وجل دون تفسير الرسول عليه الصلاة والسلام].

    وهذا من سنن الفرض الذي من تركه كفر، بخلاف سنن العادة، أي: ما كان من خاصة الجبلة التي خلق الله عز وجل عليها الخلق.

    نكتفي بهذا القدر، سائلين الله عز وجل أن يتقبل منا ومنكم صالح الأعمال والأقوال؛ إنه ولي ذلك والقادر عليه.

    وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله.