إسلام ويب

شرح أصول اعتقاد أهل السنة - أدلة السنة في إثبات القدر [1]للشيخ : حسن أبو الأشبال الزهيري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • يعتقد أهل السنة والجماعة بوجوب الإيمان بالقدر وما يتضمنه من مراتب، ويعتقدون أنه سر الله تعالى في خلقه، لا يخوض فيه إلا من زلت به القدم، والآيات من الكتاب والأحاديث الصحيحة من السنة النبوية تشهد على ذلك، وهي كثيرة معلومة تناولها أهل العلم بالتفسير والإيضاح ورد كل شبهة أو متمسك للمبتدعة فيها.

    1.   

    سياق ما فسر من الآيات في كتاب الله وما روي من السنة في إثبات القدر

    الحمد لله وكفى، والصلاة والسلام على رسوله المصطفى، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، أما بعد:

    فلا يزال الكلام موصولاً في سرد أدلة القدر، وأن ذلك كان أمراً مستقراً عند سلفنا رضي الله تبارك وتعالى عنهم، وأنهم كانوا يكرهون الخوض فيه، فقد كانوا يؤمنون ويسلمون به، ومن الأدلة على ذلك:

    حديث: (جف القلم على علم الله عز وجل ...)

    [ عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إن الله تبارك وتعالى خلق خلقاً في ظلمة ثم ألقى عليه من نوره، فمن أصابه شيء من ذلك يومئذ اهتدى، ومن أخطأه ضل، فلذلك يقول: جف القلم على علم الله عز وجل) ].

    أي: حينما خلق الله تبارك وتعالى هذه النطفة وألقاها في رحم المرأة -رحم المرأة ظلمة- أفاض من نوره على هذه النطفة، فإن اقتبست هذه النطفة من نور الله عز وجل فهذا دلالة على سعادتها، وإن لم تقتبس فهذا دلالة على شقاوتها وتعاستها، وهذا معنى قوله عليه الصلاة والسلام: (قد جف القلم بما هو كائن). أي: أن هذا أمر قديم قد فرغ منه، ولذلك تعجب السامع من الصحابة وقال: (يا رسول الله! إذا كان هذا أمر قديم ففيم العمل؟ قال: اعملوا فكل ميسر لما خُلق له).

    حديث: (لا تكثر همك ما يقدر يكن ...)

    قال: [ وعن مالك بن عبد الله أن النبي عليه الصلاة والسلام قال لـابن مسعود : (لا تكثر همك، ما يُقدر يكن، وما تُرزق يأتك) ]. أي: لا تنشغل بمسألة الأجل ومسألة الرزق، لذا فالعبد من الممكن أن يشرك بالله عز وجل لأجل الحفاظ على عمره وحياته ورزقه. أي: أن المرء قد يقع في أعظم ذنب على الإطلاق -وهو الشرك بالله- مخافة الرزق ومخافة الأجل، مع أنهما مضمونان لله عز وجل، فلا يمكن لأحد قط أن يتدخل فيها مهما أوتي من قوة، فهذا فرعون ما استطاع أن يؤثر في رزق موسى أو في عمره، بل كان هلاك فرعون على يد موسى عليه السلام.

    حديث: (خلق آدم وأخرج الخلق من ظهره ...)

    قال: [ عن عبد الرحمن بن أبي قتادة السلمي قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (خلق آدم وأخرج الخلق من ظهره -هذا حديث النفاق الذي سبق ذكره- فقال: هؤلاء في الجنة ولا أبالي، وهؤلاء في النار ولا أبالي) ]. أي: حينما خلق الله عز وجل آدم أخرج من صلبه كل نسمة تكون إلى يوم القيامة، إلى آخر نسمة من صلب آدم، ثم قال وهم كالذر: هؤلاء قسم الجنة وحظها ونصيبها، وهؤلاء قسم النار وحظها ونصيبها، وقال في كل: (لا أبالي)؛ لأنه لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ [الأنبياء:23]، فهو الذي يحاسب الخلق وحده.

    [ قيل: علام نعمل ] أي: إذا كان ذلك مقدراً ومقسوماً منذ أن خلق الله آدم بل قبل آدم والله تبارك وتعالى يعلم أهل الجنة وأهل النار ففيم العمل؟ قال: [ (على مواقع القدر) ]. أي: أنك أنت لا تعمل إلا بقدر؛ لأن العجز بقدر، والعمل والنشاط والجد والخمول كل ذلك بقدر، فالله تبارك وتعالى علم أنك تفتر هنا وتنشط هنا، تصح هنا وتمرض هناك، تعلو هنا وتنخفض هناك، تغنى وتفقر، تُعز وتُذل، وغير ذلك مما يتعرض له المرء في أثناء حياته، فالله تبارك وتعالى قد علمه ليس قبل أن يخلق ذلك الشخص، بل قبل أن يخلق السماوات والأرض.

    والذي يسأل: إذا كان ذلك هو القدر فلِم نعمل؟ فالجواب: أنه لا يدري الواحد منكم في أي فريق هو، في فريق الجنة أم في فريق النار، وهذا إجابة عقلية. أي: لو كان فهمنا مستقيم للمسألة هذه ففيم إذاً إرسال الرسل؟ أليس الأمر كله بقدر قبل أن يخلق الله عز وجل الخلق كلهم؟ فلماذا بعث الله الرسل إذاً؟ ولماذا أنزل الكتب؟ ولماذا جعلك عاقلاً؟ كل هذا لتميز به بين الحق والباطل. فلماذا هذا العمل كله؟ لأنه لا بد أن تعمل، ومن قدر الله عز وجل أن تطيع الرسل، وأن تؤمن بالكتب، ومن الإيمان بالكتب: الإيمان بالقدر، وأن كل شيء بقدر، فلا بد أن تعمل، ولا يصلح أن تكون بلا عمل؛ لأنك ابتداءً لا تدري هل جعلك الله عز وجل من فريق الجنة أم من فريق النار؟ فإن كنت لا تدري هذا عن نفسك فلا تغتر بعملك الصالح؛ لأنه ربما يُختم لك بغير ذلك! ولا تستمر في معصيتك فربما يوفقك الله عز وجل في آخر حياتك لعمل الخير، وأن تعمل بعمل أهل الجنة فتدخلها، فلا تتمادى في معصيتك ولا تغتر بطاعتك، فرُب رجل اغتر بطاعته وفاخر بها فعاقبه الله عز وجل بأن ختم له بخاتمة الشقاء، نسأل الله السلامة لنا ولكم.

    وقوله عليه الصلاة والسلام: (على مواقع القدر). أي: أنتم لا تعملون إلا بقدر، ولا تتركون العمل إلا بقدر؛ لأن الله علِم أزلاً أنك تعمل أو لا تعمل، وأنك تشقى أو تسعد، وأنك تغنى أو تفقر، وغير ذلك من أطوار حياة العبد، فلا بد من العمل، فليس هناك جنة بلا سبب، كما أنه ليس هناك نار بلا سبب، فالله عز وجل بإمكانه أن يأتي بأعظم الناس شركاً ويدخله الجنة ولا يعترض على ذلك أحد، وبإمكانه أن يأتي برجل من أهل الجنة ويدخله النار، لكنه سبحانه قطع على نفسه ألا يفعل ذلك، والله لا يخلف وعده أبداً.

    إذاً: لماذا دخل هذا الجنة ودخل هذا النار؟

    بالعمل. وإن كانت رحمة ربك تسبق من دخل الجنة؛ لأن الله تعالى هو الذي وفقه لطاعته، وهذه الطاعة هي السبب في دخوله الجنة، وأما هذا الذي دخل النار فبعدل الله عز وجل؛ لأنه قد أقام عليه الحجة من كل جانب ومن كل وجه، فلا يبقى له عذر بعد أن أرسل إليه الرسل وأنزل الكتب، وجعله عاقلاً يميز بين الحق والباطل.. بين الصحيح والخطأ، فلا عذر لمن سلك طريق المعصية إلا أن يدخل النار، فإن كان موحداً فإنه لا محالة يخرج من النار ويدخل الجنة، وإن كان من أهل الكفر والشرك البواح؛ فإنه مخلد في النار لا يخرج منها أبداً.

    حديث: (إن العبد ليعمل فيما يرى للناس بعمل أهل الجنة ...)

    قال: [ عن سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إن العبد ليعمل فيما يُرى للناس بعمل أهل الجنة) ]. أي: أن أول ما يروه الناس يعمل هذا العمل فإنهم يقولون: هذا رجل بعمله هذا من أهل الجنة، كما اغتر الصحابة بالمجاهد وقالوا: والله إنا لنراه من أهل الجنة، فالنبي صلى الله عليه وسلم قال: (هو من أهل النار)؛ لأنه كان مرائياً، فقد كان يجاهد ليقال عنه: مجاهد، وكان يبتغي الأجر من الناس، ويبتغي أن يمدحه الناس، ولذلك قال النبي عليه الصلاة والسلام: (بل هو من أهل النار). لكن هل هو من المخلدين في النار؟ لا. ليس من المخلدين فيها، وإن مكث فيها مكثاً طويلاً فمآله أن يخرج منها.

    وأما قوله عليه الصلاة والسلام: (ومن تردى من جبل فقتل نفسه فهو يتردى في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبداً) فهذا الكلام على أصحاب المعاصي، أما أصحاب الكفر البواح فإنهم سيدخلون النار حتى لو لم يترد من جبل، فمثلاً: نتنياهو اليهودي، ما دام أنه لم يترد من جبل فهل سيدخل الجنة أم ماذا؟ أم هل سيدخل النار ثم يخرج منها إلى الجنة؟ لا. بل هو في النار مخلداً فيها إن مات على كفره. وبالمناسبة فهناك من الناس من يعتقد أن اليهود والنصارى في الجنة ويقولون: هؤلاء إخواننا وأحبابنا! بل يزيدون ضلالاً ويقولون: والله إن هذا أحسن من المسلمين. وهذا من الخطأ الكبير! أن ترفع يهودياً أو نصرانياً أو كافراً -عموماً- فوق المسلم وإن كان أعتى العتاة ما لم يكفر، وإذا صدر منك ذلك فلابد أن تراجع إيمانك فوراً، فإيمانك فيه نظر، وأنت على خطر عظيم جداً، فربما يُخرجك هذا من الإيمان إلى الكفر البواح.

    قال عليه الصلاة والسلام: [ (إن العبد ليعمل فيما يُرى للناس بعمل أهل الجنة، وإنه لمن أهل النار، وإنه ليعمل فيما يُرى للناس بعمل أهل النار، وإنه لمن أهل الجنة) ]. وبعد هذا يبين النبي عليه الصلاة والسلام المسألة هذه، لأن فيها إشكال.

    فبالنسبة للجزء الأول: أن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة فيما يبدو للناس، فهذا رياء وقد انتهينا منه، والله عز وجل يعلم ذلك.

    وأما المشكل في الجزء الثاني فهو: أن الرجل يعمل بعمل أهل النار فيما يبدو للناس، (وإنه لمن أهل الجنة). فكيف يكون من أهل الجنة وهو تارك للصلاة والصيام والزكاة والحج وأركان الإسلام وأركان الإيمان؟! حدد النبي عليه الصلاة والسلام الجواب عن هذا السؤال في تمام هذا الحديث فقال: (وإنما الأعمال بالخواتيم). حتى يحل الإشكال للرد على الجزئية الثانية، ولذلك الرجل الذي رأى أخاه على معصية فقال: والله لا يغفر الله لفلان -والمغفرة بيد الله عز وجل- فغضب الله عز وجل غضباً شديداً، وأخبر نبيه بذلك فصعد النبي صلى الله عليه وسلم المنبر وقال: (من ذا الذي يتألى على الله؟ إن أحدكم يقول: والله لا يغفر الله لفلان، والله تعالى يقول: أشهدكم يا ملائكتي أو يا عبادي أني قد غفرت لفلان وأدخلت فلاناً النار) أي: الذي اغتر بطاعته وحكم على صاحب المعصية بأنه لا يدخل الجنة قط أو لا يغفر الله تعالى له.

    حديث: (لا عليكم ألا تعجلوا بأحد حتى تنظروا بما يختم له ...)

    قال: [ عن أنس رضي الله عنه عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: (لا عليكم ألا تعجلوا بأحد حتى تنظروا بما يُختم له) ]. أي: لا تقطعوا لأحد بالجنة أو النار حتى تنظروا ماذا يختم له.

    ولذلك الإمام النووي رحمة الله تعالى ذكر خلاف أهل العلم في مسألة الدعاء للمشركين أو للكفار، أو الدعاء عليهم ما داموا أحياء، وذكر أن في المسألة ثلاثة أقوال:

    الأول: أنه يجوز.

    الثاني: لا يجوز مطلقاً.

    الثالث: يجوز الدعاء عليهم إذا ماتوا على الشرك والكفر.

    ونقل الثلاثة الأقوال ورجح القول الثالث. أي: أنه لا يجوز الدعاء عليهم في الحياة، وإنما يجوز الدعاء عليهم إذا خُتم لهم بالكفر.

    وإذا كان هذا في حق الكفار، وأهل العلم قد اختلفوا فيهم على هذه الأقوال، فما بالكم بأصحاب المعاصي؟!

    لو نظرنا إلى معتقد أهل السنة والجماعة فيما يتعلق بأهل القبلة من المسلمين من أصحاب المعاصي، فسنجد أن المعتقد فيهم: أننا نرجو الله تبارك وتعالى لهم الرحمة، وأن يوفقهم للطاعة، وأن يرحمهم في الآخرة، ولا نقطع لأحد بالجنة أو النار إلا من قطع له القرآن أو السنة بذلك؛ لأن الجنة والنار ليست ملكاً لأحد، لا نبي مرسل، ولا ملك مقرب، فكيف نقطع لفلان بأنه من أهل الجنة أو من أهل النار؟!

    أرأيتم لو أن رجلاً مسلماً قاتل كافراً فلما تمكن المسلم من الكافر -وما هي إلا ضربة بسيف أو طعنة برمح ويذهب ذلك الكافر إلى ربه- نطق الكافر بكلمة التوحيد!! وقد فعل ذلك أسامة بن زيد كما في الحديث المعروف، فلما علم ذلك النبي عليه الصلاة والسلام غضب غضباً شديداً، ولام أسامة لوماً عظيماً، حتى قال أسامة: ليتني أسلمت الآن. وكأنه يقول: ليتني عملت هذا وأنا في حال كفري، ثم أسلمت الآن من غير أن أقترف هذا الذنب.

    لكن: لو أن الذي قالها قالها مخلصاً ولم يقلها مخافة السيف أو نجاة من القتل ولم يعمل شيئاً قط غير أنه نطق بكلمة التوحيد فإنه من أهل الجنة، مع أن عمله كله في حياته يشهد له بالنار، لكن الله تعالى ختم له بخاتمة السعادة.

    وكثير في التاريخ ما يروي عن بعض أهل الطاعات فيما يبدو للناس ما يخالف ذلك عند الموت، بل ذكر الذهبي رحمه الله عن رجل أنه قال في سكرات موته حينما لُقن الشهادة: أنا لا أُحبها، أنا كافر بالله العظيم، ثم خرجت روحه، مع أن عمله كان فيما يبدو للناس أنه من أهل الجنة.

    فلما كان هذا أمراً غيبياً فإنه لا يجوز القطع لأحد قط بجنة ولا نار إلا من شهد القرآن أو السنة بأنه من أهل الجنة أو من أهل النار، فذلك متعلق بمن شهد له القرآن أو السنة عيناً، كـأبي لهب وغيره مما ذُكر في القرآن والسنة، ولا يجوز لمتنطع أن يقول: وما يدرينا أن هذا الكافر أو هذا النصراني أو هذا المشرك مات على الكفر البواح؟ فلعله كان مسلماً ولكننا لا ندري، أو لعله أسلم وأخفى إسلامه، ولعل ولعل، والباب واسع جداً! لذا فنحن لنا الظاهر والله تعالى يتولى السرائر.

    فلو أن رجلاً مات على نصرانيته المعلومة لدينا، فهل يجوز لنا أن نقول: لعل هذا الرجل مات مسلماً ونُنزله منزلة المسلمين فيغسل ويكفن ويصلى عليه ويقبر في مقابر المسلمين؟ إن ذلك لا يصلح قط، أما إن كان قد أسلم وأخفى إسلامه فهذا بينه وبين الله عز وجل، وهو يكافؤه على ذلك يوم القيامة، أما نحن فليس لنا إلا الظاهر.

    حديث: (خرج النبي صلى الله عليه وسلم قابضاً على شيئين في يده ...)

    حديث: (لا تعجلوا بأحد حتى تنظروا بم يختم له ...)

    قال: [ عن أنس قال: (لا تعجلوا بأحد حتى تنظروا بم يختم له، فإن العامل يعمل زماناً من عمره -أو برهة من دهره- بعمل صالح لو مات عليه دخل الجنة، ثم يتحول فيعمل عملاً سيئاً) ]. فهذه النصوص مروعة جداً ومخيفة، وتدلنا على أن الأمر لا يزال في قبضة الرحمن تبارك وتعالى حتى تدخل الجنة فتأمن.

    قال: [ (وإن العبد ليعمل زماناً من عمره عملاً سيئاً لو مات عليه دخل النار، ويتحول فيعمل عملاً صالحاً. وإذا أراد الله عز وجل بعبد خيراً استعمله فيه قبل موته) ]. أي: إذا أراد الله تبارك وتعالى أن يجعل هذا العبد من أهل السعادة استعمله بعمل أهل السعادة، ووفقه لطاعته ولصالح العمل حتى يقبضه عليه.

    قال: [ (قيل: يا رسول الله! وكيف يستعمله؟ قال: يوفقه لعمل صالح ثم يقبضه عليه) ].

    مثال ذلك: أن أحد العلماء مات في الحرم سنة (1992م)، وهو يلقي درساً في شهر رمضان، والدرس كان بعد العصر، والرجل كان في لحظة موته قد وضع رأسه بين يديه واتكأ على فخذيه، وظننا أنه يفكر في مسألة ما، أو يستجمع أمره أو غير ذلك، فلما طال الأمر قال المستملي وكان بجواره: يا شيخ! يا شيخ! وإذا بالشيخ قد ذهب إلى ربه.

    أرأيت هذا الموقف؟ إنه موقف عصيب جداً، بل لا أذكر أن واحداً من أهل الموقف في ذلك اليوم إلا وقد بكى بكاء عظيماً جداً حتى خرج بفائدة وعبرة عظيمة ليس بعدها عبرة.

    وظللنا نضرب الأمثال فنقول: لو أن رجلاً كان خماراً فمات على ذلك، أو مات على الزنا، أو غير ذلك من المعاصي، فكيف سيكون حاله؟

    حديث مصير أولاد المشركين يوم القيامة

    قال: [ عن ابن عباس : (أن النبي صلى الله عليه وسلم سُئل عن أولاد المشركين؟ قال: الله إذ خلقهم أعلم بما كانوا عاملين) ]. أي: أن الله قبل أن يخلقهم يعلم أنهم لو عاشوا بعد ذلك ماذا كانوا سيصنعون؟ ولكن الله قدر عليهم الموت في سن قبل سن الحساب وجريان القلم، ولذلك فالله عز وجل يعلم ما العبد يعمل، وما هو إليه صائر قبل أن يعمل العامل، وإذا عمل العامل عملاً صالحاً أو سيئاً ربما نسيه، ولكن الله تبارك وتعالى لا يضل ولا ينسى.

    وهذا الكتاب الذي تستلمه أنت بيمينك أو بشمالك أو من خلف ظهرك، فيه كل شيء، وهو محل ثواب وعقاب، كما قال تعالى: مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ [ق:18].

    وقد اختلف أهل العلم في تأويل هذه الآية: هل كل قول يقوله المرء يُحاسب عليه أم يُكتب عليه؟

    فبعض أهل العلم قال بظاهر الآية. أي: أن كل شيء يكتب على العبد وإن كان كلاماً مباحاً لا ثواب فيه ولا عقاب.

    وجمهور المفسرين على أن الذي يُكتب على العبد هو الكلام الذي يثاب ويعاقب عليه، والذي هو محل مساءلة، ومحل جزاء وحساب، وعليه فإذا كان الأمر كذلك فالله عز وجل علم ماذا سيعمل أولاد المشركين لو أنهم عاشوا بعد بلوغهم الحلم.

    واختلف أهل العلم في مصير أولاد المشركين، ولم يختلفوا في أولاد الموحدين المؤمنين لو ماتوا قبل بلوغهم سن التكليف، فإنهم لو ماتوا فهم من أهل الجنة، أما أولاد المشركين فلو ماتوا قبل سن التكليف فالعلماء في ذلك على أقوال:

    القول الأول: أنهم تبع لآبائهم. أي: أنهم في النار مع آبائهم.

    القول الثاني: أنهم من أهل الجنة؛ لأن الله تعالى يحاسبهم على أساس فطرتهم -فطرة التوحيد- التي خلقهم عليها أولاً، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: (يولد المولود على الفطرة). وفي رواية: (على فطرة الإسلام، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه). وفي رواية مسلم : (ويشركانه). أي: يجعلانه مشركاً.

    فهذا الولد لم يدخل في هذا الشرك، أو في هذه اليهودية، أو في هذه النصرانية إلا بعد أن يكبر ويميز ويختار هذا الكفر أو هذا التهويد أو هذا التنصير أو غير ذلك، فإذا مات قبل اختياره وقبل تمييزه واعترافه وإقراره بهذا الشرك، فإنه من أهل الجنة؛ لأنه مات على أصل فطرته الأولى، وهي فطرة التوحيد التي خلقه الله تعالى عليها.

    القول الثالث: التوقف. وأصحاب هذا القول قالوا: الله عز وجل أعلم بمصيرهم، إما إلى الجنة وإما إلى النار، قال تعالى: لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ [الأنبياء:23].

    القول الرابع: أن الله تبارك وتعالى يعقد له اختباراً وابتلاءً يوم القيامة، فإذا اختار طريق المعصية وفقه إليها وأدخله النار، وإذا اختار طريق الطاعة وفقه إليها وجعل طريقه إلى الجنة.

    فهذه هي الأقوال الأربعة فيما يتعلق بمصير أولاد المشركين.

    حديث أبي بن كعب في القدر

    قال: [ عن ابن الديلمي قال: وقع في نفسي شيء من القدر، فأتيت أبي بن كعب ]. لما لمسألة القدر من أهمية عظيمة، إذ هي أعظم ما يمكن أن تتعامل معها، وهي السلاح التي تسلم به بين يدي الله عز وجل وتطمئن به في الدنيا، وهو أن تقول: آمنا وسلمنا وصدقنا، والخير والشر من عند الله عز وجل.

    ولذلك حينما سئل أحمد عن القدر؟ قال: هو قدرة الله عز وجل. واستدل بقوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [البقرة:20]. فحينما تسمع هذا التفسير، أو معتقد أحمد في القدر تقول: قد أجاب أحمد إجابة بعيدة جداً! فنحن نسأله عن معتقده في القدر وهو يقول: قال الله تعالى: إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [البقرة:20]. إذاً: فنحن نعرف هذا، وإذا كنت تعرفه فهذا هو القدر.

    [ عن ابن الديلمي قال: وقع في نفسي شيء من القدر، فأتيت أبي بن كعب فقلت: يا أبا المنذر -وهي كنية أُبي -: إنه وقع في نفسي شيء من القدر، وقد خشيت أن يكون فيه هلاك ديني أو أمري ]. أي: أخاف أن يكون هذا الذي يدور في نفسي فيه هلاكي، [ فحدثني من ذلك بشيء لعل الله أن ينفعني ]. أي: فأنقذني وعلمني.

    [ فقال ] أي: أُبي نصاً رائعاً فيما يتعلق بالإيمان بالقدر، قال: [ لو عذب الله أهل سماواته ]. أي: من الملائكة، مع أنهم مجبولون ومفطورون على طاعة الله عز وجل. [ وأهل أرضه، لعذبهم وهو غير ظالم لهم ]، وهذا هو معتقد أُبي ، بل هو معتقد السلف. وأنت سوف تقول في قوله: (لو عذب الملائكة): لماذا يعذبهم وهم أهل طاعة، ولا يمكن قط أن تصدر منهم معصية؟

    سأقول لك: إن المصيبة هي فيما تقوله، إذ إن معتقدنا الصحيح من الملائكة: أنهم مجبولون على الطاعة، فإن نفسهم هو التسبيح والذكر والتهليل، وهم لا يملون ولا يفترون من طاعة الله عز وجل، والمعصية هذه لا تخطر لهم على بال نهائياً، والله تبارك وتعالى خلقهم من نور، ونزع منهم الشهوة، ولا شهوة لهم إلا شهوة حب الله، وشهوة الذكر والتسبيح والتهليل، والسجود والركوع لله عز وجل، فإذا عذبهم فإنه يعذبهم وهو غير ظالم لهم لأنهم عبيده. وهنا لا بد أن نرجع إلى مسألة أخرى، وهي: هل يجوز أن ننسب الظلم لله عز وجل؟

    ولو أنك نسبت الله تعالى إلى الظلم، أو نسبت الظلم إليه لكفرت. وهذا محل اتفاق بين كل الناس، فننفي الظلم عن الله عز وجل أولاً، سواء عذب من شاء أو رحم من شاء، ولو عذب أهل السماوات وأهل الأرض فإنه لا يكون ظالماً؛ لأن الظلم صفة نقص لا تليق إلا بالعباد، بل ببعض العباد، وليس كل العباد ظالماً، وإنما كثرة من العباد ظالمة.

    فإذا كان بعض العباد يتصف بالعدل والحكمة فرب العباد أولى بذلك، والله تبارك وتعالى قد سمى نفسه بأسماء الكمال كله، والنقص لا يُنسب إلى الله عز وجل، والظلم صفة نقص لا تليق إلا بالمخلوق، ومقابلها تمام العدل، وهو الذي يليق بالله عز وجل، فسواء عذب فلاناً أو رحم فلاناً، فلا ننسب إليه الظلم قط.

    بل نقول: إن الله تعالى إذا عذب أهل السماوات وأهل الأرض لعذبهم وهو غير ظالم لهم. أي: إنه عذبهم بعدله. ونحن نعلم أن طاعة الطائع لا تنفع المولى عز وجل، كما أن معصية العاصي لا تضر الله عز وجل.

    إذاً: فعذابه لذلك الظالم أو لذلك العاصي إنما هو يعدله سبحانه، وإنما هو جزاؤه عند ربه على معصيته التي عصى بها، لكن الله تبارك وتعالى عدلاً منه ورحمة وعد ألا يعذب إلا العاصي، بل مجمل العصاة يدخلون في مشيئة الله عز وجل، إن شاء عذبهم وإن شاء غفر لهم.

    قال: [ ولو رحمهم -أي: أهل السماوات والأرض- كانت رحمته خيراً لهم من أعمالهم ].

    فلا يقولن أحد معكم: لا، فأنا أدخل الجنة بعملي! فقد أخرج الحاكم في مستدركه حديثاً لا بأس به، وهو حسن في الشواهد: (أن رجلاً عبد الله ستمائة سنة، فلما مات أوقفه الله عز وجل بين يديه، وقال: عبدي تدخل الجنة بعملك أم برحمتي؟ فقال: بل يا رب! بعملي -وهنا يظهر لنا مدى سعة رحمة الله عز وجل- فقال الله عز وجل: عبدي من قواك على طاعتي؟ -من الذي أعطاك الصحة التي عبدت بها؟- قال: أنت يا رب! ).

    إذاً الأصل في الرحمة هو الله عز وجل، ثم عدد الله عز وجل عليه نعمه حتى بلغ إلى نعمة النظر، فأمر الله ملائكته أن يضعوا عبادة ستمائة سنة في كفة ونعمة النظر في كفة لوحدها، فطاشت بتلك العبادة، وثقل الميزان بنعمة النظر، مع أن الأعمى له أن يعبد الله تبارك وتعالى على تلك الحال، بخلاف المريض أو المكسر أو المكسح، فإنه لو نام في الفراش فربما لا يقدر أن يصلي، وكذلك لو ذهبت منه نعمة العقل فإنه لا يستطيع أن يأتي بطاعة لله عز وجل، وليس مكلفاً بطاعة؛ لأنه ليس من أهل التكليف.

    وبعد أن رأى العبد أن عبادته لا تساوي نعمة واحدة، مع أن نعم الله لا تعد ولا تحصى. قال الله عز وجل: أدخلوا عبدي النار. ثم قال العبد: بل يا رب! أدخل الجنة برحمتك).

    قال: [ ولو رحمهم كانت رحمته خيراً لهم من أعمالهم، ولو كان لك مثل جبل أحد ذهباً فأنفقته في سبيل الله ما قبِل الله منك حتى تؤمن بالقدر ]. أي: أن القدر ركن ركين وأصل عظيم في الإيمان، فلو كان لأحد منا مثل جبل أحد ذهباً. تصور لو أن أحدنا كان معه مثل جبل أحد ذهباً، فهل سيتصدق به؟! بل لو كان معه كيلو ذهب فقط، ثم تصدق به فربما حدثته نفسه بأنه أحسن الناس في هذا العصر عملاً، وليس هناك أحد أفضل منه أبداً، فما باله لو أن معه مثل جبل أحد ذهباً وتصدق به، فكيف سيكون حاله؟! لو كان الأمر كذلك والفرض صحيح، ولكنه غير مؤمن بالقدر -فيؤمن بأن الخير من الله والشر من غير الله- فإن الله لا يقبل منه ذلك الجبل، لأنه قد جحد ركناً ركيناً وأصلاً عظيماً من أصول الإيمان ألا وهو الإيمان بالقدر.

    قال: [ وتعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك ]. فما قدره الله عز وجل من خير لا بد وأن يصيبك. قال: [ وأن ما أخطأك لم يكن ليصيبك ]. أي: ما فاتك لا يمكن أن تصيبه قط، ولو اجتمع أهل السماوات والأرض على أن يجلبوه إليك ما استطاعوا؛ لأن الله لم يكتبه لك قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، ولو أن الدنيا بأسرها اجتمعت على أن تحول بينك وبين ما كتبه الله لك ما استطاعت أبداً، ولو أنك جلست في بيتك مخافة أن تلقى في الطريق شراً، سيدركك الشر وأنت في بيتك إذا كان الله قد قدره عليك.

    لذا فالإيمان بالقدر من أرقى ما يمكن أن يتعامل به العبد مع ربه، إذ إنه تسليم وتفويض منقطع النظير، فلو قال قائل: أنا خائف أن أمشي في هذا الطريق؛ لأن هناك لجنة! ونسي هذا أن الله عز وجل لو قدر له النجاة منها لنجا، بل أنا أعتقد -والله العظيم- أن الله تعالى سيسخر له جبريل عليه السلام ليحمله ثم يعبر به في الهواء؛ لأن كل شيء بقدر، فإذا كان الله تبارك وتعالى قد قدر لك النجاة منها فإنه تعالى سيعميهم تماماً حتى تعبر، وإذا كان الله عز وجل قد قدر لك أن تحظى بشر هذه اللجنة فإنها ستنتقل إلى بيتك في الساعة الثانية أو الثالثة في الليل.

    إذاً: فإذا كنت تؤمن بهذا وتسلم فتوكل على الله عز وجل، وإذا كنت تعتقد أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وأن ما أخطأك لم يكن ليصيبك فتوكل على الله ولا تخش أحداً إلا الله.

    قال: [ فإنك إن مت على غير هذا دخلت النار ]. أي: أنه يثبت لك حقيقة القضاء والقدر، فإنك إن مت على غير هذا دخلت النار.

    قال: [ ولا عليك أن تأتي أخي عبد الله بن مسعود وتسأله ]. أي: إذا كنت لا تصدقني فاذهب إلى عبد الله بن مسعود واسأله عن هذا الكلام.

    قال ابن الديلمي: [ فأتيت عبد الله بن مسعود فسألته فقال مثل ذلك، فقال -أي: ابن مسعود- : ولا عليك أن تأتي حذيفة بن اليمان فتسأله. فأتيت حذيفة فسألته فقال مثل ما قال. وقال: ولو أتيت زيد بن ثابت الأنصاري. فسألته فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إن الله لو عذب أهل سماواته وأهل أرضه لعذبهم وهو غير ظالم لهم، ولو رحمهم كانت رحمته خيراً لهم من أعمالهم) ]. ولكن العمل سبب، وليس هو ذاته الذي يوصلك إلى الجنة، وإنما الذي يوصلك إلى الجنة رحمة الله تعالى، وأنت إنما توفق للطاعة برحمة الله عز وجل، والعمل هذا إنما هو مجرد سبب.

    ولذلك أنت حينما تمرض تذهب إلى الطبيب، فهل العلاج الذي يصرفه لك الطبيب هو الشفاء أم أنه سبب للشفاء؟ لا شك أنه سبب للشفاء، وكذلك الجنة سببها العمل، إذ إنها أصلاً محل رحمة الله عز وجل يرحم بها من يشاء.

    قال: [ (ولو رحمهم كانت رحمته خيراً لهم من أعمالهم، ولو كان لك جبل أحد أو مثل جبل أحد ذهباً تنفقه في سبيل الله ما قبِله الله منك حتى تؤمن بالقدر، وتعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وأن ما أخطأك لم يكن ليصيبك، وإنك إن مت على غير هذا دخلت النار) ].

    حديث ابن عباس: (... احفظ الله يحفظك ...)

    قال: [ عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: (ردفت النبي صلى الله عليه وسلم يوماً -أي: كنت خلفه على الدابة- فأخلف يده ورائي) ]، أي: أنه أتى بيده من ورائي، وكأنه يحضنه من الخلف. [ (فقال: يا غلام! ألا أعلمك كلمات ينفعك الله بهن؟) ]، ومعلوم أنه سينفع ابن عباس بهذا وينفع الأمة كلها؛ لأن الخطاب وإن وجه إلى الصحابة بالدرجة الأولى إلا أن الأمة معنية بهذا الخطاب، فالخطاب عام للأمة كلها.

    قال: [ (يا غلام! ألا أعلمك كلمات ينفعك الله بهن؟ احفظ الله يحفظك) ].

    أي: لو حفظت الله تبارك وتعالى في قلبك وجوارحك، وفي طاعتك، وفي إحسانك، وفي كرمك، وفي أدبك، وفي المحافظة على الفرائض والنوافل والسنن، فإن الله تبارك وتعالى سيحفظك ويوفقك إلى ذلك، كما قال تعالى: وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْواهُمْ [محمد:17].

    قال: [ (احفظ الله تجده أمامك) ]، أي: تجده أمامك ولا يمنع هذا أنك تجده أمامك على الحقيقة برحمته وفضله وإحسانه وجوده، [ (وإذا استعنت فاستعن بالله) ]. وهذه هي عقيدة التوكل على الله عز وجل، والتي غابت من حساب معظم الأمة، فالواحد إذا أراد أن يقضي مصلحة فكر أولاً بالوسيط من البشر، ولا يعتمد أول الأمر على الله تعالى.

    وقد حدثتني امرأة قبض على زوجها، فقالت: ما تعرف فلاناً وفلاناً؟ فقلت: لا أعرفهم. قالت: إن زوجي حينما أعطاني أرقام التليفونات هذه قال لي: أول ما يعتقلوني اتصلي بالناس هؤلاء، فلن يخرجني من المعتقل إلا هم!

    فإذا كانوا لا يُخرجوك إلا هم فمن الذي أدخلك؟ بل إنك دخلت بقدر وسوف تخرج بقدر طال الزمن أم قصر، والناس هؤلاء إنما هم سبب فقط، ولذلك الاعتماد على الأسباب اعتماداً كلياً شرك بالله عز وجل، كما أن ترك الأسباب قدح في التوحيد، ولو كان ترك الأسباب أمراً مشروعاً فهل تستطيع إنجاب الولد بغير زوجة، والشبع بغير طعام، والري بغير شراب؟ مستحيل. وعليه فلا تقل: إن الجنة هذه لو كانت بقدر، وأن هذا مكتوب وجف به القلم فأنا لا أشتغل! إذاً فنحن نريدك أن تشبع دون أن تأكل، ونريدك أن تأتنا بالولد دون أن تتزوج وأنت لا تستطيع ذلك. إذاً: الأسباب مسألة ضرورية ومهمة جداً.

    قال: [ (وإذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، رفعت الأقلام وجفت الصحف) ]. أي: جف القلم الذي أمره الله عز وجل بكتابة ما هو كائن إلى يوم القيامة، فلن يكتب شيئاً بعد ذلك، فأول ما خلق الله خلق القلم فقال له: أقبل فأقبل. فقال له: اكتب كل شيء كائن إلى يوم القيامة.

    قال: [ (لو جهدت الأمة) ]، أو [ (لو اجتمعت الأمة على أن ينفعوك بشيء) ]. وليس الضابط الفلاني، أو المدير الفلاني، وإنما الأمة بجميع فئاتها ومستوياتها، ووالله العظيم لو اعتقدت هذا لكنت أسعد الناس، وتمشي مطمئناً وتدخل النار وتخرج من الناحية الأخرى، وإذا قدر الله عز وجل لك الحرق ستُحرق، وليس معنى ذلك أن تذهب بنفسك إلى النار؛ لأن من الأسباب ألا تدخل النار، لكن إن ألقاك أحد في النار فاعتقادك وأنت فيها أن هذه النار هي من قدر الله عز وجل، وإن أمرها أن تكون برداً وسلاماً عليك كما كانت على إبراهيم، فلا يسعها إلا سماع أمر الله عز وجل، وإن قدر لك الحرق ستُحرق بقدر، ويؤتى بك يوم القيامة شهيداً؛ لأن من مات بالحرق شهيد، ولكن ليس المنتحر.

    قال: [ (لو جهدت الأمة على أن ينفعوك بشيء قد كتبه الله لك، ولو جهدت الأمة ليضروك بشيء قد كتبه الله عليك) ]. فلا يكون إلا ما قدره الله.

    حديث أبي سعيد: (ألا أعلمك لعل الله ينفعك ...)

    قال: [ عن أبي سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لـابن عباس : (يا غلام! ألا أعلمك لعل الله ينفعك؟ احفظ الله يحفظك، احفظ الله يكن أمامك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، تعرف إلى الله في الرخاء) ]، وهذه مصيبتنا اليوم، إذ إننا نتعرف إلى الله في الشدة، وحينما نخرج من هذه الشدة ننسى الله عز وجل وننسى طاعته وأمره ونهيه.

    قال: [ (تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة، جرى القلم بما هو كائن) ]. أي: أن القلم كتب كل شيء.

    قال: [ (فلو أن الناس اجتمعوا على أن يعطوك شيئاً لم يعطك الله لم يقدروا عليه) ]. أي: لو أنك أتيت بمليون لواء ليخرجوك من الحبس فلا يمكن ذلك، إلا إذا كان مقدر في اللوح المحفوظ أنك ستخرج منه بسبب فلان وفلان.

    قال: [ (ولو أن الناس اجتمعوا على أن يمنعوك شيئاً قدره الله لك وكتبه لك ما استطاعوا) ]. فالمدير حين يقول لك: إذا لم تلتزم بعملك سأفصلك وأقطع عيشك ورزقك، فقل له: أنت كذاب. وليس معنى هذا أنه حين يفصلك من العمل أنك تأتيني وتقول لي: شغلني. فالشغل ليس بيدي وإنما بيد الله، فلا تحملني مسئوليتك. وقد حصل لي مثل هذا، جاء رجل فقال: إن المدير قال له: صل الظهر مع العصر حينما تذهب. فقال له: وهل أنا مسافر لكي أصلي الظهر والعصر جمع تأخير؟ الكلام هذا غير صحيح. فقال له: سنقطع عيشتك من هنا. قال له: أنت كذاب، فطرده.

    إذاً: كان قوله له: (أنت كذاب) بقدر، ولو لم يكن مكتوب لما قالها، وحينما طرد الرجل هذا من الشغل كان أيضاً بقدر، فهل أنت تسأل الله عز وجل أم لا؟ وهل تريد أن تدخل الجنة من غير ابتلاء؟ إن هذا الرجل يحاربك في أصل دينك فكيف تقعد معه؟ أنت مطالب أن تصاحب الخليل الذي هو على مثل نهجك وإيمانك، (المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل). ففي هذه الحالة حينما تخرج من شغلك لا تأت إلي في مسجد الرحمة فتقول: أنت قلت لي أن أقول للمدير: أنت كذاب! وأنا الحمد لله خرجت فابحث لي عن شغل. سأقول لك: أنا آسف، فهذا الشغل ليس لي ولكنه رزق من السماء، والمطلوب منك أن تسعى، والله تبارك وتعالى سيرزقك.

    وقد قابلت أنا والشيخ عبد الفتاح الزيني رجلاً نصرانياً أسلم، ووالله إنه ليأكل من القمح الذي يُلقى للحمام في المسجد الحرام، ويقول: لا يمكن أقبل شيئاً من أحد، فأنا أسلمت لله عز وجل فقط لا لأحد. ونحن الآن نرى أناساً ممن أسلموا في الشارع وورق إشهار إسلامهم في أيديهم يتسولون بها، وهذا المنظر في الحقيقة يغيظني جداً، والذي يسألني بإسلامه وإيمانه وتحوله من الكفر إلى الإسلام أنهره نهراً شديداً جداً، ولا أملك نفسي قط، والذي لا أملك نفسي أمامه من باب أولى أنه لا يزال حديث عهد بالإسلام، فيأتي يقعد على الكرسي ويحدث مشايخ المسلمين ويحدث علماءهم وطلاب العلم. ما هذا؟ أنت لا تزال حديث عهد بالإسلام، وعمرك في الإيمان والإسلام يوم واحد، ثم تأتي الآن وتحدثنا عن محاسن الدين الإسلامي؟! يجب عليك أن تقعد وتبرك عند الركب ثلاثين عاماً حتى تتعلم دينك، كما قد تجد الجماعة الفلانية أو الجماعة العلانية تقول لك: أسلم المفكر الإسلامي العظيم، والذي عمل كذا وكذا، ثم من اليوم التالي يأتي ليلقي دروساً في المساجد! والله المستعان.

    حديث عبادة بن الصامت في القدر

    قال: [ عن عطاء بن أبي رباح قال: سألت ابن عبادة بن الصامت : كيف كانت وصية أبيك حين حضره الموت؟ ] وعبادة بن الصامت رضي الله عنه من كبار الصحابة.

    [ قال: جعل يقول: يا بني اتق الله! واعلم أنك لن تتقي الله ولن تبلغ العلم حتى تعبد الله وحده، وتؤمن بالقدر خيره وشره ]. فيأمره بتقوى الله، ثم يقول له: إنك لا تستطيع أن تبلغ تقوى الله إلا بالعلم؛ إذ كيف تتقي الله وأنت لا تعرف الله عز وجل، ولا تعلم ما تتقي ومن تتقي؟ فكيف تكون تقياً أو متقياً وأنت لا تعلم من تتقي أو ما تتقي؟

    ثم أمره بالتوحيد، وعلى رأس التوحيد والإيمان: الإيمان بالقدر خيره وشره.

    [ قلت: يا أبتي كيف لي أن أؤمن بالقدر خيره وشره؟ قال: تعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وأن ما أخطأك لم يكن ليصيبك، فإن مت على غير هذا دخلت النار ].

    أي: أن تعلم أن ما أصابك من خير فلن يفوتك، وما فاتك فلا يستطيع أحد أن يجلبه إليك، وهذا مجمل اعتقادنا في القدر.

    قال: [ سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (إن أول ما خلق الله القلم فقال له: اكتب. فقال: ما أكتب؟ فجرى تلك الساعة بما كان وما هو كائن إلى الأبد) ].

    حديث: (سيكون في أمتي قوم يكفرون بالله ...)

    قال: [ عن عطاء بن أبي رباح: كنت عند سعيد بن المسيب جالساً فذكروا رجالاً يقولون: إن الله قدر كل شيء ما خلا الأعمال ]. أي: أن كل شيء من قدر الله إلا الأعمال. وتصور حينما يسمع البخاري عليه رحمة الله شيئاً كهذا، فينتفض وينبري قلمه للرد على من اعتقد ذلك بتأليف كتاب كامل مسند اسمه: (خلق أفعال العباد)؛ ليرد على هؤلاء الذين يقولون: إن الله عز وجل قدر كل شيء إلا الأعمال.

    قال عطاء: [ فوالله ما رأيت سعيداً غضب غضباً أشد منه حتى هم بالقيام. فقال: ثم سكت. ثم قال: تكلموا به؟ أما والله لقد سمعت فيهم حديثاً كفاهم به شراً، ويحهم لو يعلمون! قال: قلت: رحمك الله وما هو؟

    قال: حدثني رافع بن خديج... أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (سيكون في أمتي قوم يكفرون بالله وبالقرآن وهم لا يشعرون) ].

    إذاً: فالذي يُنكر القدر ولو في جزئية من جزئياته فإن حكمه أنه كذب الله، وكفر بالله، وكفر بكلام الله عز وجل، وهو القرآن والسنة.

    [ قال: قلت: (يقولون ماذا يا رسول الله؟) ]. أي: ما هو سبب كفرهم هذا؟ [ (قال: يقولون الخير من الله، والشر من إبليس) ]. وفي هذا الزمان الكثير من الناس يقولون هذا، والقدرية يقولون هذا، بل هم أصل هذا البلاء، [ (يقولون: الخير من الله، والشر من إبليس، ويقرءون على ذلك كتاب الله، ويكفرون بالله وبالقرآن بعد الإيمان والمعرفة، فما تلقى أمتي منهم من العداوة والبغضاء، ثم يكون المسخ فيهم عاماً، أولئك قردة وخنازير، ثم يكون الخسف قل من ينجو منهم) ]، أي: أن المسخ والخسف قائم في الأمة، وهذا من علامات الساعة، والمسخ أن يُمسخ البشر قردة وخنازير على الحقيقة، وهذا مذهب من المذاهب، وأن الإنسان يتحول إلى خنزير أو يتحول إلى قرد، وذلك كعقوبة من الله عز وجل لا أن أصل الإنسان قرد، وإنما يتحول بعد أن يخلقه الله تعالى آدمياً مكرماً معززاً، فيعيش في وحل المعاصي، فالله تبارك وتعالى يعاقبه بأنه يجعله قرداً أو خنزيراً.

    وإذا كان هذا المسخ على الحقيقة -وهو مذهب كثير من أهل العلم- فقد جاء عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال: صعدت جداراً قد مسخ الله تبارك وتعالى أهل هذا الجدار بسبب معاصيهم، فلما نزلت على سلم أقبلوا إلي، إذ إنهم يعرفونني ولا أعرفهم. لأنهم خنازير وقردة.

    ولذلك فهذا مذهب كثير من أهل العلم أن المسخ حصل على الحقيقة في صدر هذه الأمة، والسند إليه فيه نزاع، والراجح أنه حسن، ذكره الحافظ ابن كثير ، وذكر كلاماً كثيراً جداً وعظيماً حول تفسير المسخ.

    قال النبي عليه الصلاة والسلام: (لا يسبق أحدكم الإمام فإن من سبق إمامه حول الله رأسه رأس حمار، وصورته صورة حمار). والحديث في صحيح البخاري ومسلم. قال الإمام النووي : وما المانع أن يحول الله تعالى رأسه رأس حمار على الحقيقة، فيكون بدنه بدن آدمي ورأسه رأس حمار؛ لأن العقوبة وقعت على الرأس دون غيره كما في الحديث، ولأن أول ما يتحرك من المأموم رأسه، وهو الذي يفكر به، فالله تبارك وتعالى يمسخه ويجعله في صورة حمار على الحقيقة. قال: وربما قصد بذلك مسخه من جهة الفكر والحس، فيكون بليداً كالحمار. ولو كانت القضية هكذا لامتسخت معظم الأمة والله العظيم، فهو لا يمكن أن يكون هذا دين الله عز وجل الذي نحياه الآن، وهذه حياة المسلمين تعج ليلاً ونهاراً بالمعاصي، فهل هذه الحالة الآن يرضاها الله عز وجل أم هي دينه، أو ربع دينه؟ لا يمكن، بل ولا جزء من مليون جزء من دين الإسلام الذي نحن عليه الآن. إذاً هذه الأمة ممسوخة، وامش مع واحد تجده يمشي مع امرأته على اليمين وبناته على الشمال عاريات كما لو كانوا يمشون في شوارع نيويورك وأمثالها، ويتبجح ويتحامق ويقول إنه مسلم، أو أنه موحد. وآخر يفرغ من صلاة الجماعة ثم يجد امرأته تنتظره في السيارة عريانة! ألم تكن قبل قليل تعبد الله عز وجل؟ إن الذي أمرك أن تعبده أمرك أيضاً أن تستر امرأتك. فيقول لك: أنا حر في امرأتي! فلها أن تمشي عريانة، فالذي أمرك بالصلاة هو الذي يأمرها أن تأمر امرأتك بالحجاب والنقاب، ثم يقول لك: لا تأتي بسيرة امرأتي فهي شريفة! إلى غير ذلك من حماقة وجهل وقلة أدب وسفالة.

    وعندما تأتي لمناقشته في عقيدته تجده زبالة القوم وحثالة القوم، فتجده لا يقع إلا على كل ساقطة ولاقطة، فهذا واحد يقول: ليس هناك شفاعة في الإسلام، فيوافقه آخر فيقول: هذا كلام منطقي. وآخر يقول: ليس هناك عذاب قبر، فيوافقه آخر أيضاً فيقول: صحيح. وهل هناك عذاب في الدنيا وفي الآخرة؟! وآخر يقول: لا وجود للملائكة، فنحن لا نؤمن بالملائكة إلا بملك نراه. فيقول: صحيح. وما هي الحكمة من إخفاء الله عز وجل لملائكته؟!

    فتصور أن هذه هي حال المسلمين! وقل أن تجد رجلاً في الأمة كما أراد الله عز وجل وخاصة في هذا الزمان. إذاً: هل هذا مسخ أم لا؟ نعم. فتجد الرجل صحيحاً يمشي، وهو يلبس الكرفتة، لكنه من الداخل حمار أو خنزير أو كلب.

    ولذلك النبي عليه الصلاة والسلام يقول: (يقولون: الخير من الله والشر من إبليس، ويقرءون على ذلك كتاب الله). أي: على هذا المعتقد، ويؤولون النصوص على أساس معتقدهم، فيجعلون معتقدهم الفاسد هو الحاكم على كتاب الله، والقاضي على سنة النبي عليه الصلاة والسلام. (ويكفرون بالله وبالقرآن بعد الإيمان والمعرفة، فما تلقى أمتي منهم من العداوة والبغضاء، ثم يكون المسخ فيهم عاماً، أولئك قردة وخنازير، ثم يكون الخسف قل من ينجو منهم).

    قال: (المؤمن يومئذ قليل فرجه)، وهذه مبشرات، نسأل الله أن نكون من أهلها، (المؤمن يومئذ قليل فرجه)، أي: أنه يخرج من هم ثم يعود في هموم، يخرج من غم ثم يرجع إلى مليون غم، فتن متلاحقة ومتتالية، والفرج منها قليل جداً.

    قال: [ (المؤمن يومئذ قليل فرجه، شديد غمه، ثم بكى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بكينا لبكائه. قيل: يا رسول الله ما هذا البكاء؟ قال: رحمة لهم) ]. أي: رحمة لمتأخري أمتي. [ (إن فيهم المجتهد وفيهم المتعبد، وليسوا بأول من سبق إلى القول به، وضاق بحمله ذرعاً. إن عامة من هلك من بني إسرائيل بالتكذيب بالقدر. قيل: يا رسول الله فما الإيمان بالقدر؟ قال: تؤمن بالله وحده، وتؤمن بالجنة والنار، وتعلم أن الله خلقهما قبل خلق الخلق، ثم خلق الخلق لهما، ثم جعل من شاء منهم للجنة، وجعل من شاء منهم للنار، وكل يعمل على أمر قد فُرغ منه) ]، أي: قد انتهى وعلمه الله وكتبه. [ (وصائر إلى ما خُلق له) ].

    حديث: (لا يجربني عبدي ...)

    قال: [ عن الزهري عن ابن طاوس عن أبيه قالا: لقي عيسى بن مريم إبليس -وهذا كلام للاستشهاد لا للاحتجاج- فقال: أما علمت أنه لا يصيبك إلا ما قُدر لك؟ فقال إبليس: فأوف بذروة هذا الجبل -أي: اطلع هذا الجبل- فترد منه فانظر أتعيش أم لا؟ ].

    وانظر إلى إبليس وهو يقول لعيسى: أنت تعتقد أنه لا يصيبك إلا ما كُتب لك، إذاً فاصعد الجبل هذا وارم بنفسك من أعلاه، وانظر هل تعيش أم تموت؟

    [ قال ابن طاوس عن أبيه قال: أما علمت أن الله تعالى قال: لا يجربني عبدي فإني أفعل ما شئت.

    قال: فقال الزهري : إن العبد لا يبتلي ربه ]. أي: يختبر ربه، فيصعد الجبل ثم يرمي بنفسه من أعلاه، ففي هذا الاختبار سوف يموت. ثم قال: [ ولكن الله يبتلي عبده. قال: فخصمه ]. أي: عيسى عليه السلام غلب إبليس.

    حديث: (لا يؤمن أحدكم حتى يؤمن بأربع ...)

    حديث: (لن يؤمن من لم يؤمن بالقدر ...)

    قال: [ وعن شداد قال: خرجت مع ابن عمر إلى السوق فكان أكثر كلامه مع من لقي: سلام عليكم، تعوذوا بالله من قدر السوء ]. أي: أن يكون الله قدر لنا سوءاً وشراً، وهذا يعني أن القدر السيئ والشر أيضاً من الله عز وجل.

    [ قال: قال النبي عليه الصلاة والسلام: (لن يؤمن من لم يؤمن بالقدر خيره وشره) ].

    1.   

    سياق ما روي في النهي عن الكلام في القدر والجدال فيه والأمر بالإمساك عنه

    قال: [ عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عبد الله بن عمر: (أن النبي عليه الصلاة والسلام خرج على الصحابة وهم يتنازعون في القدر هذا ينزع آية وهذا ينزع آية) ]. أي: يتخاصمون، فهذا يأتي بآية يثبت بها القدر، وهذا يأتي بآية ينفي بها القدر، فغضب النبي صلى الله عليه وسلم غضباً شديداً [ (فكأنما فقي في وجهه حب الرمان) ]. أي: غضب حتى احمر وجهه. [ فقال: (بهذا أمرتم؟ أو بهذا وكلتم أن تضربوا كتاب الله بعضه ببعض؟ أنظروا إلى ما أُمرتم به فاتبعوه، وما نُهيتم عنه فاجتنبوه) ].

    [ عن علي بن أبي طالب أنه سئل: يا أبا الحسن ! ما تقول في القدر؟ قال: طريق مظلم فلا تسلكه ].

    أليسوا هؤلاء هم السلف؟ إذاً فالذي يتكلم بالقدر بكلام طويل لا بد وأننا نقول: إن هذا المنهج خلاف ما كان عليه السلف، فأنت مطلوب منك أن تؤمن بالقدر خيره وشره، وأنه من عند الله.

    [ فقال: يا أبا الحسن ! ما تقول في القدر؟ ] وهنا يكرر السؤال مرة أخرى. فقال: بحر عظيم فلا تلجه. فقال: يا أبا الحسن ! ما تقول في القدر؟ فقال: سر الله فلا تكلفه ]. أي: أن القدر هو سر الله تعالى في الخلق، فلا تتكلف الدخول فيه.

    قال: [ عن عمر قال: سمعت النبي عليه الصلاة والسلام يقول: (لا تجالسوا أهل القدر ولا تفاتحوهم) ].

    أي: إذا لقيتهم في طريق فاسلك طريقاً آخر، وليس أن تقول: إن هؤلاء عندهم شبهة في القدر فتذهب لمناقشتهم، وتقيم عليهم الحجة، ثم حين تذهب لمناقشتهم ترجع وتقول: فعلاً عنده حق. وهذه عقوبة من الله عز وجل حول بها قلبك وعقلك وفكرك؛ لأنك خالفت أمره.

    ودائماً تجد أهل البدع يتخصصون في بدعتهم فقط، وإن شئت فقل: هو أضل من حمار أهله، فلو ناقشته في الصلاة أو الصوم فإنه لا يعرف شيئاً، فحياته كلها وهمه اجتمع في معرفة القدر وشبهات الخصم والرد عليها، وتكلف تأويل النصوص التي وردت في هذا الباب.

    ولذا أريد أن أقول: إنه يعرف كل شيء عن بدعته، فإذا كنت أنت ليس لديك الوقت لأن تعرف في مسألة واحدة مليون دليل وأنت الآن تؤمن بأن القبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار، فلو قلت لك: أعطني دليلين اثنين على ذلك، فإنك لن تستطيع. فعندما تجلس عند واحد من هؤلاء، كـإسماعيل منصور ذلك المبتدع الضال الذي كان سنياً، ولعله ينطبق عليه قوله عليه الصلاة والسلام: (ولعل أحدكم يعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها). فالقلوب بيد الله عز وجل يقلبها كيف يشاء، ويختم لمن يشاء بخاتمة السعادة، ويختم لمن يشاء بخاتمة الشقاوة، فاللهم سلم يا رب.

    فهنا حينما تذهب إلى واحد قد ألف أن القبر ليس فيه عذاب ولا نعيم، فإنه سيغلبك عندما تناقشه؛ لأنه رجل متخصص في بدعته، ولذا فإن إسماعيل منصور ما تحول إلى مبتدع إلا لدخوله في مناظرات أهل البدع دون أن يتخصص فيها، فقد دُعي للسفر إلى أمريكا ليناظر رجلاً يدعي الألوهية، فلما أتى ما في جعبته ولم يستجب ذلك الإله المزعوم تحول إلى رجل آخر يدعي النبوة، فتأثر ببعض ما عنده، وما تلك النوازح التي تنزح من بئر إسماعيل منصور إلا من مخلفات النقاش مع المجرم الكبير رشاد المصري الأمريكي الذي زعم أنه لا إله، وأنه نبي ملهم.

    قال: [ عن ابن سيرين قال: إن لم يكن أهل القدر من الذين يخوضون في آيات الله، فلا أدري من هم؟ ].

    قال: [ عن ابن عباس قال: باب شرك فُتح على أهل الصلاة: التكذيب بالقدر ] أي: فُتح على أهل القبلة وأهل الإيمان باب من أبواب الشرك، وهو الخوض في القدر [ فلا تجادلوهم فيجري شركهم على أيديكم ].

    أي: لا تناظروهم ولا تخوضوا معهم حتى لا تتأثروا بهم.

    وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه، وسلم تسليماً كثيراً.