إسلام ويب

شرح أصول اعتقاد أهل السنة - السحر بين الحقيقة والخيالللشيخ : حسن أبو الأشبال الزهيري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • السحر له حقيقة، وهو حرام في شريعة الإسلام، تعلمه وتعليمه وممارسته، ومذهب جماهير العلماء أن الساحر كافر، وحده القتل، وقد أرشدنا القرآن الكريم وسنة النبي عليه الصلاة والسلام إلى كيفية العلاج من السحر، فقد سُحر النبي عليه الصلاة والسلام فأنزلت عليه سورة الفلق، ورقى نفسه حتى شفي.

    1.   

    سياق ما روي في أن السحر له حقيقة

    إن الحمد لله تعالى، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وبعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    هل السحر حقيقة أم خيال؟ والخيال: بمعنى التخييل، والوهم: أن يتوهم الإنسان أن التراب صار ذهباً، أو أن الذهب صار تراباً، أم أنه بالفعل قد صار الأبيض أسود، أو صار الأسود أبيض؟

    اختلف العلماء: هل للسحر حقيقة في قلب طبائع الأشياء وأصولها، أم أنه ما هو إلا تخييل؟

    يقول الله تعالى: يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى [طه:66] فهل هذا تخييل أم أنها بالفعل كانت تسعى، فانقلبت وتحولت من عصا إلى حية؟ أم أنه خيل إليه فقط أنها تسعى، وهي في حقيقة الأمر لا تسعى؟

    اختلف أهل العلم في هذه القضية: هل للسحر حقيقة أم أنه خيالات وأوهام؟

    وهذه مسألة محل بحث، وسوف نسرد الأدلة فيها فيما يلي:

    أولاً: قال الله عز وجل: وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ [البقرة:102].

    فتبين بهذا أن السحر علم، وباتفاق أهل العلم أنه من العلوم الضارة.

    والعلوم: إما نافعة، وإما ضارة.

    فالعلوم النافعة: هي التي تخدم دين الله عز وجل، أو أنها هي من دين الله، كعلم التفسير، وعلم التوحيد والعقيدة، وعلم الحديث وعلم الفقه، والعلوم التي تخدم هذه العلوم وهي علوم الآلة: كعلم اللغة العربية والأدب وغير ذلك، وأصول الفقه وأصول الحديث، كل هذه العلوم تسمى علوم الآلة، وهي التي نتوصل من خلالها إلى فهم كتاب الله تعالى، وفهم سنة النبي عليه الصلاة والسلام، وفهم الفقه الصحيح على هذه الأصول الشرعية.

    فالعلوم هذه هي العلوم النافعة، ومن العلوم النافعة كذلك: العلوم التي تخدم عمارة الكون بما لا يتعارض مع دين الله عز وجل، كعلوم الطب والفيزياء والهندسة وغير ذلك.

    أما العلوم الضارة فهي العلوم المحرمة، كعلم النجوم، أن تتعلم من النجوم ما يعارض الشرع، وعلم السحر وعلم التنجيم، وعلم السيمة الذي يعرف عند السلف بعلم السيمياء، وهو الذي عبر عنه بعض المفسرين: بمعرفة طبائع وأصول الأحرف، فهذا علم قد تبنته البهائية يقولون: بسم الله الرحمن الرحيم، الباء تعني كذا والسين تعني كذا، والميم تعني كذا، وهذا في الحقيقة لا علاقة له أبداً بالمنهجية السلفية في تفسير كتاب الله عز وجل.

    فهذا من العلوم الضارة كذلك، وقد تبنته بعض الفرق الضالة، وغير ذلك من العلوم التي تتعارض مع دين الله عز وجل حلاً وحرمة.

    وقال تعالى: فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ [يونس:80]؛ أي: الذين يسحرون غيرهم.

    وقال تعالى: وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ [الأعراف:116].

    فهذه الآيات كلها تدل على أن للسحر حقيقة، وهذا مذهب جماهير العلماء أن السحر له حقيقة.

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [وعن عمر، وعثمان، وجندب ، وعائشة ، وحفصة أنهم أمروا بقتل الساحر وقالوا: حد الساحر ضربة بالسيف].

    شرح حديث عائشة في سحر النبي صلى الله عليه وسلم

    قال: [وعن عائشة قالت: (سحر رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إنه يخيل إليه أنه يفعل الشيء وما فعله)]، بسبب السحر الذي سحر به عليه الصلاة والسلام.

    قال: [وعن عائشة قالت: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أصابه شيء - أي: من السحر - حتى كان يرى أنه يأتي نساءه ولا يأتيهن)].

    وهو في حقيقة الأمر لم يأتهن، لكنه كان يخيل إليه أنه قد أتاهن، فانتبه من نومه فقال: [(يا عائشة، إن الله تعالى أفتاني فيما استفتيته)]، يعني: إن الله تعالى أراني حقيقة رؤيا قد رأيتها، (أتاني آتيان -أي: رجلان- فقعد أحدهما عند رأسي، والآخر عند رجلي فقال أحدهما للآخر: ما بال الرجل؟ قال: مطبوب)، يعني: مسحور، من الطب، وسموا المرض علاجاً أو صحة كما سموا السحر طباً من باب التفاؤل، كما سموا الشقاء سعادة من باب التفاؤل.

    [(قال: ومن طبه؟ قال: لبيد بن الأعصم)]، ولبيد بن الأعصم رجل من اليهود سحر النبي صلى الله عليه وسلم، [(قال الملك لصاحبه: فيم؟ قال: في مشط ومشاطة)]، المشط هو الذي يرجل به الشعر، والمشاطة: هي الشعر الذي يخرج في أثناء التمشيط وتسريح الشعر.

    قال: [(وأين؟ قال: في جف طلعة ذكر تحت راعوفة في بئر ذروان)]، أي: في طلعة نخل، وأنتم تعلمون أن قشر النخل يسمى الطلعة، فقد وضعه لبيد بن الأعصم في هذه الطلعة في بئر يسمى: بئر ذروان.

    قال: [(فأتى النبي صلى الله عليه وسلم البئر فاستخرجه)].

    وفي رواية عند البخاري كذلك: (أنه أرسل بعض أصحابه فاستخرجه، وقال النبي عليه الصلاة والسلام: هذه البئر التي رأيتها كأن ماءها نقاعة الحناء).

    أي: هذه البئر هي التي قد رأيتها في المنام، وكأن ماءه كماء الحناء المنقوع، قال: (وكأن نخلها رءوس الشياطين)، يعني النخل الذي خرج من هذا البئر كأنه رءوس الشياطين.

    قال: [(قالت عائشة : فقلت له: ألا تنتصر يا رسول الله!)].

    وفي رواية: (ألا تنتشر)، أي: ألا تعالج نفسك بالنشرة، والنشرة عند المسلمين الأوائل وعند العرب معروفة، وهي: ضرب من ضروب العلاج كان الصحابة رضي الله عنهم يتعاطونه، ولا يزال إلى يومنا هذا من يتعاطى النشرة ويعالج بها من بعض الأمراض.

    علاج السحر وشروط الانتفاع به

    كثير من الشباب في مقتبل عمرهم الزوجي أو بعد زواجهم، يشكون أنهم لا يقدرون على وصل نسائهم، فيشكو ذلك ولا علة فيه في الحقيقة، فهو يرى أنه كان قبل أن يقترب من امرأته طبيعياً، فإذا اقترب منها لا يقوى على وصالها.

    فلاشك أن العلاج الشرعي في هذه القضايا هو ما أسماه العلماء: بالنشرة، وهي عبارة عن سبع ورقات خضر من ورق السدر، أو ورق النبق، والسدر والنبق هما شجرة واحدة تسمى السدر، وتسمى النبق في بعض النصوص، فتؤخذ الورقات السبع وتدق بين حجرين دقاً، ويطحنهما طحناً، حتى يصيرا كالعجينة، ثم يضعها في ماء كثير يسع للاغتسال، ثم يقرأ على هذا الماء آية الكرسي، والفاتحة، ويقرأ المعوذتين والإخلاص، يفعل ذلك ثلاث مرات، ثم يشرب من هذا الماء ويتظلع، فإذا شبع من هذا الماء اغتسل بالباقي.

    ويعتقد أن العلاج من عند الله عز وجل، وأن الشفاء من عند الله؛ لأن اعتقادك أن الدواء شفاء بذاته هذا باب من أبواب الشرك، وإنما الدواء سبيل وسبب للشفاء، أما الشافي على الحقيقة فهو الله عز وجل.

    وترك الأسباب -كما يقول أهل العلم- قدح في التوحيد، والاعتماد على الأسباب شرك بالله تعالى.

    قدح في التوحيد أن تترك السبب، وشرك بالله أن تعتمد على السبب، تقول: أنا مريض بكذا، وعلاج هذا المرض هو الدواء الفلاني، فكوني قد أخذت هذا الدواء فلابد أن يتم العلاج، وأن يذهب الداء وأن تذهب العلة؛ لأن هذا الداء يناسبه الدواء، فإما أن يتعاطى الرجل الدواء بنسبة معينة، فتوافق هذه الجرعات ما عندك من مرض.

    أما تعلمون أن النبي عليه الصلاة والسلام أتاه رجل وقال: (يا رسول الله! إن أخي يشتكي بطنه، فقال: أسقه عسلاً، فذهب فأمر أخاه أن يشرب العسل، ثم أتاه مرة أخرى فقال: (يا رسول الله، إن أخي لا يزال يشتكي بطنه، قال: أسقه عسلاً، فعل ذلك ثلاث مرات، وفي الثالثة قال النبي عليه الصلاة والسلام: صدق الله وكذبت بطن أخيك)؛ لأن الله تعالى صادق فيما أخبر سبحانه وتعالى: فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ [النحل:69].

    يقول ابن القيم في شرح هذا الحديث: العلاج لا يؤثر في الداء إلا إذا ساواه في العطية.

    فربما لا يذهب الداء إلا إذا أخذت جرعة بمقدار معين، أما إذا أخذت أكثر منها أو أقل فلا.

    ألا ترون أن رجلاً يذهب إلى الصيدلية فيأتي بزجاجة من الأدوية فيتعجل الشفاء زعماً وظناً منه أنه لو تناولها كلها لكان ذلك أعجل في ذهاب المرض، فإذا به يموت أو يسم أو يمرض مرضاً خطيراً أعظم مما كان عنده، فيقول: كيف ذلك وقد أخذت العلاج أخذاً ربما لم يأخذه أحد مثلي؟! نعم لم يأخذه أحد مثلك، لكنك أخطأت الطريق، وربما وصفها لك الطبيب أن تشرب ملعقتين، فأنت شربت ملعقة واحدة، فقد أخذت جرعة أقل من الجرعة المطلوبة التي توازي مقاومة الداء، وهكذا في كل علاج.

    هب أنك أخذت العلاج المناسب للداء، ولكن الله تعالى ما أذن لهذا الدواء أن يقوم بدور الطعام في البدن، وأن تكون في هذه الحالة قد قمت بأخذ السبب، كما لو أنك أردت أن تتزوج، وأن يكون لك ولد، فالسبب الموصل لحصول الولد أن تتزوج، ولا يتصور أن إنساناً عاصياً يقول: الله تعالى قادر أن يرزقني الولد بغير زوجة، فأنا أطلب من الله أن يرزقني الولد، ولكني أعزم ألا أتزوج، هذا لا يقوله إلا إنسان مجنون قد ذهب عقله.

    أو يقول: الله تعالى قادر على أن يطعمني ويسقيني، نعم هو قادر على ذلك، ولكن القادر على ذلك هو الذي أمرك أن تأكل وأن تشرب؛ لأن الطعام والشراب سبب، وربما أكلت وشربت قدر ما يأكل عشرة وزيادة، ولكنك لا تشعر بالشبع ولا بالري؛ لأن الله أفقد من هذا الطعام خاصية الشبع، أراد لك أن تكون جائعاً مهما أكلت، فالذي يشبع في الحقيقة هو الله، والذي يروي من الضمأ في الحقيقة هو الله.

    وربما تشرب، أو يشرب الإنسان الماء، ثم يشرب بعد الماء ماءً، وبعد الماء ماءً، وهكذا، ومع هذا يشعر دائماً بأنه عطشان، وإذا أراد الله تعالى لآخر أن يروى ولو بجرعة أو شربة ماء لكان ذلك، والله تعالى على كل شيء قدير.

    إذاً: فلابد من اتخاذ الأسباب وعدم الركون إليها، ولذلك قال النبي عليه الصلاة والسلام: (ماء زمزم طعام طعم وشفاء سقم)، يعني: من شرب ماء زمزم بنية أنه طعام طعم كفاه هذا الماء، وأنتم تعلمون أن أبا ذر الغفاري رضي الله تعالى عنه ظل في أول العهد المكي في بئر زمزم أربعين يوماً ليس له من طعام إلا التمر، ولا من شراب إلا ماء زمزم، وخرج وقد صارت بطنه تجاعيد لحم من غذاء الماء، ومن غذاء التمر.

    رجل لا طعام له إلا التمر والماء، مع أن الواحد منا الآن توضع أمامه المشنة من التمر والقلال من ماء زمزم، فإذا فرغ منها قال: أين الطعام؟ كأنه لا يعتمد على هذا، ولو لمجرد أنه سبب.

    والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: (ماء زمزم لما شرب له).

    تذهب إلى الحرم، وتشرب ماء زمزم بنية طلب العلم والجد فيه، وأن تبلغ فيه مبلغ السيوطي وابن حجر وفلان وفلان، وأنت في قمة الكسل لا تفكر مرة أن تحضر مجلس علم، ولا حتى أن تسمع شريطاً، ولا أن تنظر في كتاب، كيف ستحصل العلم إذاً؟ أنت الذي قصرت في اتخاذ السبب، تقول: يا رب أنا أشرب ماء زمزم بنية حفظ القرآن الكريم، وهو من أبعد الناس عنه، ليس في بيته مصحف، ولا يفكر كذلك في شراء نسخة من كتاب الله عز وجل، كيف تحفظ كتاب الله وأنت هكذا؟

    الأسباب الأرضية ما هي إلا أسباب لمسبباتها، ولكن الله تعالى هو مالك ذلك كله وخالق ذلك كله، والله تعالى قادر على إطعامك وسقيك ورزقك الولد من غير امرأة، كل ذلك في مقدور الله، لا خلاف على ذلك، لكن الله تعالى الذي أمرنا بهذا هو الذي أمرنا باتخاذ الأسباب.

    أما الاعتماد على السبب، والركون إليه كالشفاء في الدواء هذا، وطلب العلم في شرب ماء زمزم، ولا يمكن لي أبداً طلب العلم إلا بعد أن أشرب من ماء زمزم بهذه النية، فهذا اعتماد على السبب وهو شرك بالله تعالى، وترك الأسباب قدح في التوحيد.

    قال: (وأين هو؟ قال: في جف طلعة نخل تحت راعوفة في بئر ذروان، قالت: فأتى النبي صلى الله عليه وسلم البئر فاستخرجه وقال النبي صلى الله عليه وسلم: هذه البئر التي رأيتها كأن ماءها نقاعة من الحناء، وكأن نخلها رءوس الشياطين، قالت عائشة : فقلت: يا رسول الله! ألا تنتصر)، أي: ألا تنتصر من لبيد بن الأعصم الذي سحرك.

    وفي رواية: (ألا تنتشر)، أي: ألا تعالج نفسك بالنشرة، وهي: أن تأتي بسبع ورقات من ورق النبق أو السدر خضر فتدقها بين حجرين حتى تصير عجيناً، ثم تطرحها في مقدار من الماء يكفي للاستحمام، وتقرأ عليها فاتحة الكتاب، وآية الكرسي، والإخلاص والمعوذتين ثلاث مرات، ثم تشرب من هذا الماء حتى تتضلع أنت وامرأتك، وهذا لمن يشكو أنه لا يستطيع أن يصل إلى امرأته أو أصابته علة أو آفة، وهو في الحقيقة: إما محجوز أو مربوط كما يسميه العامة بالربط.

    إنسان مربوط عن امرأته، أو امرأة مربوطة عن زوجها، كأنها كتلة من الحجر أو الصخر، لا يستطيع زوجها أن يقربها، ولا تأبى هذه المرأة أو تأنف أن يقربها زوجها، وهذا نوع من الربط، أو الحسد.

    فإذا كان كذلك فالحل بإذن الله تعالى في هذه النشرة، والنشرة سبب، يشرب منها هو وزوجته، ثم يغتسل هو وهي بالماء الباقي، يفعل ذلك مرة واثنتين وثلاثاً؛ حتى يذهب الله تعالى هذا الداء، هذا ما يسمى عند العلماء بالنشرة.

    وكان علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه إذا أصيب بكرب أو هم، أو نزل به بلاء يأخذ شيئاً من ماء زمزم وديناراً من مال امرأته، ثم يغسل هذا الدينار بالماء ثم يتصدق به.

    ولم يخالف في ذلك من قبل الصحابة ولا من بعدهم أن هذا إن شاء الله تعالى مفرج للهم وغير ذلك فضلاً عن الدعاء، وفضلاً عن استخراج الجن أو السحر الذي أصيب به الإنسان.

    الرد على من أنكر أن النبي سحر

    قال: [قال النبي عليه الصلاة والسلام: (أما أنا فقد شفاني الله، وأكره أن أثير على أحد شيئاً) -يعني: أنا أكره أن أثير على أحد ولو كان يهودياً شيئاً تقوم به الفتنة- ونزلت: قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ * مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ [الفلق:1-2]... إلى آخر السورة].

    وهذا الحديث في صحيح البخاري ، ومسلم.

    والعجيب أن هذا الحديث أثار جدلاً لدى الأوساط العلمية، لكن في الحقيقة: لم يقل بتأويل هذا الحديث وصرفه عن ظاهره إلا كل إنسان فقد عقله، أو على الأقل لم تنضبط عنده الأصول العلمية السلفية.

    فالكثير يستنكر هذا الحديث ويقول: هو حديث في غاية النكارة.

    وليس في الحديث نكارة، ونحن قد علمنا أن الحديث في الصحيحين، اتفق عليه البخاري ومسلم ، فكيف يحكم عليه بالنكارة، وإذا كان الحديث متفقاً عليه فهو في أعلى درجات الصحة؟

    فكيف يحكم عليه بالنكارة لمجرد أن عقول هؤلاء لم تقبله؟ ولم يقل بإنكار هذا الحديث إلا المعتزلة والجهمية.

    المعتزلة الذين اعتمدوا العقل أصلاً في قبول الأخبار أو ردها، فما وافق العقل من الأخبار قبلوه، وما رده العقل من الأخبار ردوه ولم يعتمدوه.

    واعتبروا أن العقل حاكم على النص، والحقيقة عند أهل السنة: أن النص حاكم على العقل، وإلا لو كان العقل حاكماً على النص، فالعقول مختلفة ومتباينة، فما يقبل هذا لا يقبله ذاك والعكس بالعكس، وبالتالي: لا تنضبط الأمور العلمية، ولا تستقر الأحكام الشرعية، فيحصل اضطراب وخلل في المسائل الشرعية، بل في دين الله عز وجل كله.

    ولذلك قبل العلماء هذا الحديث؛ لأنه قد توفرت فيه شروط الثبوت كلها، ومعلوم أن شروط القبول أو الثبوت كثيرة جداً اتفق العلماء على بعضها واختلفوا في البعض الآخر.

    أما ما اتفقوا عليه بغير منازع فهو: شرط اتصال الرواية، وعدالة الرواة، وضبط الرواة، وانتفاء الشذوذ والعلة، هذه خمسة شروط اتفق عليها العلماء.

    فهذا الحديث قد توفرت فيه هذه الشروط الخمسة.

    واتفق البخاري ومسلم على إخراج هذا الحديث، وكما يقول العلماء: الأحاديث المتفق عليها عند البخاري ومسلم في أعلى درجات الصحة، ليس صحيحاً فحسب، بل في قمة درجات الصحة، فكيف ترد هذه الأخبار لمجرد التوهم العقلي أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يسحر؟

    ثم يثيرون شبهة أخرى فيقولون: سحر النبي عليه الصلاة والسلام يؤدي إلى إبطال الشرع بعدم الوثوق في كلام النبي عليه الصلاة والسلام؛ لأنه كان يخيل إليه أنه يفعل الشيء ولم يفعله، وأنه يأتي نساءه ولم يأتهن، لكن يخيل إليه ذلك.

    فما المانع أن يخيل إليه أن الله تعالى أوحى إليه وفي الحقيقة لم يوح إليه؟ فيتكلم بكلام يظن أنه وحي وليس الأمر كذلك.

    هكذا أثاروا هذه الشبهة، والرد عليها: أن التخييل في السحر: هو من باب الأمراض التي تلحق الأنبياء، فإن الأنبياء يبتلون ويمرضون، ويعذبون، كما فعلت بنو إسرائيل في أنبيائها، والنبي عليه الصلاة والسلام كان يمرض بالحمى وبالسخونة، وكان يوعك في فراشه وعك اثنين منكم، كما قال: (إني أوعك كما يوعك الاثنين منكم)، يعني: يتألم، وقال في سكرة الموت: (إن للموت لسكرات)، وكان يعاني منها عليه الصلاة والسلام.

    والنبي صلى الله عليه وسلم جلس مدة من الزمان قبل أن يموت بساعات وهو مريض أصابته الحمى، وغير ذلك من الأمراض التي يشترك فيها الأنبياء مع غير الأنبياء.

    وهذا أمر لا يؤثر على الوحي مطلقاً، ودليل ذلك: أن النبي عليه الصلاة والسلام لم ينس شيئاً مما أوحى الله تعالى به إليه، وكلفه أن يبلغ ذلك إلى الأمة.

    عصمة النبي في باب البلاغ

    أما عصمة النبي صلى الله عليه وسلم في باب التلقي والبلاغ فثابتة بالقرآن والسنة، وإجماع الأمة.

    فالنبي عليه الصلاة والسلام معصوم فيما تلقى عن ربه وفيما بلغه إلى الناس، لم يخف عنه شيئاً، ولم يزد في الشرع شيئاً، هذا أمر محل إجماع، ودليل الإجماع: نصوص الكتاب والسنة، ولذلك النسيان عرض من الأعراض، وقد أصيب النبي صلى الله عليه وسلم بالنسيان، ولو قلنا: إن النبي صلى الله عليه وسلم لا ينسى أو أن نسيان الأنبياء يطعن في الشرع؛ لأنه ربما نسي حكماً شرعياً، فأبدل مكانه كلاماً من عنده ظناً منه أنه وحي وليس كذلك، فلابد أن نقول حينئذ: إن نسيان الأنبياء أمر قد يقدح في الشرع، وليس كذلك باتفاق؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام نسي ولكن نسيانه لم يكن له أدنى تأثير على الوحي، لا من قريب ولا من بعيد؛ بدليل أنه عليه الصلاة والسلام سمع رجلاً من أصحابه يقرأ في المسجد والنبي صلى الله عليه وسلم في بيته، فقال: (يرحم الله فلاناً قد ذكرني آية كنت قد نسيتها).

    وقد صلى النبي عليه الصلاة والسلام الظهر مرة ركعتين، ثم سلم، فتهمهم الصحابة فيما بينهم، ولم يجرؤ أحد أن يراجع النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك إلا رجلاً طويلة يداه يلقب: بذي اليدين ، فقام إليه وقال: يا رسول الله! أقصرت الصلاة أم نسيت؟ لم ينكر عليه النبي صلى الله عليه وسلم قوله: أم نسيت، ولو كان النسيان ممتنعاً في حق الأنبياء لقال له: كيف تعتقد في النبي صلى الله عليه وسلم أنه ينسى؟ أما علمت أن النسيان يؤثر في الوحي، ويؤثر في البلاغ؟ فلما لم يقل له ذلك؛ فدل هذا على إقرار هذا الصاحب أن الأنبياء ينسون، وأنه لا حرج عليهم في ذلك، وأنهم ما نسوا شيئاً إلا بعد البلاغ.

    ولذلك النبي عليه الصلاة والسلام لما كان يتعجل أن يحفظ ما يلقى إليه عن طريق جبريل ويحاول قبل أن ينصرف جبريل عنه أن يحفظ الآيات التي نزلت، فأنزل الله تعالى قرآناً يضمن له أنه لا ينسى ذلك قبل البلاغ، فقال: لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ * إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ * فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ [القيامة:16-19].

    يعني: لا تتعجل أن تحفظ ما يلقيه عليك جبريل ولا تهتم لذلك، فسيعيده لك مرة واثنتين وثلاثاً وعشراً حتى تحفظه حفظاً جيداً، وتفهم معناه وتأويله وتفسيره، ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ [القيامة:19]، أي: شرحه وتوضيحه وتفسيره، فلا تحمل الهم يا محمد، إنك لن تنسى أمراً قبل أن تبلغه للناس، مستحيل أن يكون ذلك؛ لأن هذا باب من أبواب العصمة.

    فالنبي صلى الله عليه وسلم معصوم من أن يتلقى الوحي عن الله ثم ينساه، وقد لا يبلغه للأمة، هذا مستحيل! ومن قال بذلك كفر بالله تعالى، لأنه يلزمه أن يقول: إن الشريعة لم تتم، وإن الدين لم يكمل، وإن النبي صلى الله عليه وسلم قصر في البلاغ، والله تعالى يقول: يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ [المائدة:67].

    فالنبي عليه الصلاة والسلام ما مات حتى بلغ دين الله تعالى كاملاً، وأقره الله تعالى على ذلك قبيل موته، فأنزل الله تعالى: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا [المائدة:3].

    فالذي يقول: إن النبي صلى الله عليه وسلم نسي أن يبلغ شيئاً يلزمه أن يقول: إن الدين لم يكمل، وإن الشريعة لم تتم، وبالتالي: يلزمه أن يكذب الله تعالى فيما أخبر وقال: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ [المائدة:3]، فإذا كان النبي نسي شيئاً فالدين لم يكمل، فتكون هذه الآية كذب عياذاً بالله تعالى.

    فهذا باب من أبواب الضلال العظيم.

    والنبي عليه الصلاة والسلام لما قام إليه ذو اليدين وقال: يا رسول الله! أقصرت الصلاة؟ أي: أنزل عليك جبريل يأمرك بقصر الصلاة، فصليت الظهر ركعتين بدل الأربع، أم أنك نسيت؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (ما قصرت وما نسيت)، يعني: لم ينزل علي الوحي بأنها قصرت، وما أظن أني نسيت، فقال: يا رسول الله! بل قد صليت ركعتين، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (أصحيح ما يقوله صاحبكم؟ قالوا: نعم يا رسول الله! فقام وكبر وصلى ركعتين ثم سلم، ثم سجد للسهو).

    فالنبي صلى الله عليه وسلم نسي بعد البلاغ، إذ إن ذا اليدين ما قال له ذلك إلا لشرع قد استقر عنده آنفاً أن الظهر أربع ركعات.

    إذاً: النسيان الطارئ على الأنبياء لا يطرأ إلا بعد البلاغ، أما قبل البلاغ فمستحيل؛ لأن هذا يناقض عصمة التلقي والبلاغ، والنبي صلى الله عليه وسلم معصوم، بل كل الأنبياء معصومون في هذا الباب.

    فقالت له عائشة : (يا رسول الله، ألا تنتشر)، أي: ألا تعالج نفسك بالنشرة، قال: (أما أنا فقد شفاني الله، وأكره أن أثير على أحد شيئاً، قالت: ونزلت: قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ * مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ [الفلق:1-2]).. إلى آخر الآيات.

    وابن مسعود رضي الله تعالى عنه كان يعتبر أن المعوذتين ليستا من القرآن الكريم، وإنما هما من أدعية الشفاء التي كان النبي صلى الله عليه وسلم يحافظ عليها ويواظب عليها، فظن ابن مسعود على جلالته وفخامته وعلو كعبه وقدره في العلم أن هاتين السورتين ليستا من كتاب الله، وإنما هما من أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم، وقد أخطأ في ذلك بلا شك.

    شرح حديث: (اجتنبوا السبع الموبقات)

    قال: [وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (اجتنبوا السبع الموبقات)]، أي: إياكم أن تقربوا هذه الموبقات المهلكات التي إذا اجتمعت على صاحبها، أو انفردت به واحدة منهن أهلكته ودمرته، والسبع الموبقات، أي: المهلكات.

    قال: [(قيل: يا رسول الله، وما هن؟ قال: الشرك بالله)]؛ لأن الشرك بالله أعظم ذنب، وهو الذنب الذي لا يغفره الله تعالى، كما قال: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ [النساء:48].

    والذي دون الشرك هو الكبائر والصغائر من الذنوب، أما الشرك فهو أكبر الكبائر على الإطلاق، وهو الذنب الذي لا يغفره الله، إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ [النساء:48]، ومغفرة ما دون الشرك متعلق بالمشيئة، ولذلك قال: وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ [النساء:48]، وأصحاب الكبائر في مشيئة الله إن شاء عذبهم غير ظالم لهم، وإن شاء عفا عنهم متفضلاً عليهم سبحانه وتعالى.

    وقال الله تعالى: وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ [الحج:31]، وغير ذلك من آيات الوعيد والتهديد فيمن أشرك بالله تعالى.

    قال: [(اجتنبوا السبع الموبقات. قيل: يا رسول الله! ما هن؟ قال: الإشراك بالله، والسحر)].

    فتبين أن السحر له حقيقة، وله واقع، والعجيب: أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر السحر بعد الشرك بالله، فكأنه من أخطر الذنوب والمعاصي.

    ومن أهل العلم من ذهب إلى كفر الساحر، بل ذهب جماهير العلماء إلى أن الساحر كافر.

    قال: [(وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق)]، فكل نفس معصومة إلا ما أحل الله تعالى إزهاقها، كما قال عليه الصلاة والسلام: (لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس، والثيب الزاني، والتارك لدينه المفارق للجماعة).

    ( النفس بالنفس ) يعني: لا تقتل نفس إلا إذا قتلت، فتقتل حداً وقصاصاً بمن قتلتها.

    ( والتارك لدينه المفارق لجماعة المسلمين ) هو المرتد.

    و(الثيب الزاني) ولم يقل: الزاني؛ لأن مطلق الزنا قبل الإحصان لا يستوجب إلا الجلد مائة وتغريب عام على خلاف في التغريب، فإن بلاد الكفر لا يأمن المرء فيها على دينه، فكأنه في سياحة لا منفى.

    أنت كنت تشعر بشيء مما يسميه الغرب: الحرية، فهذه كذبة، ولا تزال معلومة لأهل العلم وأهل الإيمان أنها كذبة وخدعة، والله ليست حرية مطلقة، ما قيمة الحرية إذا أعطتني هذه البلاد حرية الزنا، والقتل، والخمر، وأكل الخنزير، والتعامل بالربا؟ هذا هو السجن الحقيقي الذي يؤدي بصاحبه إلى نار جهنم عياذاً بالله.

    فمهما عومل المرء في بلاد الإسلام بعنف وقوة وقسوة فهو خير له ألف مرة من بلاد يرى فيها في الظاهر الحرية، وهي ليست كذلك، أي حرية من يحكي لك الكبائر، ويقصها لك، ومستعد أن يقبل منك أي حل إلا أن تقول له: اذهب إلى بلادك وارجع إلى بلادك، فلا يقبل هذا الحل؛ لأنه ألف حياة المعاصي، وأنتم تعلمون أن المعصية الأولى تؤدي إلى الثانية، والثانية تؤدي إلى الثالثة وهكذا، ولا يزال المرء إذا عصى الله تعالى في أمر من الأمور يستعظم المعصية في أول الأمر، فالذي يزني مثلاً أو يشرب الخمر، كان مثلك تماماً قبل أن يزني أو يشرب، كان لا يستسيغه، لكن مرة مع الثانية مع الثالثة استساغه، وصار أمراً مألوفاً له، وكذلك الزاني إذا زنى أول مرة ارتعدت فرائصه، وظن أن الله تعالى لا يغفر له، ثم يمنيه الشيطان ويزين له المعصية مرة ثانية وثالثة ورابعة وعاشرة حتى يدمن الزنا، ولا يستغني عنه إلا من رحم الله.

    ثم بعد ذلك هذا الشعور الإيماني الذي ارتجف منه في أول مرة لا يشعر به بعد ذلك، فيموت قلبه تماماً ولا يفكر في الله تعالى، ولا يفكر لا في جنة ولا في نار، إنما جنته هي فعله سائر المحرمات، نسأل الله العافية لنا ولكم.

    فهذه الحرية التي يتمتع بها بلاد الغرب ما هي بالنسبة للمؤمن إلا نار جهنم، ولذلك أهل الإيمان لا يطيقون أبداً المكث في بلاد الكفر، وهم مأمورون أن يتركوا هذه البلاد، وأن يذهبوا إلى بلاد المسلمين، خاصة في هذه الأيام التي صارت فيها أوروبا وأمريكا بلاد حرب على الإسلام والمسلمين، ويجب على المسلمين والموحدين في كل بلاد أوروبا وأمريكا أن يتركوها وأن يعودوا إلى بلادهم شاءوا أم أبوا، فهذا حكم الله عز وجل.

    قال: [(الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا)]، فالربا من أعظم الكبائر، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: (من أكل ديناراً من الربا وهو يعلم أنه ربا فهو أشد عند الله من ست وثلاثين زنية)، مَن مِن الناس يستشعر أنه وهو يأكل مال الربا أنه يقع في ذنب أعظم من ست وثلاثين مرة من الزنا مع أن الزنا أمر قبيح؟!

    وقال عليه الصلاة والسلام: (الربا اثنان وسبعون حوباً -أي: إثماً وذنباً- أدناها مثل أن يأتي الرجل أمه في الإسلام).

    ولذلك بين الله تعالى في سورة البقرة أن تعاطي الربا والتعامل بالربا إنما هو إعلان للحرب من جهة العبد مع الله عز وجل، ولذلك قال: وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ [البقرة:279].

    فلو كان هناك رجل يتاجر بمال حلال قدره مائة ألف، ثم صار هذا المال بالربا مليون جنيه، فيتخلص من تسعمائة ألف جنيه، ولا يبقي له إلا رأس المال فقط.

    أما ما نما وربا وزاد من الصدقة فإن الله يربيها وينميها له، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: (تصدقوا ولو بشق تمرة)، ولا يعجز أحدنا أن يكون من المتصدقين أبداً.

    قال: [(وأكل مال اليتيم)]، من أكبر الكبائر أكل مال اليتيم، أي: قبل البلوغ، لأنه لا يتم بعد البلوغ، وإنما اليتم قبل البلوغ.

    واليتيم: هو من فقد والده، ويكون يتيماً حتى يبلغ، فإذا بلغ وكان عاقلاً لا يكون يتيماً بل يثبت له التصرف في ماله، وترتفع عنه الوصاية.

    ونحن في هذا الوقت نسمع أن اليتيم يتيم الأم، أو يتيم العلم، يعني: الجاهل، وهذا الكلام فارغ، ليس له أصل من الدين، ولا من لسان العرب.

    قال: [(والتولي يوم الزحف)]، قال تعالى: إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ [الأنفال:16]، فهذا من أكبر الكبائر أن تهرب من ساحة القتال، تصور أنك تجاهد، ثم تجاهد، ثم تجاهد وتتعرض لبريق السيوف، ونيران الطيران، وطلقات الدبابات وغيرها، ثم أنت في نهاية الأمر لا تصبر فتولي الدبر تجري وتترك ساحة القتال، تأتي بعد هذا الصمت والعذاب كله يوم القيامة قد ارتكبت كبيرة من الكبائر، فإن شاء الله تعالى عفا عنك، وإن شاء عذبك، فالتولي يوم الزحف أي: يوم القتال بأن تترك صف المجاهدين وتنطلق إلى سبيلك.

    قال: [(وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات)]، (المحصنات) أي: الحرائر.

    (الغافلات)، أي: اللاتي لا علاقة لهن، ولا يعلمن بأحوال الرجال، الحرائر العفيفات المؤمنات، وقذفهن بأن تقول: رأيت فلانة تمشي مع فلان! يا سلام! (وهل يكب الناس في النار على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم)، لو كل إنسان يحفظ لسانه لسلم المجتمع من آفات كثيرة، (وإن الرجل ليتكلم بالكلمة لا يلقي لها بالاً من سخط الله فيلقى بها في النار سبعين خريفاً).

    فهذا أمر خطير، والشهادة بالزنا يلزمها أربعة شهود، وقد رأوا الإيلاج، لا يكفي أن يروا الرجل دخل البيت في غياب صاحبه وأغلق الباب، ونحن لو رأينا واحداً في هذا الوقت داخلاً في غياب صاحب الشقة لابد أن نقطع بأنه قد زنى بامرأة البيت، وهذا حرام لا يجوز؛ إذ إنه لا يلزم من ذلك وقوع الزنا.

    وأنت بعملك هذا تخرب البيت وتدمر الحياة لأدنى شبهة، وهذا الكلام ليس من حقك شرعاً.

    فإن أربعة قد أتوا لأمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، أما الأول فقال: يا أمير المؤمنين لقد رأيته يزني، والثاني بعد أن ذكره عمر بالله تعالى قال: والله يا أمير المؤمنين لقد رأيته يزني، وقال الثالث كذلك.

    أما الرابع فجلس أمام أمير المؤمنين وقال له أمير المؤمنين: يا فلان! اتق الله عز وجل، فإنك معروض على الله تعالى وهو سائلك عما تقول، هل رأيت شيئاً؟ قال: والله يا أمير المؤمنين ما رأيت إلا شراً، قال: وما رأيت؟ قال: رأيت اثنين قد التحفا بلحاف واحد يرتفع وينخفض. فقام أمير المؤمنين وقال: الله أكبر! الحمد لله الذي صرف الحد عنهما، ثم أقام حد القذف على الثلاثة الذين أقسموا بالله أنهم قد رأوا الزنا بأعينهم.

    ومن نظافة المجتمع المسلم أنه لا يقيم الحد إلا على من تيقن وجود النصاب الشرعي، وبالطريقة المشروعة أن فلاناً قد وقع في الزنا.

    وأما هؤلاء الثلاثة فقد اقام عليهم أمير المؤمنين حد القذف؛ لأنهم قذفوا رجلاً ولم يستكملوا النصاب وهو أربعة شهداء.

    ومجلة الحوادث ما نشرت إلا لانتشار الفاحشة، وليفسد المجتمع، فكم من إنسان غافل محصن لاه عن ذلك حتى يقرأ ذلك في المجلات والصحف، فيريد أن يجرب التجربة بنفسه، وهذا باب لانتشار الفاحشة وإشاعتها في الذين آمنوا.

    ولذلك ما انتشرت الفواحش إلا بعد أن أعلنت وانتشرت، أنا لا أريد أن أشارك القوم في مثل هذا البلاء، لكنكم تعلمون حجم البضاعة التي تطرح على مجلات الحوادث وصفحات الحوادث، وما ازدادت الجرائم وانتشرت وصارت إلفاً مألوفاً في المجتمع إلا بهذا الانتشار على الصفحات الرسمية وغير الرسمية.

    وهذا باب عظيم جداً من أبواب انتشار الفاحشة.

    النهي عن تعلم السحر وممارسته

    قال: [وعن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من تعلم باباً من النجوم تعلم باباً من السحر زاد ما زاد)]، أي: فمن تعلم باباً من النجوم فقد تعلم باباً من السحر، والله تعالى يقول: وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ [النحل:16]، فبين أن للنجم منفعة كما بين أن للنجم مضرة ومفسدة، فمنفعة النجم: أن تهتدي به إلى الطرق، وإلى الأوطان، ومعرفة الأشهر بدايتها ونهايتها وغير ذلك، وهذا من العلم النافع بالنجوم، والعلم المضر كما قال النبي عليه الصلاة والسلام (قال الله تعالى: أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر، أما من قال: مطرنا بفضل الله فهذا مؤمن بي كافر بالكوكب، ومن قال: مطرنا بنوء كذا وكذا، فقد أصبح كافراً بي مؤمناً بالكوكب).

    قال: [وعن عمرو بن دينار أنه سمع بجالة بن عبدة قال: كنت كاتباً لـجزء بن معاوية ثم الأحنف بن قيس ، وأتانا كتاب عمر قبل موته بسنة، قال: اقتلوا كل ساحر وساحرة].

    هذا الكتاب كتبه أمير المؤمنين عمر لولاته: أن اقتلوا كل ساحر وساحرة، وفرقوا بين كل ذي محرم من المجوس.

    يعني: إذا رأيتم الرجل تزوج أمه أو أخته، أو ابنته أو عمته أو خالته أو جدته ففرقوا بينهما، وانهوهم عن الزمزمة، والزمزمة نوع من أنواع السحر.

    قال: [فقتلنا ثلاث سواحر، وفرقنا بين الرجل ومحارمه كما نص على ذلك كتاب الله تعالى.

    وصنع طعاماً كثيراً، وألقوا وقر بغل أو بغلين من ورق، وعرض السيف على فخذه فأكلوا بغير زمزمة]، والحديث يطول شرحه جداً وهو عند البخاري في الصحيح.

    قال: [وعن رجل من ولد عروة بن مسعود أنه دخل على عائشة وسمع أمه وجدته، سمع امرأة تسأل عائشة: هل علي جناح أن أزم جملي؟ أي: هل علي وزر وذنب وإثم أن أسحر جملي؟]، وبلا شك أن الجمل في الظاهر هو الجمل البعير، ولكنها أرادت هنا بالجمل البعل والزوج.

    قال: [فقالت عائشة : لا. قالت: يا أم المؤمنين! إنها تعني زوجها -أي: هذه المرأة لا تقصد الجمل، وإنما تقصد البعل أو الزوج- قالت عائشة : ردوها علي، فقالت وهي راجعة: ملحة ملحة في النار، ملحة ملحة في النار، وهذا كلام يستخدمه السحرة ويفهمون معناه، فقالت عائشة : اغسلوا على أثرها بالماء والسدر]، يعني: اغسلوا أثر خطواتها التي مشتها في الطريق بماء وسدر.

    فتبين أن هذا أحد العلاجات لذهاب السحر، وهو غسل الأماكن بالماء والسدر.

    ما ينبغي أن يتمتع به المعالج بالقرآن من خصال

    والعلاج بالقرآن الكريم لا ننكره، وإنما نقول بمشروعيته، ونعتقد صحته في كتاب الله وسنة الرسول عليه الصلاة والسلام، لكن هؤلاء الإخوة المعالجون بالقرآن في الغالب أنهم يتصدرون بغير علم فيفسدون أكثر مما يصلحون، قد يكون كثير منهم في الغالب ما عنده شغل، وليس له مصدر دخل فيتخذ هذا مصدراً للدخل، وعدته قليلة، فتصور أن هذا أخف عمل يحتاج إلى عدة، فيستقبل المريض على قفاه وعلى وجهه وعلى صدره ويلاقيه وهو كامل البدن فيخرج بغير ذراع، أو بغير رجل، أو بغير ضلع.

    ولم يثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم ضرب أحداً، ولم يثبت عن شيخ الإسلام ولا عن الإمام أحمد ، والإمام أحمد بن حنبل لم يكن متخصصاً بشأن العفاريت، فلم يكن عالم متخصصاً من الأئمة لهذا الكلام.

    فهذا الأمر يريد جبالاً من التقوى، لأن الجني وهو في بدن المصروع يراك قادماً عليه فيفر ويهرب.

    أحمد بن حنبل ثبت عنه رضي الله تعالى عنه ورحمه أنه كان يرسل نعله، كان يبعثه مع ابن هاني ، أو مع عبد الله ولده، فيأتي إلى المصروع، فينطق الجني من غير أن يكلمه عبد الله ولا ابن هاني ، ويقول: قل لـأحمد: لو أمرتنا أن نخرج من بغداد لخرجنا، ليس من هذا المصروع فقط، فـأحمد بن حنبل كان بغدادياً، فهو من بلد صدام ، فأين الثرى من الثريا؟

    أما بعض أهل العلم الموثوق بدينهم وأمانتهم وورعهم، فإن الله تعالى يجري على أيديهم الطيبة الطاهرة كثيراً من الشفاء من حالات المرض، وهذا الذي يقدره الإنسان ويحترمه أشد الاحترام.

    الجن يحتاجون إلى علم راسخ أصيل حتى لا يزل المؤمن مع الجن، فقد يضحك عليه هؤلاء الجن، كما رأيت بعين رأسي منذ سنوات عديدة سنة خمس وثمانين في الجمعية الشرعية بالمنصورة، واحداً من كبار القوم بل أقول: إنه صاحب مدرسة الجن في هذا العصر، أتته امرأة مصروعة على باب المسجد وقال له وليها: هذه امرأة مصروعة، وأريد أن تعالجها، وأن تقرأ عليها، فقرأ عليها إلى أن حضر الجني، فقال له الشيخ: اخرج، قال: لن أخرج إلا إذا أعطيتني سيجارة، ثم قال له الجني: أنا أشربها لكن لابد أن تولعها، فقال له: أولعها لك، ثم قال له الجني: اشرب منها نفسين، فشرب الشيخ منها نفسين ووضع السجارة في فم المصروع، وهكذا أصبح الشيخ بالنسبة للجني لا قيمة له، فالجني عرفه من أول جولة، وانتهى أمره مهما فعل لا يمكن أن يحترمه الجني.

    فتصور أن إنساناً لا يحترم أحداً من الإنس ولا من الجن، هذا لخوائه وفراغه مع الله عز وجل، ولو كان صاحب علم لأخبره بحرمة الدخان فوراً، وأتى له بالآيات والأحاديث التي تذيبه ويجعله يهرب من بدن المصروع.

    إنما هذا الإنسان هو الذي يسيره الجن، فكيف يستقيم هذا؟!

    وهذا رجل أتى إلى هذا المسجد سنة ست وثمانين وسبع وثمانين، وكان له مجلس عظيم جداً يشهده أناس كثيرون، وكان صاحب دعوة زواج الإنسي من جنية، وقال: قال بذلك ابن تيمية ، والإمام مالك .

    وفي الحقيقة الإمامان قالا بإمكانية وقوع ذلك مع حرمتها، وهناك فرق بين إمكانية الوقوع ومشروعية الوقوع، بدليل أن الناس تسرق وتقتل وتزني وتشرب الخمر وغير ذلك، فهذا ممكن الوقوع لكنه ليس مشروعاً، فكذلك زواج الإنس والجن ممكن الوقوع، لكنه ليس مشروعاً.

    وضحك على هذه التفاهة الآلاف من الناس التي كانت تحضر له في هذا المكان، ومن ضمن ما قال: يوم الأحد الآتي سنزوج فلاناً من خشخاشة من الجن، فكلما يقول لها تظهر من أجل أن تنظر تلاقي العدد يزيد أربعة أضعاف، فإذا خشخاشة مشغولة وما قدرت تأتي، واعتذرت لي بالتلفون.

    وقد التقيت به في مؤسسة الريان، وكان قد تقدم باثني عشر كتاباً لكي نطبعها، وكل هذه الكتب عن الجن، قال لي: أنا عندي موسوعة من خمسة وعشرين كتاباً، قلت: لم هذا كله؟ والآيات والأحاديث المتعلقة بهذا العالم لا تتعدى عشر صفحات في كتاب الله وفي سنة الرسول عليه السلام، لم هذا الكم الهائل تشغل الناس بالكلام الفارغ؟ قال لي: هذا كلام فارغ؟ قلت: نعم، وأنا قد أعددت لك رسالة وأسميتها: إرشاد المحتار في الرد على الشيخ العطار.

    فقرأ الرسالة ثم قلت له: سأشرح هذه الرسالة في يوم الأحد القادم في مسجد الرحمة، أنا سأجلس بجانبك وأنت تقول الذي عندك وأنا أقول الذي عندي، فقال لي: لأجل هذا لا تحرجني، قلت له: إذاً: تقسم لي على كتاب الله تعالى أن خشخاشة هذه اتصلت عليك، وأنك تعلم امرأة من الجن معروفة لديك، وأنها على وعد معك أنها ستتزوج محمداً هذا؟ قال: لا والله، ولكن أحببنا أن نجمع الناس؛ لكي نقول لهم أي شيء. فقلت: ما دام أنت جمعت الناس فلم لم تقل شيئاً، وقد ظللت شهر أو شهرين في وسط عمان تعد الناس بإيقاع الزواج، لم لم تنفذه؟!

    فاقتنع الرجل أن هذا غير مشروع، ولا يجوز وقوعه وغير ذلك.

    وحكيت له أن رجلاً كان معنا قبل سنة خمس وسبعين في الأردن، وفعلاً كانت تظهر له امرأة من الجن في غرفته وكان ينام وحده، وطلبت منه الزواج ووافق الرجل، وتوجه إلى الشيخ الألباني رحمه الله تعالى رحمة واسعة وقص عليه الخبر، وقال له: موعدنا في الزواج ليلة الجمعة في المسجد في الجبل الفلاني، وقال للشيخ: أنا أدعوك للحضور، فوافق الشيخ وحضر وحضرنا معه هذا الحفل، وانتظرنا أن تخرج هذه المرأة، وأن يراها الناس، فخرجت ولم يرها إلا العريس، فقال: يا شيخ! هي الآن موجودة معي في المسجد وأنا أراها وأكلمها، وفعلاً كان يكلمها، لكننا لا نسمع لها صوتاً، فقال الشيخ رحمه الله: هل هي مسلمة؟ قال: نعم هي مسلمة، قال: وما علامة إسلامها؟ قال: أنها تسمع مني القرآن وتحب أن تسمعه مني، بل وتطلبه مني، قال الشيخ الألباني رحمه الله: ليس هذا بيت القصيد، إنما بيت القصيد أن تقرأ هي القرآن، فلما طلب منها العريس أن تقرأ القرآن اختفت ولم تظهر بعد.

    وهذا نور العلم، ولو جئت بواحد جاهل بالشرع يتعامل مع هذا العالم الخفي المستور بلا شك أن قدمه سوف تزل.

    والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: (إذا ظهر الدجال فانأ عنه)، يعني: ابتعد عنه مخافة أن تقع في الفتنة، (وإن الرجل ليخرج إليه، وإنه ليرى أنه مؤمن فسرعان ما يتبعه).

    والواحد منا يقول: لا، أنا سأذهب إليه وأنا قوي الإيمان، وفي الأخير تجده واحداً من أتباعه، ويأتي بعد كذا ويدافع عنه وعن مبادئه الباطلة؛ لأنه عرض نفسه للفتنة قبل أن يتمكن من العلم، وقبل أن يرسخ الإيمان في قلبه، وقبل أن تستقر العقيدة في نفسه وقلبه.

    بلاء عظيم جداً أن يرى الإنسان أنه أهل للدخول في مواطن الفتن، مع أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يأمر أصحابه الكرام وجيل الخلفاء الراشدين أن ينأوا بأنفسهم عن مواطن الفتن.

    قصة عائشة رضي الله عنها والمرأة الساحرة

    قال: [عن عائشة رضي الله عنها قالت: قدمت علي امرأة من أهل دومة الجندل جاءت تبتغي رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد موته حداثة ذلك -أي: بعد موته عليه الصلاة والسلام مباشرة، فلازال موته حديثاً- تسأل عن شيء دخلت فيه من أمر السحر ولم تعلم].

    أي: أن هذه المرأة كانت تتعلم السحر، وأتت بعض أعمال السحر وهي لم تعلم أن هذا سحر، لكنها أرادت أن تتوب إلى الله عز وجل، فأتت إلى النبي عليه الصلاة والسلام تسأله عن صحة توبتها.

    قال: [قالت عائشة لـعروة: يا ابن أخي! فرأيتها تبكي حين لم تجد رسول الله صلى الله عليه وسلم فيشفيها، فكانت تبكي حتى إني لأرحمها، تقول: إني لأخاف أن أكون قد هلكت، ثم تقص القصة، قالت: كان لي زوج فغاب عني، فدخلت عليَّ عجوز فشكوت إليها ذلك، فقالت: إن فعلت ما آمرك به فسأجعله يأتي.

    فلما كان الليل جاءتني بكلبين أسودين -والكلب الأسود شيطان بنص الحديث- فركبت أحدهما وركبت الآخر -والكلب لا يركب- فلم يكن كشيء حتى وصلنا إلى بابل -وهي المدينة المعروفة- فإذا برجلين معلقين بأرجلهما، فقالا: ما جاء بك؟ فقلت: أتعلم السحر. فقالا: إنما نحن فتنة فلا تكفري وارجعي، فأبيت وقلت: لا، قالا: فاذهبي إلى ذلك التنور فبولي فيه، فذهبت ففزعت ولم أفعل، فرجعت إليهما فقالا: أفعلت؟ فقلت: نعم. فقالا: هل رأيت شيئاً؟ قلت: لم أر شيئاً، فقالا: لم تفعلي، ما بلت في التنور -والتنور هو الفرن- فارجعي إلى بلادك ولا تكفري، وأبيت -أي: فأرادت أن تتعلم السحر وأبت أن ترجع- فقالا: اذهبي إلى ذلك التنور فبولي فيه، فذهبت فاقشعر جلدي، ثم رجعت إليهما فقلت: قد فعلت، فقالا: فما رأيت؟ فقلت: لم أر شيئاً، فقالا: كذبت لم تفعلي فارجعي إلى بلادك ولا تكفري، فإنك على رأس أمرك]، يعني: أنت الآن لا زلت بخير.

    قال: [قالت: فأبيت فقالا: اذهبي إلى ذلك التنور فبولي فيه، فذهبت إليه فبلت فيه، فرأيت فارساً مقنعاً بحديد قد خرج مني حتى ذهب في السماء وغاب عني].

    يعني: لما بالت في التنور رأت فارساً مقنعاً مربوطاً في الحديد قد خرج من بدنها وصار يحلق في السماء حتى غاب عنها.

    قال: [قالت: حتى ما أراه، فجئتهما فقلت: قد فعلت، فقالا: فما رأيت؟ فقلت: رأيت فارساً مقنعاً خرج مني فذهب في السماء حتى ما أراه، فقالا: صدقت، ذلك إيمانك خرج منك].

    وهذا يؤيد مذهب من ذهب إلى كفر الساحر.

    قال: [ثم قالا: اذهبي، فقلت للمرأة: والله ما أعلم شيئاً وما قالا لي شيئاً، قالت: بلى. إن تريدي شيئاً إلا كان].

    المرأة العجوز تقول لهذه المرأة بعد هذا الذي خرج منها ورأته بعيني رأسها: لا تطلبي شيئاً إلا كان.

    قال: [ثم قالت: خذي هذه الحنطة فابذري، فبذرت، فقلت: اطلعي فطلعت، فقلت: احقلي -أي: املئي الحقل بهذا البذر- فأحقلت، ثم قلت: افركي ففركت، ثم قلت: أيبسي -يعني: صيري جامدة- فيبست، ثم قلت: اطحني فطحنت، ثم قلت: اخبزي فخبزت، فلما رأيت أني لا أريد شيئاً إلا كان سقط في يدي وندمت.

    والله يا أم المؤمنين! ما فعلت شيئاً قط ولا أفعله أبداً، قالت عائشة : فسألت أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم حداثة وفاة النبي صلى الله عليه وسلم وهم يومئذ متوافرون -أي: كثيرون لما سألتهم عن ذلك بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم- فما عرفوا ما يقولون لها].

    وكان أمرهم مبنياً على الورع، فما عرفوا ما يقولون لها، وكلهم هاب وخاف أن يفتيها بما لا يعلم، قال: [إلا أنه قد قال لها ابن عباس أو بعض من كان عنده: لو كان أبواك حيين أو أحدهما. قال هشام : فلو جاءتنا اليوم أفتيناها بالضمان].

    كما يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (الخراج بالضمان).

    يعني: الذي فعلته قبل ذلك أنت ضامنة له، فما أفسدتي شيئاً إلا وقد وجب عليك أن تصلحي ما قد أفسدت.

    1.   

    ما روي عن النبي عليه الصلاة والسلام في أن إبليس خلق من خلق الله

    قال: [ما روي عن النبي عليه الصلاة والسلام في أن إبليس خلق من خلق الله].

    إبليس مصدر الشر، ومع هذا فالله هو الذي خلقه، والله تعالى أذن في وقوع الشر كما أذن في وقوع الخير، وهو الخالق الموجد للشر كما أنه الخالق والموجد للخير.

    أما العبد فهو المكتسب للخير والشر، العبد هو الذي مارس بجوارحه صورة الخير وصورة الشر.

    أما الذي أذن في وجود الخير والشر فهو الله عز وجل.

    قال: [ما روي عن النبي عليه الصلاة والسلام في أن إبليس والجن خلق من خلق الله يرون من يريهم الله لا كما زعمت المبتدعة أن الجن لا حقيقة لهم، وأن إبليس كل رجل سوء]، وهذا قول الفلاسفة وقال بقولهم الجهمية.

    قالوا: ما هناك شيء اسمه المسيح الدجال ، والمهدي المنتظر.

    والمستقر في عقيدة أهل السنة والجماعة: أن عيسى بن مريم لم يمت، ولم يقتل، ولم يصلب، وإنما رفعه الله عز وجل إليه، فهو عنده حي، وسينزل في آخر الزمان يدعو بدعوة نبينا محمد عليه الصلاة والسلام، ويضع يده في يدي المهدي المنتظر، وهو الذي يقتل المسيح الدجال عند باب لد في فلسطين.

    وهذا من عقيدة أهل السنة والجماعة وليس فيها خلاف.

    أما أهل البدع فقالوا: لا يمكن أن يكون هناك شيء اسمه المسيح الدجال ، إنما هو رمز للشر.

    وكذلك المسيح عيسى بن مريم إنما هو رمز للخير، وما ورد أن المسيح عيسى بن مريم يقتل المسيح الدجال، فهو كناية عن انتصار الخير على الشر في آخر الزمان، وهذا ضلال مبين قال به كثير من المعاصرين فضلاً عن المتقدمين.

    فالجهمية أو المبتدعة عموماً أتباع الفلاسفة يقولون: بأن إبليس ليس له حقيقة، ولا كنه، إنما هو رمز الشر، أراد الله عز وجل أن يعبر به على عادة العرب، كالأم لما تريد أن تخوف ابنها تقول: اسكت وإلا سآتي لك بالعفريت، فانبطع في ذهن هذا الغلام الصغير أن العفريت شيء مخيف، فيخرج الولد بهذا الانطباع ويتربى على أن العفريت عبارة عن رمز الشر وليس جسماً، ولا كنهاً.

    وقالوا أيضاً: لا يوجد شيء اسمه إبليس أو شياطين أو جن، إنما هي أسماء للشر.

    كما يقولون أيضاً: السحر مجاز عن الشر، ومعلوم أن السحر له حقيقة، وهذا مذهب جماهير أهل العلم من أهل السنة والجماعة أن السحر له حقيقة.

    وبعضهم يقول: السحر ليس له حقيقة، وإنما هو خيالات وتوهمات، وهذا بلا شك رأي فاسد باطل ترد عليه أدلة الرأي الأول.

    قال: [قال أبو ثعلبة الخشني رضي الله عنه: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إن الجن على ثلاثة أصناف: ثلث لهم أجنحة يطيرون في الهواء، وثلث حيات وكلاب، وثلث يحلون ويظعنون)]، يعني: يروحون ويجيئون مسافرين قاعدين وغير ذلك.

    قال: [وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: (أمرني النبي صلى الله عليه وسلم أن أحتفظ بزكاة رمضان، وأتاني آت من الليل، فجعل يحثو من الطعام، فأخذته فقلت: لأرفعنك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: دعني فإني محتاج وحالي شديدة -يعني: أنه محتاج وله عيال- قال: فرحمته فخليت سبيله، فلما أصبح أبو هريرة قال النبي صلى الله عليه وسلم: ما فعل أسيرك البارحة؟ قال: يا نبي الله! زعم أنه محتاج وحاله شديدة فرحمته، قال النبي صلى الله عليه وسلم: أما إنه قد كذبك وسيعود، فلما كان في الليلة الثانية رصده أبو هريرة فجاءه فأخذه فقال: لأرفعنك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، زعمت أنك لا تعود فقد عدت، قال: دعني فإني محتاج وحالي شديدة، فخلى سبيله، فلما أصبح قال النبي صلى الله عليه وسلم: يا أبا هريرة ما فعل أسيرك الليلة؟ قال: يا رسول الله! شكا حاجة وعيالاً وإني رحمته فخليت سبيله، قال: أما إنه قد كذبك وسيعود، فلما كان في الليلة الثالثة راقبه أبو هريرة فتخبأ له فأخذه فقال: لأرفعنك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: دعني أعلمك كلمات ينفعك الله بها)]، فالصحابة رضي الله عنهم كانوا حريصين على الخير.

    قال: [(إذا أخذت مضجعك -يعني إذا أردت أن تنام- فاقرأ آية الكرسي) : اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ [البقرة:255]... إلى آخر الآية، فإنه لن يزال عليك من الله حافظ، ولا يقربك شيطان حتى تصبح، فأصبح فقال النبي عليه الصلاة والسلام: ما فعل أسيرك الليلة؟ قال: يا نبي الله! علمني كلمات زعم أن الله ينفعني بها، قال: وما هي؟ قال: أمرني أن أقرأ آية الكرسي من أولها إلى آخرها، فإنه لن يزال علي من الله حافظ، ولا يقربني شيطان حتى أصبح، قال النبي عليه الصلاة والسلام: أما إنه قد صدقك وهو كذوب)].

    أي: فيما أخبرك به إنه لصادق وإن كان الأصل فيه أنه كذوب، قال: [(أتدري من يخاطبك يا أبا هريرة ؟ قال: لا، قال: فذاك شيطان)]، وهذا الحديث في البخاري.

    وعليه فلا يتصور أن رمزاً من رموز الشر لا حقيقة له ولا كنه له يحصل هذا الحوار بينه وبين أبي هريرة ثلاث ليال، فهذا يدل على أن له حقيقة وكنهاً قائماً وله بدن، وله لسان يستطيع به أن يخاطبك بلا شك، فهذا الحديث فيه رد على من يقول: إن الشيطان لا وجود له، وإنما هو رمز للشر، هذا الكلام فارغ، يخالف معتقد المسلمين في أن الشيطان مخلوق والجن مخلوقون، ومعلوم أن الجن مكلفون، منهم المؤمن ومنهم الكافر، كما قال الله تعالى: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات:56].

    فتبين أن الجن خلق يأكلون ويشربون، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: (العظم والروث طعام إخوانكم من الجن).

    فتبين أن الجن خلق من خلق الله يأكلون ويشربون ويتناسلون، وغير ذلك مما لهم من أوصاف وافقوا فيها في الظاهر بني آدم، وخالفوهم في معظم الصفات.

    قال عبد الله بن الإمام أحمد : لما حضرت أبي الوفاة كنت عنده، وكان في شدة وصعوبة، وبيدي خرقة أمسح بها جبينه، وكنا نلقنه الشهادتين، ففتح أبي عينيه وحدق بهما وأومأ بيده وقال: لا بعد، لا بعد، عدة مرات، فقلت: يا أبت من تخاطب؟ فقال: هذا إبليس قائم بحضرتي عاضاً على أنامله يقول: يا أحمد فتني، فقلت: لا، حتى أموت.

    وهذا رد على من أساء الظن بالإمام أحمد في هذه القضية.

    أسأل الله تعالى أن يتقبل مني ومنكم صالح الأعمال والأقوال إنه ولي ذلك والقادر عليه.

    وصلى الله على نبينا محمد.