إسلام ويب

شرح أصول اعتقاد أهل السنة - ما جاء في أن الإيمان اسم مدحللشيخ : حسن أبو الأشبال الزهيري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • معتقد أهل السنة والجماعة أن الإيمان قول وعمل واعتقاد، يزيد بالطاعات وينقص بالمعاصي والسيئات، فالأعمال الصالحة داخلة في مسمى الإيمان؛ وما من عمل إلا وهو يؤثر في إيمان العبد؛ فإما يزيده، وإما ينقصه، وإما يسلبه بالكلية.

    1.   

    ما ورد في كتاب الله تعالى في أن اسم الإيمان اسم مدح وأن المؤمنين في الجنة

    بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن والاه.

    وبعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    أما بعد:

    فأول الجزء السادس من كتاب أصول الاعتقاد للإمام اللالكائي يتكلم عما ورد من الآيات في كتاب الله عز وجل، في أن اسم الإيمان اسم مدح، وأن المؤمنين في الجنة.

    المقصود من اسم الإيمان الوارد في الكتاب والسنة

    أنا أريد أن أقول: إن مصطلح الإيمان أو اسم الإيمان واسم الكفر أو الفسوق أو العصيان وضعت لمعانٍ معينة.

    أما ما ورد في الكتاب والسنة باسم الإيمان فإنما ورد في معرض المدح لا في معرض الذم، وأن هذا المصطلح إنما وضع للأعمال والمعتقدات، مما يدل على أن الأعمال داخلة في الإيمان؛ لأنه لما تكلم الله عز وجل في غير ما موطن من كتابه عن المؤمنين تكلم لا عن ذات المؤمنين وإنما عن السبب الذي مدح به المؤمنون، وهو أنهم يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم عن اللغو معرضون، وغير ذلك من صفات المؤمنين، فالمدح إنما انصب على عملهم.

    أما هم فهم في الجنة والسبب أعمالهم التي هي داخلة في مسمى الإيمان أو في حقيقة الإيمان، وهذا بخلاف غيرهم ممن أوردهم الله عز وجل على سبيل الذم، وهم المنافقون، والكافرون، والعصاة، ولكل واحد منهم منزلة في النار، أو يعفو الله عز وجل عن عصاة الموحدين، فهو يفعل ما يشاء سبحانه وتعالى.

    فالمؤلف رحمه الله أراد أن يبين في هذا الباب أن مصطلحات معينة في الشرع وضعت، منها ما وضع للمدح كمصطلح الإيمان، ومنها ما وضع للذم كمصطلح الفسوق والعصيان والنفاق والكفر.

    أما الإيمان فإنما هو اسم مدح لأهله؛ لأنهم عملوا كيت وكيت من الأعمال الصالحة، وأما مصطلحات الفسوق والعصيان والفجور والنفاق والكفر فكلها مصطلحات ذم وضعت لأقوام عملوا لمعصية الله عز وجل، وعدد بعض الصفات التي استوجبت لأصحابها النار، كما أنها استوجبت لأصحابها اسم الفسوق أو العصيان أو النفاق أو الفجور أو الكفر، وغير ذلك من سائر المصطلحات التي تستوجب النار أو يعفو عنها الغفار تبارك وتعالى.

    قال الله تعالى: أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لا يَسْتَوُونَ [السجدة:18]، أي: أفمن كان مؤمناً من الناس يعمل الطاعات وينتهي عن المعاصي كمن كان فاسقاً، والفاسق: هو من ارتكب كبيرة أو أصر على صغيرة، سواء من جهة الميل القلبي أو من جهة العمل، أي: عمل الجوارح.

    فإن الذي يزني لا بد أن يسلب عنه حين الزنا اسم الإيمان، ولذا فإننا نفرق دائماً بين مطلق الإيمان والإيمان المطلق.

    أما مطلق الإيمان فهو أصل الإيمان الذي استقر في القلب وقت النطق بالشهادتين، وهذا الإيمان الذي هو من عمل القلب إذا زال عن المرء زال عنه تماماً اسم الإيمان والإسلام.

    أما الإيمان المطلق فهو كمال الإيمان وتمامه، إما كماله الواجب أو كماله المستحب، فالكمال نوعان: إما كمال واجب يتعلق بالحلال والحرام وغير ذلك من سائر الفرائض والأركان الشرعية، وإما كمال مستحب يتعلق بسائر النوافل.

    فمن أدى الفرائض وحرم الحرام وأحل الحلال وعمل بالأمر وانتهى عن النهي فإنما يكون قد أدى الكمال الواجب في الإيمان المتعلق بالجوارح، وأما إذا زاد عن ذلك فعمل النوافل وتقرب إلى الله عز وجل بسائر المستحبات فإنما قد حقق الإيمان الكامل أو قد بلغ حقيقة الإيمان؛ ولذلك لما أثنى الله تعالى على المؤمنين بأعمالهم قال في نهاية مدحه لهم: أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا [الأنفال:4] يعني: هؤلاء الذين بلغوا حقيقة الإيمان، وكمال الإيمان، وتمام الإيمان، لأنهم فعلوا أعمالاً صالحة.

    تفريق الله تعالى في كتابه بين المؤمن والفاسق أو المنافق

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [قال الله تعالى: أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا [السجدة:18] هذه الآية فيها رد على المرجئة الذي يقولون: إيمان أفسق الناس كإيمان جبريل وميكائيل، لأنهم يخرجون العمل عن ماهية الإيمان وعن مسمى الإيمان وعن حقيقة الإيمان، فيقولون: الإيمان هو: التصديق بالقلب والقول باللسان.

    والجهمية يقولون: الإيمان هو المعرفة، حتى وإن لم يستقر ذلك في القلب، وإن لم يتلفظ به اللسان، فإبليس عليه لعنة الله يعلم جيداً أن الله عز وجل حق، وبالتالي يرد عليهم بأيسر ما يمكن؛ لأن حجتهم أوهن من بيت العنكبوت.

    وكذلك المرجئة الغلاة فهم لا يفرقون بين الطائع والعاصي؛ وهذا كلام استقر في أذهان العامة، فضلاً عن الخاصة؛ فالذي يزني ويعتاد الزنا ليس كالطاهر العفيف، حتى في أعراف الناس لا يستويان، وكذلك السارق الذي أدمن وألف السرقة لا يمكن قط أن يستوي مع إنسان عف نفسه عن الحرام أو امتنع عما ليس له.

    فالمرجئة يقولون: إيمان أطوع الناس لله عز وجل كإيمان أعصى الناس لله عز وجل.

    إذا كان إيمان أبي بكر الصديق رضي الله عنه ليس كإيمان جبريل ، وأبو بكر رضي الله عنه هو من هو في الإمامة والهدى والعلم وغير ذلك؛ ومع هذا لا يستوي إيمانه مع إيمان جبريل عليه السلام، بل جبريل عليه السلام أسبق إيماناً من أبي بكر ؛ لأن الله تعالى خلق الملائكة قبل أن يخلق الإنس، فجبريل في الخلق سابق على أبي بكر الصديق رضي الله عنه، وأبو بكر الصديق في آخر أمة من أمم الله عز وجل، فجبريل قد وحد الله تعالى آلاف السنين قبل أن يخلق الله أبا بكر، فكيف يستويان، فضلاً عن استواء العاصي مع الطائع؟ ولذلك الله تعالى إنما ذكر هذه الآية على سبيل التقريع والتوبيخ أو لفت الأنظار.

    فقال: أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا [السجدة:18]، يعني: هما الاثنان لا يستويان، فبين الله تبارك وتعالى الفرق بين المؤمن العامل بمقتضى الإيمان وبين الفاسق الذي لم يعمل بمقتضى الإيمان.

    قال: [وقال تعالى: وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ [العنكبوت:11]]، ففرق بين الإيمان والنفاق، فالنفاق هو إبطان الكفر وإظهار الإسلام، ولكن إذا خفي هذا على الخلق فإنه لا يخفى على الله عز وجل، والله تعالى يعلمه حقيقة العلم قبل أن يوجد وقبل أن يخلق.

    قال: [وقال تعالى: إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ [التوبة:67]، فكيف يكون مؤمناً من كان فاسقاً منافقاً؟

    وقال تبارك وتعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا [التحريم:8]]، النداء وجه لأهل الإيمان، فإذا كان الإيمان اسم مدح لصاحبه فلم أمرهم الله عز وجل في هذه الآية بعد أن مدحهم أن يتوبوا إليه؟ وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: (كل بني آدم خطاء) ولفظ (كل) من ألفاظ العموم، والراجح أن الأنبياء غير معصومين من الصغائر، وهذا مذهب جماهير أهل العلم من أهل السنة وهو الحق الذي أيدته الأدلة من الكتاب والسنة، فأصلح الصلحاء، وأطوع الطائعين من بعد الأنبياء أولى باقتراف الذنب، إما هفوة ولمماً أو صغيرة وإما كبيرة، بل أحياناً نجد من أهل الصلاح من يرتد عن دين الله عز وجل ثم يرجع إليه أخرى، فالنداء هنا لأهل الإيمان الممدوحين سلفاً.

    قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ [التحريم:8] توبوا: فعل أمر يفيد الوجوب.

    أي: توبوا توبة خالصة صادقة لا ترجعوا بعدها إلى الذنب، بأن تعزموا على الاقتلاع والانتهاء عن المعصية، وأن تتفطر قلوبكم عما بدر منكم، مهما قل ودق وصغر حجمه.

    قال: [ولا شك أن التوبة تكون من المحظورات والمناهي]، فالمسلم يتوب من شيء وقع فيه، من معصية صغيرة أو كبيرة، فإذا كان الله تعالى أمر أهل الإيمان أن يتوبوا فمن باب أولى أن يوجه هذا النداء لأهل العصيان والفجور والفسوق وغير ذلك من أصحاب الكبائر.

    فدلت هذه الآية مع قوله عليه الصلاة والسلام: [ (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشرب وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا ينتهب نهبة كبيرة يتطلع إليه فيها الناس بأبصارهم حين ينتهبها وهو مؤمن، ولا يغل الغال حين يغل وهو مؤمن) ].

    أي: لا يزني الزاني، ولا يسرق السارق، ولا ينهب الناهب، ولا يغل الغال، إلا ويسلب عنه اسم الإيمان، لكن سلب الإيمان لا يدل على أنه قد كفر؛ لأن بعض الناس يقول: إن لم يكن مؤمناً لا بد أن يكون كافراً، لابد أن تعلم كما قال كثير من السلف وأشاروا بأصابعهم إلى أن الإسلام دائرة كبيرة عظيمة، وأن الإيمان هكذا، وحلقوا بأصابعهم حلقة صغيرة في وسط دائرة الإسلام، إذا نزع هذا الإيمان لا بد أن يقع صاحبه في دائرة الإسلام، فسلب الإيمان لا يلزم منه سلب الإسلام.

    أما لو سلب من الإنسان الإسلام فلا بد أن يسلب الإيمان والإسلام، فبين الإيمان والإسلام عموم وخصوص، كما يقول أهل العلم: كل مؤمن مسلم وليس كل مسلم مؤمناً، يعني: لا يلزم من وجود هذا وجود ذاك، بل يمكن أن يفقد المرء الإيمان لكنه لا يفقد الإسلام، إذا كان المرء حين يرتكب الكبيرة ينسلخ من الإيمان فإنه لا ينسلخ من الإيمان بالكلية؛ لأن الإسلام يلزم معه أصل الإيمان، لأنه لا يمكن أن يكون الإنسان مسلماً بغير أصل الإيمان، وأصل الإيمان هو الذي استقر في القلب من الانقياد والانصياع والطاعة والاستسلام والخضوع والذل لله عز وجل، ومحبة هذه الكلمة التي قالها وشهدها وهي: أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله.

    ولو أن إنساناً قال هذه الكلمة وشهد بهاتين الشهادتين وهو كاره أو مبغض لهما لا يكون مسلماً، بل يكون منافقاً، لأنه نطق بلفظ الشهادتين، فهو أمام الناس مسلم يعامل على أنه مسلم، أما أمام الله عز وجل فلا هو مسلم ولا هو مؤمن من باب أولى.

    الأدلة على أن الأعمال الصالحة داخلة في مسمى الإيمان

    ودلت الآيات والأخبار كلها عن أن الإيمان اسم مدح يستحق صاحبه المدح على أفعاله، والفسق اسم ذم يستحق صاحبه الذم على أفعاله، ودليل هذا قوله تعالى: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ [الأنفال:2] يعني: خشعت قلوبهم وذلت وانقادت وخضعت لله عز وجل، فالإيمان يزيد بسماعهم لتلاوة آيات الذكر الحكيم، كلما سمعوا آية ازدادوا إيماناً وعلى ربهم يتوكلون، فكل الذي سبق عمل قلبي.

    الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ [الأنفال:3]، الصلاة عمل الجوارح، وعمل القلب كله داخل في الإيمان.

    وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ [الأنفال:3]، والنفقة تكون بالجوارح.

    إذاً: عمل الجوارح وعمل القلب داخل في حقيقة الإيمان.

    وقوله: أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا [الأنفال:4]، بين الله عز وجل أن من جمع بين عمل القلب الإيماني وعمل الجوارح هو المؤمن حقاً، وهذا يدل على أن الأعمال داخلة في حقيقة الإيمان، كل على حسبه، لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ [الأنفال:4].

    قال: [وقال تعالى: وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [التوبة:72]]، والوعد والجزاء للمؤمنين الذين أتوا من الأعمال القلبية وأعمال الجوارح ما يحقق لهم الإيمان الكامل أو الإيمان التام.

    ٌقال: [وقال الله تعالى: وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ [المائدة:65]، وقال تعالى في صفة المنافقين: وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ [التوبة:68]]، فهؤلاء استحقوا هذه الدركة من النار بسبب ما قد أتوا من أفعال استوجبت لهم هذه الدركة، وسماهم الله تعالى منافقين وهو اسم ذم.

    قال: [وقال النبي عليه الصلاة والسلام: (سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر)]، فلا يمكن أن يستوي الذي يسب الناس ويشتمهم ويلعنهم ويؤذيهم مع الذي لا يسبهم ولا يشتمهم ولا يلعنهم ولا يؤذيهم؛ لأن الذي يسب ويشتم ويلعن ويفسق ويبدع بغير حق يستحق الذم لما قد بدر من لسانه من السب والشتم واللعن، والضرب باليد والقدم، كل هذه من أعمال الجوارح، فإنها تخرج صاحبها من اسم المدح وهو الإيمان وتدخله في اسم الذم وهو الفسوق، فالذي يسب ويشتم ويلعن وغير ذلك بغير حق فإنما هو فاسق.

    وإذا كان لفظ القتال، يعني: إراقة الدماء، فقتل المؤمن بغير حق لا شك أنه معصية كبيرة، ونحن نعلم أن صاحب المعصية لا يكفر مهما كانت كبيرة إلا إذا استحلها، مع قيام الحجة عليه، كل أنواع الكبائر لا يكفر صاحبها إلا إذا استحلها، حاشا الشرك، فإذا تاب تاب الله عز وجل عليه، وإذا أقيم عليه الحد فهو كفارته، وإذا مات مصراً على الذنب غير مستحل له فهو في مشيئة الله، إن شاء عذبه وإن شاء غفر له.

    هذا تأصيل علمي لمرتكب الكبيرة عند أهل السنة والجماعة، بخلاف المرجئة فإنهم يقولون: لو ارتكب امرؤ كل الكبائر عدا الشرك بالله فإنه مؤمن كامل الإيمان، وإيمانه كإيمان جبريل وميكائيل، ولا حرج عليه.

    لا شك أن هذه دعوة إلى الفجور والمعاصي، إذا علم المرء من نفسه أن إيمانه لا يتزعزع ولا ينقص، وأنه داخل الجنة لا محالة مهما ارتكب من كبائر وسيئات، فلا يردعه عن الكبائر شيء؛ لأنه وجبريل عليه السلام في منزلة واحدة في الجنة مهما ارتكب من الكبائر.

    فإذاً: ما الذي يمنعه عن ارتكاب الكبائر؟!

    فهذا المذهب من أفسد المذاهب، وأنا لا زلت في حيرة من أمري، هل هؤلاء القائلون بهذا الرأي فقدوا عقولهم تماماً حتى يتجرأ قائلهم ويقول: إيمان أفسق الناس كإيمان جبريل وميكائيل، وأنهم في منزلة واحدة في الجنة؟

    أما الخوارج فإنهم قاموا على مرتكب الكبيرة وكفروه وغلاتهم كفروا مرتكب الصغائر، أما عامة الخوارج فإنهم يكفرون مرتكب الكبيرة، بخلاف المعتزلة، فإنهم وقفوا من مرتكب الكبيرة موقفاً مخزياً إلى أقصى حد، فقالوا: مرتكب الكبيرة لا هو مؤمن ولا هو كافر، وهذا حكمه في الدنيا.

    أما في الآخرة فإنه مخلد في النار لا يخرج منها أبداً، كيف ذلك والعقيدة المستقرة بأنه لا يخلد في النار إلا الكفار والمنافقون، سواء كان الكفر كفراً أصلياً أو كفر ردة، والمنافقون كذلك، هؤلاء هم الذين يخلدون في النار ولا يخلد أحد غيرهم، فكيف لا هو مؤمن ولا هو كافر ومع هذا هو مخلد في النار؟

    وأهل السنة والجماعة يقولون: مرتكب الكبيرة مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته، فهم لا ينفون عنه اسم الإيمان بالكلية، كما لا يعطونه مطلق الاسم بالكلية، يعني: لا يقولون: هو مؤمن كامل الإيمان، ولا يقولون: هو مسلوب الإيمان بالكلية، إنما هو مؤمن بما عنده من إيمان، فاسق بما عنده من كبائر، أما عقابه فإنه يعاقب إذا لم يتب، أو إذا لم يقم أقيم عليه الحد، أو مات مصراً غير مستحل لها.

    أما إذا استحلها وإن لم يعملها فإنه كافر بالله العظيم، فمن اعتقد أن الزنا حلال وإن لم يزن، واعتقد أن السرقة حلال وإن لم يسرق، وأجري هذا في كل الكبائر، فلا يكون هذا مؤمناً أو مسلماً بعد قيام الحجة عليه، لكن الحجة لا تقام في هذه الثوابت على كل أحد، بل تقام على إنسان حديث عهد بالإسلام، أو في مكان ناءٍ جداً يغلب على أهله الجهل.

    وأنتم تعرفون قرية الأطفال، هؤلاء الأطفال هم لقطاء، يأتون لهم بآباء وأمهات مستوردين من أوروبا وأمريكا، يجلسون معهم مثلاً كل ستة أشهر يومين أو ثلاثة، يعلمونهم أن السرقة ما هي إلا تعاون بين الأشخاص وبين المجتمعات، وهذه وإن سميت سرقة لكنها ليست حراماً في جميع الشرائع وغير ذلك.

    فتصور أن الولد يتلقى علمه من هؤلاء الكفار، فهو لا يعرف شيئاً قط عن شريعة الله عز وجل، كما حدثتني فتاة من داخل هذه الدار وقالت لي: لم حرم الله تعالى الزنا والمعلوم أن الزنا ما هو إلا عملية رياضية يمارسها الشباب والفتيات كما يلعبون الكرة والتنس وغير ذلك؟

    فتصور أن يقال هذا الكلام في أرض الأزهر، بلد العز ومنارة العلماء، فلما قلت لها: إن الله تعالى هو الذي حرم ذلك في كتابه، وسلب اسم الإيمان عمن فعل ذلك، قالت: والله لأول مرة أسمع هذا، وهي بنت في سن الزواج، قالت: وماذا أصنع منذ سنوات وأنا أمارس هذه العادة، وهي تسميها عادة كذلك.

    وأنا في الحقيقة في مثل هذه الحالات أعذر القائل بذلك، لأنه حجب تماماً عن نور الوحي، بل أريد به ذلك من أول الأمر.

    فهؤلاء الأطفال اللقطاء يعدون إعداداً أن يكونوا هم الوزراء وهم الحكومات، وهم أصحاب الكلمة والأمر والنهي في البلاد، لا في بلادنا فقط، بل في كل البلاد الإسلامية، فهؤلاء يتربون على أعين الكافرين، سواء كان ذلك في الداخل أم في الخارج، فأمثال هؤلاء يعذرون، وإن كانت هذه ثوابت، لكن الذي لا يعذر هو من يسمع الخطب ويسمع الأذان ويصلي الجماعات، ولا يمنعه شيء قط من طلب العلم، ويقول: أنا لا أعرف أن الزنا حرام أو حلال، أو يقول: أنا لا أعرف المغرب ثلاث ركعات أو أربع أو خمس، هذا لا يعذر قط، لأنه في بلد انتشر فيه العلم، وبالتالي فإن من الثوابت ما يعذر صاحبه إذا جهله، إذا دعت الحاجة إلى ذلك، كأن يكون في بلاد أوروبا وهو أوروبي أصلاً دخل الإسلام الآن، لا يعرف شيئاً قط عن دين الإسلام، كما أنك لا تعرف شيئاً قط عن دين النصرانية ولا اليهودية، فإذا حاولت أن تطلع على كتب اليهود والنصارى فوجئت بالطامات والعجائب وغير ذلك، وتقول: والله ما كان عندي علم قط بأن هذه القبائح موجودة في كتب اليهود والنصارى المحرفة والمبدلة.

    فكما أنك لا تعلم ما عند اليهود والنصارى فكذلك اليهود والنصارى لا يعلمون ما عندك من خير ونور وهدى، فهو يعذر بجهله وبعده عن مهبط الوحي وانتشار العلم.

    الأعمال التي تنقص من الإيمان أو تسلبه بالكلية

    فقوله صلى الله عليه وسلم: (سباب المسلم فسوق وقتاله كفر)، أي: لا يستوي قط من سب مسلماً ومن لم يسب، ولا من قاتل مسلماً ومن لم يقاتل، فالذي لم يقاتل يستحق المدح، والذي قاتل وسب يستحق الذم، وذمه إما أن يكون كافراً، وإما أن يكون فاسقاً، فالسباب فسوق، أما القتال فمنه ما هو فسوق إذا كان كبيرة، ومنه ما هو كفر إذا استحل ذلك بعد قيام الحجة عليه.

    قال: [وروي عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه: الكذب يجانب الإيمان]، يعني: الكذب لا يمكن أن يتفق قط مع الإيمان؛ لأن الكذب كبيرة من الكبائر، خاصة الكذب على الله عز وجل وعلى رسوله الكريم عليه الصلاة والسلام.

    وقال النبي عليه الصلاة والسلام: (آية المنافق ثلاث -يعني: علامة المنافق ثلاث- إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان)، وفي رواية: (وإذا عاهد غدر) .

    والمعلوم أن الواحد منا يكذب، ويعد ولا يفي، ويؤتمن ويخون، وغير ذلك من الخصال المذكورة في الحديث، فهل الواحد إذا كذب في حديثه يكون منافقاً؟

    أنتم تعلمون أن النفاق أشد خطورة من الكفر البواح؛ لأنه يبدي ويظهر خلاف ما يبطن، فيأمنه الناس على دينه، وهو في حقيقة الأمر غير أمين على شيء، فخطورته عظيمة جداً.

    وهذا الحديث قال فيه أهل العلم: أنه ورد بصيغة الاستمرار (إذا) التي تفيد الاستمرار، فقوله: (إذا حدث كذب) قالوا: الغالب عليه في حديثه الكذب، فقل أن يصدق، فهو مثل الشيطان الذي قال فيه صلى الله عليه وسلم: (صدقك وهو كذوب) ، لأنه ليس له مصلحة في هذا الموطن أن يكذب فصدق حتى يأخذ النوال والعطاء.

    فلما دعته المصلحة الشخصية للصدق صدق، لكن الأصل فيه أنه كذوب، فقوله: (إذا حدث كذب)، يعني: مستمر وقائم ومداوم على الكذب، حتى إن الناس يشيرون إليه بأصابع الاتهام: إن فلاناً هذا كذاب فلا تصدقوه.

    على عكس ما كانوا يشيرون إلى النبي صلى الله عليه وسلم قبل البعثة أنه الصادق المصدوق عليه الصلاة والسلام، فالصدق اسم مدح، والكذب اسم ذم، ومن وقع في الكذب استحق الذم، ومن تلبس بالصدق استحق المدح، فالصادق والكاذب لا يستويان، هذا مذموم وذاوك ممدوح، هذا في الجنة وذاك في النار.

    فالكاذب في أثناء ما يحدثك هو يكذب ويعلم أنه يكذب ومستمر على الكذب ومصر عليه.

    وإذا استحل الكذب كفر، وإذا كان مداوماً عليه غير مستحل له فإنه فاسق مرتكب لكبيرة عظيمة من الكبائر.

    وقوله عليه الصلاة والسلام: (وإذا وعد أخلف) أي: كما أنه إذا وعد أخلف، وحرف (إذا) يفيد الاستمرار، يعني: هذا الإنسان معلوم عند الناس أنه لا يفي بوعد قط، بل في أثناء وعده إياه بعمل الشيء أو باللقاء في المكان الفلاني هو غير ناو الوفاء، لأنه يخلط بين الكذب في الوعد وبين خلف الوعد في أثناء الوعد، وكذلك (إذا عاهد غدر).

    وهذه الخصال كانت في الجاهلية مذمومة، فـأبو سفيان رضي الله عنه لما كان مشركاً كافراً وسأله هرقل عظيم الروم عن النبي عليه الصلاة والسلام، كان يصدق في كل جواب رداً على هرقل ويقول: (لو لم تعدها علي العرب كذبة لكذبت) يعني: هو خائف أن العرب تقول: أبو سفيان كذاب، لأجل كذبة واحدة.

    وكذلك مسألة الجوار، فقد كان الجوار معروفاً في الجاهلية، فإن الواحد منهم كان يفعل الفعلة أو يأتي من بلاد بعيدة وينزل على فلان من الناس عظيم أو شريف من الشرفاء ويقول له: أدخلني في جوارك، أو ارحمني، فلا يمكن لأحد قط أن يمسه بأذى إلا أن يخرج من الجوار، وكانوا يحترمون هذا ولا يغدرون به قط.

    أما هذا الوقت فإن فيه من التفريط والإهمال والمعاصي والمنكرات التي تسربت إلى أبنائنا لما تشربوها من آبائهم وأمهاتهم، فعندما يقول القائل: أنا في جوار ربنا، فإن الخصم ينتقم منه أشد الانتقام، لا يراعي جوار الله، ولا جوار الشرع ولا أصل الأصول ولا أي شيء، وهذا يدل على أنه إذا عاهد غدر، يعني: بعدما يدخل بجواره يقتله وهذا غدر، فلا يمكن قط أن يستوي صاحب هذه الخصال مع من يأتي بنقيضها مما يأمر به الإيمان.

    [وروي عن ابن عباس وأبي الدرداء وأبي هريرة وعقبة بن عامر الجهني والحسن وعطاء وأبي جعفر الباقر والزهري والأوزاعي وأحمد وإسحاق وغيرهم ممن تقدم وممن لم يأت.

    قال: [وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن)]، فقوله: (حين) يعني: في وقت زناه يسلب عنه الإيمان، وكذلك في وقت السرقة يسلب عنه الإيمان ثم يعود إليه، لكن لا يعود إليه الإيمان إلا إذا تاب، ولكنه لا يخرج من حظيرة الإسلام إلا إذا استحل هذه المعصية اعتقاداً، سواء عمل بها بالجارحة أو لم يعمل.

    قال: [(ولا يغل الغال حين يغل وهو مؤمن، فإياكم وإياكم)]، يعني: إياكم أن تعملوا هذه المعاصي، وهذه الأحاديث كلها في الصحيحين.

    قال: [وقال عليه الصلاة والسلام: (والتوبة معروضة بعد)]. والمعنى: وقت ارتكابك لهذا القبيح أو لهذه الكبيرة فإن اسم الإيمان يسلب عنك ثم يعود إليك إذا تبت، (والتوبة معروضة بعد)، يعني: بعد أن فرغت من فعلتك القبيحة أمامك باب التوبة مفتوح، إن دخلت فيه رجع إليك الإيمان، وربما يرجع إليك الإيمان أكمل وأتم مما كان قبل ارتكابك للمعصية؛ لأن التوبة تستلزم استغفاراً وتضرعاً إلى الله وخشية وبكاء وصدقة وإتياناً للأعمال الصالحات التي منها ما هو واجب ومنها ما هو نفل.

    فالتائب يجتهد على نفسه اجتهاداً عظيماً جداً لم يكن يجتهده قبل وقوعه في المعصية، فكان حاله ومرده إلى الإيمان بعد المعصية أعظم من حاله السابق، لكني لست بذلك أعطي رخصة أنك تجرب من أجل أن تعود أفضل من قبل، افرض أن الله تعالى قبضك وأنت تسرق، أو أن الله تعالى قبضك وأنت شاهر سيفك على أخيك المؤمن، فالله تعالى قادر على أن يقبضك أنت ومن زنيت بها في حال الزنا ويفضحكما على رءوس الأشهاد، فتصور أن يختم لك بهذا.

    فالإنسان لا يدري متى يقبض، وإذا كنت لا تدري وتخفى عنك هذه اللحظة التي ربما تأتيك بغتة بغير سابق إنذار من مرض أو غيره فينبغي أو يجب على كل منا أن يعمل لهذه اللحظة، فبدلاً من أن يفكر أن يقترف الذنب لا بد أن يتلبس بالطاعة؛ لأن هذا الذي ينفعه إذا أتاه الموت بغتة.

    قال: (والتوبة معروضة بعد).

    وقال: [ (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن) ] أي: ولا يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر وهو مؤمن.

    قال: [ (نزع منه الإيمان فلا يعود إليه حتى يتوب، فإن تاب تاب الله عليه) ]، وفي رواية: [ (فإن فعل شيئاً برئ الإيمان من قلبه) ] على خلاف بين أهل العلم، يعني: سلب الإيمان كله أم بعضه؟ (فإن فعل شيئاً) أي: من هذه الكبائر.

    قال: [(برئ الإيمان من قلبه فإن تاب تاب الله عليه) ].

    وقال: [ (إذا زنى الرجل خرج منه الإيمان وكان عليه ظلة) ] يعني: شيء من الإيمان باهت باق في القلب، وهذا أصل ضعف الإيمان، وهذا يدل على أن الإيمان الكامل والإيمان الواجب بارتكاب الكبائر يزول عن القلب، واعلم أننا واقعون في كبائر كبيرة جداً منها الحسد والبغضاء والشحناء والغيبة والنميمة، وارجع لكتب الكبائر واقرأ حتى تعلم أنك قائم على نصف الكبائر.

    لما سئل ابن عباس عن الكبائر : أسبع هي؟ قال: هي إلى السبعين أقرب؟

    إذا راجعت كتاب الكبائر للذهبي أو كتاب الكبائر لـابن حجر الهيتمي وغير ذلك من الكتب المختصة بهذه الكبائر، علمت أنك واقع في عشرين أو ثلاثين كبيرة، فأنا وأنت داخلون في هذا الحديث، نسأل الله تعالى أن يعفو عنا وعنكم.

    [ (إذا زنى الرجل خرج منه الإيمان وكان عليه ظلة) يعني: شيء من أثر الإيمان باق، فأصل الإيمان باق.. شيء منه يسير جداً، فإذا أقلع عن الذنب رجع إليه الإيمان.

    كلام ابن عباس في إثبات نقصان الإيمان بإتيان المعاصي

    قال: [وعن ابن عباس أنه قال لغلمانه -أي: لمواليه-: من أراد منكم الباءة زوجناه -يعني: من أراد منكم أن يتزوج زوجناه- لا يزني منكم زان إلا نزع الإيمان منه].

    هو يقول لهم: ممنوع لأي شخص منكم أن يفكر أن يزني؛ لأن الواحد منكم إذا كان في حاجة إلى الزواج فليخبرني وأنا أزوجه، مخافة أن يقع في الزنا الذي يسلب معه الإيمان.

    قال: [فإن شاء أن يرده الله عليه رده وإن شاء أن يمنعه منعه]، لأن الأمر مثلما يقول ابن تيمية وابن الجوزي وغيرهما أن الطاعة دائماً تسلم إلى أختها، وأن المعصية في الغالب تسلم إلى أختها، وقل أن يوفق صاحب كبيرة إلى التوبة، لأن المعصية لها حلاوة، والقلب يتعلق بها أيما تعلق، فيصعب جداً على صاحب القلب الضعيف والإيمان القليل أن يرجع إلى إيمانه الذي تركه أو الذي سلب عنه آنفاً.

    فتصور لو أنك مثلاً شاهدت حلقة من مسلسل في التلفزيون، وإن كان المسلسل خنا وضياع وشذوذ لكنك وقفت على لقطة سلبت قلبك فأنت متعلق بالحلقة التالية منتظر لها لأنه قد نزع من قلبك الإيمان الذي يحملك على بغض النظر إلى هذا، وركب في قلبك شهوة لها اتصال قوي بالمعاصي، فهي تريد أن تعرف إلى أي حد تصل هذه المعصية، فأنت مع كل حلقة تسلمك إلى الثانية.

    أما إذا كنت من أهل الإيمان وأهل الطاعة وأصحاب الصلاة وأصحاب العلم فإنك إذا سمعت درساً في شعبة من شعب الإيمان فأنت متعلق بهذا الدرس حتى تعلم الشعبة الثانية والثالثة والرابعة والعاشرة والخمسين والسبعين والبضع والسبعين، حتى تكتمل لديك شعب الإيمان.

    فالطاعة دائماً تسلم إلى طاعة، والمعصية تسلم إلى معصية، وقل أن تسلم معصية إلى طاعة، لأن التوبة شديدة جداً على نفس العاصي، فاحذر من هذا؛ ولذلك فإن قول النبي صلى الله عليه وسلم فيه تهديد حيث قال: (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن) وفي نهاية الأمر (والتوبة معروضة بعد) يعني: بعدما وقعت في هذا كله التوبة أمامك، فهل تستطيع أن تتوب أو لا؟ فقل أن يتمكن إنسان بعد انغماسه في المعاصي من الرجوع إلى الله عز وجل؛ لأن الشيطان لا يتركك، الشيطان يقول لك: انظر إلى هذا الفيلم فقط، أو إلى هذه الحلقة فقط، أو إلى هذه البنت الجميلة فقط.

    أو يزين لك فيقول: يا رجل أنت بعيد عن الزنا، نحن نسمع من الشيوخ أنه حرام، وربنا أكده والرسول عليه الصلاة والسلام فقط أنظر إليها، استمتع فقط بالنظر.

    والاستمتاع بالنظر يأتي بعده البسمة، ثم الضحك، ثم الغمز، ثم اللمز، ثم الوعد، ثم المقابلة وغير ذلك من أعمال المعاصي التي هي بريد الزنا.

    فلا بد في نهاية الأمر أن تقع في الفاحشة البينة، فإذا كان ذلك منك فهل يا ترى تستطيع أن تقلع عن الذنب حينئذ؟ ربما يكون ذلك وربما لا يكون، فإذا كان الأمر غير راجح عندك أنك تترك المعصية فلا بد أن تستأصل شأفة الأسباب المؤدية إلى اقتراف الذنب من أول وهلة.

    قال: [وقال ابن عباس : الحياء والإيمان في قرن واحد، فإذا انتزع أحدهما من العبد اتبعه الآخر]؛ لأنه ما امتلك زمامه. فأنتم تعلمون أن الحياء من الإيمان، وهو شعبة من شعبه كما أخبر عليه الصلاة والسلام، إذا نزع الإيمان نزع الحياء، وإذا نزع الحياء نزع قدره من الإيمان.

    إذا كانت هذه كلها شعب الإيمان فبلا شك أن ترك شعبة من الإيمان يترك من الإيمان على قدر تركها، فمن ترك مثلاً الصدقة لا بد أن يخدش إيمانه على قدر تفريطه في الصدقة، والذي يترك الحياء فلا بد أن يخدش إيمانه على قدر تركه للحياء، وهكذا كل شعبة من شعب الإيمان.

    كلام أبي هريرة في إثبات نقصان الإيمان بإتيان المعاصي

    قال: [وقال أبو هريرة : لا يزني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق حين يسرق وهو مؤمن.

    قال عطاء : يتنحى عنه الإيمان]، ولا يبقى في القلب إلا غبرات الإيمان وأصله وشبحه.

    أما الإيمان الذي ينير القلب لصاحبه ليسلك الطريق إلى الله عز وجل، فلا شك أن ذلك مرهون بالعمل؛ فإن جملة العمل -أي: عمل الجوارح- في الإسلام داخلة في مسمى الإيمان.

    قال: [وقال أبو هريرة : إذا أتى الرجل امرأة حراماً فارقه الإيمان]، يعني: إذا زنا الرجل فارقه الإيمان، ووصفه أحد الرواة بأن وضع إحدى يديه على الأخرى ثم فرق بينهما قليلاً.

    قال: إذا أتى الرجل امرأة حراماً انتزع منه الإيمان ورفع إحدى كفيه عن الأخرى شيئاً يسيراً، فإذا سرق زادت، أي: زادت المفارقة بسبب المعاصي، فإذا غل زاد، وهكذا كلما ارتكب ذنباً تباعد إيمانه، أو انسلخ إيمانه من قلبه.

    قال: ثم فرق بينهما قليلاً ثم قال: يفارقه الإيمان هكذا حتى إذا رجع أعمال الطاعة رجع الإيمان حتى أطبق بين يديه؛ ولذلك فإن إبراهيم بن عيينة وهو أخو سفيان بن عيينة لما سمع الثوري أو سمع أخاه سفيان بن عيينة يقول: وإن الإيمان يزيد وينقص، قال: يا إمام! يزيد لكنه لا ينقص، قال: اسكت يا غبي، فإن الإيمان ينقص حتى لا يبقى في القلب شيئاً.

    هذا نص عظيم جداً من إمام من أئمة السنة سواء كان هو ابن عيينة أو الثوري فإنهما إمامان عظيمان من أئمة السنة والأثر.

    كلام أبي الدرداء في إثبات نقصان الإيمان بإتيان المعاصي

    قال: [قال أبو الدرداء : ما الإيمان إلا كقميص أحدكم يخلعه مرة ويلبسه أخرى].

    وأريد أن أؤكد على أن هذه النصوص وغيرها إنما تتكلم عن الإيمان الواجب والإيمان المستحب، أما أصل الإيمان فإنه إذا فارقه العبد لا بد أن يفارقه الإسلام جملة.

    يعني: لو قلنا: إن الإيمان أصل ومقتضى، فالأصل إنما هو القدر الذي يلزم المرء في ثبوت إسلامه، فهذا الذي يسميه العلماء أصل الإيمان، أو مطلق الإيمان، فإذا ذهب هذا الإيمان أو ذهب هذا الأصل لا يبقى مع صاحبه لا إيمان ولا إسلام.

    أما الآيات والأحاديث التي تسلب المسلم اسم المدح بسبب ذنب ارتكبه فإنما سلبت هذه الآيات وهذه الأحاديث اسم المدح وهو الإيمان المتعلق بالإيمان الواجب والإيمان المستحب الذي يتعلق بالحلال والحرام ويتعلق بالواجبات والفرائض وأركان الشريعة وغير ذلك.

    أما الإيمان المستحب فهو المتعلق بسائر النوافل والطاعات التي ليست بواجبة أصلاً.

    قال: [قال: ما الإيمان إلا كقميص أحدكم يخلعه مرة ويلبسه أخرى، والله ما أمن عبد على إيمانه إلا سلبه]؛ لأن الأصل في المؤمن أنه يسير إلى الله تعالى بجناح الخوف وجناح الرجاء، والله عز وجل يقول في الحديث القدسي: (وعزتي وجلالي لا أجمع على عبدي أمنين ولا خوفين، فمن أمنني في الدنيا أخفته في الآخرة، ومن خافني في الدنيا أمنته في الآخرة) وفي رواية: (يوم يقوم الحساب).

    كلام أبي بكر في إثبات نقصان الإيمان بإتيان المعاصي

    قال: [وقال أبو بكر الصديق رضي الله عنه: إياكم والكذب، فإن الكذب مجانب الإيمان.

    وقال الحسن : يجانبه الإيمان ما دام كذلك]، فإذا ترك الكذب رجع إليه الإيمان، فالذي يقع في الكذب وهو كبيرة من الكبائر لا بد أن يخصم من إيمانه على قدر كذبه.

    والإيمان والفجور مخلوقان، فالله تبارك وتعالى جعل الإيمان على قدر الطاعات، وجعل الفجور على قدر المعاصي.

    ومدح الله تعالى أهل الإيمان باسم المؤمن، وذم أهل المعاصي باسم الفسوق والعصيان وبكل أساليب الذم.

    فإذا كان هذا وذاك رزق أو خلق فإن الله تعالى جعل الإيمان على قدر ما خلق من أعمال الطاعات، فكلما أتى المرء طاعة من الطاعات ازداد من الإيمان على قدر حفاظه على هذه الطاعة، فإذا فرط في طاعة وتلبس بمعصية فإنما يمقت إيمانه على قدر هذه المعصية، كما أنه يستحق اسم الذم للوقوع في المعصية، فإذا كانت مفسقة كان بها فاسقاً، كالزنا والسرقة وسائر الكبائر أو الإصرار على الصغائر.

    خروج العاصي من دائرة الإيمان إلى دائرة الإسلام

    قال: [وسئل أبو جعفر محمد بن علي وهو أبو جعفر الباقر عن قول النبي عليه الصلاة والسلام: (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق حين يسرق وهو مؤمن) ، فقال: هذا هو الإسلام، ودور دائرة عظيمة، ثم دور دائرة في جوفها أصغر منها، ثم قال: هذا الإيمان].

    إذاً: حظيرة الإسلام أوسع من حظيرة الإيمان، والذي يشمله الإسلام لا يلزم أن يشمله الإيمان، لكن الذي يشمله الإيمان لا بد أن يشمله الإسلام من باب أولى، والذي يسلب عنه الإيمان لا يلزم أن يسلب عنه الإسلام، بخلاف الذي يسلب عنه الإسلام لا بد أن يسلب عنه الإيمان من باب أولى.

    قال: [هذا الإيمان مقصور في الإسلام، فإذا هو زنى أو سرق خرج من الإيمان إلى الإسلام]، ولا يخرج من الإيمان إلى الكفر، لأن فيه مرتبة لا يتعداها إلا إذا أتى فيها ما يستوجب الخروج عنها.

    يعني: يعتبر أن الإيمان دائرة ومن بعده دائرة الإسلام وهو أوسع، ومن بعده دائرة الكفر وهو أوسع الدوائر، فمن خرج من الإيمان ينحط إلى الإسلام، ومن أتى عملاً يناقض الإسلام متعمداً مع قيام الحجة عليه يسقط إلى هاوية الفسق أو الكفر.

    ونذكر من الدوائر دائرة الفسق؛ لأنه لا يمنع أن يكون الرجل مؤمناً وفاسقاً، ولا يمنع أن يكون مسلماً وفاسقاً، وهذا الذي تكلمنا عنه منذ قليل فيما يتعلق بارتكاب الكبائر، وأن مرتكب الكبيرة عند أهل السنة مؤمن بطاعته، فاسق بكبيرته أو فاسق بمعصيته.

    قال: [فإذا هو زنى أو سرق خرج من الإيمان إلى الإسلام، فإذا تاب رجع إلى الإيمان، ولا يخرجه من الإسلام إلا الكفر بالله]، وأنا أرى النص هذا من أفضل وأوضح النصوص فيما يتعلق بالإيمان والإسلام والكفر، فهو في غاية الأهمية.

    1.   

    سياق ما روي عن النبي في أن سباب المسلم فسوق وقتاله كفر، وعلامة المنافق

    قال: [سياق ما روي عن النبي عليه الصلاة والسلام في أن سباب المسلم فسوق وقتاله كفر]. وكذلك باقي علامات المنافقين.

    فمعنى الحديث: أن المسلم إذا سب المسلم وقذفه فقد كذب، والكذاب فاسق ويزول عنه اسم الإيمان، وباستحلاله قتاله يصير كافراً.

    وقال: (من علامات المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان، وإذا عاهد غدر)، وغير ذلك من خلال وخصال المنافقين، لكن لا يكون منافقاً -أي: خارجاً عن الإسلام وداخلاً في دائرة الكفر- إلا إذا استحل هذا مع قيام الحجة عليه بحرمة هذا كله.

    أما إذا وقع فيها مرة أو مرتين فإن هذا لا يضره، إلا على قدر ما قد أتى، أما إذا كان مداوماً عليه يشار إليه بأصابع الاتهام أنه مقيم على ذلك على اعتبار ما يفيده حرف (إذا) الذي يفيد الاستمرار، من أنه دائماً كذاب، ودائماً مخادع، ودائماً غدار، ودائماً فاجر عند الخصومة، وغير ذلك من الأعمال التي ذكرت في هذا الحديث.

    وبعضهم قال: إن هذا الحديث ورد في رجل خاص بعينه، فهي حادثة عين في زمنه عليه الصلاة والسلام.

    وبعضهم قال: بل هذا إنما هو نفاق العمل، وكل عالم يرجح قولاً من هذه الأقوال، كما اختلف ابن بطال عن الإمام الحافظ ابن حجر عن الإمام النووي ، فكل منهما رجح قولاً من هذه الأقوال، ولا بأس أبداً بحمل الحديث أو بحمل هذه الأقوال كلها على الحديث، خاصة أنه ورد بصيغة العموم.

    وهنا حديث مرسل من طريق الحسن عن النبي عليه الصلاة والسلام، لكن في أثناء الحديث ما يفيد باتصاله، وإن كان الذي يترجح لدي ضعف هذا الحديث.

    قال: [قال عليه الصلاة والسلام: (ثلاث من كن فيه فهو منافق وإن صلى وصام وزعم أنه مسلم، من إذا حدث كذب)]، (ومن) من صيغ العموم، (وإذا) تفيد الاستمرار، يعني: أي إنسان مسلم.

    قال: [(إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان، وإذا خاصم فجر، وإذا عاهد غدر) ، هذه خمس خصال وخلال من علامات المنافقين.

    قال: فسأل محمد بن محرم الحسن البصري فقال: لئن كان لرجل علي دين فلقيني فتقاضاني فخفت أن يحبسني أو يهلك عيالي، فوعدت أن أقضيه إذا رأيت الهلال، فلم أفعل، أمنافق أنا؟ فقال: حدثته ووعدت فأخلفته.

    ثم قال: إن عبد الله بن عمرو حدث أن أباه لما حضره الموت قال: إني كنت وعدت فلاناً أن أزوجه فزوجوه، لا ألقى الله عز وجل بثلث النفاق.

    قال محمد بن محرم : يا أبا سعيد ! أيكون في الرجل ثلث النفاق وثلثان إيمان؟ قال: هكذا جاء الحديث.

    قال محمد بن محرم : فحججت إلى بيت الله الحرام، فلقيت عطاءً ، فذكرت له هذا الحديث، وما قال لي الحسن البصري .

    قال عطاء : فقال: أعجزت أن تقول للحسن : أخبرني عن إخوة يوسف، ألم يعدو أباهم فأخلفوا، وائتمنوا فخانوا، وحدثوه فكذبوا، أمنافقين كانوا؟ أفلم يكونوا أنبياء؟ وأبوهم نبي وجدهم نبي؟] والحقيقة أنهم فعلوا ذلك قبل أن يكونوا أنبياء، فقد كانوا مسلمين، وعملهم هذا لم يخرجهم هذا من دائرة الإسلام.

    قال: [قلت: يا أبا محمد! حدثني بأصل هذا الحديث وأصل النفاق، يعني: زدني فيما يتعلق بالحجة، قال: حدثني جابر بن عبد الله أن هذا الحديث خاصة في الذين حدثوا النبي عليه الصلاة والسلام فكذبوه، وائتمنهم على سره فخانوه، ووعدوه أن يخرجوا معه في الغزو فأخلفوه.

    فقال: وأتى جبريل النبي صلى الله عليه وسلم وأخبره أن أبا سفيان قد توجه وهو في مكان كذا وكذا، فاخرجوا إليه واكتموا، قال: فكتب رجل من المنافقين إلى أبي سفيان : إن محمداً يريدكم فخذوا حذركم، فأنزل الله عز وجل: لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ [الأنفال:27]، ونزل في المنافقين: وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ [التوبة:75] إلى قوله تعالى: فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ [التوبة:77] إلى آخر الآية.

    قال عطاء : فإذا أتيت الحسن فأخبره بالذي قلته لك، وبأصل هذا، قال: فرجعت إلى الحسن فأخبرته بما قلت لفظاً وبما قال لي، قال: فأخذ الحسن بيدي فأشالها، ثم قال: يا أهل العراق! أعجزتم أن تكونوا مثل هذا سمع مني حديثاً فلم يقبله حتى استنبط أصله، صدق عطاء].

    وهذا الحديث يغلب على ظني أنه ضعيف، خاصة وأن الحسن البصري إمام أهل البصرة، وإمام أهل السنة في زمانه، لا تخفى عليه مسائل الإيمان والكفر ما دق منها وجل وصغر وعظم، فلا يخفى عليه قط أن علامة المنافق لا تخرج صاحبها عن دائرة الإسلام إلا إذا استحل هذا.

    وهذا الحديث يقضي بأن الحسن البصري إنما عد أن من ارتكب هذه الخلال وهذه الخصال يسلب عنه الإيمان بل والإسلام؛ لأن لفظ النفاق على ظاهره أنه كفر، إلا أن يراد به نفاق العمل.

    قال: [وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: (سباب المؤمن فسوق وقتاله كفر)] أي: لا يستوي من سب ومن لم يسب.

    قال: [وعن محمد بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه سعد رضي الله عنه قال: قال النبي عليه الصلاة والسلام: (سباب المسلم فسوق وقتاله كفر، ولا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث)]، والهجر في الغالب يكون بسبب مشاحنة أو ضغينة أو غير ذلك.

    وقد جاء هذا أيضاً عن ابن مسعود وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنه كما في قوله عليه الصلاة والسلام: (إذا قال لأخيه يا كافر!) أي: إذا قال المسلم لأخيه يا كافر (فقد باء بها أحدهما) أي: لا بد أن تلحق واحداً من الاثنين، فإما أن يكون المقول فيه أولى بها، وإلا حارت على قائلها أي: رجعت إلى قائلها. (فمن قال لأخيه: يا كافر! فقد باء بها أحدهما، فإن كان كما قال: وإلا رجعت عليه)، والحديث: أخرجه البخاري ومسلم .

    لكن الكفر هنا إما أن يحمل على كفر العمل وإما أن يحمل على كفر الاعتقاد، فإن قال المرء لأخيه: يا كافر معتقداً أنه كافر غير محق في ذلك، وقد بين له خطؤه وأصر على تكفير صاحبه وأخيه المسلم، فلا شك أنه يخرج عن دائرة الإسلام إلى دائرة الكفر بهذا؛ لأنه استحل ما حرم الله عز وجل وأخرج من دائرة الإسلام من أدخله الله عز وجل فيه.

    قال: [وقال أبو ذر قال النبي صلى الله عليه وسلم: (من ادعى إلى غير أبيه فليس منا)]، أي: من نسب نفسه إلى غير أبيه وهو يعلم أنه ليس أباه، ومن هنا حرم الإسلام التبني، فلا يدعى أحد إلى غير أبيه، ولا ينسب أحد إلى غير أبيه وأمه، وإنما ذكر الأب دون الأم من باب التغليب.

    فمن وقع في هذه المعصية وتبنى غلاماً أو تبنى طفلاً رضيعاً وسماه باسمه، فصار هذا الطفل ينسب نفسه لمن تبناه، يقول: هذا أبي وأنا من صلبه، فلا يكفر؛ لأنه لم يعلم أن هذا ليس أباه.

    أما إذا علم أنه ليس أباه، وعلم أن الإسلام حرم التبني فإنه لا يحل له إطلاق هذه الألقاب، لقوله تعالى: ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ [الأحزاب:5]، يعني: هذا هو العدل الذي أمر الله عز وجل به.

    قال: [ (من ادعى إلى غير أبيه فليس منا، ومن ادعى ما ليس له فليس منا) ]، يعني: من زعم أن هذه الأرض له، وهي ليست ملكاً له، فهو ليس من المسلمين، بل هو من الكافرين إذا استحل ذلك، أو ليس ادعاؤه من أخلاق المسلمين، ولا من عمل أهل الإسلام، وهذا في حالة ما لم يكن مستحلاً لذلك.

    والقاضي الذي يحكم على شخص بالإعدام، ويعلم أنه حرام، وأن دم هذا معلق في رقبته يوم القيامة، فهذا لا يخرجه من دائرة الإسلام؛ لأن هذا القاضي يعتقد حرمة ذلك، لكنه قضى لمصلحة أو لشهوة أو لضغط وإرهاب، مثل بعض القضاة الذين يحكمون على ستين من الشباب المتدين بالإعدام، لأنهم مأمورون بذلك، ولو قدموا أنفسهم ودماءهم فداءً لله فهذا هو الأصل.

    لكن هب أنهم جبنوا عن هذا الجهاد تحت وطأة التهديد والوعيد، وقضوا بالإعدام، فبلا شك أن هذا لا يحرجهم عن دائرة الإسلام، إنما يخرجهم عن دائرة الإيمان.

    بخلاف ما لو قضى القاضي في قضية ما مستحلاً للرشوة مثلاً فإنه يكفر؛ لأنه استحل ما حرم الله.

    أما إذا أخذها وهو يعلم في قرارة نفسه أن هذا مال حرام، وأنه لا ينبغي له، وأنه سيدفعه في أحد اليومين في الدنيا أو الآخرة، من حسناته وغير ذلك، فهذا لا يكفر؛ لأنه عصى غير مستحل، بخلاف الأول الذي عصى مستحلاً للمعصية.

    فقال هنا: [ (من ادعى إلى غير أبيه فليس منا، ومن ادعى ما ليس له فليس منا، ومن رمى رجلاً بالكفر أو رماه بالفسق لم يكن صاحبه كذلك ردت عليه) ] والحديث أخرجه البخاري ومسلم.

    قال: [وعن أبي هريرة قال: قال النبي عليه الصلاة والسلام: (من غشنا فليس منا، ومن حمل علينا السلاح فليس منا)]، الخروج من الإسلام ردة، وجزاء المرتد القتل.

    والنبي صلى الله عليه وسلم لما دخل السوق ووجد الرجل يبيع سلعة من السلع، وكان فيها بعض العطب والبلل، فلما تناولها النبي عليه الصلاة والسلام وجد أن الوجه الحلو هو الذي فوق، والفاسد هو الذي تحت، حينئذ قال عليه الصلاة والسلام: (من غشنا فليس منا).

    فالحديث محمول على أن الغش ليس من أخلاق المسلمين، وليس من أعمالهم، ولا من هدي النبي عليه الصلاة والسلام، ومن خالف هديه وقع في الغش، الذي هو من أخلاق غير المسلمين، ومعنى (فليس منا) أي: ليس على سنتنا وطريقتنا وهدينا وأخلاقنا، إنما هو تابع لغير أهل الإسلام في أخلاقهم التي تخلق بها المنافق.

    ولذلك الرجل اعتذر للنبي عليه الصلاة والسلام، مما يبين أنه غير مستحل، فقال له: (يا رسول الله! إنما أفسدها المطر)، يعني: هو يعرف أن هذا شيء فاسد ويقدم معذرة بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم، هو هذا الذي حمله على هذا، من أجل أن يبيع، لكنه لم يكن مستحلاً.

    وقوله عليه الصلاة والسلام: (من حمل علينا السلام فليس منا) ، لو أن رجلاً حمل السلاح وذهب وراء رجل فقتله في وقت غضب، وهو يعلم أن هذا حرام، وأنه من أكبر الكبائر بعد الشرك بالله والسحر، وتقطع قلبه وندم ندماً شديداً جداً، وتاب توبة نصوحاً، قبل ذلك منه، والذي نزع منه حين القتل هو الإيمان، أما لو كان فعل ذلك مستحلاً القتل لأخيه المؤمن كفر وإن لم يفعل؛ لأن المستحل لا يلزم منه مباشرة العمل.

    قال: [وعن عبد الله قال: إذا قال الرجل لصاحبه: أنت عدوي، فقد برئ أحدهما من الإسلام]. نحن نقول لبعضنا البعض هذه الكلمة كثيراً؛ منها على سبيل الغضب ومنها على سبيل تقرير واقع وكائن في القلب، ومنها الممازحة، مع أن هذا أمر خطير متعلق بالإيمان والكفر، والمعلوم أن المؤمنين والمؤمنات بعضهم أولياء بعض، فهم أولياء لا أعداء.

    إذاً معناه: أنه لا يحل لك أن تقول لمسلم ولا لمؤمن أنت عدوي، إنما تقول ذلك للمنافق والكافر، إلا إن تاب.

    هذا قول عبد الله بن الزبير : إلا إن تاب، يعني: إذا قال له: أنت عدوي، ولكنه اعتذر وندم وتاب فيرجع إليه الإيمان كما كان آنفاً.

    قال: [وقال ابن مسعود : من أتى كاهناً أو عرافاً فصدقه، أي: بما يقول: فقد كفر بما أنزل على محمد عليه الصلاة والسلام]؛ لأن العرافة والكهانة والسحر ضد ما جاء به النبي عليه الصلاة والسلام، فمن آمن بقول الكاهن أو الساحر أو العراف فلا بد أن ذلك يستلزم الكفر بما جاء به النبي عليه الصلاة والسلام.

    أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.