إسلام ويب

شرح أصول اعتقاد أهل السنة - شعب الإيمان [2]للشيخ : حسن أبو الأشبال الزهيري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • شعب الإيمان كثيرة ومتعددة، فمنها: الحب في الله والبغض في الله، وحسن الخلق، والزهد عن الدنيا والتقلل منها، والجهاد في سبيل الله تعالى، وذكر الله سبحانه وتعالى، والمحافظة على الطهور والورع، والتعرف على الله والإيمان به قبل تعلم العلم ثم الإقبال عليه.

    1.   

    الحب في الله والبغض في الله من شعب الإيمان

    إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    وبعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: (ثلاث من كن فيه فهو عبد طعم الإيمان وحلاوته)]، ثلاث من كن فيه أي: من توفرت فيه هذه الخصال الثلاث فقد حقق العبودية لله عز وجل، وقد ذاق طعم الإيمان، فشبه الإيمان بالشيء الحلو الذي يتذوق من طَعِمَه.

    قال: [فقال: قلت: أنت سمعت هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم]، يعني: الراوي عن أنس يسأله هذا السؤال يقول: هل أنت سمعت هذا من النبي عليه الصلاة والسلام قال: [( أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما) أي: أن يكون الله ورسوله من جهة الاعتقاد والعلم والعمل والمحبة والرضا وغير ذلك من شعب الإيمان القلبية والعملية، قال: [(وأن يحب في الله ويبغض في الله)] لأن أعظم عرى الإيمان الحب في الله والبغض في الله.

    قال: [(وأن توقد نار عظيمة فيقع فيها ولا يشرك به شيئاً)]، يعني: لو أن ناراً عظيمة أججت في أخدود عظيم جداً وألقي فيها المرء كان ذلك أحب إليه من أن يقع في الشرك بالله عز وجل، هذه الثلاثة الأشياء لو اجتمعت في قلب العبد المؤمن وجرت مقتضياتها على جوارحه فإنه يكون قد حقق الإيمان الكامل التام، وذاق طعم الإيمان.

    قال: [وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: حب في الله، وأبغض في الله، ووال في الله عز وجل وعاد في الله، فإنه لا تنال ولاية الله عز وجل إلا بذلك].

    فإن تحب في الله، وتبغض في الله، وتعطي لله، وتمنع لله، كل ذلك لا يمكن للعبد المؤمن أن يفعله إلا لله عز وجل، ولو فعله لنفسه أو نصرة أو غضباً لنفسه أو حمية أو غير ذلك من النيات والأغراض والمقاصد الأخرى فإنها ليست لله عز وجل، وإنما هي انتقام أو انتصار لنفسه؛ ولذلك لو أن العبد منع العطية لوجه الله عز وجل، أو أعطى العطية لوجه الله عز وجل، أو خاصم هذا في الله، أو صالح هذا في الله، فهذا العبد قد ضبط نفسه وسلوكه وعمله على أن تكون كلها لله عز وجل.

    أنت تخاصم أخاك الفلاني؛ لأنه قد عصى الله عز وجل، وعلمت من واقع حاله أنه لا يصلح إلا بالهجر، فتهجره في الله عز وجل، كما هجر الصحابة رضي الله عنهم الثلاثة الذين خلفوا حتى ضاقت عليهم الأرض بما رحبت، وصار الواحد منهم لا يدري أين يذهب.

    كان لـكعب -وهو أحد الثلاثة- جار وقريب له، وكان يصعد الجدار ويسلم على جاره، ولكن هذا الجار ما كان يرد عليه السلام -مع أن رد السلام واجب- لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمرهم أن يقاطعوا هؤلاء الثلاثة، فكان الواحد منهم يمشي في شوارع المدينة حائراً لا يدري ماذا يفعل، ضاقت عليه الأرض، الوفاة خير له من الحياة من فرط ما ضاقت به أموره وأحواله؛ لأنه تخلف عن الجهاد بغير عذر، فلما نزلت توبتهم من السماء فرح هذا الجار فرحاً عظيماً جداً، وأسرع بمجرد سماع الآيات إلى كعب يبشره بأن الله تعالى قد تاب عليه، فلو كان هذا خصاماً للذات أو لخلاف وقع بين الجيران أو غير ذلك لا يهمه أن تنزل فيه توبة، وكذا الصحابة لما أمرهم النبي عليه الصلاة والسلام ألا يكلموهم، فامتنع الصحابة جميعاً عن محادثة القوم، فلما نزلت التوبة فرح الصحابة، وليس الثلاثة فحسب، فهذا المنع من محادثة القوم كان لله عز وجل، وهذا المنع قد بلغ خمسين يوماً، فتصور أن امرأة لا تكلمه، وأن ولداً لا يكلمه، وأن جاراً لا يكلمه، وأن صديقاً لا يكلمه، وأن تاجراً لا يكلمه، المدينة كلها امتنعت عن محادثة القوم، حتى أهل بيت الثلاثة لم يكونوا يكلمون هؤلاء الثلاثة قط، فتصور رجلاً يعيش وحده في مجتمع يعج بالأفراد شرقاً وغرباً، لا يتكلم أحد منهم معه، فماذا يكون حاله؟ يكلم نفسه، أو يتكلم هؤلاء الثلاثة، مع أنهم قد كره بعضهم بعضاً في هذه المدة؛ لأنهم شعروا باتحاد المعصية بينهم، فكره الواحد منهم أن يكلم أخاه؛ ولذلك لما جاءت لـكعب رسالة من أمير من أمراء الكفر أن ائتنا نولك ما رغبت يعني: ائت إلينا وسنوليك ونعطيك من المال ما ترغب فيه، قال: هذه ثالثة الأثافي، هذا ابتلاء واختبار، ثم قال: لا والله إن محمداً عليه الصلاة والسلام وأصحابه أحب إلي من الدنيا وما فيها، فالإيمان لا يزال متمكناً في قلوبهم، لكنها غفلة انتهزها الشيطان فخلفهم عن الجهاد.

    الشاهد من هذا كله أن الصحابة امتنعوا حيث أمروا بالامتناع عن المحادثة، وفرحوا أشد الفرح حيث كان الأمر يستوجب الفرح، فهم فرحوا لله، وامتنعوا لله عز وجل، وهذا من فرط وكمال وتمام إيمان الصحابة رضي الله عنهم.

    قال: [ولن تجد طعم الإيمان حتى تكون كذلك]، يعني: لن تجد طعم الإيمان حتى تحب لله وتمنع لله وتعطي لله وغير ذلك.

    قال: [ثم قرأ: الأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ [الزخرف:67]]، الأخلاء هم الأصحاب والأصدقاء، مع ما كان بينهم من صحبة قوية ومتينة في الدنيا، إلا أن هذه الصحبة لا تدوم ولا تستمر بين الأعداء؛ لأنها صحبة في الظاهر وهي في حقيقتها ليست بصحبة؛ يقول الحسن البصري: صديقك هو من صادقك لا من صدقك، أي: صديقك هو من سار معك بصدق، يأمرك حيث تستلزم الصحبة الأمر، وينهاك حيث تستلزم الصحبة النهي، وهكذا.

    صاحبك الحقيقي هو من إذا رأى عليك معصية نهاك عنها، وغير منك، ولا تكون صحبتك له في الله إلا إذا قبلت كلامه ونصحه.

    أما أن تصاحبني على أن ترى مني موافقة لكل أقوالك وأعمالك ورضاً -ولو كان في الظاهر- بكل ما تأتي وتذر فليس هذا بصحبة صحيحة، الأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ [الزخرف:67]. تصور لو أن اثنين من الأصدقاء وهم على معصية، لا يأمر أحدهم صاحبه ولا ينهاه، فهذه الصحبة إنما تأتي وبالاً ونكالاً على أصحابها يوم القيامة، وهذا يفهم من قوله: الأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ [الزخرف:67] أي: يوم القيامة بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ [الزخرف:67] يأتون بعداوة شديدة جداً، أما الأصحاب أهل الإيمان فإنهم يتزاورون في الجنة، ويحب بعضهم بعضاً حباً أبدياً سرمدياً؛ لأنهم أحبوا بعضهم البعض في الله عز وجل لما كانوا في الحياة الدنيا.

    قال: [وقرأ: لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ [المجادلة:22] إلى آخر الآية]، يعني: لا يمكن أبداً لإيمان عبد أن يسمح له بأن يصاحب رجلاً محاداً لله ورسوله، فلو أن رجلاً يسب الله أو الرسول أو الشرع أو الدين ولا يأتي الفرائض والواجبات، ويقع في جميع المنهيات أو في بعضها لا يمكن أن تكون بينه وبين أهل الإيمان مودة؛ لأنه حاد الله ورسوله بإبراز المعاصي والفجور وغير ذلك من سائر أنواع المعاصي، فكيف يستقيم أهل الإيمان مع هؤلاء؟ لا تجد قوماً يؤمنون بالله ورسوله بينهم وبين أهل الفسوق والعصيان مودة، لا يمكن أن يكون ذلك، لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ [المجادلة:22]، حتى لو كانوا أقرب المقربين، فلو أن أباك سب الله تعالى كفر؛ لأن سب الله تعالى كفر مخرج من الملة، لا يعذر فيه أحد من الناس، وإن كان من أجهل الناس فإنه لا يجهل أن سب الله كفر مخرج من الملة، حتى اليهود أو النصارى فإنهم يعلمون أن سب الله كفر، ويخافون من ذلك، كما أن سب دين الله عز وجل كفر بواح يخرج صاحبه من الملة، وأظن أن هذا لا يخفى على أحد، كما أن عموم الاستهزاء وإن كان بأقل شعيرة من شعائر الإسلام هو كفر مخرج من الملة، الاستهزاء بأي شعيرة من شعائر الدين أمر يخرج به الساب والمستهزئ من دين الإسلام لا يمكن أن يخفى هذا على أحد؛ ولذلك قال الله تعالى: لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ [التوبة:66]، ووجه هذا الخطاب للمستهزئين، قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ [التوبة:65-66].

    فالاستهزاء بالله وآيات الله ورسول الله وشرع الله ودينه وأحكامه لا يعذر به أحد، وإن كان الأصل عندنا العذر بالجهل، فهذه أصول لا يمكن أن تخفى على أحد؛ ولذلك من وقع فيها وقع في الكفر البواح، ويلزمه أن يتوب ويرجع إلى دينه مرة أخرى.

    قال: [قال النبي عليه الصلاة والسلام: (الطهور شطر الإيمان)]، أي: الوضوء نصف الإيمان، وهذا يدل على أن الإيمان يتبعض، ويزيد وينقص.

    وقوله: [(من أعطى لله ومنع لله، وأحب لله وأبغض لله فقد استكمل الإيمان)] أي: فقد بلغ في الكمال الإيماني أعلى المراتب، وهذا يدل على أن الإيمان يزيد وينقص لقوله: فقد استكمل الإيمان، أي: بهذه الأعمال يستكمل العبد الإيمان الكامل.

    1.   

    حسن الخلق من شعب الإيمان

    الخصلة الحادية والستون: [قال النبي عليه الصلاة والسلام: (لا يستكمل العبد الإيمان حتى يحسن خلقه، ولا يشفي غيظه)]، وهذا الحديث في سنده بعض الضعف، وبعض أهل العلم حسنه، ومعنى حسن خلقه يعني: عامل الناس بالخلق الحسن؛ ولذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يوصي بعض أصحابه ويقول: (اتق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن)، فهذا الخلق الحسن الذي تخلق به الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم، وتخلق به أصحابهم وحواريهم.

    فقوله: (لا يستكمل العبد الإيمان) يدل على أن الإيمان يزيد وينقص، وقوله: (حتى يحسن خلقه، ولا يشفي غيظه) يعني: لا ينتقم ولا ينتصر لنفسه.

    1.   

    تغيير المنكر من شعب الإيمان

    ٌقال: [وقال النبي عليه الصلاة والسلام: (المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير من المؤمن الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم)] وهذا باب عظيم جداً من أبواب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وكأنه أراد أن يقول: وتغيير المنكر من الإيمان؛ لأنه من شعب الإيمان، فقال: المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير من المؤمن الذي لم يخالط الناس ولم يصبر على أذاهم.

    أحياناً يبلغ اليأس ببعض الدعاة ورؤيتهم القاتمة لما عليه المسلمون من ضلال وانحراف عن شرع ربهم بأن يؤثر في أحدهم اليأس أن يقيم في بيته وألا يتكلم مع أحد، وهذا الحديث أو النص كفيل وخليق بأن يرده إلى رشده وصوابه.

    وقال عليه الصلاة والسلام: (من قال هلك الناس فهو أهلكهم)، وفي رواية: (فهو أهلكَهم) أي: فهو الذي تسبب في إهلاكهم، أو على الرواية الأولى: فهو أشدهم هلاكاً، ومن قال: (هلك الناس فهو أهلكهم) أي: فهو الذي أهلكهم، وهذا نص كفيل بأن يحاسب كل أحد منا نفسه.

    وإذا كان الناس فيهم خلل أو نقص أو عيب أو جرأة أو فجور فلا بد أن يكون في الداعية حظ ونصيب من هذا كذلك، فإذا كان يعيب على الناس أشياء مثل هذه فلا بد أن يرجع لنفسه باتهامها أكثر من اتهامه للناس، حتى يستقيم له الأمر.

    وفي حياة الأنبياء وجهادهم أعظم قدوة ونبراس لنا، فنوح عليه السلام الذي مكث في قومه ٍيدعوهم ألف سنة إلا خمسين عاماً، فما آمن معه بعد هذه الأعوام كلها إلا قليل، فأعظم عدد ذكر أنهم ثمانون رجلاً، وأقل العدد اثنا عشر رجلاً، وحتى لو كانوا خمسين رجلاً، فمعنى ذلك أنه يؤمن كل عشر سنين رجلاً واحداً، فهذا أسوة وقدوة لنا، خاصة للإخوة في الريف، فالأخ قد يمكث أربع سنوات في القاهرة من أجل الدراسة في الجامعة أو غير ذلك فيمن الله تبارك وتعالى عليه بالعلم الشرعي والفهم الصحيح وغير ذلك، فيذهب إلى قريته بعد التخرج، فيفاجأ بالواقع المر الأليم في قريته، ويعرف أن الناس إنما مكثوا على دين منذ مئات السنين وما عند أحدهم استعداد أن يغير ذلك، فيصدم في واقعه الذي عاش فيه وكان هو أحد أفراده، فيصاب بيأس شديد جداً، فيأتي بعد ذلك من القرية ويشكو مر الشكوى من قومه الذين لا يقبلون دعوته، هو كان أحد أفراد هذا المجتمع الذي لم يقبل دعوة من سبقه، فلا بد من الصبر، فهذه سنة كونية قدرية في أهل الإيمان، بدءاً بالأنبياء والمرسلين وانتهاءً بالصالحين، وحذاري أن تظن أنك إذا آمنت بالله ورسوله، وحملت هذه الدعوة ورفعت لواءها أن الأرض تفرش لك بالحرير، إذا كنت تتصور ذلك فأرجو أن تعتزل وأن تعتذر الآن وتمكث في بيتك، فطريق الدعوة هو أصعب طريق خلقه الله عز وجل؛ ولذلك خلق له أعظم البشر وهم الأنبياء والمرسلون؛ ولذلك يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (أعظم الناس بلاءً -وفي رواية: أشد الناس بلاءً- الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل) يعني: ثم من يشبه الأنبياء ثم من يشبه من يشبه الأنبياء، وهكذا.

    فالمعلوم أن الأنبياء وأتباعهم من الدعاة والعلماء هم على نسق ومنوال واحد من وقوع الأذى بهم؛ لأن الناس الذين انتكست فطرهم إنما يحبون الحياة الدنيا حباً جماً، ويحبون جمع المال من حل ومن حرام، وإن الدعاة هم الذين يقفون حائل صد أمام هؤلاء لبيان الحلال والحرام، وبنهي هؤلاء الذين يرتكبون المنكرات والفظائع والفجور ينهونهم عما هم عليه؛ ولذلك تكون العداوة بينهم وبين أهل الإيمان، وكذلك أصحاب الجاه والمناصب والكراسي وغيرها، كل حظ ليس لله تبارك وتعالى فيه نصيب لا بد أن تحدث العداوة بين أصحاب هذه الحظوظ وبين الدعاة إلى الله عز وجل.

    وسنة الله تبارك وتعالى قضت بأن عامة الفساق لهم تمكن في وقوع الأذى بأهل الإيمان ما لم يكن لأهل الإيمان راية تحميهم، فإذا كان الأمر كذلك فينبغي بل يجب على أهل العلم بالذات من أهل الإيمان أن يعدوا صبراً عظيماً جداً وتحملاً فوق طاقة البشر في حمل دعوة الله عز وجل وتبليغ دعوة الحق إلى الخلق.

    أما أن تتصور أنك صاحب سنة أو صاحب دين أو صاحب علم أو غير ذلك، وأن الناس ستفرش لك الأرض حريراً ويضعونك على الرءوس فهذا لن يكون، فلا بد أن توقن أن الناس يضعونك تحت أقدامهم، وأن الناس يحاربونك من أول وهلة تخرج عليهم فيها فتسفه أحلامهم، وتبطل ما هم عليه من باطل، وترتفع بإيمانك وعلمك على هذا الواقع الباطل الذي يعيشه الناس، فلو أنك بهذه الأخلاق، وبهذه القوة والمتانة، فلا أحد يتركك، بل كل من استطاع أن يلحق بك الأذى فعل ولا يقصر، فمخالطة الناس والصبر على أذاهم أعظم أجراً ودرجة ممن اعتزل الناس؛ لأنه لم يصبر على أذاهم بلا شك.

    1.   

    الحب في الله من شعب الإيمان

    قال: [وقال عبد الله بن مسعود : إن من الإيمان أن تحب أخاك عن غير معرفة ولا قرابة ولا مال أعطاك لا تحبه إلا لله]، أي: من شعب الإيمان أن تحب أخاك المؤمن من غير معرفة سابقة ولا قرابة ولا جوار، إنسان قابلته فبدا منه الصلاح والعمل الصالح، وحب الله ورسوله، فهذا الإنسان يجب عليك أن تحبه في الله، وإلا فلا يزال الإيمان في نقصان ويحتاج إلى زيادة.

    1.   

    الزهد عن الدنيا من شعب الإيمان

    قال: [وعنه قال: إن الله قسم أخلاقكم كما قسم بينكم أرزاقكم]، فالأخلاق رزق كالطعام والشراب، الأخلاق رزق والمنطق رزق، لسانك الذي في فمك هو رزق من السماء، إما أن يكون حلواً لذيذاً يقطر عسلاً أو يقطر سماً وهو اللسان في نهاية أمره، وشتان بين منطق كل لسان واللسان الآخر، فهذا يقطر سماً وهذا يقطر عسلاً، هذا أديب، وهذا فصيح، وهذا بليغ، وهذا مفسر، وهذا محدث، وكل ذلك إنما تظهر آثاره على اللسان.

    قال: [وإن الله يعطي الدنيا من يحب ومن يبغض]؛ لأن الدنيا لا قيمة لها، ولا تزن عند الله جناح بعوضة، ولو كانت تزن عند الله جناح بعوضة ما سقى كافراً منها شربة ماء، وهذا من هوان الدنيا على الله.

    ولذلك النبي عليه الصلاة والسلام عاش حياته كلها يحذر أصحابه الفتن، ومنها وأعظمها فتنة الدنيا، أن يفتن المرء بأي فتنة من فتن الدنيا، فتنة النساء، فتنة المال، فتنة الجاه، فتنة السلطان، كل هذا من فتن الحياة الدنيا.

    ولذلك النبي عليه الصلاة والسلام يقول: (والله لا أخشى عليكم الفقر) أو (ما أخشى عليكم الفقر ولكني أخشى أن تفتح عليكم -أي: الدنيا- فتنافسوها كما تنافسوها -أي: كما تنافسها من كان قبلكم- فتهلككم كما أهلكتهم).

    فبين عليه الصلاة والسلام أن الدنيا مهلكة، وقال أيضاً: (ويقول الإنسان: مالي مالي مالي، وليس له من ماله إلا ما أكل فأفنى، ولبس فأبلى)، فالذي هو حريص على جمع المليارات هو يحب من؟

    ميمون بن مهران رضي الله عنه ورحمه يقول: عجبت لجامع الدنيا يحاسب عليها مرتين، يعني: يحاسب على ماله مرتين، أو قال: يسأل عنه مرتين، يتركه كله ويسأل عنه كله.

    ولو أنه جمعه من حلال وأدى حق الله فيه فنعم المال الصالح للعبد الصالح، لكن الحذر كل الحذر لمن يجمع الدنيا من حل وحرام من أجل أن يبقى عنده مال، فلو لبس أحسن الملابس، وركب أحسن المراكب، وأكل أفخر الطعام، فلا بد أنه سيترك المال لورثته، ثم يسأل عن هذا المال كله يوم القيامة، فيشقى به حياً وميتاً.

    في الوقت الذي لا تضمن فيه أن هذا المال ربما يكون سبباً لفتنة أبنائك، فما وجدت أعظم من أن يعرق الإنسان بجبينه في جمع لقمة عيشه، وإذا أتت الدنيا إلى آحاد الناس بسهولة لا بد أنها تذهب عنه كذلك بسهولة، الإنسان منا لو أنه جد واجتهد في جمع الدينار والدرهم لا بد أنه يحافظ عليه ويفكر ألف مرة قبل إنفاقه.

    أما إنسان انتقلت إليه الملايين أو الألوف عن طريق الميراث مثلاً أو الهدايا أو المنح والهبات فإن هذا المال يكون أهون عليه من أن يفكر مرة واحدة حين إنفاقه، ولذلك فإن أصحاب الأعمال هم أنجح الناس، كالذي يعمل بمسحاته وفأسه وفي مصنعه وفي شركته بيده ويبيت في ليله مكدوداً من عمل يده طول النهار، فهؤلاء هم أنجح الناس وهم الرجال وعليهم اعتماد الأمة.

    أما هؤلاء المرفهون المترفون الذين يرتعون في أموال آبائهم وأمهاتهم لا يدرون من أين أتت هذه الأموال فهم كذلك لا يدرون كيف ينفقون هذه الأموال، وإننا لنعلم أطفالاً مصروف أحدهم يبلغ مائتي جنيه، وهذا في اليوم الواحد وليس في الشهر؛ ولذلك فسد هذا الولد وشرب الخمر، وتعرف على النساء وانحرف أيما انحراف، فكل مجالات الانحراف انحرفها.

    فلما استدعانا أبوه لنكلم الولد قلت له: أنا منذ أن رأيت هذا الولد لا يطمئن قلبي له ولا لك، قال: وهل آذاك أحدنا؟ قلت: أنت قد آذيت نفسك وآذيت أمتك، لما دخل عليه الولد وقال: أعطني مصروفي، فناوله الأب خمسين جنيهاً، -أنا قلت: ليتني ابنه- وإذا بالولد يقذف بالخمسين جنيهاً في وجه أبيه، فقلت له: لماذا يا بني عملت هذا؟ قال: أنا مصروفي مائتي جنيه.

    وكان من قبل أبوه يشكو لي ظروف الحياة، فقلت: ماذا تعمل؟ قال: أنا مدير بنك، قلت: تأخذ كم؟ قال: سبعة آلاف جنيه، فقلت: وتشتكي ظروف الحياة، والإخوة يعملون في المحلات في مقابل مائتين أو ثلاثمائة جنيه في الشهر، وابنك يأخذها مصروفاً في اليوم، قال: أنا مضطر أن أعطيه.

    وأعطاه مائة وخمسين جنيهاً، قلت: لا بأس أن تقبل يده من أجل أن ترضيه؛ لأنه ممكن أن يغضب، ويخرج غضبان، قال: إذا لم يأخذ مني مائتي جنيه فإنه سيأخذ السائق ويذهب معه إلى المصنع، وهناك يأخذ بالقوة ما يشاء من خزينة المصنع.

    انحرف الولد انحرافاً ما بعده انحراف، ومع هذا كان يتمتع بذكاء خارق، حتى كان أبوه يرسله إلى أعمامه وأخواله وإخوانه في أمريكا وأوروبا لوحده، وعنده من العمر ستة عشرة أو سبع عشرة سنة.

    فإذا بهذا الولد ينقلب بزاوية (180) درجة على والده وعلى والدته فيلقيهما أشد أنواع العذاب، حتى دعا عليه أبوه، وكان دائماً يدعو عليه لما كبر الولد صار الأب من فرط ما تأذى بولده يدعو عليه.

    وفي يوم من الأيام اتصلت به شرطة المرور من طريق الصحراوي وقالوا له: أنت فلان؟ قال: نعم، قالوا: وجدنا سائق سيارة مرسيدس نوعها كذا وموديلها كذا، قال: نعم، قالوا: ولك ابن اسمه كذا، قال: نعم، قالوا: تفضل استلمه فإنه مقتول في سيارته، وهذا فعلاً هو نهاية سوء التربية.

    قال: [وإن الله يعطي الدنيا من يحب ومن يبغض، ولا يعطي الإيمان إلا من يحب، فمن ضعف عن هذا الليل أن يكابده، وعن هذا المال أن ينفقه، وعن هذا العدو أن يقاتله فليستكثر من سبحان الله والحمد لله فإنها أحب إلى الله من جبل ذهب وفضة].

    يعني: إذا كنت لا تستطيع قيام الليل، ولا تقاتل عدواً ولا تنفق مالك، فلا أقل من أن تقول: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر، فهذه أحب إلى الله تبارك وتعالى من إنفاق جبل من ذهب أو فضة، وهذا يدل على أن هذه الكلمات إنما هي إيمان بالله عز وجل.

    1.   

    ذروة الإيمان وكماله

    قال: [وقال أبو الدرداء رضي الله عنه: ذروة الإيمان أربع -يعني: كمال الإيمان وتمامه أربع- الصبر للحكم، والرضا بالقدر، والإخلاص والتوكل، والاستسلام للرب تبارك وتعالى.

    وعن عمار بن ياسر رضي الله عنه قال: ثلاث من استكملهن فقد استكمل بهن الإيمان -أي: ثلاث خصال من واضب عليها وحققها كاملة فقد حقق الإيمان كله-: إنصاف المرء من نفسه]، من منا ينصف الناس من نفسه؟ بل كل الناس لهم الحق عند هذا الرجل من بعضهم البعض، أما إذا كان حق آحاد الناس عنده فلا حق له؛ ولذلك ينبغي إذا اتهم الإنسان الآخرين أن يكون لنفسه أشد اتهاماً، لا يزكي نفسه فالله تعالى أعلم بمن اتقى.

    قال: [إنصاف من نفسك، والإنفاق من الإقتار -يعني: إنسان فقير محتاج ومع هذا يتصدق- وبذل السلام للعالم]؛ لأن هذا دليل المحبة، وسبب لانتشار الإيمان بين الناس، الذي يؤدي بدوره إلى دخول الجنة، كما في قوله عليه الصلاة والسلام: (لن تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولن تؤمنوا حتى تحابوا، أولا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم)، فإفشاء السلام للعالم يوازي قوله عليه الصلاة والسلام: (وألق السلام على من عرفت ومن لم تعرف) أي: من المسلمين.

    1.   

    الجهاد في سبيل الله من شعب الإيمان

    قال: [وعن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (من حبس فرساً في سبيل الله إيماناً بالله وتصديقاً بموعد الله كان شبعه وروثه وبوله حسنات في ميزانه يوم القيامة)]، وهذا يدل على أن الجهاد من شعب الإيمان، فهذا إنسان حبس فرسه في سبيل الله إيماناً بالله، وتصديقاً بوعد الله عز وجل، فإذا حازه وميزه وقال: هذا الفرس أنا أعده للجهاد في سبيل الله عز وجل، فإذا كانت نيته هكذا إيماناً بالله وتصديقاً بما عند الله من ثواب للمجاهدين، فإن روث هذا الفرس وبوله وطعامه وشرابه كله في ميزان صاحب الفرس، وكذا السيارة، فإنها لا تأكل ولا تشرب ولا تبول ولا تتروث، فالله تبارك وتعالى قادر على أن يجعل لك من الثواب أعظم مما جعل لصاحب الفرس.

    وهذا مثل حديث: (من خرج من بيته إلى صلاة الجمعة فلا يرفع قدماً ولا يحط قدماً إلا رفعه الله بها درجة وحط عنه خطيئة) فمن خرج إلى صلاة الجمعة راكباً فله مثل ذلك، فإن الله تعالى قادر على أن يثيبك الأجر الذي يناسبك، ماشياً أو راكباً، والنبي عليه الصلاة والسلام ذهب للصلاة ماشياً وراكباً.

    1.   

    زيادة الإيمان ونقصانه عند الصحابة

    أما قانون الصحابة في شعب وخصال الإيمان وإثبات أن الإيمان يزيد وينقص، فقد جاء عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: [هلموا نزدد إيماناً، فيذكرون الله عز وجل]، يعني: يا معشر الصحابة! هلموا نجتمع فنذكر الله تعالى حتى نزداد بهذا الذكر إيماناً بالله، إذاً: الذكر سبب لزيادة الإيمان، لكن يكون الذكر على الطريقة السلفية، ليس على الطريقة الصوفية.

    قال: [وفي حديث علي : إن الإيمان يبدأ لمظة في القلب]، يعني: نَكتة مثل النقطة، فاللمظة في اللغة هي النَكتة.

    قال: [كلما ازداد الإيمان ازدادت اللمظة]، يعني: القلب تنكت فيه نكتة إيمان، ثم مع العمل تزداد هذه النكتة أو هذه اللمظة إيماناً، حتى يمتلئ القلب كله إيماناً، يعني: الإيمان بسبب ترك الأعمال يظل في نقصان، حتى لا يبقى منه في القلب شيء، ومع العمل واستمراره يزيد الإيمان حتى يطفح عن القلب ويسيل، فيكون في اللحم والدم والعظم والأحشاء وغيرها، فيمتلئ المرء كله إيماناً؛ ولذلك النبي عليه الصلاة والسلام رأى رؤيا في المنام، أن الناس يلبسون أثواباً فمنهم من بلغ ثوبه إلى ثديه، ومنهم من بلغ إلى سرته، ومنهم من بلغ إلى حقوه، ورأى عمر يجر ثوبه، يعني: رأى عمر مسبلاً ثوبه، فهذه رؤيا في المنام لا تفيد جواز الإسبال؛ ولذلك قال الصحابة: (فما أولتها يا رسول الله! قال: بالدين) وهذه رواية البخاري ، والدين هو عبارة عن الإيمان والإحسان والإسلام، كما في حديث جبريل عليه السلام.

    فـعمر رضي الله عنه قد بلغ في الديانة والإيمان والإسلام مبلغاً عظيماً حتى فاض عنه، فالإيمان في القلب يكون مثل ما لو أتيت بقدر مثلاً أو إناء من الأواني، فامتلأ بالماء حتى تسرب من الإناء.

    قال: [وعن علي قال: الطهور نصف الإيمان]، وهو الوضوء، وفي الحديث: (لا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن) وهذا يدل على أن الوضوء شعبة من شعب الإيمان، فمع كل وضوء تزداد إيماناً، ويا حبذا لو أتيت بعد كل وضوء بركعتين.

    قال: [وعن عبد الله بن عكيم قال: سمعت ابن مسعود في دعائه يقول: اللهم زدنا إيماناً ويقيناً وفقهاً]، وهذا يدل على أن الإيمان يزيد، اللهم زدنا إيماناً ويقيناً وفقهاً.

    قال: [وعنه قال: ينتهي الإيمان إلى الورع]، يعني: أعظم درجات الإيمان في الورع، والورع أنواع، وأعظم الورع ترك المباح، لكن من كان صدراً في الناس يشار إليه بالبنان..

    أنت لو رأيت واحداً من عامة الناس يجري وراء الحافلة ويستمر يجري على أمل أن يدرك الحافلة ستقول: ما شاء الله، هذا الرجل عنده عزيمة وإصرار، الحافلة ذهبت ومع هذا هو مصر على أنه يدركها، فأنت تنظر إلى هذا الفعل من عامة الناس على أنه عمل جيد، ودليل على الفتوة وعلى قوة العزيمة والإصرار على إدراك المصلحة.

    لكن لو وجدت شيخاً قد ألقى محاضرة ثم هو يجري وراء الحافلة، فهذا العمل لا يليق بالرجل هذا، ستقول: كيف تجري وراء الحافلة وأنت شيخ وعالم؟ لماذا لا تركب تكسياً بجنيه؟ أما غير العالم فبالنسبة له هذا عمل مباح.

    مثل بعض الناس الذين يسبون الدين، فهم يقولون: الشيخ لا يسب الدين، فإن دين الشيخ غير ديننا، فهذا عيب على الشيخ، لا يصح منه ذلك.

    كذلك مثلاً عندما يدخل السينما، فإن أول شخص سينكر عليه هو الذي يقطع التذكرة، وصاحب السينما نفسه ممكن يعترض ويقول: أنت شيخ لا تدخل، وهذا عيب لا يصح، أما أنا فهذه تجارتي، وهذا عملي، إنما منك فهذا عيب لا يصح، هذا لا يستقيم مع أخلاقك ولا دينك، ومعنى هذا أن الناس تعرف منهجك، وتعرف الحلال والحرام، إنما الأمر من باب وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين.

    فهنا ينبغي للشيخ أو لطلاب العلم أن يتورعوا عن بعض أو كثير من المباح، وهذا أعلى درجات الورع.

    قال: [ومن خير الدين -أي: ومن أعظم الدين- ألا تزال تالياً باكياً]، يعني: لا يزال لسانك رطباً من ذكر الله عز وجل وأنت باك، وهذا من أعظم شعب الإيمان.

    قال: [من ذكر الله ومن رضي بما أنزل الله من السماء أدخله الله الجنة إن شاء، ومن أراد الجنة لا شك فيها فلا يخاف في الله لومة لائم]، من أراد الجنة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فلا يخشى في الله لومة لائم؛ لأن أعظم ما يمكن أن يحققه من لوم اللائمين القتل.

    بمعنى: لو أراد أحد أن ينكر عليك وأنت تدعو إلى الله عز وجل، فإن أعظم ما يمكن أن ينزله بك هو القتل، وقبل ذلك السباب والشتم والتعذيب والضرب وغير ذلك، فأعظم درجة يوقعها أعداء الملة بك وأنت تدعو إلى الله هي القتل، فإن قتلت وأنت تدعو إلى الله عز وجل فهذا عين الشرف.

    أذكر منذ حوالي سبع أو ثمان سنوات ونحن في الحرم، مات رجل عالم من علماء الحرم بعد صلاة العصر وهو يلقي الدرس، فالفضائل التي اجتمعت على هذا الرجل، أنه رجل من أهل العلم والإيمان -نحسبه كذلك- وأتاه الموت وهو يلقي الدرس بعد صلاة العصر، وفي بيت الله الحرام، وهو صائم، وكان اليوم يوم جمعة، فهذه المناقب كلها تجتمع في الرجل، فبالله عليكم هل يغبط على هذه الموتة أم لا؟ والله يغضب على غيره ويموت وهو على المعاصي والزنا والفجور وشرب الخمر وغير ذلك.

    أما هذا الرجل فقد اصطفاه ربه لأن يموت هذه الموتة الحسنة في بيت من بيوت الله، بل في أعظم بيت من بيوت الله عز وجل وهو المسجد الحرام، والكعبة أمامه، وهو يدرس العلم، يبلغ دعوة الحق إلى الخلق، وفي يوم جمعة وهو صائم.

    نحن في ذلك اليوم لما مات هذا الرجل جلسنا مع بعض نذكر الفضائل أو المناقب التي حازها هذا الرجل بهذه الموتة، والله إني نسيت اسمه؛ لأنه كان هندياً واسمه غريب، وهذه ميزة أخرى، أنه رجل أعجمي يأتي ليموت في بلد الله الحرام، وفي بيت الله الحرام.

    قال: [وكان معاذ بن جبل رضي الله عنه يقول لرجل: اجلس بنا نؤمن ساعة يعني نذكر الله]، وكان يقول: هيا بنا نؤمن ساعة نذكر الله، وهذا يدل على أن ذكر الله تعالى إما أن يكون بعين التسبيح، وهو أن تقول: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله، أو غير ذلك من أنواع التسبيح، أو أن ذكر الله وهو أعظم الذكر تلاوة القرآن الكريم وتدريس العلم.

    ولذلك قال النبي عليه الصلاة والسلام في الحديث الذي أخرجه مسلم وغيره: (ما جلس قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا حفتهم الملائكة، وغشيتهم الرحمة، ونزلت عليهم السكينة وذكرهم الله تعالى فيمن عنده)، أي: في الملأ الأعلى، فالله يباهي الملائكة بأقوام قد اجتمعوا على كتاب الله عز وجل في بيت من بيوته أو في غير بيت الله عز وجل، لأنهم ما جمعهم إلا كلام الله يتلونه ويتفقهون فيه، ويتدارسون القرآن الكريم.

    وقال معاذ بن جبل : اجلس بنا نؤمن ساعة، يعني: نذكر الله عز وجل.

    قال: [وعبد الله بن رواحة رضي الله عنه كان يأخذ بيد الرجل من أصحابه فيقول: قم بنا نؤمن ساعة، فيجلس في مجلس ذكر] أو في مجلس علم، وهذا يدل على أن حضور مجالس العلم من شعب الإيمان.

    ولذلك ورد عن كثير من السلف أنهم كانوا إذا سمعوا شيئاً أحدث عندهم إفاقة من غفلة كان الواحد منهم يقوم فيقبل الشيخ بين عينيه ويقول له: أحياك الله كما أحييتني.

    هؤلاء السلف كان لهم كلام عجيب جداً؛ ولذلك لما تكلم الفضيل بن عياض بكلام في السياسة والحكم قام إليه عبد الله بن المبارك ، مع أن عبد الله بن المبارك أجل وأوثق وأعلم من الفضيل ، لكن الفضيل تكلم بكلام أحيا به قلب عبد الله بن المبارك ، فقام إليه عبد الله بن المبارك وقبله بين عينيه وقال: يا أبا علي ! من يفقه هذا غيرك، أحياك الله كما أحييتنا.

    تصور أن فحلاً من فحول العلماء يقوم إلى فحل آخر ويقبله بين عينيه في محضر طلاب العلم، وفي محضر العلماء، وفي محضر جماهير الأمة في نيسابور، هذا الموقف يؤثر أيما تأثير في المستمعين، فيزداد أهل المجلس جميعاً إيماناً بالرسالة، كم من إنسان يخرج من المسجد ويقول: الحمد لله أن ربي وفقني وحضرت المجلس، واستفدت وأخذت حظي من الإيمان من هذا المجلس؛ ولذلك أنت تشعر بأهمية الدعوة إلى الله فتقول: ما أحلى كلام الخطيب! ما سمعناه قبل هذا.

    والخطيب ممكن يقول كلاماً قد قاله في الأسبوع الماضي، لكن الكلام الذي قيل في الأسبوع الماضي ربما يكون قد وافق عندك غفلة فلم تستوعب منه شيئاً، أو استوعبت بعضه، وفي هذا اليوم فتح الله عز وجل عليك واستوعبت كلام الإمام أو الخطيب من أول كلامه إلى آخره، فتحيا القلوب بذكر الله دائماً.

    ذكر الله عز وجل هو بيت القصيد في نجاة العبد بين يدي الله عز وجل، قال أبو الدرداء رضي الله عنه: [الإيمان يزيد وينقص].

    قال: [وقال أبو الدرداء : إن من فقه العبد -يعني: من علامة تعقله وفقهه- أن يتعاهد إيمانه وما نقص منه].

    وعمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يقول: حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم.

    فـعمر بن الخطاب كان يحاسب نفسه قبل النوم، وعمر من المبشرين بالجنة، حاسب نفسه أو لم يحاسبها سيدخل الجنة، فنحن نقطع لمن قطع الله له ورسوله بالجنة، وعمر منهم ومع هذا كان يحاسب نفسه ويهينها ويذلها في ذات الله عز وجل، فهذا يدل على أن عمر تربى تربية صحيحة.

    يحاسب الإنسان دائماً نفسه، ويحاسب قلبه، لماذا إيماني ضعيف؟ لماذا إيماني دائماً في نقصان؟ ما الذي يرفعه؟ قيام الليل؟ سأفعل، الزكاة؟ سأفعل، الصدقة؟ سأفعل، الأمر بالمعروف؟ سأفعل، النهي عن المنكر، الصلاة والصيام وغير ذلك من أعمال البر والخير، كل هذا ما يفعله العبد إلا ويزداد إيماناً بعد فعله.

    1.   

    التعرف على الله تعالى والإيمان به قبل تعلم القرآن

    قال: [يقول جندب بن عبد الله البجلي رضي الله عنه: (كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم ونحن فتيان حزاورة -يعني: أشداء- فتعلمنا الإيمان قبل أن نتعلم القرآن، ثم تعلمنا القرآن بعد فازددنا إيماناً)، وهذا نص عظيم جداً، أخرجه ابن ماجة بإسناد حسن.

    وهذا يدل على وجوب التعرف على الله عز وجل أولاً قبل دراسة العلم، أو قبل القرآن الكريم؛ ولذلك الذي كان يأتي من أهل الشرك والكفر بين يدي النبي عليه الصلاة والسلام كان يشهد الشهادتين بين يديه ويدخل في الإيمان، ثم بعد ذلك يتعلم الآيات القليلات من كتاب الله عز وجل فيزداد بها إيماناً.

    عبد الله بن عمر رضي الله عنهما يقول: (ما كنا نجاوز العشر آيات من كتاب الله عز وجل حتى نتعلم ما فيها من حلال وحرام وأحكام وإيمان وغير ذلك، فإذا حفظنا ذلك وعملنا به حفظنا غيرها) أي: غير هذه العشر الآيات، كل هذا بعد أن اكتسبوا الإيمان بسبب صحبتهم للنبي عليه الصلاة والسلام، وهذا فيه إثبات أن الإيمان يزيد وينقص؛ ولذلك لا يمكن قط أن يستوي إيمان عبد يحفظ كتاب الله عز وجل مع عبد لا يحفظ كتاب الله، لقول جندب وعبد الله بن عمر : ثم نتعلم كتاب الله فنزداد به إيماناً، وهذا يدل على أن من درس كتاب الله لا بد وأن يزداد به إيماناً، بخلاف العبد الذي لم يدرس كتاب الله عز وجل.

    قال: [وقال عقبة بن عامر الجهني رضي الله عنه -أمير مصر-: إن الرجل يتفضل بالإيمان كما يتفضل ثوب المرأة]، يعني: يزداد في إيمانه حتى يفضل عنه، يقصد أن الإيمان يزيد زيادة ملحوظة حتى يشمل ويعم جميع صاحبه ويزيد عنه، كما أن ثوب المرأة ينبغي أن يكون ساتراً وزائداً، كما في حديث أم سلمة لما قال النبي عليه الصلاة والسلام: (إزرة المؤمن إلى منتصف الساق، فإن أبى ففوق الكعبين، فقالت أم سلمة : وإزرة النساء يا رسول الله! قال النبي صلى الله عليه وسلم: إلى الأرض -يعني: أن يبلغ ثوبها الأرض- قالت: يا رسول الله! إذاً ينكشفن) المرأة لما يكون ثوبها إلى الأرض ثم تركع أو تسجد ممكن تنكشف، فـأم سلمة أم المؤمنين رضي الله عنها قالت: (إذاً ينكشفن يا رسول الله! قال: تزيد شبراً -وفي رواية- ترخي أو يرخين شبراً، قالت: إذاً ينكشفن يا رسول الله! قال: يرخين ذراعاً ولا يزدن عليه) معذرة في سياق الرواية أنا أتيت بها بالمعنى ولذلك زدت فيها.

    لما كانت أم سلمة تسأل النبي عليه الصلاة والسلام عن ثوبها قال: (يرخين شبراً) لم يقل إلى الأرض، وإنما قال: يرخين شبراً تحت الكعب، فقالت: (إذاً ينكشفن) قال النبي عليه الصلاة والسلام: (يرخين ذراعاً لا يزدن عليه) يعني: لا يجوز أن تطيلي بعد هذا، هذا آخر حد المرأة، المرأة التي ترخي شبراً أو ذراعاً من ثوبها بعد كعبها لا شك أنه يجرجر خلفها، ويفيض على الأرض، فكذلك الإيمان يتفضل في العبد كما يتفضل ثوب المرأة، يعني: يزيد ويكون زائداً كما يزيد ثوب المرأة عن عادته.

    1.   

    حكم من قال بأن الإيمان هو التصديق فقط

    قال: [وقال حذيفة: إني لأعلم أهل دينين في النار]، يعني: أنا أعرف فرقتين في النار، وإن كانوا يدينون بدين واحد، ويزعمون أنهم مسلمون.

    قال: [يقولون: الإيمان كلام وإن زنى وإن سرق]، يعني: يقولون: الإيمان تلفظ فقط، وهذا قول المرجئة، وغلاة الجهمية.

    فالمرجئة يقولون: الإيمان هو التصديق، يعني: لو أن العبد صدق بقلبه يكون كفاية، لكن الجهمية يقولون: الإيمان هو الإقرار، يعني: لا بد أن يقر العبد بلسانه أنه مسلم، وكلاهما باطل.

    فيقولون: الإيمان كلام وإن زنى وإن سرق وإن قتل، وهم يقولون: إن من كان قبلنا كانوا ضلالاً، وهذه الفرقة الثانية يزعمون أن الصلوات ليست خمساً وإنما هي اثنتان، واحدة في الصباح وواحدة في المساء، فالقائلون بهذا حوالي ثنتي عشرة فرقة من فرق الضلالة.

    والحقيقة ليست كل فرقة قالت هذا وإنما بعض الفرق الفرعية التي تشعبت عن الفرق الأصلية قالوا هذا؛ ولذلك هذا القول غير مشهور.

    لكن الصلاة أمر معلوم من دين الله بالضرورة، من حيث العدد أمر معلوم، فمثلاً: لو قال رجل: الظهر ثلاث ركعات، لا نقبل منه هذا الكلام، ولا يحل له أن يقول هذا، فأنت لما تسأل طفلاً صغيراً لم يبلغ الحلم: كم ركعات صلاة الظهر؟ يقول لك: أربع ركعات، ولما تقول له: والصبح كم ركعة؟ يقول لك: ركعتان وهكذا، فهو يريد أن يقول لك: إن عدد الصلوات والركعات من الأصول التي لا يقبل من أحد خلاف ما هو مجمع عليه، وما جاء في الكتاب والسنة فيها.

    وهناك شخص يقول بهذا القول وهو لا يخفى عليكم، وهو المعروف بـإيهاب بن حسن السلفي الأسدي ، فقد كتب كتاباً ينكر فيه دخول الجني في الإنسي، وأنا لما قرأت قليلاً من هذا الكتاب ما طقت، لأنه كلام ليس فيه روح العلم ولا نور العلم ولا إيمان أبداً، كلام من عند نفسه، لم يرجع فيه إلى أحد من أهل العلم، وقد رد عليه سماحة الشيخ ابن باز وسلخه سلخاً.

    فـابن باز قال بجواز دخول الجني في الإنسي، فقلت للذي أعطاني الكتب: أنا لا أستطيع قراءة هذا الكتاب، وأرجعه للحيوان هذا وأخبره أنه لا بد أن يبتلى في دينه؛ لأن هذه ضريبة الوقوع في أعراض أهل العلم، هذا ليس من عندي ولا أنا مكشوف عني الحجاب، لكنها سنة الله تعالى الكونية في الخلق، أن الذي يقع في أهل العلم لا بد أن يبتلى؛ لأن أهل العلم يقولون: لحوم العلماء مسمومة، وعادة الله في هتك أستار منتقصيهم معلومة، وما تعرض أحد لعالم بالثلب إلا ابتلاه الله قبل موته بموت القلب، فقلت له: سيبتلى، وفوجئنا بثنتي عشرة رسالة، منها: الرد على جهالة الألباني ، والرد على سفالة الألباني، فكل عنوان رسالة، فيزين العنوان حتى أن الناس تقرؤه وتشتريه، وهكذا.

    ففي هذه الرسالة تضعيف ما صححه الألباني ، وتصحيح ما ضعفه الألباني ، فهذا لا يمكن أن يصدر من إنسان سوي محترم، فلم يكتب لهذه الكتب القبول، بل صبت اللعنات والسباب والشتائم على قائل هذه الكلمات، وما برح هذا الرجل أن مضى على طباعة هذه الكتب سنة أو سنتين إلا وسمعنا أنه يخطب في الناس ويقول: بأن الصلوات الخمس لم يثبت بها دليل، إنما هما صلاتان في الصباح والمساء، قلت: الحمد لله أنه وصل إلى هذه المرحلة، الحمد لله أنها جاءت منه، من أجل يأخذ الختم الأحمر ليس خسارة فيه.

    قال: [إني لأعلم أهل دينين في النار، يقولون: الإيمان كلام وإن زنا وقتل]، يعني: يقولون: الإيمان هذا عبارة عن إقرار، فمن قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، يكون إيمانه كإيمان جبريل وميكائيل وإن أتى جميع القبائح والنقائص، فهم لا يعدون العمل من الإيمان.

    قال: [وقوم آخرون يقولون: إن من كانوا قبلنا ضلالاً يزعمون أن الصلاة ليست خمساً وإنما هما صلاتان: صلاة العشاء وصلاة الفجر].

    1.   

    معنى زيادة الإيمان ونقصانه عند السلف

    قال: [وفي تفسير الزيادة والنقصان يقول عمير بن حبيب : الإيمان يزيد وينقص، قيل له: ما زيادته ونقصانه؟ قال: إذا ذكرنا الله عز وجل وحمدناه وسبحناه فذلك زيادته، وإذا غفلنا ونسينا فذلك نقصانه]، وهذا يدل على أن العمل من الإيمان.

    قال ابن رواحة وابن عمر وابن مسعود ومعاذ وعمر وغيرهم: إن الزيادة هي ذكر الله تعالى، والنقصان ضد ذلك، وهذا قد ثبت عن غير واحد من السلف.

    أما أقوال التابعين فقال كعب: [من أقام الصلاة، وآتى الزكاة، وسمع وأطاع توسط الإيمان]، يعني: بلغ في الإيمان وسطه ونصفه.

    قال: [ومن أحب لله وأبغض لله وأعطى لله ومنع لله فقد استكمل الإيمان]، فهذا يدل على أن الإيمان له أصل ووسط وكمال.

    أصل: وهو لا يمكن أن يقبل من عبد أن يأتي الله بغيره، وهناك فرق بين مطلق الإيمان والإيمان المطلق، فالإيمان المطلق هو الكامل، ومطلق الإيمان هو أصل الإيمان، هذا لا بد أن يكون موجوداً مع كل إنسان مسلم.

    ولما قال الله تبارك وتعالى للأعراب: قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا [الحجرات:14]، يعني: إسلام ليس معه أي إيمان لا يمكن أن يقبل منه؛ ولذلك لو قال إنسان بلسانه فقط دون أن يعتقد بقلبه ما يقول: آمنت بالله ورسوله، لو قالها بلسانه ولم يكن لها ظل في قلبه ولا رصيد في قلبه لا يقبل ذلك منه عند الله، وهو منافق؛ ولذلك قالها المنافقون في زمن النبي عليه الصلاة والسلام، وقبلت منهم وعوملوا على أنهم مسلمون، ولم يقتلهم النبي عليه الصلاة والسلام، مع أنه عرفهم بأعيانهم وأسمائهم وذواتهم، بل وأخبر بعض أصحابه بأعيانهم، ولذلك لما نصح عليه الصلاة والسلام أن يقتلهم حيث عرفهم، قال: لا، مخافة أن يتحدث الناس غداً أن محمداً يقتل أصحابه، صناديد الشرك يعرفون أن عبد الله بن أبي ابن سلول هو رأس المنافقين؛ لأنه لا تزال الصحبة بينه وبينهم قائمة، لكن لو أن النبي عليه الصلاة والسلام قتلهم فإن هؤلاء على الأقل سيقولون: ألم نقل لكم: إن محمداً يقتل المسلمين، فقد قتل عبد الله بن أبي ابن سلول، رغم أنه كان يصلي ويصوم ويجاهد معه، فما الداعي في قتله؟ ألم نخبركم من قبل أن محمداً يقتل أصحابه؟

    إذاً: هذا باب من أبواب الصد عن دين الله عز وجل، فالنبي صلى الله عليه وسلم ترك قتل هؤلاء لأجل المصلحة العامة، وهي مصلحة الإسلام.

    وكذلك قال عليه الصلاة والسلام لـعائشة : (لولا أن قومك حديثو عهد بالجاهلية لنقضت الكعبة وبنيتها على قواعد إبراهيم) والمعنى: أن نقض الكعبة وبناءها على قواعد إبراهيم هو الأولى، وهذا من المصلحة الشرعية، لكن المصلحة الخاصة هي ألا يقول المشركون والمنافقون والملحدون في زمانه: أرأيتم الكعبة معظمة ومشرفة قبل بعثة النبي عليه الصلاة والسلام، ألم تكن معظمة عند أهل الجاهلية؟ هذا محمد بعدما سفه أحلامنا وجعل الآلهة كلها إلهاً واحداً، رجع إلى الكعبة وهدمها، وأنتم تعرفون أنها معظمة ومشرفة.

    قال كعب: من أعطى لله ومنع لله وأحب لله وأبغض لله فقد استكمل الإيمان.

    وقال: ما نقصت أمانة عبد قط إلا نقص إيمانه؛ ولذلك يقول النبي عليه الصلاة والسلام: (لا إيمان لمن لا أمانة له) يعني: أنه إنسان خائن للأمانة دائماً يبقى معه أصل الإيمان الذي هو مطلق الإيمان، أما كمال الإيمان وتمامه فلا، حتى يكون أميناً، ويتعلم كيف يكون مؤتمناً على ما كلف بحفظه ورعايته، ففي الحالة هذه يزداد إيماناً.

    قال: [وقال الحسن في قوله تعالى: َمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا [الأحزاب:22] قال: ما زادهم البلاء إلا إيماناً بالرب، وتسليماً للقضاء].

    وبعض الناس ما زادهم البلاء إلا تسخطاً على الله عز وجل وعلى شرعه وقدره، أما أهل الإيمان فما زادهم البلاء إلا إيماناً بالله، لما ينزل على أحدهم البلاء يكون مثل الذهب الذي أدخل النار، فيصير خالصاً؛ ولذلك لا بد من الابتلاء.

    إذاً: القضية كلها متعلقة بك أنت وليس بالغير.

    أسأل الله تعالى أن يتقبل منا ومنكم صالح الأعمال والأقوال، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

    1.   

    الأسئلة

    صفة توبة من سب الدين

    السؤال: من سب الدين فهذا كفر مخرج من الملة، فكيف الدخول في الملة مرة أخرى؟

    الجواب: على أية حال السائل مصيب في هذا، وإن كان قد حدث عنده في الفهم لبس.

    سب الدين لا يختلف أحد أنه كفر؛ ولذلك نقل الإجماع شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه العظيم الصارم المسلول في حكم سب الرسول، تعرض في المسألة الرابعة لسب الدين وقال: أجمع العلماء نقلاً عن ابن عيينة وسفيان الثوري على أن سب الدين كفر لا خلاف على ذلك.

    لكن الخلاف هو مناط البحث في الساب نفسه، هل يكفر بسبه للدين؟ إذاً: نريد أن نفرق بين القول وقائله، فالقول هو سب الدين وهو كفر بلا خلاف بين أهل العلم.

    أما القائل أي: الساب هل يكفر بهذا أم لا يكفر؟ هذا الذي وقع فيه الخلاف والاجتهاد، فبعضهم قال: يكفر، وبعضهم قال: لا يكفر إلا إذا توفرت فيه الشروط وانتفت الموانع، فمن موانع إلحاق الكفر بقائل الكفر أن يكون ناقلاً لذلك عن الغير؛ ولذلك أهل العلم يقولون: ناقل الكفر ليس بكافر، كمن كلف بتوصيل أو نقل رسالة فيها كفر.

    وكمن قال: سمعت فلاناً يسب الدين، ويحكي قوله، أو أن القاضي يسأل الشاهد ويقول: ماذا سمعته يقول؟ فيقول: سمعته بأذني ورأته عيناي يسب الدين ويقول كذا وكذا، فهذا القول كفر لكنه ناقل له لا فاعل له على الحقيقة، هذا مانع من الموانع.

    المانع الثاني: أن يكون مجنوناً، إنسان مجنون سب الدين، ليس عليه حرج، وصبي لم يبلغ ولم يعرف خطورة الأمر ليس عليه حرج كذلك.

    والعجيب أنني سمعت امرأة شامية تدرس نساء فيما يتعلق بسب الدين وكان ذلك سنة 1983م، وتقول لهن: وكذلك من الموانع: امرأة حائض، هذا عذر، فهذا ليس عذراً.

    وقالت لهن: إن رفع الفستان قريباً من الركبة أمر جائز ليس حراماً، واستشهدت بقول الله عز وجل: فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا [النمل:44].

    ومن الموانع كذلك عدم توجه القصد والإرادة، كمن يسب الدين وهو لم يقصد دين الله الذي نزل من السماء، إنما قصد بالدين أخلاق المسبوب وأفعاله، هذا لا يكفر، لكن يعزر لأنه أطلق السب على الدين.

    وكذا من توجهت إرادته لغير دين الله، فلو أن إنساناً سب الدين فقلنا له: ماذا تقصد؟ قال: أقصد دين الله الذي نزل من السماء على محمد عليه الصلاة والسلام، فهذا يكفر، فالذي توجهت نيته وإرادته إلى سب دين الله والذي توجهت إرادته إلى سب أخلاق المسبوب لا يستويان في الحكم.

    حكم منح المدير إجازات للموظفين من غير أيام الإجازة الرسمية

    السؤال: أنا أعمل في إحدى الشركات وصاحب القرار في هذه الشركة هو المدير، فاجتهد المدير في أن يعطي لكل موظف في الشركة يوم راحة، وكأنه يقصد غير يوم الجمعة، فهل هذا يجوز له أم لا يجوز؟

    الجواب: إذا كان قد خول من قبل الدولة في إدارة هذه الشركة، وأن الحكومة قد أعطته الحق في أن يدير هذه الشركة بما يجلب عليها المصلحة والنفع، ورأى هذا المدير أن المصلحة في أخذ يوم أو اثنين إجازة فلا حرج على الموظفين في قبول هذه الهدية.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    2987064001

    عدد مرات الحفظ

    716278494