إسلام ويب

شرح أصول اعتقاد أهل السنة - الاستثناء في الإيمانللشيخ : حسن أبو الأشبال الزهيري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • اختلف السلف رحمهم الله في مسألة الاستثناء في الإيمان إلى مذاهب مختلفة، والصواب -كما رجحه شيخ الإسلام ابن تيمية- هو التفصيل، وهو أنه إن صدر الاستثناء عن شك فهو حرام، وإن صدر تورعاً من العبد مخافة أن يزكي نفسه فهو واجب. والأدلة على ذلك كثيرة في الكتاب والسنة، ولم يخالف في ذلك إلا المبتدعة كالمرجئة القائلين بحرمة الاستثناء في الإيمان.

    1.   

    سياق ما ذكر في وجوب الاستثناء في الإيمان

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد.

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    أما بعد.

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [سياق ما ذُكر من كتاب الله عز وجل وما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم والصحابة، والتابعين من بعدهم، والعلماء الخالفين لهم في وجوب الاستثناء في الإيمان].

    القائلون من الصحابة والسلف بالاستثناء في الإيمان

    وروي عن علي بن أبي طالب وابن مسعود وعائشة وابن أبي مليكة الاستثناء في الإيمان.

    قال ابن أبي مليكة : أدركت كذا وكذا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ما مات رجل منهم إلا وهو يخشى النفاق على نفسه.

    و ابن أبي مليكة أدرك أكابر الصحابة.

    أما التابعون فمنهم طاوس والحسن ومحمد بن سيرين وإبراهيم النخعي وأبو البختري سعيد بن فيروز والضحاك والأعمش ومنصور وإسماعيل بن أبي خالد وعطاء بن السائب وحمزة الزيات وعمارة بن القعقاع ومغيرة بن مقسم ويزيد بن أبي زياد وليث بن أبي سليم ومحل بن خليفة .

    ومن الفقهاء كذلك ابن شبرمة ومعمر والثوري وابن عيينة وجرير وابن المبارك والقطان قالوا جميعاً: وما أدركت أحداً من أصحابنا وما بلغني عنه إلا الاستثناء.

    وكذلك عن أحمد وأبي عبيد وأبي ثور الاستثناء في الإيمان.

    المذاهب في حكم من قال: (أنا مؤمن إن شاء الله)

    جاء في الحديث: (من حلف فاستثنى -أي: في يمينه- لم يحنث) أي: لو قال رجل: والله لأفعلن كذا إن شاء الله فإن لم يفعل فلا حرج عليه ولا كفارة، لأنه علق الفعل على مشيئة الله عز وجل، فهل يجوز لمسلم أن يقول: أنا مؤمن بغير أن يعلق هذا الإيمان على مشيئة الله عز وجل، أي: بغير أن يقول: أنا مؤمن إن شاء الله؟

    هذه المسألة أخذت مآخذ وردوداً عند أهل العلم قديماً وحديثاً، وهذه القضية فيها أربعة مذاهب:

    المذهب الأول: وهو مذهب الأحناف قالوا بحرمة الاستثناء، أي: أنه لا يجوز عند الأحناف أن يقول المؤمن أو المسلم: أنا مؤمن إن شاء الله، أو تعليق الإيمان على المشيئة، وهذا الحكم جرياً عندهم على أن الإيمان هو التصديق أو القول، وهذا هو مذهب الجهمية من قبلهم.

    فقالوا بحرمة الاستثناء، لأن الإيمان عندهم هو التصديق بالقلب، أو هو قول اللسان، ويقولون: هذا التصديق لا يتصور نزوله إلا إلى الكفر البواح، وأن التصديق عندهم لا يقبل الزيادة والنقصان، ولذلك هم يقولون: الإيمان لا يزيد ولا ينقص، لأن الإيمان عندهم تصديق، كما أن الإيمان عند الجهمية قول باللسان وقد قال، أي: قد نطق بالشهادتين وقال: أنا مؤمن بالكتاب والسنة وغير ذلك، فلا يتصور الرجوع عن هذا القول باللسان ولا ترك الاعتقاد القلبي أو التصديق عند المرجئة إلا من باب الشك.

    ولذلك يقولون: من استثنى في الإيمان فإنما مرده إلى الشك في إيمانه، ولذلك يسمون أهل السنة الذين يقولون بوجوب الاستثناء بأنهم شكاكون، وهذا المصطلح معروف في كتب الاعتقاد التي صنفها المرجئة والجهمية، لأن الإيمان عندهم تصديق وقول أو تصديق أو قول، وقد قالوا وقد صدقوا، فلا يشكون ولا يعلقون هذا الإيمان على مشيئة الله عز وجل، لأنه قد وقع منهم حقيقة، فلماذا يعلقونه إذاً؟

    المذهب الثاني: وهو مذهب عامة السلف يقولون بوجوب الاستثناء، وهذا يعتبر مذهب مناقض للمذهب الأول، فالمذهب الأول يقول بحرمة الاستثناء، وهذا المذهب يقول بوجوب الاستثناء.

    وهذا المذهب اعتمد على اعتبارين:

    الاعتبار الأول: أن الإيمان هو ما يُختم به للمرء لا ما يحيا به، فالعبرة عند عامة السلف في الإيمان بما يُختم للعبد به، وهذا في المستقبل.

    فربما عاش العبد في إيمان فيما يبدو للناس وخُتم له بغير ذلك، كما في حديث عبد الله بن مسعود (وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها).

    فالأعمال بالخواتيم كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام، والإيمان عمل قلب وعمل جوارح، وإذا كانت هذه الأعمال بالخواتيم فإن الإيمان إنما يُحكم به للعبد إذا خُتم له بذلك، والعبد لا يعلم ذلك من نفسه؛ لأن هذا أمر سيكون في آخر حياته، فكيف يتعرف عليه العبد؟

    فهم يقولون: لا بد أن يقول العبد: أنا مؤمن إن شاء الله، أي: إن قدر لي ذلك في المستقبل وختم لي به، وإلا فأنا لا أعرف شيئاً.

    الاعتبار الثاني بهذا المذهب: هو أن عدم الاستثناء تزكية للنفس، وشهادة لها بأنها من الأتقياء الأبرار.

    فلو قال عبد: أنا مؤمن، فكأنه يقول: أنا من أهل الجنة، مع أن بعض الصحابة رضي الله عنهم رغم أنهم مبشرون بالجنة كانوا يخافون أشد الخوف على أنفسهم من النفاق في أعمالهم وأقوالهم، وقد ورد هذا عن أبي بكر وعمر وعثمان ، وهذا يعني أنهم لا يأمنون مكر الله عز وجل، ولا يعرفون ما يُختم لهم به، ولذلك قال عامة السلف أن الاستثناء في الإيمان واجب من باب الهروب من تزكية المرء نفسه.

    وعلى العبد أن يأتي بجميع المأمورات وأن يكون قد ترك جميع المنهيات، وأن عبداً ما ليس في وسعه أن يفعل هذا كله، فالعبد الكامل الإيمان إنما هو الذي حقق المأمورات وترك المنهيات، ومن من الناس لم يقع في معصية؟ أو لم يترك أمراً أمر الله عز وجل به أو أمر به رسوله عليه الصلاة والسلام؟ فإذا كان أحدنا فرط في الأمر أو اقترف النهي، فكيف يزعم أنه مؤمن كامل الإيمان حينئذ؟

    إذاً: عندنا مذهبان: مذهب يقول بحرمة الاستثناء وهو مذهب المرجئة والجهمية.

    والمذهب الثاني وهو مذهب عامة السلف: القائل بوجوب الاستثناء تحقيقاً لمخافة الله عز وجل وخشيته، وهروباً من تزكية المرء نفسه، وكذلك هروباً من الشهادة لنفسه بأنه من الأتقياء الورعين المتقين.

    والمذهب الثالث: يذهب إلى التفصيل، فإن صدر الاستثناء عن شك في أصل الإيمان فهذا بلا شك حرام بل كفر.

    فعندما يسألك سائل: هل أنت مؤمن؟ تقول: أنا لا أعلم ذلك من نفسي هل أنا مؤمن أم لا.. وما معنى الإيمان؟

    فإنه إذا صدر جوابه هذا من باب الشك في الإيمان وأصوله فلا شك أنه كافر.

    وإن صدر استثناؤه في الإيمان من باب التورع عن التزكية والشهادة فهو واجب مخافة الوقوع في التزكية وإثبات أنه من المتقين أو الأبرار أو من أهل الجنة.

    المذهب الرابع: هو التوقف واعتبار أن توجيه مثل هذه الأسئلة بدعة في الدين، ولذلك أنكرها كثير من السلف كالإمام أحمد بن حنبل والأوزاعي والثوري عليهم رحمة الله وغير واحد من السلف.

    لكن الإمام اللالكائي تبنى المذهب الثاني وهو مذهب عامة السلف أن الاستثناء في الإيمان واجب، ولذلك فقد ذهب ليعدد القائلين بهذا المذهب، وأدلة هذا المذهب من كتاب الله عز وجل وسنة النبي عليه الصلاة والسلام.

    ولكن شيخ الإسلام ابن تيمية عليه رحمة الله في المجلد السابع من مجموع الفتاوى -وهو المعروف بكتاب الإيمان- يقول: انصرف السلف في هذه القضية أي الاستثناء في الإيمان إلى ثلاثة مذاهب:

    المذهب الأول يقول بحرمة الاستثناء.

    والمذهب الثاني يقول بوجوب الاستثناء.

    قال: والصواب التفصيل، أي: المذهب الثالث الذي يقول: إن صدر الاستثناء عن شك فهو حرام، وإن صدر تورعاً من العبد مخافة أن يزكي نفسه فهو واجب.

    ثم صار شيخ الإسلام ابن تيمية يتوسع في ذكر أدلة الفرق في مثل هذه القضية ورجح المذهب الثالث.

    الأدلة على وجوب الاستثناء في الإيمان

    أما الإمام اللالكائي فإنه رجح المذهب الثاني القائل بوجوب الاستثناء، فذكر من أدلة ذلك: [من كتاب الله عز وجل قوله تعالى: لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ [الفتح:27]]، أي: أن الله تعالى علم أنه لا بد ولا محالة أنهم داخلون المسجد الحرام.

    قال: [وقوله تعالى كذلك: وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا * إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ [الكهف:23-24].

    وقال تعالى: فَلا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى [النجم:32] والمؤمنون يكونون في الجنة قال النبي عليه الصلاة والسلام حين دخل المقبرة: (إنا إن شاء الله بكم لاحقون)]، مع أنه لو قال: إنا بكم لاحقون لما أخطأ في ذلك، لأنه لا محالة سيموت الأحياء ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام، فلماذا علق اللحوق بأصحاب القبور والموتى على المشيئة؟ مع أن ذلك لا بد أنه واقع.

    وروي عنه عليه الصلاة والسلام بسند ضعيف: (من تمام إيمان المرء استثناؤه في كل كلام) أي: تعليق كل كلام المرء على مشيئة الله عز وجل.

    وروي عن عمر وهو كذلك حديث ضعيف قال: من قال أنا مؤمن حقاً فهو كافر حقاً، وهذا كلام لم يثبت عنه رضي الله عنه.

    الاستثناء في الدعاء عند المقابر

    قال: [وعن ابن مرثد عن سليمان بن بريدة عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم: (كان إذا أتى على المقابر) أي: زار المقابر، وفي رواية سفيان : (كان النبي عليه الصلاة والسلام إذا خرجنا إلى المقابر قال: السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، أنتم لنا سلف، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، نسأل الله لنا ولكم العافية)].

    الشاهد هنا: (وإنا إن شاء الله بكم لاحقون) فحينما علم النبي صلى الله عليه وسلم أنه لا محالة هو وجميع الخلق لاحقون بأهل القبور، فلماذا علق ذلك على المشيئة؟

    قال: [وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: (خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المقبرة فسلم على أهلها فقال: سلام عليكم دار قوم مؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون).

    وعن عائشة رضي الله عنها: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخرج إلى البقيع فيقول: السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وأتاكم ما توعدون، غداً مؤجلون، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، اللهم اغفر لأهل بقيع الغرقد).

    وعن أنس : (أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى البقيع فقال: سلام عليكم وإنا بكم لاحقون إن شاء الله، أسأل الله ألا يحرمنا أجركم ولا يفتنا بعدكم)].

    عدم حصول الولد لسليمان عليه السلام لعدم استثنائه

    استثناء النبي في إخباره أنه أتقى الخلق وأعرفهم بالله

    قال: [وعن عائشة رضي الله عنها أن رجلاً قال: (يا رسول الله إني أُصبح جنباً وإني أريد الصيام، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: وإني أُصبح جنباً وإني أريد الصيام فأغتسل ثم أُصبح من ذلك صائماً، فقال الرجل: إنك لست مثلنا قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: والله إني لأرجو أن أكون أخشاكم لله وأعلمكم بما أتقيه)] أي: بما أتقي من عذاب الله عز وجل، أو بمن أتقي أي: بالله عز وجل.

    فالنبي عليه الصلاة والسلام رد على هذا الرجل الذي يقول: أنا أُصبح جنباً وإني أريد الصيام، فماذا أصنع؟ أي: يؤذن الفجر ويدخل وقت الصبح وأنا جنب، وإني أريد الصيام، فقال النبي عليه الصلاة والسلام لهذا السائل: وأنا يحدث لي مثل الذي يحدث معك، فأُصبح جنباً من جماع غير احتلام فأغتسل وأصلي الصبح، ثم أصوم ولا يمنعني هذا.

    قال: يا رسول الله! إنك لست كهيئتنا، أنت رجل قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، وأنت خير الخلق، وأنت أول من ينشق عنه القبر، وأنت الشافع المشفع، وأنت وأنت.. وظل يعدد من خصائص النبي عليه الصلاة والسلام، أي: أنت في غنى عما نحن فيه.

    وقصة الثلاثة الذين أتوا إلى بيته يسألونه عن عبادته، فلما أُخبروا بها كأنهم تقالوها قالوا: إنما يلزمنا أن نجتهد في العبادة، أما النبي عليه الصلاة والسلام فإنه قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه، أما نحن فنؤاخذ بذنوبنا، فنحن نحتاج إلى مزيد من الطاعة حتى تشفع لنا طاعتنا عند ربنا.

    فقال النبي عليه الصلاة والسلام: إذا كنتم تقولون إنني أول من تنشق عنه الأرض وقد غفر الله لي وكذا وكذا.. وظللتم تعددوا من خصائصي ومناقبي، كأنه أراد أن يقول لهم هذا، فإن الذي قد حباه الله تعالى بهذه الخصائص إنما يلزمه أن يكون أخشى الناس لله وأتقاهم له، وإن العبد إنما يعبد ربه على نحو خوفه ورجائه في الله عز وجل، فإذا كان النبي عليه الصلاة والسلام هو أعلم الناس بالله فلا بد أنه أعلم الناس بما عنده من نار وبما عنده من جنة .. بما عنده من ثواب وبما عنده من عقاب، فالذي يعلم ما عند الله من خير وشر، من جنة ونار، من ثواب وعقاب أحق الناس بالعبادة، ولكن الفارق بين عبادة المذنب وعبادة غير المذنب أن عبادة غير المذنب إنما هي عبادة شاكر، أما عبادة المذنب فإنما هي عبادة مستغفر يرجو أن يغفر الله تعالى له ذنبه.

    ولذلك قال: (والله إني لأرجو أن أكون أخشاكم لله وأعلمكم بما أتقيه) والحديث أخرجه مسلم .

    استثناء النبي في ادخاره دعوته لأمته يوم القيامة

    قال: [وقال أبو هريرة رضي الله عنه: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لكل نبي دعوة دعا بها في أمته فاستجيب له)]، أي: كل نبي له دعوة واحدة مستجابة وهي الدعوة العامة التي تخص الأمة بأسرها، فكل نبي استنفد دعوته في أمته إلا نبينا عليه الصلاة والسلام قال: [(وإني أريد إن شاء الله أن أدخر دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة)]، فلماذا قال: إن شاء الله مع أن الله تعالى خيره بين أن يدعو بدعوته أو أن يدخرها شفاعة لأمته في عرصات القيامة، فاختار اختياراً سبق وانتهى أمره وحسم بأن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (وإني ادخرت دعوتي شفاعة لأمتي في عرصات القيامة) .. فلماذا حينما أخبر عليه الصلاة والسلام بأنه ادخر دعوته علق ذلك على المشيئة؟ مع أن هذا قد مر وانتهى.

    قال: (لكل نبي دعوة دعا بها في أمته فاستجيب له، وإني أريد إن شاء الله) وهذا الشاهد (أن أدخر دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة) والحديث كذلك أخرجه مسلم .

    في ذكر صفات المؤمن والمسلم

    قال: [وعن جابر بن سمرة رضي الله عنه قال: خطب عمر رضي الله عنه الناس بالجابية وهي قرية بالشام فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قام في مثل مقامي هذا، أي: صعد المنبر فخطب الناس ووعظهم فكان فيما قال: (من سرته حسنته وساءته سيئته فهو مؤمن).

    من سرته حسنته أي: من فرح بطاعته واغتم لذنبه، فهذا علامة إيمانه.

    وعن عامر الشعبي قال: جاء رجل إلى عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما فقال له: أخبرني ما حفظت من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال عبد الله : سمعته صلى الله عليه وسلم يقول: (المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه)].

    المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، مع أن تعريف الإسلام غير ذلك، لكن النبي عليه الصلاة والسلام أراد أن يعالج أمراً عند السائل قال: (المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده) وذكر اللسان واليد على جهة الخصوص؛ لأن معظم الأذى إنما يقع بهما ومنهما، معظم الأذى يقع باليد التي تبطش وباللسان الذي ينم ويغتاب ويعير وغير ذلك.. فمن حفظ لسانه ويده فقد حقق كمال الإسلام الذي هو الاستسلام والخضوع لله عز وجل.

    والمهاجر عند الإطلاق يعني الذي يهاجر من بلاد الكفر إلى بلاد الإيمان، وأصل الهجرة كانت من مكة إلى المدينة، وهذه الهجرة منسوخة إلى يوم القيامة؛ لأن مكة دار إيمان إلى قيام الساعة، أما النبي عليه الصلاة والسلام فإنه عرف المهاجر هنا بالتعريف العام للهجرة لا التعريف الخاص، فقال: (المهاجر من هجر ما نهى الله عنه)، وفي رواية قال: (المهاجر من هجر المعاصي) والمعنى واحد.

    الحكم لمعين بالشهادة

    قال: [وقال عمر رضي الله عنه: (لما كان يوم خيبر قُتل نفر من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فقالوا: فلان شهيد حتى مروا على رجل فقالوا: فلان شهيد، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: كلا إني رأيته في النار في بردة غلها أو عباءة غلها، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يـا ابن الخطاب اذهب فناد في الناس أنه لا يدخل الجنة إلا المؤمنون) والحديث أخرجه مسلم].

    إذا قلت لفلان إنه شهيد فكأنك تقول إنه من أهل الجنة؛ لأن الشهداء في الجنة، لكن الحرج أن تشهد لفلان بعينه أنه شهيد، فكأنك قلت: فلان بعينه من أهل الجنة، وأنت لا تعلم ما صنع.

    ولذلك حينما قُتل هذا الرجل في يوم خيبر، وأنتم تعلمون أن خيبر كانت بين اليهود وبين المؤمنين، وأن القتلى الذين يكونون في مثل هذه المعارك إما قتلى في معسكر الإيمان أو في معسكر الكفر، فأما من قتل في معسكر الكفر فهو في النار لا محالة؛ لأنه مات على الكفر، إلا أن يكون أخفى إسلامه، ولم يقاتل وإنما خرج قهراً أو قسراً وجبراً وأخفى إسلامه مخافة القتل، فهذا بلا شك على معصية في تكثير سواد المشركين، لكن إن دعته دواع للخروج لقتال معسكر الإيمان ولكنه لم يشارك حقيقة في القتال ومات بسيف الإيمان بسبب قتال معسكر الإيمان فهو من أهل الإيمان ومن أهل الإسلام.

    أما الذين يموتون من معسكر الإيمان فلا يقطع لهم بالشهادة، إنما نرجو الله أن يتقبلهم في الشهداء، أما القطع لهم بالشهادة حتى لو كانوا من أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام فلا يجوز، ولذلك من أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة أنهم لا يشهدون لأحد بجنة ولا نار إلا من شهد الله تبارك وتعالى له في كتابه، أو شهد له الرسول صلى الله عليه وسلم في صحيح سنته.

    ولذلك فالصحابة رضي الله عنهم إنما ساروا على الأصل الأصيل عندهم، وأن من مات في القتال مع العدو فهو شهيد، فساروا بين القتلى وهم يقولون: هذا فلان نعرفه كان في معسكرنا إنه شهيد، وهذا فلان كان في معسكرنا وإننا نعرفه هو فلان بن فلان فهو شهيد، لأنه قُتل في معركة بين المؤمنين والكفار فقال النبي عليه الصلاة والسلام: (كلا والله إني رأيته في النار في بردة غلها أو في عباءة غلها).

    والذي يحول بين العبد وبين الشهادة بردة أو عباءة أخذها من الغنيمة قبل توزيعها، ولذلك قال الله تعالى: وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ [آل عمران:161]، ويحرم على النبي صلى الله عليه وسلم أن يأخذ شيئاً من الغنيمة قبل توزيعها؛ لأنه له فيها الخمس ولا شيء له بعد ذلك.

    فقال: وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ [آل عمران:161] حتى لو كان نبياً، والغلول كبيرة من الكبائر، ولا يمكن أن يقع النبي في كبيرة، ولكن الله تعالى ضرب هذا المثال لفظاعة الغلول، وأنه مهلك، وأنه حائل بين العبد وبين دخوله الجنة، ولذلك قال: (كلا، إني رأيته في النار في بردة غلها أو في عباءة أو شملة غلها)، ولذلك حينما رأى الصحابة رضي الله عنهم رجلاً يقاتل قتالاً عنيفاً حتى أن هذا القتال أثار إعجابهم جميعاً قالوا: إن فلاناً يمشي بيننا وهو من أهل الجنة، كأنهم كانوا ينظرون إليه ويعجبون به أيما إعجاب، يظنون أنه من أهل الجنة، بسبب قتاله وقوته وشدته على العدو، فقالوا للنبي عليه الصلاة والسلام: (والله يا رسول الله إنا لنرى فلاناً من أهل الجنة، فقال: وإني لأراه من أهل النار) أي: أنتم ترونه من أهل الجنة وأنا أراه من أهل النار، ففزع الصحابة أيما فزع لهذا، إذا كان هذا الرجل على قوة قتاله وتقدمه في صفوف الأعداء من أهل النار، فكأنهم قالوا: فما بالنا نحن؟ قال أحدهم: فتبعت هذا الرجل، فكلما أسرع أسرعت وكلما وقف وقفت أنظر ماذا يصنع؟ أي: ماذا يأتي من الأعمال التي تجعله من أهل النار لا من أهل الجنة، فقال: فأُصيب بسهم فلم يصبر عليه، فوضع ذبابة سيفه في بطنه فاتكأ عليه فخرج من ظهره فقتل نفسه، فذهب هذا الرجل مسرعاً إلى النبي عليه الصلاة والسلام وقال: (يا رسول الله أترى هذا الرجل الذي قلنا فيه إنه من أهل الجنة وقلت فيه إنه من أهل النار، لقد صنع في نفسه كيت وكيت، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: الحمد لله أشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله) فالأعمال بالخواتيم أسأل الله أن يحسن خاتمتنا جميعاً.

    فقال: (يا ابن الخطاب اذهب وناد في الناس أنه لا يدخل الجنة إلا المؤمنون).

    حكم الشهادة لأحد بأنه من أهل الجنة

    قال: [وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: الإرجاء بدعة، والشهادة بدعة]، أي: الشهادة لأحد بأنه من أهل الجنة بدعة مخالفة لمعتقد السلف ومعتقد أهل السنة، والبراءة كذلك بدعة.

    قال: [ويقول ابن مسعود : من شهد على نفسه أنه مؤمن فليشهد أنه في الجنة].

    هل يستطيع أحد منا أن يقطع لنفسه بأنه من أهل الجنة؟

    والله لقد قطع رجل لنفسه بأنه من أهل الجنة فمات على الكفر البواح وارتد عن الدين تماماً، وصنف كتباً يسب فيها الإسلام.

    قطع لنفسه بالجنة فحول الله تعالى قلبه، والقلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء، فيصبح الرجل مؤمناً ويمسي كافراً، والعكس بالعكس.

    والبراءة مختلف فيها، ولذلك يقول المحشي: البراءة المراد بها ما يفعله الخوارج مع بعضهم البعض ومع غيرهم إذا خالفهم في أمر فإنهم يتبرءون منه، ولا يكاد يخلو هذا الوصف في عقائد جميعهم.

    قال نافع بن الأزرق : والذي أحدثه البراءة من القعدة.

    وقال عن الأزارقة أنها لتتبرأ ممن تقدمها من سلفها من الخوارج، وهكذا تُذكر البراءة في مواطن من عقائدهم.

    وكأنه يريد أن يقول: إن ترك البراءة بدعة، أي: حينما يأتي إنسان فيسأل: هل أنت مسلم يا فلان؟ فيجيب: نعم، أنا مؤمن، والحمد لله، ثم يسأل: هل تبرأت من الكفر والطواغيت؟ فيقول: لا، هذا لا يلزمني..

    كمن يأتي إلى أحد من أهل السنة فيقول له: هل أنت من أهل السنة؟ يقول: نعم إن شاء الله، هل تبرأت من الخوارج والمرجئة والمعتزلة والقدرية وو..؟ يقول: لا، أنا ليس لي علاقة بهؤلاء أبداً، لأنه ليس من معتقدي البراءة، إنما من معتقدي الولاء، فأنا أوالي الله ورسوله والمسلمين.

    كما يقال لرجل: من تعبد؟ يقول: الشيطان، فيقال: لماذا؟ قال: حتى أتجنب شره، أي حتى يكون بيني وبينه سلم ولا يكون هناك حرب بيني وبين الشيطان.. فأنا لا أعبده وإنما أراضيه، وبالتالي لا يوسوس لي ولا يتسلط علي ولا يفعل بي أي شيء..! هذا الكلام كفر بواح.

    فكذلك أهل البدع لا يتبرءون من عقائد بعضهم البعض، ولكن أهل السنة يلزمهم في حسن إيمانهم وإسلامهم إثبات البراءة أولاً ثم إحلال الولاء محل هذا البراء، ولذلك لا يمكن أبداً أن يحقق العبد الإيمان لله عز وجل إلا بالكفر بالطواغيت.. فكيف تؤمن بالله والطواغيت في وقت واحد؟ لا يمكن أبداً أن يجتمعا في قلب عبد مؤمن.

    قال: [وقال علقمة : قال رجل عند عبد الله بن مسعود : أنا مؤمن أي: ولم يستثن، قال: قل: إني في الجنة].

    عبد الله بن مسعود يسكته فيقول له: أنت تقول أنك مؤمن ولم تقل: إن شاء الله، ما دام الأمر كذلك فقل أنك في الجنة.

    ثم قال ابن مسعود: [ولكنا نؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر].. إلى آخر فروع وأصول الإيمان.

    قال: [وعن أبي وائل قال رجل لـعبد الله بن مسعود : يا أبا عبد الرحمن ! لقيت ركباً فقلنا: من أنتم؟ قالوا: نحن المؤمنون.

    وقال أبو وائل : إن حائكاً -أي: خياطاً- من المرجئة بلغه قول عبد الله بن مسعود في الإيمان قال: زلة عالم]، وأنه يقول بوجوب الاستثناء، والمرجئة يقولون بحرمة الاستثناء، أي: أن المرجئ يقول: أنا مؤمن من غير أن يقول: إن شاء الله، وعامة السلف على وجوب الاستثناء مخافة التزكية، ومخافة أن يكون قد فرط في أمر أو ارتكب نهياً أو مخافة أن يُختم له بغير ذلك، وأن الإيمان أمر مستقبل، والعبرة فيه بالخواتيم، وهذا أمر لا يعلمه المرء حتى يموت، فكيف يقطع بالإيمان؟ ولذلك مذهب عامة السلف وجوب الاستثناء في الإيمان.

    فهذا المرجئ يقول بغير قول عامة السلف، حينما بلغه أن عبد الله بن مسعود استثنى قال: زلة عالم.

    خياط يعدل على عبد الله بن مسعود ولكنه يعلق بأدب، ويثبت أن ابن مسعود لا يفهم شيئاً، ولكن بأسلوب رقيق نوعاً ما فيقول: هذه زلة عالم.. خياط يعدل على سادس ستة في الإسلام صاحب النعل للنبي عليه الصلاة والسلام.

    أحد الخياطين من التابعين يقول عن عبد الله بن مسعود أحد أكابر المحدثين والفقهاء في الصحابة: زلة عالم، وقد أحسن حينما قال أنه عالم، ولكن أخطأ حينما قال أنه زل.

    وآخر يقول مثلاً: الشيخ ابن باز شيخ عالم وفاضل، ولكنه لم يوافق التوثيق أو خالف الصواب في هذه المسألة..

    وإذا قلت له: الظهر كم ركعة؟ وما الأدلة على ذلك؟ والله لا يستطيع أن يجيب أن يجيب.

    قال: [وعن سلمة بن كهيل قال: اجتمع الضحاك وبكير الطائي وميسرة وأبو البختري فأجمعوا أن الشهادة بدعة، والبراءة بدعة، والولاية بدعة، والإرجاء بدعة]. الشاهد هنا أنهم اعتبروا أن الشهادة بدعة، وهي كذلك.

    ولذلك كثيراً ما نسمع الشهيد فلان والشهيد فلان.. وهذا الكلام لو عرضناه على كلام أهل العلم فإنه لا يصح.

    ومعنى أن فلاناً في الجنة، هو أنني أقطع له بذلك مع أني لا أعلم سره، لا أعلم ما الذي كان بينه وبين الله، ولكني أرجو أن يكون الذي بينه وبين الله خيراً، وأرجو أن يتقبله الله في الشهداء، وهذا من باب الأدب مع الله عز وجل، وهو أني لا أتألى عليه ولا أزكي عليه أحداً، يفعل في عباده ما يشاء سبحانه وتعالى، نرجو دائماً الإحسان، ونرجو الجنة للطائع، ونخاف دائماً على العاصي، وهذا مذهب أهل السنة.

    حكم من لا يستثني في الإيمان عند السلف

    قال: [وقال جرير : سمعت منصور بن المعتمر والمغيرة بن مقسم والأعمش وليث بن أبي سليم وعمارة بن القعقاع وابن شبرمة والعلاء بن المسيب وإسماعيل بن أبي خالد وعطاء بن السائب وحمزة بن حبيب الزيات ويزيد بن أبي زياد وسفيان الثوري وابن المبارك ومن أدركته يستثنون في الإيمان ويعيبون على من لا يستثني].

    فالسلف يستثنون في الإيمان، إذا سئل أحدهم قال: أنا مؤمن إن شاء الله، ويعيبون على من قال: أنا مؤمن فقط ولم يستثن.

    قال: [وعن جرير بن عبد الحميد قال: كان الأعمش وإسماعيل بن أبي خالد وعمارة بن القعقاع والعلاء بن المسيب وابن شبرمة وسفيان الثوري وحمزة الزيات يقولون: نحن مؤمنون إن شاء الله ويعيبون على من لا يستثني.

    وعن محل بن محرز قال: قال لي إبراهيم النخعي : إذا قيل لك: أمؤمن أنت؟ فقل: آمنا بالله وملائكته وكتبه ورسله].

    أي: إذا قيل لك: أمؤمن أنت؟ ويمكن السؤال هذا يواجهك، وربما تظل محتاراً في الإجابة عن هذا السؤال بسبب اختلاف العلماء، ولكن قل: آمنت بالله وملائكته وكتبه ورسله والبعث والحساب والجزاء والجنة والنار والصراط وغير ذلك.. وبهذا تكون قد خرجت من الخلاف، فلا تقل: نعم أنا مؤمن، أو أنا مؤمن إن شاء الله. فعدد أصول الإيمان وقل: آمنت بالله وكتبه ورسله واليوم الآخر وبالقدر خيره وشره..

    فإذا كنت مؤمناً بهذا كله فيكون جوابك من غير إن شاء الله، لأنك قاطع بأنك مؤمن بهذا كله، وهذه غيبيات وأنت قد آمنت بها، وقد عرف النبي عليه الصلاة والسلام الإيمان في حديث جبريل وغيره بهذا حين سئل عن الإيمان؟ فقال: (أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه واليوم الآخر وبالقدر خيره وشره) فلو سئلت عن الإيمان فعدد أنك قد آمنت بأصول الإيمان، وأنت الآن مؤمن بالأعمال الموجبة لدخول الجنة، فأنت لم تزك نفسك بعمل، لأن هذا من أصول الإيمان، عليك أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله إلى آخره.. فأنت قد قررت بأنك آمنت بكذا وكذا وكذا ولم تزك نفسك.. بخلاف لو قال لك: أنت مؤمن؟ فقلت: نعم أنا مؤمن، مع أن الإيمان يستلزم فوق ما آمنت به غيباً أن تأتي به عملاً وأن تنتهي عنه تركاً، وهذا متعلق بالأوامر والنواهي.. بالواجبات والمحرمات، فهذا باب آخر غير الباب الغيبي الذي آمنت به.

    فلو أنك قلت: نعم أنا مؤمن، فكأنك تقول: أنا قد أتيت من الأعمال ما يستوجب على الله أن يدخلني الجنة، ولكن حينما تقول: أنا آمنت بالله وملائكته وكتبه.. فأنت هنا تقرر حالتك الإيمانية.

    1.   

    الإيمان والإسلام بين أهل السنة والمرجئة والجهمية

    درسنا كله متعلق بالإيمان، ولكن يعكر على ذلك تعريف المرجئة والجهمية للإيمان؛ لأن المرجئة والجهمية إنما يعرفونه بمطلق الإيمان لا الإيمان المطلق، وهناك فرق بين الإيمان المطلق ومطلق الإيمان.

    وقلنا: إن مطلق الإيمان هو أصل الإيمان، وهي القاعدة التي لا يمكن أن تنزل ولا يتصور نزولها إلا إلى الكفر، وهو التصديق عند المرجئة والتلفظ عند الجهمية..

    هذا تعريف مطلق الإيمان عند الجهمية والمرجئة.

    أما الإيمان عند أهل السنة فإنما يعني الإيمان المطلق الكامل، فالاستثناء في درسنا هذا متعلق عند أهل السنة بالإيمان المطلق، أما عند المرجئة والجهمية فإنه متعلق بمطلق الإيمان.

    وأنت لا يسعك إلا ما وسع السلف بصرف النظر عنهم، سواء كان سائلك جاهلاً أو عالماً: هل أنت مؤمن؟ قل: نعم أنا مؤمن إن شاء الله.

    وحديث سعد بن أبي وقاص في الصحيحين: (أن النبي صلى الله عليه وسلم أعطى أناساً ولم يعط آخرين، فقال: يا رسول الله! أعطيت فلاناً وتركت فلاناً وهو مؤمن قال: أو مسلم؟ قال: بل مؤمن يا رسول الله! قال: أو مسلم؟ ثلاث مرات)، والمعلوم أن المسلم إن وقف عند حد الإسلام فمعه مطلق الإيمان، ومع هذا تغاضى النبي صلى الله عليه وسلم عن مطلق الإيمان، لأن القصد في الإيمان: الإيمان المطلق، وحينما قال الله تعالى: قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا [الحجرات:14]، والأعراب مسلمون، والمسلم معه أصل الإيمان وهو يسعه أن يدخل الإسلام بهذا الأصل، ومع هذا نفى الله تبارك وتعالى عنهم الإيمان قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا [الحجرات:14] هل النفي هنا يشمل أصل الإيمان أم الكمال؟

    إذاً: يجوز أن أنفي الإيمان عن المرء ولكن هذا النفي ينصب على الإيمان الكامل التام، ويبقى معه أصل الإيمان؛ لأن الله تعالى نفى ذلك عن الأعراب، مع أنه لا يسعهم إلا المحافظة على أصل الإيمان، ومع هذا قال لهم: لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ [الحجرات:14]، يدخل هنا بمعنى يزداد وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ [الحجرات:14] أي: حينما يزداد الإيمان في قلوبكم، و(لما) التي تفيد نفي الحصول في الماضي ولا تفيد نفيه في المستقبل، أي: أنه سيكون عندكم الإيمان الكامل في المستقبل، فالواحد حينما يسأل: هل أنت مؤمن؟ وهو يعلم أنه مؤمن وأنا أعرف أنه مؤمن، لأن هذا لا يسعنا أن ننزل عنه، وهو مطلق الإيمان، لأن المؤمن بغير هذا اليقين لا يصح منه حتى الإسلام، لكن النزاع في مطلق الإيمان، ولذلك فإن الذين يخالفون أهل السنة هم الجهمية والمرجئة، لأن الإيمان عندهم لا علاقة له بالزيادة ولا بالنقصان، إذاً: فالكلام كله متعلق بالإيمان الكامل.

    قال: [وقال حماد بن زيد قال: سمعت هشاماً وهو ابن حسان الأزدي يقول: كان الحسن ومحمد يقولان: مسلم، ويهابان مؤمن].

    إذاً: الحسن البصري قد حقق كمال الإيمان، وكذلك محمد بن سيرين ، وهما من المنزلة بمكان في قلوب كل الموحدين، لكن لا نستطيع أن نقطع لهما بالجنة، فالجنة ليست ملكاً لأحد، فالذي يجعلك تقطع لفلاناً بالجنة يجعلك تقطع لفلان بالنار، فهل هذا شأنك؟ ولا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة.

    قال: [وقال محمد بن سيرين : إذا قيل لك: أمؤمن أنت؟ فقل: آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق].

    كمن يقول لك: في أي جماعة أنت؟ فقل: أنا مسلم.

    أو يقول لك: كل الناس هؤلاء مسلمون، ولكن من أي جماعة أنت؟

    فقل: ولكني أنا مسلم، على كتاب الله، وعلى سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعلى منهج السلف الصالح، وعلى ما فهمه أبو بكر وعمر وعثمان وعلي .

    فاختصر هذا وقل: أنا سلفي.

    فحينما تقول: أنا سلفي، فعندها أنا سأعرف كيف تفكر.

    لأن المصطلح هذا يتناول عدة عناوين ورءوس أقلام ومعتقدات وقواعد، وسأفهم أنك على كل هذه الأصول والقواعد بكلمة واحدة وهي كلمة: سلفي، كما يقول آخر: أنا كذا.

    فنكون بهذه الكلمة الواحدة قد عرفنا منهجه كاملاً.

    والسلف كانوا يقولون للذي يسألهم عن الإيمان بأنهم قد آمنوا بالله وكتبه ورسله وما أُنزل على نبينا وعلى الأنبياء السابقين.. وهذا كلام جميل جداً، لأن هذا ليس سؤال عبد، فأنت حينما تقول: أنا مؤمن فتكون قد زكيت نفسك على ربك، فالمسألة متعلقة بالله عز وجل وليست متعلقة بالسائل.

    قال: [قال أبو أسامة : قال لي الثوري وأنا وهو في بيته مالنا ثالث ثلاثة: نحن مؤمنون والناس عندنا مؤمنون، ولم يكن هذا أفعال من مضى].

    كأن الإمام الثوري يقول له: نحن مؤمنون والناس الذين عندنا أيضاً مؤمنون، لكن لا بد أن تعرف أن هذا ليس نهج سلفنا، إنما نهج سلفنا أنهم لا يقولون نحن مؤمنون إلا أن يستثنوا، ولذلك حينما قال عبد الصمد بن حسان: [قال الثوري: أهل السنة يقولون: الإيمان قول وعمل مخافة أن يزكوا أنفسهم]، فإذا قلت: آمنت بالله وكتابه ورسوله، وغير ذلك من أصول الإيمان وفروعه، لكن يبقى العمل، فلو أني قلت أنا مؤمن، كأني قلت: أنا أؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وأنا قد أتيت المأمورات وابتعدت عن المنهيات.. ففي هذا الكلام تزكية.

    إذاً: يقول الثوري : أهل السنة يقولون: [الإيمان قول وعمل مخافة أن يزكوا أنفسهم، فلا يجوز عمل إلا بإيمان ولا إيمان إلا بعمل، فإن قال: من إمامك في هذا؟ - أي: لو أن أحداً سألك يا عبد الصمد من الذي قال لك هذا وعلمك هذا؟- فقل: الثوري .

    وقال مالك أبو هشام : كنت مع مسعر وهو خارج من المسجد، وقلما كان يخرج من المسجد إلا ومعه قمامة يحملها، قال: فلقيه رجل فقال له: طوبى لك يا أبا محمد أنت في هذا المسجد منذ خمسين سنة صائم نهارك قائم ليلك.

    قال مسعر عند ذلك: ليتني أموت على الإسلام].

    والراوي جزاه الله خيراً لمح نكتة عظيمة قال: وقل أن يخرج مسعر من المسجد إلا وفي يده قمامة، أي: أنه يقوم على تنظيف المسجد ولا يجد شيئاً يُستقذر في المسجد إلا ويحمله بين يديه ثم يلقيه خارج المسجد، أي: أن هذا الرجل كان حريصاً على العمل وإن قل، ولذلك صاحبه يقول له: طوبى لك يا أبا محمد أنت في هذا المسجد منذ خمسين سنة.

    ثم قال أبو محمد : ليتني أموت على الإسلام، لأنه لا يضمن، فالإنسان الذي لا يضمن نهايته ولا يضمن آخرته إذا سُئل: أنت مؤمن؟ كيف يقول نعم؟ ويتجرأ ويتبجح على الله عز وجل، فلا بد له أن يستثني.

    قال: [قال يحيى بن سعيد القطان : ما أدركت أحداً من أصحابنا إلا على الاستثناء.

    وقال: الإيمان قول وعمل.

    قال يحيى : وكان سفيان ينكر أن يقول: أنا مؤمن، ويحسن يحيى القطان الزيادة والنقصان في العمل والإيمان.

    وقال إسماعيل بن أبي أويس : كان مالك بن أنس يكثر من قول: ما شاء الله، أي: أنه كان إذا تكلم دائماً يكثر في كلامه أن يقول: ما شاء الله.

    قال: فعاتبه رجل على كثرة قوله: ما شاء الله.

    قال: فرأى الرجل في منامه: أنت المعاتب لـمالك بن أنس لكثرة قوله: ما شاء الله؟]

    أي: أنه أتاه ملك في المنام وقال له: أنت الذي تعاتب مالك في كثرة قوله: ما شاء الله؟

    قال: [لو أراد مالك بن أنس أن يثقب الخردل بقوله ما شاء الله لثقبه.

    وقال ابن عيينة : إذا سئلت أمؤمن أنت إن شاء الله؟ لم أجبه].

    والسائل استخدم إن شاء الله في كلامه: أمؤمن أنت إن شاء الله؟ فيجيب بنعم، ولا يلزمه أن يقول: إن شاء الله، وإنما لم يرد عليه إن شاء الله، فاستخدم المشيئة حينئذ في الجواب.

    قال: [وقال: سؤالك إياي بدعة]، أي: أن ابن عيينة يرد على السائل بقوله: أنت تسأل سؤالاً ما كان السلف يسألونه، فسؤالك بدعة، ولذلك أنا لا أجيب عليه إن شاء الله.

    وكان ابن عيينة لا يشك في إيمانه.

    قال: [ولا يعنف من قال: إن الإيمان ينقص، أو إن قال: إن شاء الله، فليس يكره وليس بداخل في الشك]، وهذه المسألة محل نزاع بين أهل العلم.

    والذي لا يزيد على ما مضى، ولكن إجمالاً فيما يتعلق بمسألة الاستثناء في الإيمان أن المراد من هذا المبحث أن المسلم إذا أراد أن يصف نفسه بالإيمان أنه يلزمه أن يستثني، أي: أن يقول: أنا مؤمن إن شاء الله.

    هذا على مذهب جماهير السلف، والمؤلف سيورد آيات وأحاديث ورد فيها الاستثناء في أمور محققة مستدلاً بها على مذهب السلف في وجوب الاستثناء في الإيمان، وأعقبها بالآثار الواردة عن السلف من الصحابة والتابعين من أبناء الأمة.

    وهو بهذا أراد أن يرد على المرجئة ومن وافقهم في عدم تجويز الاستثناء، بل وفي حرمته في الإيمان، إذ إن ذلك عندهم شك في الإيمان، حيث لا يرون الإيمان إلا التصديق فقط أو التصديق والقول، وهذا لا ينبغي أن يستثنى في حصوله لعلمهم بوقوعه يقيناً، والسلف يرون أن عدم الاستثناء يعد تزكية غير مناسبة من المسلم، ولهذا يقول ابن مسعود : من شهد على نفسه أنه مؤمن فليشهد أنه في الجنة، وكان الصحابة لشدة ورعهم وخوفهم من الله يخشون على أنفسهم النفاق كما مر بنا، فالاستثناء ليس شكاً إذاً ولكنه تقوى وورع كما قال سفيان الثوري: أهل السنة يقولون: الإيمان قول وعمل مخافة أن يزكوا أنفسهم، وقال الآجري : صفة أهل الحق ممن ذكرنا من أهل العلم الاستثناء في الإيمان لا على جهة الشك، نعوذ بالله من الشك في الإيمان، ولكن خوف التزكية لأنفسهم من استكمال للإيمان، لا يدري أهو ممن يستحق حقيقة الإيمان الكامل أم لا؟

    والمعلوم أنه لا يستحق عبد حقيقة الإيمان الكامل إلا إذا أتى بكامل الأعمال التي تؤهله إلى الإيمان الكامل، والعبد لا يعلم ذلك بنفسه.

    ولو اجتهدت في العبادة ما استطعت ستفرح بعبادتك وتشعر بمزيد الإيمان في قلبك، لكن اذهب إلى أدنى السلف وانظر في عبادتهم، ثم قارن بين عبادتك مع فرحك بها وعبادة السلف، هل تعد نفسك من العباد؟ ولذلك فيستحسن أن يعلق الأمر على مشيئة الله تعالى، كما أن أعبد العابدين في هذا الزمان لو اطلع على عبادة السلف لأيقن بالهلاك، وليس بأنه مؤمن.

    ولذلك فإن أهل العلم من أهل الحق إذا سئلوا أمؤمن أنت؟ قال: آمنت بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والجنة والنار وأشباه هذا، والناطق بهذا والمصدق بقلبه مؤمن، وإنما الاستثناء في الإيمان لا يدري أهو ممن يستوجب ما وصف الله عز وجل به المؤمنين من حقيقة الإيمان أم لا.

    ولذلك فإن الله عز وجل يقول: أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ ، وفي آية أخرى يقول: أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا [الأنفال:4] أي: هناك فرق بين الإيمان والإيمان الحق، كما أن الفرق قائم بين مطلق الإيمان والإيمان المطلق.

    هذا هو طريق الصحابة رضي الله عنهم والتابعين لهم بإحسان، وهو أن الاستثناء يكون في الأعمال ولا يكون في القول، والتصديق بالقلب، أي: قولك: أنا آمنت بالله وملائكته وكتبه ورسله، فليس في هذا استثناء، ولا في مجرد التصديق بالإيمان في القلب، إنما الاستثناء في الأعمال الموجبة لحقيقة الإيمان.

    ولكن المصنف وهو الإمام اللالكائي ذهب إلى وجوب الاستثناء مع أن جواز الاستثناء ورد عن بعض علماء السلف، وهذا المذهب الراجح الذي رجحه ابن تيمية وهو مذهب التفصيل.

    فيقال: إن أراد أصل الإيمان، أي سؤالي: أنت مؤمن؟ إذا انصب سؤالي على أصل الإيمان في القلب فهذا ليس فيه استثناء.

    وإن أراد كمال الإيمان الذي يستحق به الأمن التام يوم القيامة لمزيد عمله في الدنيا فالأصل أنه يستثني.

    قال الأوزاعي رحمه الله: من قال: أنا مؤمن فحسن، ويُحمل القول على أصل الإيمان، ومن قال: أنا مؤمن إن شاء الله فحسن ويحمل قوله حينئذ على كمال الإيمان وتمامه.

    وروى الآجري عن أحمد بن حنبل رحمه الله قال: حدثنا أبو بكر الأثرم قال: سمعت أبا عبد الله أحمد بن حنبل وقد سئل عن الاستثناء في الإيمان: ما تقول فيه؟ قال: أما أنا فلا أعيبه، أي: من استثنى في الإيمان لا يعيب عليه ذلك.

    وروي عن سفيان أنه سئل عن رجل يقول: أمؤمن أنت؟ فقال: ما أشك في أصل الإيمان، وسؤالك إياي بدعة، وما أدري ما أنا عند الله عز وجل شقي أو سعيد، مقبول العمل أو مردود.

    ومن من الناس يعلم ذلك؟ ويعلم أنه إذا عمل عملاً أن الله تقبل عمله؟ وهل يقطع أحد بصحة الصلاة؟ فليس لنا أن نقطع بقبول الصلاة، فأنت بإمكانك أن تعمل، ولكن الله تعالى يقبله أو لا يقبله، فإن قبله فبفضله، وإن رده فبعدله سبحانه وتعالى.

    فإذا كنت لا تدري مع وجود العمل أنه متقبل أم لا؟ ومن باب أولى أنك لا تعلم إذا كنت شقياً أم سعيداً، فالأصل أن يتأدب الإنسان مع ربه إذا سئل: أمؤمن هو؟ أي: من جهة العمل وكماله وتمام الإيمان يقول: أنا مؤمن إن شاء الله، أي: أرجو أن أكون عند الله مؤمناً كامل الإيمان، لكن الحقيقة لا يعلمها إلا الله عز وجل، وحينما كانت الحقيقة لا يعلمها إلا الله وجب على العبد أن يستثني ويقول: إن شاء الله.

    وسئل إبراهيم النخعي : أمؤمن أنت؟ قال: ما أشك في إيماني، وسؤالك إياي عن هذا بدعة.

    وقال أبو عبيد : وكذلك نرى مذهب الفقهاء الذين كانوا يتسمون بهذا الاسم -أي: بالفقهاء- بلا استثناء فيقولون: نحن مؤمنون، وهؤلاء هم الذين كانوا يحرمون الاستثناء، ومنهم من كان يقول: أنا مؤمن قطعاً وإنما قصد بذلك أصل الإيمان.

    وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.