إسلام ويب

الصوتيات

  1. الصوتيات
  2. علماء ودعاة
  3. محاضرات مفرغة
  4. حسن أبو الأشبال الزهيري
  5. شرح كتاب الإبانة من أصول الديانة
  6. شرح كتاب الإبانة - ذكر ما افترض الله تعالى في التنزيل من طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم

شرح كتاب الإبانة - ذكر ما افترض الله تعالى في التنزيل من طاعة الرسول صلى الله عليه وسلمللشيخ : حسن أبو الأشبال الزهيري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لقد قرن الله عز وجل طاعة رسوله صلى الله عليه وسلم بطاعته في مواضع كثيرة من كتابه، وجعل أمره كأمره، وأعقب ذلك بالوعيد الشديد، والزجر والتهديد لمن حاد عن أمره أو خرج عن طاعته، أو ابتدع في سنته، ولقد بين لنا سبحانه طريق محبته، وأرشدنا إلى سبيل هدايته بأقصد المذاهب، وأقرب المسالك، حين أعلمنا أن محبة الله هي متابعة نبيه صلى الله عليه وسلم.

    1.   

    باب ذكر ما افترضه الله تعالى نصاً في التنزيل من طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم

    إن الحمد لله تعالى، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    وبعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    الباب الذي نحن بصدده باب يحث على أصل عظيم من أصول الإيمان والإسلام، ألا وهو طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم.

    في هذا الباب يسرد الإمام ابن بطة رحمه الله الآيات والأحاديث التي أمرت بطاعته عليه الصلاة والسلام، ثم يعرج على موقف السلف، وخاصة أصحابه عليه الصلاة والسلام من طاعته صلى الله عليه وسلم.

    بعث الله لمحمد صلى الله عليه وسلم رحمة للعالمين ومهيمناً على النبيين

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب ذكر ما افترضه الله تعالى نصاً في التنزيل -أي: في كتاب الله عز وجل- من طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم.

    أما بعد.

    فإن الله عز وجل بعث محمداً صلى الله عليه وسلم رحمة للعالمين ومهيمناً على النبيين ].

    قوله: (مهيمناً) أي: مسيطراً على النبيين الذين سبقوه، أو ناسخاً لجميع الشرائع والملل السابقة، كما أن القرآن الكريم ناسخ لجميع الكتب السماوية التي نزلت من السماء، ولذلك فببعثته عليه الصلاة والسلام لا يحل لأحد أن يزعم أنه تابع لموسى أو لعيسى أو لغيرهما من الأنبياء؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام بمجرد بعثته قد نسخ جميع الشرائع، وليس في وسع أحد من الأنبياء لو كان حياً إلا اتباع النبي صلى الله عليه وسلم، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام: (لو كان موسى حياً ما وسعه إلا أن يتبعني)، وسينزل عيسى عليه السلام في آخر الزمان، ويكون فرداً من أفراد الأمة الإسلامية، سيكون تابعاً للنبي عليه الصلاة والسلام، فيدعو بالقرآن والسنة، ويضع يده في يد المهدي المنتظر الذي سيظهر في آخر الزمان، وهو من آل بيت النبي عليه الصلاة والسلام، كما أن اسمه يوافق اسمه، ثم يخرب المسيح عليه السلام رموز الكفر عند النصارى، ويتبرأ منهم تبرئة عظيمة عند باب لدٍّ في فلسطين، التي يزعم اليهود الآن والنصارى معهم أنهم يهيئون المنطقة العربية كلها لنزول المسيح على رأس الألفية، فإنهم زعموا في الألف الأولى أن عيسى سينزل، ولكنهم دائماً لا يقولون عيسى، إنما يقولون: سينزل المهدي أو ينزل المسيح، فالنصارى يزعمون أن المسيح هو عيسى بن مريم، واليهود يزعمون أنه المسيح الدجال .

    على أية حال خيب الله تعالى آمالهم وسعيهم في الألفية الأولى، كما خيب سعيهم وآمالهم في الألفية الثانية التي كانوا ينتظرونها منذ عدة أشهر، وهكذا الله تبارك وتعالى يخيب اليهود والنصارى في كل سعيهم وفي كل حربهم، وفي أموالهم التي ينفقونها، ثم تكون عليهم حسرة، ثم يغلبون، وهذا وعد الله عز وجل.

    بعث الله لرسوله صلى الله عليه وسلم ببيان ما أجمل من الكتاب ووجوب طاعته في ذلك

    ثم قال: [ ونذيراً بين يدي عذاب شديد، بكتاب أحكمت آياته وفصلت بيناته، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، بيَّن فيه مناهج حقوق افترضها، ومعالم حدود أوجبها؛ إيضاحاً لوظائف دينه، وإتماماً لشرائع توحيده، كل ذلك في آيات أجملها بألفاظ اختصرها أدرج فيها معانيها، ثم أمر نبيه صلى الله عليه وسلم بتبيين ما أجمل، وتفصيل ما أدرج، فقال جل ثناؤه: وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ [النحل:44] ].

    أي: أنزلنا إليك يا محمد القرآن على سبيل الإجمال دون التفصيل؛ لتبين للناس ما أنزل إليك في القرآن على سبيل الإجمال، فالنبي عليه الصلاة والسلام إنما قام مع شرع ربه بمثابة المبين والمفسر والموضح، والمزيل للإشكالات العامة التي جاءت في كتاب الله عز وجل، وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ [النحل:44].

    ثم قال: [ وفرض على الخلق أجمعين طاعة رسوله، وقرن ذلك بطاعته، ومتصلاً بعبادته، ونهى عن مخالفته بالتهديد، وتوعد عليه بأغلظ الوعيد في آيات كثيرة من كتابه، فقال تعالى: وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ * وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ [آل عمران:131-132] ].

    فالله عز وجل عقد المقارنة بين من تنكب طريق الطاعة للنبي عليه الصلاة والسلام، وبين من أطاع الله وأطاع الرسول صلى الله عليه وسلم، فهؤلاء من أولي رحمة الله عز وجل.

    ذكر بعض الآيات التي توجب طاعة الرسول وتقرنها بطاعة الله تعالى

    ثم قال: [ وقال: قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ [آل عمران:32] ] أي: فإن تولوا عن طاعتك يا محمد، فهذا التولي إما أن يكون كفراً اعتقادياً مخرجاً من الملة، وإما أن يكون كفراً عملياً، لكنه على أية حال فهو في الجملة نوع كفر.

    ثم قال: [ وقال: فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [النساء:65] ] ينفي الله تبارك وتعالى في هذه الآية الإيمان عمن لم يقبل حكم النبي عليه الصلاة والسلام، ولم يرض به ولم يسلم له تسليماً، قال: فَلا وَرَبِّكَ يبدأ الآية بالقسم، لا يُؤْمِنُونَ ، نفي للإيمان، حَتَّى يُحَكِّمُوكَ أي: حتى يقبلوا تحكيمك يا محمد في كل المنازعات والخصومات التي تنشأ بينهم، ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ يعني: يرضون بحكمك تمام الرضا، حتى لا يحيك في نفس أحد منهم مما قضيت وحكمت شيء، إنما يخرج من عندك بهذا القضاء الذي قضيت به راضياً بما قضيت، ثم يسلموا لك الأمر تسليماً؛ لأنك المبين عن الله عز وجل وأنت رسوله الكريم.

    ثم قال: [ وقال: وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقًا [النساء:69].

    وقال تعالى: مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا [النساء:80] ] كأن الله عز وجل يسلي نبيه بقوله: من أطاعك يا محمد فهو منك وأنت منه، لا بد من عقد الولاء بينك وبينه، أما من عصاك وتولى عنك ولم يرض بحكمك، فإن الحرب تنتقل إلى الله عز وجل، هو الذي يتولى أمرها: وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا [النساء:80].

    يعني: هذا فيه نوع من المعنى الذي قال الله عز وجل: إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا * وَأَكِيدُ كَيْدًا [الطارق:15-16]، فالذي يتولى الكيد لهؤلاء الكائدين هو الله عز وجل، ومن ذا الذي يفلح إذا كاد الله عز وجل له، فالحرب تنتقل مباشرة بين هؤلاء وبين النبي عليه الصلاة والسلام إلى حرب بينهم وبين المولى عز وجل، فهو الذي يتولاهم.

    قول الله في طاعته وطاعة رسوله وأولي الأمر وبيان معنى ذلك

    ثم قال: [ وقال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً [النساء:59] ].

    (أَطِيعُوا اللَّهَ) استقلالاً، (وأَطِيعُوا الرَّسُولَ): استقلالاً، ولم يقل: وأطيعوا أولي الأمر منكم، وإنما قال: (وَأُوْلِي الأمر مِنْكُمْ)، وهذا يدل على أن أولياء الأمور لا طاعة لهم مستقلة عن طاعة الله وطاعة الرسول عليه الصلاة والسلام، فإذا أمر أولو الأمر بأمر هو في طاعة الله وطاعة الرسول عليه الصلاة والسلام فبها ونعمت، كذلك إذا أمروا بأمر مباح لم يأت فيه أمر ولا نهي في كتاب الله ولا في سنة رسوله وجب على المأمور أن يلزم هذا الأمر؛ لأن أمر الأمير والسلطان والوالي إذا كان في دائرة المباح فهو ملزم للمأمور، أما إذا أمر الأمير والسلطان بل والخليفة العام، إذا أمر بأمر هو في معصية الله ومعصية رسوله الكريم؛ فإن هذا الأمر لا يلزم أحداً من المسلمين، بل لو أنفذه المأمور لكان شريكاً للأمير في الإثم، ولذلك أرسل النبي عليه الصلاة والسلام سرية وأمر عليهم عبد الله بن حذافة السهمي، فأمرهم أن يؤججوا ناراً ثم يقذفوا بأنفسهم فيها، قالوا: أيها الأمير والله إنا منها قد فررنا. يعني: نحن ما آمنا بالنبي عليه الصلاة والسلام إلا فراراً من النار، فكيف تأمرنا أن نلقي بأنفسنا فيها؟! قال: إنما أنا أمير. وظن أن طاعته واجبة النفاذ في كل ما يأمر وينهى، في الحق والباطل، والخير والشر، والطاعة والإثم، فلم يفعلوا، فلما رجعوا إلى النبي عليه الصلاة والسلام حكوا ما كان من أمرهم، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: (والذي نفسي بيده لو أنكم أطعتموه ما خرجتم منها أبداً) أي: لو أنكم أطعتم أمر الأمير في معصية الله عز وجل ما خرجتم من النار أبداً؛ للحديث الثاني: (لا يحرق بالنار إلا رب النار)، وفي رواية: (لا يعذب بالنار إلا رب النار) فالذي له هذه الخاصية هو الله عز وجل وحده دون أحد سواه لا أمير ولا غفير ولا خليفة.. ولا شيء من هذا، إلا بعض الأمور قد استثناها أهل العلم من هذه القاعدة العامة، مثل باب القصاص، قالوا: من أحرق أخاه بالنار اقتص منه بالنار، والجزاء من جنس العمل.

    يعني: لو قام عليك أحد فأحرقك بالنار متعمداً، فالقصاص منه لا يكون بمجرد القتل، وإنما يكون بالقتل عن طريق الحرق؛ لأن هذا من نوع العذاب الذي أوقعه على صاحبه، هذا الكلام ذكره الإمام النووي ، ونقل أن هذا هو مذهب جماهير العلماء، ومنهم من أنكر ذلك بالكلية.

    كما أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه غالت فيه الشيعة وقالت: إنه إله. فلما علم رضي الله عنه بمقالتهم أمر بجمعهم، فجمعوا له وأجج ناراً، ثم أمر بإلقائهم في النار، فألقوا فيها.

    ومن الناس من يقول: إن علياً لم يحرقهم على الحقيقة، والذي يترجح لدي أنه أحرقهم بالفعل، ولكن عبد الله بن سبأ لما علم بما كان من أمر علي رضي الله عنه واستطاع أن يهرب من الحرق، وفي أثناء هربه قال: الآن أيقنت أنه هو الله؛ لأنه لا يحرق بالنار إلا رب النار، فهو لم يستسلم، وإنما استشهد بقوله عليه الصلاة والسلام: (لا يحرق بالنار إلا رب النار) على زعمه الباطل!

    وربما يدور في بعض الأذهان: لماذا أحرقهم علي بن أبي طالب بالنار؟

    الجواب: ربما لم يبلغ علياً رضي الله عنه هذا النهي الذي نهاه النبي عليه الصلاة والسلام، ولذلك أنكر عليه كثير من أصحابه.

    ثم يحتمل أنه علم بالنهي، ولكنه خالف النهي لما رأى عظيم خطر هؤلاء، فأراد أن يجعلهم عبرة للعالم بأسره؛ حتى لا يجرؤ على هذه المقولة أحد بعدهم، وليس لأهل العلم أقوال في فعل علي بن أبي طالب غير هذين القولين.

    وقوله: (فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ) التنازع بمعنى الاختلاف، وتقدير الآية: فإن اختلفتم في شيء فردوا هذا التنازع والخصام والاختلاف إلى الله وإلى الرسول عليه الصلاة والسلام. وإن فعلنا ذلك فهذا علامة إيماننا بالله ورسوله؛ لأنه قال: (إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا ).

    تفسير عكرمة وميمون بن مهران لقوله تعالى (وأولي الأمر منكم)

    قال: [ عن عكرمة في قول الله عز وجل: أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ [النساء:59].

    قال: هما أبو بكر وعمر ].

    أي: بعد الرد إلى كتاب الله وإلى سنة الرسول عليه الصلاة والسلام نرد أمورنا كلها إلى أبي بكر وعمر. وهذا الكلام له معنيان:

    الأول: أن ذلك كان في زمان عكرمة، ولم يكن الأمير في زمانه إلا ما كان من إمرة أبي بكر ثم من إمرة عمر رضي الله عنهم؛ لأن هذا الكلام محمول على أنه قاله في إمرة عمر ، فولي الأمر في زمان عكرمة بعد النبي عليه الصلاة والسلام هو أبو بكر ثم عمر.

    الثاني: أن يكون مقصود كلام عكرمة أنه يجب الرد إلى أولياء الأمور وخاصة الخلفاء الراشدين، فلما لم يكن من الخلفاء غير أبي بكر وعمر في زمانه أوجب الرد إليهما، وكأنه يدلنا على أصل أصيل من الأمور التي يجب على أصحاب الصحوة أن يحفظوها ويعوها جيداً، وهو أن أصول العلم كما قال ابن القيم :

    العلم قال الله قال رسوله قال الصحابة ليس بالتمويه

    ما العلم نصبك للخلاف سفاهة بين الرسول وبين قول فقيه

    فهذه أصول العلم عند أهل السنة والجماعة، الرد إلى الله عز وجل في كتابه، والرد إلى الرسول صلى الله عليه وسلم في حياته وإلى سنته بعد مماته، وإجماع أهل العلم، وخاصة ما أجمع عليه الخلفاء الراشدون أو العشرة المبشرون رضي الله عنهم وعن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أجمعين.

    قال: [ وعن ميمون بن مهران في قول الله تعالى: فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ [النساء:59] قال: الرد إلى الله إلى كتابه، والرد إلى الرسول صلى الله عليه وسلم إن قبض إلى سنته ] أي: وإن كان حياً فإلى شخصه وذاته الكريمة صلى الله عليه وسلم.

    1.   

    وجوب طاعة النبي صلى الله عليه وسلم والتحذير من عصيانه

    [ قال الله تعالى: وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ [النساء:13-14] ].

    مقابلة أهل الطاعة بأهل المعصية، وجزاء الصالحين بجزاء العاصين، فإن أطاع فله الجنة خالداً فيها، وإن عصى وتعدى حده فله النار خالداً فيها كذلك.

    ثم قال: [ وقال: إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا [النساء:105].

    أي: بما يوافق الواقع الذي يعيشه العالم، فهذا الكتاب نزل بالحق لتحكم به يا محمد بين الناس بما أراك الله.

    قال العلماء: إن الله عز وجل أنزل كتابه، وجعل لنبيه البيان، وأرسل نبيه وجعل لأهل العلم اجتهاداً، فلا غنى عن الرسول عليه الصلاة والسلام ولا عن سنته، كما أنه لا غنى لعامة الناس عن أهل العلم الذين يستنبطون من كلام الله عز وجل، وكلام النبي عليه الصلاة والسلام باجتهادهم، وبالأدوات التي ملكوها من الحِكَم والعظات والأحكام والفوائد من كلام الله عز وجل، ومن كلام رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم؛ ليهلك من هلك عن بينة، ويحيا من حي عن بينة.

    ثم قال: [ وقال الله عز وجل: وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ [المائدة:92] ].

    أي: ليس على الرسول إلا البلاغ، فإن توليتم عن طاعته عز وجل وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم، فإن الله تبارك وتعالى يجازي من تولى بتوليه أن يصليه جهنم.

    ثم قال: [ وقال: وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ [الأنفال:1] ]، فجعل شرط الإيمان هو طاعة النبي عليه الصلاة والسلام.

    ثم قال: [ وقال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ [الأنفال:24] ].

    فالحياة الحقيقية هي حياة الإيمان، ولا إيمان إلا بطاعة الرسول عليه الصلاة والسلام.

    الأمر بطاعة الله ورسوله والتحذير من التنازع والاختلاف

    قال: [ وقال تعالى: وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ [الأنفال:46] ].

    أي: لا تضربوا الكتاب بالسنة، ولا تضربوا السنة بالكتاب، كما لا تتنازعوا في كتاب الله عز وجل، فتضربوا آياته بعضها ببعض، وتضربوا سنة النبي عليه الصلاة والسلام بعضها ببعض؛ لأن الكتاب والسنة خرجا من مشكاة واحدة، وهي مشكاة الوحي، وإذا كانت المشكاة واحدة، فليس هناك تعارض ولا تفرق؛ لأنه: وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا [النساء:82]، فلما لم يكن فيه اختلاف قليل ولا كثير، دل على أنه من عند الله عز وجل، فوجب الرجوع إليه وعدم التنازع فيه، فالنتيجة المترتبة على التنازع والنزاع: وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ [الأنفال:46] أي: تذهب قوتكم.

    من شعار أهل الإيمان والفلاح السمع والطاعة لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم

    قال: [ وقال الله عز وجل: إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [النور:51] ].

    هذا شعار أهل الإيمان، بخلاف شعار بني إسرائيل الذين قالوا: سمعنا وعصينا.

    انظر إلى أهل الجحود والنكران وإلى أصحاب الإيمان، هؤلاء قالوا: سمعنا، وهؤلاء كذلك قالوا: سمعنا، فكل منهم سمع، ولكن شتان بين سماع هؤلاء وسماع هؤلاء، فبنو إسرائيل ما زادوا في كلام الله عز وجل على مجرد السمع بآذانهم، فأعقبهم الله عز وجل عصياناً وجحوداً؛ لأنهم لم يتقبلوا كلام الله عز وجل بالقبول الحسن: قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ [البقرة:93]، فختم الله على قلوبهم بالكفر، أما أهل الإيمان فقالوا: (سمعنا) أي: سماع إجابة، كقولك في الصلاة: سمع الله لمن حمده، مع أن الله تعالى يسمع من حمده ويسمع من لم يحمده، يسمع كل شيء من إيمان وكفر، فما فائدة قولك: سمع الله لمن حمده؟

    أي: استجاب الله دعاء من دعاه، فسماع المولى عز وجل في قولك: سمع الله لمن حمده، أي: سماع إجابة، وكذلك المؤمنون إنما يقولون: (سمعنا وأطعنا) أي: أجبنا الله عز وجل إلى قوله، وأجبنا الرسول عليه الصلاة والسلام إلى قوله كذلك.

    إذاً: سماع أهل الإيمان سماع إجابة، بمجرد أن تسمع الأمر والنهي تمتثل اعتقاداً وقولاً وعملاً، هذا هو الإيمان، فالإيمان قول وعمل، عمل بالقلب والجوارح، وقول باللسان.

    أما عمل القلب فإنه الإيمان والتصديق، وأما عمل الجوارح فأن تظهر نتيجة الإيمان القلبي على الجوارح، فيصلي ويصوم ويزكي ويحج، ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر.. وغير ذلك من امتثال الأمر واجتناب النهي، ويسبق هذا كله نطق اللسان، بعد أن يشهد العبد أنه قد آمن بالله ورسوله.

    عدم الرضا بحكم الشرع واللجوء إلى حكم القوانين خلل في الاعتقاد

    قال: إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [النور:51].

    الواحد منا أحياناً لا يرضى بحكم المحكم في الغالب، وإنما يرضى بقضاء القاضي رغماً عن أنفه، فالفرق بين القاضي والحكم في هذه القوانين الوضعية، أن حكم القاضي ملزم للخصمين شاءا أم أبيا، والقاضي يملك صفة التنفيذ على الخصمين شاءا ذلك أم أبيا.

    ولا بد أن تعلم قبل هذا أن القاضي ربما وافق قضاؤه حكمَ الله عز وجل وربما خالف، وهو في كل الأحوال ملزم له، وفي غالب الأحوال أنه مخالف لحكم الله عز وجل، خاصة في ظل هذه القوانين الوضعية التي هي زبالات عقول البشر، أما المحكم فإنه في الغالب إما أن يكون ارتضاه الخصمان من باب العادة، وإما يكون قد ارتضاه الخصمان امتثالاً لحكم الله عز وجل: وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا [النساء:35]، يعني: يأتي شيخ أو رجل من أهل العلم يرتضيه الخصمان حَكَمَاً بينهما، يقضي بينهما بما أنزل الله وبما قضى به رسوله عليه الصلاة والسلام، فالرجل العالم يجتهد ما استطاع إلى ذلك سبيلاً، فلو وافق حكمه حكم الله عز وجل فلا بد أنه يرضي أحد الخصمين ولا يرضي الآخر، فيتنكب هذا الخصم الطريق؛ لأنه يعلم أن حكم هذا الحاكم أو المحكم لا يملك قوة التنفيذ، فيرفضه، وهو يعلم أن هذا هو كلام الله، وأن هذا هو حكم الله، فمن فعل ذلك فليعلم أنه داخل تحت قول الله عز وجل: فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ [النساء:65]؛ لأنه رضي بحكومة هذا المحكم رجاء أن يصل إلى أمر يرضيه هو لا أمر الشرع.

    فمهمة القاضي والمحكم إظهار حكم الله عز وجل وإظهار حكم الرسول صلى الله عليه وسلم، لكن القاضي في هذا الزمان يزيد عن المحكم أنه يملك سلطة التنفيذ، لكن المحكم لا يملك هذا، ولذلك يستهين به الخصوم، مع أنه عند الله عز وجل أولى من هذا القاضي الجاهل بكلام الله والجاهل بكلام الرسول عليه الصلاة والسلام، وهؤلاء الناس إنما يرضون بحكمه إذا وافق هواهم، فهؤلاء ما أطاعوا الله في هذا التحكيم، وما أطاعوا رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم، فويل لهم ثم ويل لهم.

    ومع هذا ينتقلون من عند هذا المحكم إلى القاضي، وربما حكم القاضي بنفس ما حكم به المحكم، لكن لا يجرؤ واحد منهما أن يقول: إن هذا الحكم لا يعجبني؛ لأنه يعلم أن الحبس مصيره، ويعلم أن القتل مصيره، ويعلم ما يملكه القاضي من سلطة تنفيذية، فما بالنا لا نرضى بحكومة أهل العلم، وبقضاء أهل العلم، وبفصل أهل العلم في المنازعات؟!

    ولماذا نلجأ إلى هذه القوانين الباطلة الزائفة المستوردة من هنا وهناك، ولا نلجأ إلى أصحاب الدين وأصحاب المنهج السليم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه؟!

    لماذا لا تقبل أنت حكومة العالم الذي يقضي في قضيتك التي ربما تبقى في المحاكم عشرات السنوات؟ لماذا لا تقبل حكم المحكم العالم بكتاب الله وسنة رسوله في مجلس واحد؟

    متى يكون هذا الكلام واقع الناس وحياة الناس وقلوب الناس، ودين الناس؟

    أنتم تعلمون ما نحن فيه من ذل وهوان، ورب السماء والأرض ما هذا إلا بسبب البعد عن كتاب الله وعن سنة الرسول صلى الله عليه وسلم، فأنا لا أخاطب الفساق ولا الفجار، وإنما أخاطب أهل المساجد وأهل الصلاة، وأصحاب اللحى، وصاحبات النقاب.. هذه البلايا فينا قبل غيرنا، فمتى نرجع؟

    نحن الشيوخ والعلماء وطلاب العلم متى نرجع أولاً قبل الناس إلى الله عز وجل؟ وحذار أن تتصور أنني أخاطب الفجرة أو الفساق، أو المجرمين، وإنما أخاطب نفسي أولاً ثم أخاطبك بعد ذلك: متى العودة إلى الله عز وجل؟ لا بد أن تعلم أن هذا خلل في العقيدة، فلا تظن أن هذا خلل في المسلك أو في المنهج، هذا -والله- خلل في الاعتقاد، فأنت موقوف ومسئول، والله تعالى يسألك ليس بينك وبينه ترجمان، يوم أن تنظر أيمن منك فلا ترى إلا ما قدمت، وتنظر أشأم منك فلا ترى إلا ما قدمت، ثم تنظر تلقاء وجهك فلا ترى إلا النار، والله عز وجل قادر على أن يقذف جميع عباده في النار ولا يبالي: لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ [الأنبياء:23].

    الله تبارك وتعالى لا يخاف عاقبة الأمور، لا أحد يلومه: لم ألقيت عبادك في النار، والله عز وجل لا يظلم الناس مثقال ذرة، فإذا أدخلك الجنة فبفضله، وإذا أدخلك النار فبعدله، وراجع عملك ثم حاسب نفسك: هل تستحق الجنة بما قدمت من عمل؟ لا والله، ليس أحد منا يستحق الجنة بعمله، وإنما الجنة بفضل الله عز وجل ورحمته، ولذلك إذا قذفك في النار مهما كنت عابداً فليس بظالم لك، فقدم اليوم ما ترجوه غداً، واحذر اليوم ما تهرب منه غداً.

    طاعة الله ورسوله سبب حصول العبد على الفوز والرحمة والهداية

    أمر الله عز وجل بلزوم الأدب معه صلى الله عليه وسلم عند مناداته

    قال: [ وقال الله تعالى: لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذاً فَلْيَحْذَرْ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [النور:63] ].

    أي: لا تقولوا: يا محمد.. يا محمد.. يا محمد، كما يقول بعضهم لصاحبه: يا محمد، يا إبراهيم، يا زيد، يا عمرو، ولكن ليكن دعاؤكم الرسول صلى الله عليه وسلم بما لقبه ونسبه إليه الله عز وجل: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ)، (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ)، قال: لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا [النور:63].

    أذكر بهذه المناسبة وإن كان الأمر فيه جهالة، لكن هذا رجل لطيف جداً لا يقصد أي شيء من كلامه؛ لأنه أقل من أن يقصد أي شيء بكلامه، سمعته والله بأذني رأسي، وهو رجل بسيط يقول: اللهم صل على سيدنا محمد أفندي رسول الله، فقلت: من أين أتيت بأفندي؟ قال: نحن نقول عن السيد الفلاني: يا أفندي، والنبي عليه الصلاة والسلام أحسن من هؤلاء الناس كلهم، وأولى بهذه الألقاب وهذه المصطلحات! فالرجل لا يقصد شيئاً، لكنه في نفسه يعظم ويبجل ويوقر النبي صلى الله عليه وسلم فوق هذا الرجل.

    لكن على أية حال دعنا نستفيد من هذا الرجل البسيط الذي رأى أن يعظم النبي صلى الله عليه وسلم بما يعظم به الناس، أيهما أحسن هذا الرجل أم الملاحدة أصحاب الشهادات وأصحاب حملة الدكتوراه، الذين يقولون على النبي صلى الله عليه وسلم، بل على دينه وقرآنه وشرعه قولاً شنيعاً، بل يسبون الذات الإلهية؟ هل الأحسن والأفضل هذا الذي يخاطب النبي صلى الله عليه وسلم باجتهاده بلفظ: أفندي وأستاذ.. وغير ذلك، أم هؤلاء المجرمون الملاحدة؟ هذا الرجل أفضل.

    قال تعالى: لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [النور:63].

    أتى شخص من أهل المدينة إلى الإمام مالك ليسأله قال له: أنا أريد أن أحرم بالعمرة أو الحج، فهل أحرم من ذي الحليفة أم من المسجد النبوي؟

    قال: لا، ميقات أهل المدينة ذو الحليفة، اذهب إلى ذي الحليفة وأحرم من هناك، قال: يا إمام إنما هي خطوات، فهل أحرم من المسجد؟ فقال الإمام: إني أخشى عليك الفتنة، قال: أي فتنة في ذلك؟ قال: أما قرأت قول الله عز وجل: فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [النور:63].

    انظروا إلى فقه الإمام مالك كيف يرى الفتنة، ولذلك أنت حينما تذهب إلى المسجد النبوي ستجد آلاف الناس محرمة، وهذا خطأ، إنما الإحرام لأهل المدينة ومن مر بها من ذي الحليفة.

    عدم التزام أمر الله وأمر رسوله يوجب الوقوع في الضلال البعيد

    قال: [ وقال الله عز وجل: وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:71].

    وقال: وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبِينًا [الأحزاب:36] ].

    يعني: إذا قضى الله عز وجل في قضية معينة، أو قضى الرسول صلى الله عليه وسلم في قضية معينة؛ فلا خيار لك، ويلزمك أن تقول: سمعنا وأطعنا، هذا إذا كنت مؤمناً، أما إذا كنت غير ذلك فافعل ما بدا لك، والله تبارك وتعالى هو الذي سيحاسبك.

    معنى التقدم بين يدي الله ورسوله وموقف الصحابة من الأمر بعدم التقدم

    قال: [ وقال تعالى: لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُوا اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ [الممتحنة:6].

    وقال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [الحجرات:1] ].

    التقدم بين يدي الله: هو أن ترى غير ما أمرك به الله، وهو أن يحكم الله تعالى في قضية بحكم ثم أنت لا ترى هذا الحكم، وترى رأياً آخر يخالف حكم الله عز وجل، وكذلك أن يحكم النبي عليه الصلاة والسلام في قضية ما بحكم السماء، ثم أنت لا ترى ما حكم به النبي عليه الصلاة والسلام، بل تذهب فتحكم فيها برأيك وهواك، فهذا تقدم بين يدي الله ورسوله.

    والصحابة رضي الله عنهم قد ضربوا أروع الأمثلة لما نزلت هذه الآية: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ [الحجرات:1-2].

    كان ثابت بن قيس بن شماس جهوري الصوت بطبيعة الخلقة التي خلقه الله تعالى عليها، كان صوته عالياً جداً، كان إذا تكلم أسمع الناس كلها، فإذا تكلم في مجلس النبي عليه الصلاة والسلام علم الناس أن المتكلم هو ثابت بن قيس بن شماس ، فظن ثابت بن قيس أن هذه الآية: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ [الحجرات:2] نزلت في شأنه؛ لأن صوته عال.

    فقوله: لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ [الحجرات:2] أي: لا ترفعوا أصواتكم عليه، وتجهروا عليه بالقول: أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ [الحجرات:2]، فلما سمع ثابت بن قيس هذه الآيات لزم بيته وقال: أنا من أهل النار، أنا قد حبط عملي، أنا الذي نزلت فيّ هذه الآية، ولذلك تفقده النبي عليه الصلاة والسلام عدة أيام كما كانت عادته عليه الصلاة والسلام، فلما لم يره سأل عنه، فأخبروه بما كان من أمره، قال: (اذهبوا إليه وبشروه بالجنة).

    إذاً: المقصود أن ترى أنت غير حكم الله وترى غير حكم النبي عليه الصلاة والسلام، لكن عمل الصحابة بظاهر هذه الآية.

    وقد جاء عن أبي بكر الصديق أنه قال بعد نزول هذه الآيات: [ (يا رسول الله لا أكلمك إلا كأخي السرار)، يعني: كمن يحدث أخاه سراً.

    وأما عمر فكان النبي عليه الصلاة والسلام يستبينه في الكلام مرة ومرتين وثلاثاً؛ لأن عمر يتكلم بصوت يتكلف فيه الخفض، حتى يقول له النبي عليه الصلاة والسلام: ماذا تقول يا عمر ؟ فيعيد عمر إعادة غير مسموعة، فيستعيده النبي عليه الصلاة والسلام.

    إذا كان هذا موقف الصحابة من مجرد التلفظ مع الطاعة، فما بالكم بمن يهجم على الله وعلى رسوله عليه الصلاة والسلام؟ شتان بين زمان الصحابة وزماننا، وقلوبهم وقلوبنا، وطاعتهم وانقيادهم وطاعتنا وانقيادنا.

    اقتران طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم بطاعة الله واتباعه بمحبة الله عز وجل

    قال: [ قال: وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ وَمَنْ يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ عَذَابًا أَلِيمًا [الفتح:17].

    وقال تعال: وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى * وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى [النجم:1-5] ].

    وهذا يدل على أن ما نطق به النبي عليه الصلاة والسلام وحي وإن كانت سنة.

    ثم قال: [ وقال: وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا [الحشر:7].

    وقال تعالى: وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَإِنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ [التغابن:12] ].

    أي: ليس عليه إلا البلاغ البين الواضح الذي لا خفاء فيه.

    ثم قال: [ وقال: فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الأَلْبَابِ الَّذِينَ آمَنُوا قَدْ أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا * رَسُولًا يَتْلُوا عَلَيْكُمْ آيَاتِ اللَّهِ مُبَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ [الطلاق:10-11].

    في آيات أخرى نظائر لهذه الآيات كلها قد قرن الله عز وجل طاعة رسوله صلى الله عليه وسلم بطاعته، ووصلها بفريضته، وجعل أمره كأمره، وتعقبها بالوعيد الشديد، والزجر والتهديد لمن حاد عن أمره أو خرج عن طاعته، أو وجد في نفسه حرجاً من قضيته، أو ابتدع في سنته، ولقد دلنا مولانا الكريم سبحانه وتعالى على طريق محبته، وأرشدنا إلى سبيل هدايته، بأقصد المذاهب، وأقرب المسالك، حين أعلمنا أن محبة الله هي في متابعة نبيه صلى الله عليه وسلم، حين قال: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [آل عمران:31] ].

    يقول الحسن البصري: ما ابتلي الناس بمثل بلائهم بهؤلاء، يعني: هذه الآية أعظم اختبار ومحك لمن ادعى أنه يحب الله، فإن من زعم أنه محب لله لا بد من النظر في متابعته للنبي عليه الصلاة والسلام، فإن كان حقاً متبعاً للنبي صلى الله عليه وسلم فهو صادق في زعمه المحبة، وإن كان تنكب طريق الطاعة والاقتداء بالنبي عليه الصلاة والسلام فهو كاذب في ادعائه المحبة لله عز وجل.

    إذاً: قوله: (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ) ما هي العلامة؟ (فَاتَّبِعُونِي) أي: اتبعوا النبي عليه الصلاة والسلام، فإذا كان الاتباع والانقياد والذل والخضوع لله عز وجل أحبكم الله عز وجل، وغفر لكم إنه هو الغفور الرحيم.

    ثم قال: [ فمن اتبع رسوله في سنته أورثه ذلك محبة الله عز وجل بكسبه البصيرة في إيمانه، فيما أحكمه في قلبه ولسانه، وبالمغفرة والرضوان في ميعاده.

    وسئل سهل بن عبد الله التستري عن شرائع الإسلام، فقال: قال العلماء في ذلك وأكثروا، ولكن نجمعه كله بكلمتين: مَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا [الحشر:7] ] فالرجل هنا يسأل عن شرائع الإسلام، ما هي؟ وكيف هي؟ وماذا نفعل؟ وماذا نصنع.. إلى آخره؟

    فقال: تكلم العلماء في شرائع الإسلام بكلام كثير وعرفوه وبينوه، ولكني أجمع كل ما قيل في شرائع الإسلام بكلمتين اثنتين: وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا [الحشر:7] فبين أن شرائع الإسلام إنما هي في طاعة الرسول عليه الصلاة والسلام.

    ثم قال: [ ثم نجمعه كله في كلمة واحدة: مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ [النساء:80] فمن يطع الرسول في سنته فقد أطاع الله في فريضته ].

    1.   

    باب ذكر ما جاءت به السنة من طاعة رسول الله والتحذير من طوائف يعارضون سنن رسول الله بالقرآن

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ باب ذكر ما جاءت به السنة من طاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم والتحذير من طوائف يعارضون سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقرآن ].

    أي: هذا الباب فيه ذكر ما جاء في سنة النبي عليه الصلاة والسلام من لزوم طاعته والاقتداء به، بعدما بدأنا بذكر بعض الآيات التي حثت وأمرت باتباع النبي عليه الصلاة والسلام وطاعته، وأن طاعته هي من طاعة الله عز وجل، فسأحشد ذلك بباب من السنة يبين نفس المعنى.

    قال رحمه الله تعالى: [ وليعلم المؤمنون من أهل العقل والعلم أن قوماً يريدون إبطال الشريعة ] وفي الحقيقة ابن بطة يخاطبكم أنتم، يخاطب أصحاب الصحوة وأهل الشريعة وأصحاب الدين، ويبين لهم خطر الملاحدة، وما أكثرهم في زماننا، فاعتبر أن هذا الكلام رسالة موجهة لك: [ وليعلم المؤمنون من أهل العقل والعلم أن قوماً يريدون إبطال الشريعة ودروس آثار العلم والسنة ] أي: يريدون أن يمحوا آثار السنة من قلوب الخلق.

    وصف ابن بطة للمعارضين للسنة ومقارنتهم بأهل زماننا

    قال: [ فهم يموهون على من قل علمه وضعف قلبه، بأنهم يدعون إلى كتاب الله ويعملون به ] يعني: صاحب الهوى والبدعة يزعم أنه أفهم لكتاب الله ممن يدعوه إلى بدعته وباطله، وأعرف بسنة النبي عليه الصلاة والسلام منه، ثم هو بعد ذلك يرى أنك على الخطر المبين.

    قال: [ وهم من كتاب الله يهربون، وعنه يدبرون، وله يخالفون، وذلك أنهم إذا سمعوا سنة رويت عن رسول الله عليه الصلاة والسلام رواها الأكابر عن الأكابر، ونقلها أهل العدالة والأمانة، ومن كان موضع القدوة والأمانة، وأجمع أئمة المسلمين على صحتها، أو حكم فقهاؤهم بها، عارضوا تلك السنة بالخلاف عليها، وتلقوها بالرد لها، وقالوا لمن رواها عندهم: تجد هذا في كتاب الله عز وجل؟ ].

    يقول لك: أعطني أصل هذه الرواية في كتاب الله، لا يكفي أن تكون هذه الرواية في البخاري ومسلم..!

    والعجيب أن الذي يناقشون بهذا هم أحط خلق الله وأسفل خلق الله، لكن الواحد منهم يظهر بمظهر المدافع عن كتاب الله، فيقول: أنا أعرف أن هذا الحديث في البخاري ومسلم ، لكن هل البخاري معصوم؟ وهل مسلم معصوم؟ نقول: ليست القضية متعلقة بشخص البخاري ومسلم ، القضية متعلقة بأمة أجمعت على تلقي هذا بالقبول، فأنت مضطر اضطراراً أن تقول حين رفضك لهذه الرواية: إن الأمة منذ أربعة عشر قرناً أجمعت على الضلالة، وتخالف بذلك قول النبي عليه الصلاة والسلام: (لا تجتمع أمتي على ضلالة).

    ويقول لك: لا، هذا ليس حديثاً؛ لأنه ليس في البخاري ومسلم ، وهو منذ قليل يقول: إن البخاري ومسلماً ليسا معصومين.

    المهم أن هؤلاء الملاحدة يريدون دروس السنة ومحوها من قلوب الخلق، لا يرقبون في مؤمن إلّاً ولا ذمة، لا علاقة لهم لا بالكتاب ولا بالسنة، ولا بالإيمان ولا بالرسول، لكنهم لا يجرءون مع ما يرونه من قتل من يرفع عقيرته في هذا الزمن، لا يجرءون أن يقولوا للناس ويريحونا: نحن منافقون، أو نحن كفار. لا يجرءون أن يقولوها؛ لأنهم يعلمون أن بعض الشباب يتربص بهم.

    إذاً: فهذه الأفكار الشيطانية ربما انطلت على الجهال والصبيان والبسطاء، لكنها لا تنطلي على أهل العلم، ولذلك لم تنطل على ابن بطة، فيقول حاكياً عنهم ثم يرد عليهم: [ وهل نزل في هذا القرآن؟ وائتوني بآية من كتاب الله حتى أصدق بهذا.

    فاعلموا رحمكم الله أن قائل هذه المقالة إنما ترقق عن صبوح ] الصبوح هو السكر غدوة، تجد الشخص مثلاً بدلاً من أن يشرب حليباً يشرب خمراً، فيسكر على الريق؛ لأنه إذا سكر هذى، وإذا هذى افترى، فيقول: هذه مقولة من شرب الخمر في أول نهاره، فهؤلاء أناس ملاحدة لا يدرون ما يخرج من رءوسهم من فرط عنادهم وكفرهم.

    فقوله: (إن قائل هذه المقولة إنما ترقق) أي: تكلم بها (عن صبوح)، أي: عن سكر.

    وهذا بلاء يتعرض له الأطباء النفسيون، يريد أن يوصل العلاج بأي شكل لمريضه، وربما يكون عند المريض خجل، أو انطواء، أو غير ذلك من الأمراض، فيقوم الدكتور يقول لأهل المريض: اتركوه عندي يومين أو ثلاثة فيعطيه حقنة بنج ويسجل كل كلامه، قل لي: ما الذي أغضبك؟ أبوك أغضبك، أمك أغضبتك، امرأتك أغضبتك، ابنك أغضبك. ما هي القضية؟ ويظل معه حتى يعرف أصل العارض، ويفيق بعد ذلك هذا المريض، فعندما يكون الطبيب قد عرف المرض يبدأ يعرّف المريض أساس العلة المعروفة لديه. حدثني بهذا طبيب نفساني، قال: إنما يسلك الأطباء النفسانيون هذا المسلك لمعرفة المرض الذي لا يمكن الوصول إليه بطريقة السلم بين الدكتور وبين المريض.

    الرد على المعارضين للسنن بآيات قرآنية لا تتبين إلا بالسنة

    ثم قال: [ ويُسر خبيئاً في اربغاء يتحلى بحلية المسلمين، ويضمر على طوية الملحدين، يظهر الإسلام بدعواه، ويجحده بسره وهواه، فسبيل العاقل العالم إذا سمع قول هذه المقالة أن يقول له: يا جاهلاً بالحق خبيثاً في الباطن، يا من خُطِّئ به طريق الرشاد وسبيل أهل السداد، إن كنت تؤمن بكتاب الله، وأنه منزل من عند الله، وإن ما أمرك الله به وما نهاك عنه فرض عليك قبوله، فإن الله أمرك بطاعة رسوله وقبول سنته؛ لأن الله عز وجل إنما ذكر فرائضه وأوامره بخطاب أجمله، وكلام اختصره وأدرجه، دعا خلقه إلى فرائض ذكر أسماءها، وأمر نبيه بأن يبين للناس معانيها، ويوقف الأمة على حدود شرائعها ومراتبها. فقال تبارك وتعالى: وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ [النحل:44] ].

    هذه أوامر مجملة بينها بأوصافها وعددها وهيئاتها وغير ذلك النبي عليه الصلاة والسلام، فلو تركنا النبي صلى الله عليه وسلم بلا بيان، لم يستطع أحد منا أن يعبد ربه، إذاً: لا بد من طاعة الرسول عليه الصلاة والسلام.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ فربنا تبارك وتعالى هو المنزل، ونبينا صلى الله عليه وسلم هو المبين، قال الله تعالى: وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ [البقرة:43].

    وقال: وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ [آل عمران:97] ].

    من منا يستطيع أن يحج بغير بيان وتفصيل؟ ولذلك لما حج النبي عليه الصلاة والسلام قال: (خذوا عني مناسككم) يعني: اعرفوا كيف أحج من أجل أن تحجوا مثلي، وإلا فمن حج على غير نهج النبي عليه الصلاة والسلام فحجه يدور بين البطلان والفساد، أو يجبر بدم عند مخالفة الواجب.. أو غير ذلك.

    ثم قال: [ وقال تعالى: وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ [البقرة:196].

    وقال: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [البقرة:183] ]، من كان يعرف أن يصوم من غير بيان أحكام الصيام؟ يعني: لو أتيت في هذا الوقت إلى واحد في بلاد الكفر أسلم على يديك، فتقول له: أنت ما دمت قد أسلمت، فربنا قد فرض عليك الزكاة في المال، وأمرك بالصلاة وبالصيام وبالحج، ولم تشرح له كيفية أداء تلك العبادات، فهل يستطيع أن يؤدي طاعة من هذه الطاعات؟ هو لا يعرف كيف يبدأ الصيام وكيف ينتهي، ما الذي يفسده وما الذي يصلحه، وأي الأشهر هو؟ وهل هو شهر أو شهران أو ثلاثة في السنة؟ أم هل هو السنة كلها أو بعضها؟ لا يعرف شيئاً، وكذلك في كل أمر من هذه الأوامر، فلا يمكن الاستغناء عن الرسول عليه الصلاة والسلام.

    ثم قال: [ فلو عارضك من هو في الزيغ هالك، وقال لك: إن الصلاة التي دعاني الله إلى إقامتها إنما هي صلاة في عمري -أي: صلاة واحدة في العمر كله- أو صلاة واحدة في كل يوم، أو عارضك في إحدى الصلوات الخمس، فقال: إن صلاة الظهر ركعتان، أو صلاة العصر ثلاث ركعات، أو قال لك: إن التي تسر القراءة فيها من صلاة النهار سبيلك أن تجهر به، وما تجهر به في صلاة الليل والفجر سبيلك أن تخافت به، أو قال لك: إن الله تعالى قال: إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ [الجمعة:9]، فقال: إنما أمرني الله بالسعي والذكر، وليس تجب علي صلاة، وإنما أذكر الله بلساني وأنصرف، أو قال لك: إن الصلاة يوم الجمعة أربع ركعات كسائر الأيام، مثل: صلاة الظهر من غير خطبة، وإلا فأوجدني للخطبة وصلاة الركعتين، والجهر فيهما بالقراءة في كتاب الله موضعاً ]. يعني: أعطني دليلاً على أن صلاة الجمعة هذه لها خطبة من كتاب الله عز وجل.

    [ أو قال لك: إن الله أمرني بالزكاة، وإنما تجب على من معه ألف دينار في عمره مرة واحدة دينار واحد.

    أو قال لك قائل: إنما الزكاة في الذهب والورق ولا زكاة في الحبوب ولا البهائم، أو كيف تعطى الزكاة من البهائم والأنعام؟

    أو قال آخر: إن الخيل والبغال والحمير والإماء والعبيد والعقارات والسفن والثياب الفاخرة والجواهر، واليواقيت التي يتزين بها الناس ويتجملون بها من نفيس الأموال وخطير العقد والأملاك فلم لا تؤدى زكاتها؟ ].

    يعني: لماذا لا تخرج عنها زكاة، لأن الشرع لم يفرض عليه فيها زكاة؛ لأنها استعمال شخصي.

    [ أو قال قائل: إني أحج بلا إحرام، ولا أخلع ثيابي، ولا أجتنب شيئاً مما يجتنبه المحرمون، ولا أمتنع من جماع النساء، وأستعمل الطيب، ولا آتي الميقات، ويجزيني طواف واحد وسعي واحد، والعمرة التي ذكرها الله عز وجل إنما هي الصلاة أصليها أو هدية أهديها.

    أو قال لك: إن الجمار لا أرميها. أو عارضك في شهور رمضان، وقال: إنما فرض على النبي عليه الصلاة والسلام وأصحابه، فقال: إن الشهر الذي فرض صيامه إنما هو رمضان الذي أنزل فيه القرآن ]، وهذه هي حجة الملاحدة في الزمن القديم، استدلوا بظاهر قول الله عز وجل: شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ [البقرة:185]، لكن نقول: إن هذه الآية جاءت بعد قوله تعالى: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [البقرة:183]، فهم قالوا: هذا الصيام هو في شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن، فإذاً: الصيام إما أن يكون مرة واحدة في العمر، أو على من حضر مؤمناً في الشهر الذي نزل فيه القرآن فقط، ليس في كل رمضان إلى قيام الساعة.

    نقول: هذا من وحي هؤلاء الشياطين بعضهم لبعض.

    ثم قال: [ أو قال لك: إن الصوم عن الطعام والشراب، فإن استعط الرجل أو احتقن أو ازدرد ما لا يؤكل -يعني: بلع ما لا يؤكل- ولا يشرب، مثل الحصى والنوى والحجارة وما أشبهها لم يفسد ذلك صومه.

    أو عارضك آخر فقال لك: إن الله عز وجل جعل ميراث الآباء للأبناء والأزواج والزوجات والإخوة والأخوات، فأنا لا أمنع ابناً أن يرث أباه ].

    يعني: جعل الله سبحانه الميراث للآباء والأبناء وغيرهم، فهو يقول لك: أنا أريد ابني أن يرث مني ولو كنت كافراً، مع أنه لو كان ابنه مؤمناً لا يحل له أن يرثه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (لا يرث المؤمن الكافر، ولا الكافر المؤمن) وفي رواية: (لا يتوارث أهل ملتين شتى).

    قال: [ فأنا لا أمنع ابناً أن يرث أباه وإن كان قاتلاً أو كافراً أو عبداً ] مع أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا يرث القاتل).

    [ وذلك الرجل يرث زوجته اليهودية والنصرانية والأمة، فإن الله عز وجل سماها زوجة، وقد قال: وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ [النساء:12] ] أي: يقول: الزوج زوج، والزوجة زوجة، ما الذي أدخل مسألة الإيمان والكفر هنا؟ نقول: السنة التي أدخلتها، وبينت أن المؤمن لا يرث الكافر، والكافر لا يرث المؤمن، لكن هو سيقول لك: إياك أن تظن أنني كافر، فأنا إيماني أفضل منك ومن مليون مثلك، فلا تظن أنني جاهل، فأنا أعرف جيداً، وأنا أحفظ كتاب الله، وربما قال: أنا خريج كيت وكيت وكيت، فأنا معي دكتوراه من الأزهر، لكني رجل مستنير، فأنا لما ذهبت إلى أمريكا رجعت وأنا مستنير، رجل واعي الفكر، وهذا رشاد رشدي يقول: لا يوجد شيء اسمه سنة.

    وأنا على أية حال قعدت مع رشاد رشدي وتناقشنا في السنة، فقال: لم يصح فيها إلا حوالي عشرين أو ثلاثين حديثاً، يعني: ظل النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثاً وعشرين سنة لم يتكلم إلا ثلاثاً وعشرين مرة، أو خمساً وعشرين مرة، أو ثلاثين مرة، هل يعقل أنه لم يتكلم إلا في كل سنة مرة واحدة؟!

    ثم قال: [ وماذا كنت قائلاً لرجل قال لك: إن الله عز وجل ذكر المحرمات من النساء في كتابه، ثم قال عند آخرهن: وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ [النساء:24] ]، لما ذكر ربنا المحرمات من النساء اللاتي يحرم علينا نكاحهن إما حرمة مؤقتة أو مؤبدة، قال: وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ [النساء:24]، ماذا قال؟ قال: [ فلم يمنعني أن أجمع بين المرأة وخالتها، أو بين المرأة وعمتها ] يعني: ربنا أباح لي ما رواء المحرمات المذكورة في القرآن، أي: أنه هو يؤمن بالقرآن، نقول له: فما دمت مؤمناً بالقرآن فقط دون غيره فصل كما نص القرآن، وزك كما أمرك القرآن، لكنه ليس من أهل الصلاة ولا الزكاة. وهذا كافر خارج عن الملة.

    نماذج وقصص تحكي واقع من لا يؤمن بالسنة ويدعي الإيمان بالقرآن فقط

    جاءني منذ ثلاثة أيام رجل برسالة تحكي قصة طبيب بيطري، وهذه الرسالة معي أتى بها هذا الرجل من مدينة (6 أكتوبر)، جاء بها وهو مفزوع يقول: أدركني، هذا طبيب بيطري تزوج أخت امرأته، طلق زوجته الأولى ثم تزوج أختها في اليوم الثاني من طلاق الأولى.

    وأنتم تعلمون أن هذا حرام؛ لأن الرجل إذا طلق المرأة فأراد أن يتزوج من كان يحرم عليه أن يجمع بينها وبين زوجته الأولى، فلا يحل له أن ينكحها إلا بعد انقضاء عدة الأولى، وهذه التي يسميها الفقهاء: عدة الرجل.

    فنكح أختها في اليوم الثاني من طلاقها، فأرادت أختها الأولى أن تكيد لها فاحتالت على الرجوع لزوجها، فرجعت، وهم الآن يقيمون في شقة واحدة، يبيت هذا الكلب عند هذه ليلة وعند تلك ليلة، وناقشه أكثر من شيخ في حرمة هذا -كما لو كنا جالسين في أمريكا أو في لندن، لا يوجد حل- يقول لهم هذا الرجل: أعطوني من القرآن حرمة هذا، لا يقول لي واحد: سنة، أنا لا أعترف بالسنة، وإنما أعترف بالقرآن المقطوع بتواتره. نقول لهذا: هذا الكلام لأهل العلم، هل تعلم ما معنى متواتر وآحاد؟ وما الذي يركب في العقل والذي لا يركب؟ فلا يزال هذا الأمر إلى الآن قائماً، وإذا وصل كلامي هذا إلى (البوليس) فأنا مستعد أن أذهب معهم إلى العنوان الذي معي، وأصحب معي بعض الدعاة الذين نهوه عن هذا الحرام.

    وهذا أخ تزوج أخته عند المأذون، ثم لما سحبا إلى الشرطة قالت البنت ببجاحة شديدة: لا يمكن أن أتخلى عنه؛ فإنني أحبه بجنون. أقول: هذا يدل أولاً على نهاية العالم، وقرب الساعة، ثم إن هذا ربما يكون بأدنى مخالفة للنبي عليه الصلاة والسلام، والله أنا أتوقع أن هذا بسبب أن الأب لم يفصل بينهما في المضجع منذ سن العاشرة، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: (علموهم الصلاة لسبع، واضربوهم عليها لعشر، وفرقوا بينهم في المضاجع)، لماذا نفرق بينهم في المضاجع؟ لماذا الولد ينام في مكان والبنت تنام في مكان؟ لأن الشيطان أقوى منهما، خاصة في هذا الزمان الذي اختلطت فيه المحارم واختلط فيه الحابل بالنابل.

    وهذا طالب يقول لزميله: لماذا التعب يا أخي، تطلب هذه فتأبى عليك وتطلب هذه فتأبى عليك؟ لماذا لا تذهب لأختك؟ أختك تجلس معك في البيت وأنت في مأمن من أعين الناس.

    هذا هو الجيل المثقف، وأنتم تعرفون الوزير المثقف الذي جاء يهدم أبناءنا ويخرب التعليم، ويحذف مادة الشريعة الإسلامية التي يسمونها: التربية الدينية، وهذه تسمية خاطئة منافية للعقيدة الإسلامية، بل لا بد من تسميتها: التربية الشرعية الإسلامية، لا الدين فقط، دين ماذا؟! فالنصارى لهم دين، واليهود لهم دين، والمجوس لهم دين، فهذا تمييع لأمر الإسلام وشرائعه، على يد عميل يهودي، ومعظم هؤلاء السادة والقادة يهود، تربوا على أيدي اليهود في بلاد الغرب، ثم أتوا إلى هذه البلاد ليفعلوا بها الأفاعيل، فهؤلاء يصنعون بأبناء الأمة ما لم تقدر اليهود والنصارى أن تصنع، يريدون أن يخربوا، بل قد خربوا عقائد المسلمين شباباً ورجالاً، وشيوخاً ونساء، كباراً وصغاراً؛ بالتعليم تارة، والطب تارة، والزراعة تارة.. وكل مناحي الوزارات إنما تولاها من ليس بأهل، والأمر كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: (إذا ضيعت الأمانة فانتظروا الساعة، قالوا: وما ضياعها يا رسول الله؟ قال: إذا وسد الأمر إلى غير أهله).

    أسأل الله تعالى لي ولكم العافية في الدين والدنيا والآخرة.

    اللهم تقبل منا أعمالنا الصالحة، وتجاوز عن سيئاتنا، إنك ولي ذلك والقادر عليه.

    وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.

    1.   

    الأسئلة

    بيان المعتقد الصحيح في رفع عيسى عليه السلام

    السؤال: ما هو المعتقد الصحيح في رفع عيسى عليه السلام؟

    الجواب: اعتقاد أهل السنة والجماعة فيما أعلم في هذه القضية: أن عيسى عليه السلام لم يمت، وإنما رفعه الله عز وجل إليه، فعيسى حيٌّ في السماء، ليست حياته كحياة الأنبياء في قبورهم، ولا حياة الشهداء في قبورهم، وإنما هي حياة حقيقية كما نحيا نحن؛ لأنه لم ينتقل من حال إلى حال، بل رفع في حياته الدنيوية إلى الله عز وجل إلى السماء، وسينزل في آخر الزمان.

    ولقد أخبرني رجل وهو من علية القوم، ومن حاملي الشهادات المتعددة، ويحرص كل الحرص على أن يذكر شهاداته ورحلاته العلمية، والمؤتمرات التي حضرها، أخبرني بأن عيسى قد مات.

    وذات مرة في كلية دار العلوم قال الدكتور أحمد شلبي أستاذ التاريخ: أتدري يا بني نتيجة الأبحاث العلمية المتعلقة بعيسى؟

    قلت له: هل يحتاج عيسى إلى بحث علمي أم بحث شرعي؟ قال: لا، أبحاث علمية أثبتت أن عيسى مات، ولم يرفع إلى السماء!

    قلت: يا دكتور، هذا البحث العلمي أنت الذي سيحكم به؟ قال: نعم يا بني.

    قلت له: يا دكتور، انظر ما تقول، فإن هذا مخالف لما جاء في الكتاب والسنة، قال: لا، بل متفق معهما تمام الاتفاق.

    قلت له: بيِّن لي.

    قال: والله يا بني عندي الآن مؤتمر، ففي وقت آخر إن شاء الله.

    ثم التقيت به أربع مرات بعد ذلك ليحدثني عن تفصيل ذلك، وأنا أكفر بكلامه، وأؤمن بكلام الله عز وجل، ولكنه في كل مرة كان يهرب، حتى التقيت به بمكتبه أنا وأحد الصحفيين أتى يسجل معه لقاء، فتنحيت بهذا الصحفي وقلت له: الدكتور يقول: كيت وكيت وكيت، وأنت لو حققت معه في هذه القضية ستصبح صحفي عصرك، وتصبح أنت صاحب السبق فيها، وبينت له خطورة الأمر، وقلت له: انتبه! فإنك ستذكر على كل لسان.

    فقال: لا، أنا كنت قد أتيت لمهمة أخرى، والمهمة هذه مضبوطة تحتاج إلى آيات من القرآن وأحاديث من السنة، فاكتبها لي أعرضها عليه، فجلسنا في المكتب المجاور، وأخرجت له الآيات والأحاديث مكتوبة، ودخلت معه إلى الدكتور، ففوجئ بأن الصحفي تبنى القضية ويريد أن يسترسل معه، فقال له: لا، نبقى في التاريخ الإسلامي المعروف عند الناس بالطريق الإسلامي، فقال له الدكتور: هذه مسألة متعلقة بالأنبياء والنبوة.. وغير ذلك، فاجعلها في وقت لاحق.

    قال: بل اليوم، فقال: يا بني هذه المسألة أنا أعددت فيها بحثاً سأدفعه إليك، فتفضل معي في سيارتي وأنا أعطيك بحثي، المهم خرج الدكتور من الكلية من أجل أن يدفع البحث للصحفي، ثم اتصل بي الصحفي، وقال: لم يكن لديه بحث ولا شيء من هذا نهائياً، فالرجل أقسم لي بالله أن البحث مكتمل وقد كتب النتيجة النهائية التي توصل إليها أن عيسى مات.

    نقول: اعلم أن هذه ليست عقيدة معظم النصارى، فمعظم النصارى يعتقدون أن عيسى رفع وهو حي، فتقول له: أنت تعبد من؟ يقول لك: عيسى، تقول له: أنتم تقولون إن عيسى مات، وهل هناك إله يموت وبعد ما يموت أيضاً نعبده؟ يقول لك: لا، أنا أعتقد أن عيسى حي. فهو نصراني ويعتقد أن عيسى حي، هل يتصور أن إنساناً كبيراً مثل الدكتور لم يصل إلى معتقد بعض النصارى أو جمهور النصارى، فهذا بلاء عظيم تمر به الصحوة، ومضروبة في قلبها ممن سموا دعاة، أو رسموا في الرسم العام أنهم علماء أو متخصصون.. أو غير ذلك، فهذا بلاء عظيم جداً.

    نسأل الله تعالى العافية.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3002365280

    عدد مرات الحفظ

    718521414