إسلام ويب

الصوتيات

  1. الصوتيات
  2. محاضرات مفرغة
  3. حسن أبو الأشبال الزهيري
  4. شرح أصول اعتقاد أهل السنة للالكائي
  5. شرح أصول اعتقاد أهل السنة - الأدلة على أن الله خالق الخير والشر

شرح أصول اعتقاد أهل السنة - الأدلة على أن الله خالق الخير والشرللشيخ : حسن أبو الأشبال الزهيري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن الله سبحانه وتعالى هو خالق كل شيء؛ ومن ذلك أفعال العباد، فالله خالق الخير والشر، ولا يقع في ملكه إلا ما أراد وشاء، وقد ذكر الله تعالى أدلة كثيرة على أنه خالق الخير والشر، وقد فسرها وبينها العلماء أحسن تفسير وأعظم بيان.

    1.   

    معنى قوله صلى الله عليه وسلم: (والشر ليس إليك)

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.

    أما بعد:

    لا زال الكلام موصولاً عن إجابة السؤال الذي يحير العقول: هل الله تعالى خالق للخير والشر أم لا؟

    وعرفنا في الدرس الماضي أن الله تعالى خالق لهما جميعاً، ولا يكون في ملكه إلا ما أراد وشاء.

    وأما قوله عليه الصلاة والسلام: (والخير كله في يديك، والشر ليس إليك) فمعناه: أن الشر المحض الذي لا خير فيه ليس إليك، وقد عرفنا في الدرس الماضي أن معظم الشر يبدو للناس أنه لا خير فيه، وفيه الخير كل الخير، وضربنا لذلك مثلاً بمن زنى وأُقيم عليه الحد، فالحد بالنسبة له في الظاهر شر مع أنه بالنسبة له خير؛ لأنه طهرة له، والله لا يحاسبه على ذنبه يوم القيامة؛ لأن من أقيم عليه الحد فهو كفارته، كما أنه فيه خير عام لجميع أبناء الأمة؛ لئلا يقعوا في مثل ما وقع فيه.

    1.   

    الأدلة على إثبات أن الله خالق للخير والشر

    ذكر ما روي في تفسير قوله تعالى: (فألهمها فجورها وتقواها)

    فالله عز وجل هو الخالق الواجد للخير والشر؛ لأنه لا يقع في ملكه إلا ما أراد وشاء، وأما العبد فهو المكتسب لفعل الشر، وهو كذلك المكتسب لفعل الخير، والله عز وجل يتمنن على عباده أحياناً بالخير والفضل والثواب دون عمل ودون سبب، ويتمنن عليهم بالخير والفضل والثواب بسبب العمل.

    وهنا سيذكر الأدلة في إثبات وبيان أن الله تعالى خالق للخير والشر جميعاً.

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ سياق ما روي في تفسير قوله تعالى: فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا [:8].

    قال أبو الأسود الدؤلي : قال لي عمران بن حصين : أرأيت ما يعمل الناس ويتكادحون فيه، أشيء قضي عليهم ومضى عليهم من قدر قد سبق، أو فيما يستقبلون مما أتاهم به نبيهم، وثبتت به الحجة عليهم؟

    قال: قلت: بل شيء مضى عليهم -أي: شيء مكتوب أزلاً- قال: فهل ذلك ظلم؟ -أي: فهل ذلك المكتوب الذي كتبه الله تعالى ظلم وعدوان على العبد؟- ففزعت منه فزعاً شديداً فقلت له: ليس شيء إلا خلقه وملك يده، لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ [الأنبياء:23].

    قال: سددك الله! إنما سألتك لأحزر عقلك -أي: لأختبر ذكاءك- إن رجلاً من مزينة أو جهينة أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (يا رسول الله! أرأيت ما يعمل الناس ويتكادحون فيه، أشيء قُضي عليهم ومضى عليهم من قدر سبق، أو فيما يستقبلون مما أتاهم به نبيهم، وأقيمت عليهم الحجة في دينهم؟ فقال: بل في شيء مضى عليهم، قال: ففيم العمل؟ -أي: لم نعمل إذاً إذا كان كل شيء مكتوب أزلاً؟- قال: من كان الله خلقه لإحدى المنزلتين -أي: للجنة أو النار- يهيئه لها، تصديق ذلك في كتاب الله عز وجل وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا [الشمس:7-8])].

    أي: فجبلها على الطاعة أو جبلها على المعصية بعلمه السابق الأزلي أن هذا العبد إنما يختار طريق الطاعة، أو يختار طريق المعصية، وإلا فالله عز وجل قادر على أن يجعل العباد جميعاً على قلب أتقى رجل واحد، وقادر كذلك على أن يجعلهم جميعاً على قلب أفجر رجل واحد، ولو شاء الله عز وجل لهدى الناس جميعاً، ولو شاء لأضلهم جميعاً، لكن هذا على غير مقتضى الحكمة من الخلق، والله تبارك وتعالى موصوف بالحكمة ومتسم بها، فلو خلق الله جميع الناس كلهم مؤمنين؛ فمن ذا الذي يعرف الكفر أو الشرك؟ وما فائدة خلق النار هنا؟

    قال: [وعن الحسن في هذه الآية: فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا [الشمس:8-10]].

    في الحقيقة هذه الآية محل نزاع في عود الضمير فيها: هل يعود على الله عز وجل، أو يعود على صاحب النفس في قوله: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا [ الشمس:9-10] أي: قد أفلحت نفس زكاها الله عز وجل، وقد خابت نفس دساها الله عز وجل، هذا معنى، وهو الراجح، وهو مذهب جماهير المفسرين.

    والمعنى الثاني: أن ذلك دعاء لصاحب النفس وعلى صاحبها بأنه هو الذي زكاها، وهو الذي دساها.. زكاها بالطاعة، ودساها بالمعصية، فيكون التقدير، قد أفلح عبد زكى نفسه، وقد خاب عبد دس نفسه بالمعصية.

    [وعن الحسن قال: قد أفلحت نفس اتقاها الله عز وجل، وقد خابت نفس أغواها الله عز وجل].

    إذاً: فالله تبارك وتعالى هو واهب التقوى، وهو باعث الضلال والشقاء، بمعنى أنه هو الذي أذن في وجوده وخلقه، وترتب في العبد لعلم الله تعالى الأزلي أن هذا العبد سيختار طريق التقوى أو طريق المعصية.

    فحينما علم الله عز وجل من عبده سلفاً وأزلاً أنه يختار طريق الطاعة حتى يموت عليها؛ أذن له في دخول الجنة، وجعله من قسمها، وحينما علم أن عبده الآخر لا يقبل الطاعة، وإنما يقيم على المعصية ويميل إليها، ويعملها ولا يتوب منها؛ جعله من قسم النار وهيأه لهذا العمل، وإلا فما فائدة بعث الرسل وإنزال الكتب؟

    والله عز وجل أخذ الميثاق الأول على بني آدم حينما أخرجهم جميعاً من صلب آدم: أن يكونوا موحدين لا مشركين، وأقروا بذلك، فالله عز وجل أرسل بعد ذلك الرسل والأنبياء ليذكروا العباد فقط بذلك الميثاق الغليظ، وهو أعظم ميثاق على الإطلاق، ألا وهو ميثاق الإيمان والتوحيد.

    قال: [وعن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قول الله عز وجل: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا [الشمس:9-10] يقول: قد أفلح من زكى الله نفسه، وقد خاب من دس الله نفسه].

    وهذا يدل على أن التزكية والطهارة والنقاء والتقوى من الله، كما أن الدس والضلال والحيرة والتيه من الله عز وجل.

    إذاً: فيكون الله تعالى هو الخالق للخير والشر.

    ما ورد في تفسير قوله تعالى: (وهديناه النجدين)

    وقال في تفسير قول الله عز وجل: وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ [البلد:10].

    وَهَدَيْنَاهُ الضمير يعود على المهدي، وأما الهادي فهو الله عز وجل؛ لأنه هو الذي هدى.

    قال: [وعن زر بن حبيش عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ [البلد:10] قال: الخير والشر].

    أي: هديناه لعمل الخير، وهديناه لعمل الشر.

    قال: [ومن طريق عكرمة عن ابن عباس في قوله: وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ [البلد:10] قال: الخير والشر.

    وعن أبي صالح عن ابن عباس في قوله: وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ [البلد:10] قال: نجد الخير ونجد الشر].

    أي: طريق الخير، وطريق الشر.

    ما ورد في تفسير قوله تعالى: (إني أعلم ما لا تعلمون)

    قال: [وعن مجاهد في قوله تعالى: إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ [البقرة:30] -في قصة إبليس والملائكة في سورة البقرة- علم الله تعالى من إبليس المعصية وخلقه لها].

    أي: علم منه أنه سيكون عاصياً، ومع هذا خلقه لها، إذاً: فالله هو الذي خلق إبليس، مع أنه أس الفساد والمعصية، ومع ذلك فإن الله تعالى خلقه وأوجده.

    ما ورد في تفسير قوله تعالى: (فريقاً هدى وفريقاً حق عليهم الضلالة)

    قال: [وعن علي بن أبي طلحة في قول الله تعالى: فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ [الأعراف:30] أي: كتب عليهم الضلالة، فالله عز وجل هو الذي هدى فريقاً، وهو الذي أضل فريقاً آخر.

    قال: [وعن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى: كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ * فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ [الأعراف:29-30] قال: إن الله سبحانه بدأ خلق بني آدم مؤمناً وكافراً -أي: خلقهم على الإيمان والكفر.. فريق آمن وفريق كفر- ثم قال: هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ [التغابن:2] ثم يعيدهم يوم القيامة كما بدأ خلقهم على صنفين: مؤمن وكافر].

    ما روي في تفسير قوله تعالى: (أومن كان ميتاً فأحييناه ...)

    وفي قوله تعالى: أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ [الأنعام:122].

    [قال ابن عباس : يعني: من كان كافراً ضالاً فهديناه] لأن الكافر كالميت تماماً، فقلبه ميت، ومن مات قلبه فلا خير فيه.

    وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ [الأنعام:122] يعني بهذا النور القرآن، وذلك من صدق به وعمل به، كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ [الأنعام:122] والظلمات هي الكفر والضلالة لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا [الأنعام:122].

    وفي قوله تعالى: لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ [الرعد:11].

    مِنْ هنا بمعنى الباء، أي: يحفظونه بأمر الله.

    [قال عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى: لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ أي: الملائكة يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ [الرعد:11]، فإذا جاء القدر المعلوم والمكتوب أزلاً تخلوا عنه؛ لينفذ القدر أو المكتوب].

    ما روي في تفسير قوله تعالى: (يحول بين المرء وقلبه)

    وفي قوله تعالى: يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ [الأنفال:24].

    [قال سعيد بن جبير عن ابن عباس في هذه الآية: يحول بين المرء والكفر، حتى لو أراد المرء أن يكون كافراً، وأن يخرج من الإيمان لا يستطيع إلا أن يكون ذلك مأذوناً فيه، مقدراً عليه أزلاً.

    فمسألة أن يختار الواحد منا الإيمان أو يختار الكفر مسألة كلها بيد الله عز وجل، وهذا الكلام يخوف جداً ويرعب، لأن المرء ربما يعمل عملاً صالحاً ولكن يُختم له بعمل أهل النار، فيكون من أهلها، وربما يكون العكس، ففائدة الإيمان بالقدر في هذه المسألة بالذات أن المرء يتعلق قلبه في الليل والنهار بخالقه وبارئه أن يثبته على الإيمان.

    ولذلك كان من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم -وهو أفضل الخلق على الإطلاق-: (اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك، ويا مصرف القلوب صرف قلبي إلى طاعتك) مع أن المتصور في حقه عليه الصلاة والسلام أنه لم يأت بمعصية أو بكبيرة من الكبائر فضلاً أن يتحول في إيمانه، أو يتحول قلبه، ومع هذا كان دائماً معلقاً بالله عز وجل أن يثبته على الإيمان، وأن يصرف قلبه دائماً إلى طاعته سبحانه وتعالى.

    فالحيلولة بين المرء وبين قلبه يملكها الله عز وجل، فربما يفعل المرء طاعة ثم يعقبها بمعصية، والعكس بالعكس.

    [قال ابن عباس: يحول بين المرء والكفر ومعاصي الله، ويحول بين الكافر وبين الإيمان وطاعة الله].

    وفرعون عليه لعنة الله حينما غرق في البحر قال: قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرَائِيلَ [يونس:90]، فمنعه كبره أن يقول: آمنت بالله، أو آمنت برب موسى وهارون، أو أن ينطق بلفظ الرب؛ لأنه يعتقد في قلبه أنه هو الرب وهو الإله، فحرمه الله عز وجل من إطلاق هذا اللفظ أو من النطق به.

    ولذلك ورد في الحديث الصحيح أن جبريل عليه السلام كان يضع الطين في فم فرعون؛ حتى لا ينطق بكلمة التوحيد، والذي أمر جبريل بذلك هو الله عز وجل، وهذا أمر رهيب جداً تفزع منه القلوب، وكذلك بالإمكان أن يكون هذا المصير مآل كل مخلوق على وجه الأرض، سواء كان مؤمناً أو كافراً، فإذا كان الأمر كذلك، وأن الخير والشر بيد الله عز وجل؛ فهذا أمر يستدعي من المرء أن يكون دائماً على صلة واتصال بالله عز وجل في الليل والنهار.

    ما روي في تفسير قوله تعالى: (ولا يزالون مختلفين ... ولذلك خلقهم)

    وفي قوله تعالى: وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ [هود:118-119].

    قال: [قال ابن عباس: فريقين] أي: أن الله تعالى خلق الناس فريقين.

    فريقاً يرحم فلا يختلف، وفريقاً لا يرحم فيختلف، فمنهم شقي وسعيد.

    قال: [وقال الحسن في هذه الآية: الناس مختلفون على أديان شتى، إلا من رحم ربك فهم غير مختلفين.

    فقال له منصور بن عبد الرحمن وقوله: وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ [هود:119].

    قال: خلق هؤلاء -أي: الذين لا يختلفون- لجنته، وخلق الذين يختلفون للنار]، فخلق هؤلاء لرحمته، وهؤلاء لعذابه.

    [وقال أشهب : سألت مالكاً عن قوله تعالى: وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ [هود:118-119]؟

    قال: خلقهم ليكون فريق في الجنة، وفريق في النار].

    إثبات مشيئة الله تعالى للشر كوناً والرد على المشركين والقدرية

    وقوله تبارك وتعالى: سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا [الأنعام:148] يحتج به المشركون يوم القيامة على أنهم لم يكونوا يعرفون، فقالوا: وجدنا آباءنا مشركين فأشركنا معهم، ولو شاء الله لهدانا ولكنه لم يهدنا.

    سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا أي: لو أن الله أراد أن يهدينا لهدانا وَلا آبَاؤُنَا [الأنعام:148] وكذلك آباؤنا لم يشركوا، ولكن الله كتب عليهم الشرك، وكتبه علينا من بعدهم.

    وكذلك قوله: لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا [الأنعام:148].

    وقوله تعالى: وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى [الأنعام:35].

    قال: [قال ابن عباس في قوله: لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا [الأنعام:148]: وكذلك كذب الذين من قبلهم، ثم قالوا: لو شاء الله ما أشركوا، فإنهم قالوا: عبادتنا الآلهة تقربنا إلى الله زلفى، فأخبر الله أنها لا تقربهم، قال تعالى: إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى [الزمر:3].

    وقوله: وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا [الأنعام:107].

    يقول جل ثناؤه: ولو شئت لجمعتهم على الهدى.

    وعن ابن عباس أنه سمع رجلاً يقول: الشر ليس بقدر، فقال ابن عباس : بيننا وبين أهل القدر هذه الآية: سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا [الأنعام:148] حتى بلغ إلى قوله تعالى: فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ [الأنعام:149].

    قال ابن عباس : والعجز والكيس بقدر].

    أي: حتى العجز والكيس والحركة والسكون كل ذلك بقدر، فأولى أن يكون الإيمان والكفر بقدر، وأن تكون الطاعة والمعصية بقدر كذلك.

    وفي قوله تعالى: فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ [الكهف:29].

    فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ والذي شاء هنا هو العبد.

    قال: [قال ابن عباس يقول الله تعالى: من شاء الله له الإيمان آمن، ومن شاء له أن يكفر كفر، وهو قوله: وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ [الإنسان:30]].

    إذاً تفسير هذه الآية: من شاء الله له الإيمان آمن، ومن شاء الله له الكفر كفر، ولكن الله تبارك وتعالى علم أزلاً أن هذا العبد سيختار الشرك على الإيمان، فمهده ويسره له، كما في قوله عليه الصلاة والسلام: (اعملوا فكل ميسر لما خُلق له) فهذا العبد خُلق للإيمان، والله تبارك وتعالى يسر له الإيمان، وهذا العبد خُلق للشر، فمال إليه واختاره على الإيمان، فيسره الله عز وجل له.

    معنى قوله تعالى: (أم على قلوب أقفالها)

    وفي قوله تعالى: أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا [محمد:24].

    ورد نص هنا وإن كان في سنده ضعف إلا أنه جميل جداً، وهو يؤدي المعنى الذي هو معتقد أهل السنة والجماعة.

    فعن سهل بن سعد قال: (تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا [محمد:24] وغلام جالس عند النبي عليه الصلاة والسلام، فقال: بلى والله يا رسول الله! إن عليها لأقفالها، ولا يفتحها إلا الذي أغلقها).

    معنى ذلك أن فتح القلوب وإغلاقها بيد الله عز وجل.

    (فلما ولي عمر بن الخطاب طلبه ليستعمله) أي: أنه طلب هذا الغلام ليجعله عاملاً على إحدى الولايات؛ لما رأى من رجاحة عقله وثقيب سهمه لآيات القدر، وقال: (لم يقل ذلك إلا من عقل) أي: صاحب عقل راجح.

    معنى قوله تعالى: (وكل شيء أحصيناه في إمام مبين)

    وقوله تعالى: وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ [يس:12].

    [قال مجاهد في هذه الآية: أي: في أم الكتاب].

    وقد قلنا: إن الكتاب كتابان: كتاب يقبل المحو والإثبات، وهو الكتاب الذي بيد الملائكة، وكتاب لا يقبل المحو والإثبات وهو اللوح المحفوظ.

    معنى قوله تعالى: (يمحو الله ما يشاء ويثبت ...)

    وقال تعالى: يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ [الرعد:39].

    [وعن ابن عباس في هذه الآية أنه قال: الشقاء والسعادة والموت لا تقبل المحو ولا الإثبات].

    لأن الله تعالى علم من عبده أنه سيختار طريق السعادة أو سيختار طريق الشقاء، وعلم أنه سيولد هذا العبد في لحظة كذا، ويموت في لحظة كذا.

    [وعن مجاهد في قوله تعالى: يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ [الرعد:39] قال: إن الله عز وجل في ليلة القدر يمحو ما يشاء من المقادير والآجال والأرزاق، إلا الشقاوة والسعادة فإنهما ثابتان].

    معنى قوله تعالى: (ما أصابك من مصيبة فمن الله ...)

    وفي قوله تعالى: مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ [النساء:79].

    مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ أي: بفضل الله عز وجل عليك، فهو سبحانه يمن به عليك إما بسبب أو بغير سبب، وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ أي: من جراء عملك وميلك إلى الشر، وإن كان الله تعالى هو الذي أذن في إيجادها.

    وهناك مناظرة وقعت بين عبد الجبار المعتزلي وسني، فحينما دخل عليه رجل من أهل السنة قال: الحمد لله الذي تنزه عن الفحشاء.

    فرد عليه السني قائلاً: الحمد لله الذي لا يكون في ملكه إلا ما يشاء.

    أي: من خير وشر حتى الفحشاء، فيكون ذلك في ملكه بإرادته وإذنه وخلقه وإيجاده.

    معنى قوله تعالى: (قل كل من عند الله ...)

    [قال تعالى: قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَمَالِ هَؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا [النساء:78]، قال ابن عباس : أي: أن الخير والشر من الله عز وجل].

    أي: أن الحسنة والسيئة من عند الله، فأما الحسنة فأنعم الله بها عليك، وأما السيئة فابتلاك بها.

    وليس من اللازم أن تكون السيئة عقوبة من الله عز وجل، فربما تكون السيئة منحة من الله عز وجل لك ليرفع بها درجاتك، أو يكفر بها سيئاتك، فالمرض بلية من البلايا، وهو شر في نظر العبد، ولكن الله عز وجل يبتلي العبد بالمرض حتى يمشي على الأرض وليس عليه خطيئة، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: (وإن العبد ليبتلى حتى يمشي على الأرض وليس عليه خطيئة)، وحتى الأنبياء، فالنبي عليه الصلاة والسلام يقول: (أشد الناس بلاء الأنبياء) ، ولم يكن ذلك لمعصية عملوها، ولكن ليرفع الله عز وجل بها الدرجات، وأما في حق بقية العباد فإنه يرفع بها الدرجات، أو يحط عنهم السيئات.

    فإما أن تكون منحة ومكافأة من الله عز وجل لمحو الخطايا والذنوب، وإما أن تكون منحة لرفع الدرجات.

    [قال ابن عباس: الحسنة والسيئة من عند الله، أما الحسنة فأنعم الله بها عليك، وأما السيئة فابتلاك بها].

    [وعن ابن عباس في قوله تعالى: مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ [النساء:79].

    قال: هو يوم أحد -أي: أن هذا خطاب موجه إلى النبي عليه الصلاة والسلام يتعلق بما وقع على المسلمين من بلاء في يوم أحد- ما فتحت لك من خير فمني، وما كانت من بلية فبذنبك].

    أي: أن الله عز وجل هو الذي فتح عليك أبواب الخير، وأما ما وقع عليكم من بلاء فبذنبك [وأنا قدرت ذلك عليك] أي أنا أعلمه أزلاً وكتبته في القدر أنه سيقع وسيكون بسبب معصية، وبسبب ذنب، وإن لم يكن هو المذنب عليه الصلاة والسلام، فبعض أصحابه هم الذين خالفوا أمر النبي عليه الصلاة والسلام، ونزلوا لجمع الغنائم؛ ظناً منهم أن الحرب قد وضعت أوزارها، ولم تضع الحرب أوزارها بعد، بل استدار خالد بن الوليد رضي الله عنه -وكان في ذلك الوقت مشركاً، وكان على رأس جيش قريش- وصعد الجبل وكان ما كان في أواخر هذه المعركة.

    فالذي وقع من بلاء على النبي عليه الصلاة والسلام وعلى أصحابه في يوم أحد إنما كان في آخر الغزوة بعد مخالفة أمره عليه الصلاة والسلام، وأما قبل مخالفة الأمر فقد كان نصراً مبيناً.

    [وعن: أبي صالح في هذه الآية قال: بذنبك، وأنا قدرتها عليك].

    أي أنا قد كتبت عليك في اللوح المحفوظ أن هذا سيكون، فهو واقع لا محالة.

    [وعن طاوس عن أبيه: وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ ، وأنا قدرتها عليك].

    معنى قوله تعالى: (لولا كتاب من الله سبق) وقوله: (أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب)

    وفي قوله تعالى: لَوْلا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ [الأنفال:68]، أي: لولا مكتوب كُتب عليك من الله في الأزل كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ [الأعراف:29]، وقوله: أُوْلَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ [الأعراف:37].

    [قال سعيد بن جبير في قوله: لَوْلا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ [الأنفال:68]، قال: ما سبق لأهل بدر من السعادة.

    وفي قوله: أُوْلَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ [الأعراف:37].

    قال: ما سبق لهم من السعادة.

    وفي قوله: كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ [الأعراف:29].

    قال: كما كتب عليكم تكونون، فما كتب الله تعالى عليكم من السعادة والشقاوة يكون عليكم لا محالة].

    معنى قوله تعالى: (كذلك سلكناه في قلوب المجرمين)

    وفي قوله تبارك وتعالى: كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ [الشعراء:200].

    قال: [قال حميد : قرأت القرآن كله على الحسن البصري من قبل أن يموت بسنة واحدة، وكان يفسر القرآن على الإثبات، فسألته عن قوله: كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ [الشعراء:200]؟ قال: كذلك سلكنا الشرك في قلوب المجرمين].

    أي: حينما علم الله عز وجل منهم أزلاً إجرامهم وإعراضهم وجحودهم؛ جعل للشرك طريقاً يتمكن في قلوبهم، فالذي خلق الشرك والمعاصي هو الله عز وجل، ولكن الله تعالى ما كتبه على عباده ظلماً، فهو العدل سبحانه وتعالى، ولكن حينما علم الله عز وجل أزلاً أن هذا العبد سيُعرض عن الرسل، ويجحد النبوات والآيات؛ جعله أهلاً للشرك، فسلك إلى قلبه طريقاً يتمكن الشرك منه.

    وقوله تعالى: وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ [القلم:43].

    قال: [عن ابن عباس في هذه الآية قال: هم الكفار؛ كان يُدعون في الدنيا وهم آمنون].

    إذاً فسالمون بمعنى آمنون، فقد كانوا يُدعون في الدنيا إلى السجود وإلى الطاعة والصلاة وهم آمنون، [فاليوم يدعوهم وهم خائفون] أي: فاليوم يدعوهم إلى السجود وهم خائفون.

    ثم أخبر الله سبحانه أنه قد حال بين أهل الشرك وبين أهل طاعته في الدنيا والآخرة، فحينما علم منهم ميلهم إلى الشرك حال بينهم وبين الإيمان، أي: جعل هناك سداً بينهم وبين قبول الإيمان.

    قال: [وأما في الآخرة فإنه قال: فَلا يَسْتَطِيعُونَ * خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ [القلم:42-43]].

    معنى قوله تعالى: (كلا إن كتاب الفجار لفي سجين)

    وفي قوله تعالى: كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ [المطففين:7].

    سجين: هو أسفل سافلين، وعليين: أعلى عليين، فكتاب أهل الإيمان في أعلى عليين، وكتاب الفجار في سجين.

    قال: [قال خصيف : سأل مجاهد بن جبر المكي محمد بن كعب القرظي وأنا معه عن قوله تعالى: إِنَّ كِتَابَ الفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ [المطففين:7] -أي: ما معنى هذه الآية؟- قال محمد : رقم الله عز وجل كتاب الفجار في أسفل الأرض، فهم عاملون بما قد رُقم عليهم في ذلك الكتاب].

    أي: قدر عليهم أن يكونوا في أسفل سافلين، ولا يعملوا إلا بمعصية الله عز وجل، وهذا بعلمه الأزلي أنهم يختارون المعصية على الطاعة.

    قال: [ورقم كتاب الأبرار فجعله في عليين، فهم يؤتى بهم حتى يعملوا بما قد رُقم عليهم في ذلك الكتاب].

    الإعجاز في قوله تعالى: (تبت يدا أبي لهب وتب)

    وقول الله تعالى: تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ [المسد:1].

    فيه إعجاز رهيب، ثم أكد هذا التب والخسارة والحسرة والندامة بقوله: تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ [المسد:1] وقد قدر الله تعالى سلفاً وأزلاً، وكتب ذلك في اللوح المحفوظ وعلى أبي لهب؛ لعلمه بجحوده وإنكاره للنبوة، ومحاربته للرسالة والرسول عليه الصلاة والسلام، وقد كان بإمكان أبي لهب أن يُحرج هذه الآية، ويقول: ربك يا محمد يقول في كتابه: تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ [المسد:1] وأنا قد آمنت، فمن الذي حال بين أبي لهب وبين الدخول في الإيمان؟

    إن الله عز وجل لم يحل بينه وبين الإيمان ظلماً وعدواناً، لكن لعلمه الأزلي أنه لا يقبل الإيمان، ولو كان الأمر متعلقاً بمشيئة العبد لكان بإمكان أبي لهب أن يكذب هذه الآية ويقول: أنا آمنت، مع أنه ما استطاع أن يقولها ولو نفاقاً، وهذه آية تدلك دلالة يقينية على أن كل شيء يقع في الوجود فإن الله عز وجل يعلمه ويكتبه، وقد أذن في وقوعه وخلقه وإيجاده؛ وإن كان المكتسب من الفعل هو العبد.

    معنى قوله تعالى: (وما كان الله معذبهم وأنت فيهم ...)

    قال: [وفي قول الله تعالى: وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ [الأنفال:33]].

    الخطاب هنا للنبي عليه الصلاة والسلام وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ [الأنفال:33] فهذه الآية عظيمة جداً، أي: ما كان الله تعالى ليعذبهم يا محمد وأنت باق فيهم لمهمة قيام الحجة عليهم؛ لأن الله تعالى لا يعذب أحداً إلا إذا بلغته الحجة، فما دام النبي عليه الصلاة والسلام قائم بحجة الله في خلقه فمن العدل أن الله تعالى لا يعذب أحداً لم تبلغه الحجة.

    ثم قال: وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ [الأنفال:33] الاستغفار هنا بمعنى الإيمان، أي: وما كان الله معذبهم وهم مؤمنون، وإنما يعذب أهل الشرك.

    ويقول للكافر: مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ [آل عمران:179]، والطيب يكون على غير ما عليه الكافر، ولا بد من الابتلاء، قال تعالى: أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ [العنكبوت:2]، والفتنة هي التي تنقي المعادن الطيبة، وتميزها عن المعادن الخبيثة، فإذا وقعت الفتنة ظهر فيها من كان صادقاً في ادعائه للإيمان ومن كان كاذباً في هذا الادعاء.

    قال: [فميز أهل السعادة من أهل الشقاء].

    وقال: وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ [الأنفال:34] أي: عذب الله أهل الشرك بالسيف يوم بدر، كما عذب أهل الإيمان بالسيف كذلك، لكنهم ثبتوا فتميز صف الموحدين في جانب النبي عليه الصلاة والسلام وأصحابه، وتميز صف أهل الخبث والجحود والشرك في جانب قريش.

    معنى قوله تعالى: (وجعلنا من بين أيديهم سداً ...)

    قال: [وفي قوله تبارك وتعالى: وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ [يس:9].

    عن مجاهد قال: فأعشيناهم عن الحق].

    وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ [يس:9] أي: فقد عموا تماماً (فهم لا يبصرون) الحق؛ لأن الله تعالى حال بينهم وبين الحق بسد رباني منيع لم يروا من خلاله الحق؛ لأنهم أحبوا الباطل ومالوا إليه وألفوه وقبلوه.

    معنى قوله تعالى: (وجعلنا على قلوبهم أكنة)

    قال: [وعن مجاهد في قوله: وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً [الأنعام:25] قال: كالجعبة التي يوضع فيها السهام.. جعلها الله عز وجل على قلوبهم].

    أي: غلفت قلوبهم فكان عليها شيء كالران الذي لا يرى معه صاحبه خيراً ولا شراً، فلا يميز بين الحق والباطل؛ لأن قلبه أسود مرباد لا يعرف معروفاً ولا ينكر منكراً.

    معنى قوله تعالى: (وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم ...)

    قال: [وفي قول الله تبارك وتعالى: وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى [الأعراف:172]] هذه هي آية الميثاق الغليظ، فحينما خلق الله عز وجل آدم مسح سبحانه وتعالى بيده على ظهر آدم، فأخرج كل نسمة كاملة من نسل آدم إلى قيام الساعة، أخرجهم كالذر، وخاطبهم المولى عز وجل بخطاب قد علموه وعقلوه وفهموه.

    وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ أي: من ظهر آدم، ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ أنا ربكم أم لا؟ قَالُوا بَلَى أي: أنت ربنا.

    قال: [قال عمر بن الخطاب حينما سُئل عن هذه الآية قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يُسأل عنها؟ فقال: (إن الله خلق آدم، ثم مسح ظهره بيمينه واستخرج منه ذريته، فقال: خلقت هؤلاء للنار، وبعمل أهل النار يعملون، وخلقت هؤلاء للجنة، وبعمل أهل الجنة يعملون)].

    فأنت حينما تنظر في هذا النص تقول: هذا ظلم؛ فالناس لم يُخلقوا بعد! ومع ذلك فربنا سبحانه وتعالى كتب عليهم أنهم من أهل النار، لماذا لم ينتظر حتى يعملوا؟!

    فالجواب: أن الله عز وجل سلفاً وأزلاً قد علم ما هم عاملون، فعلم منهم أنهم سيعملون الشر ويعملون الكفر، وعلم من هؤلاء أنهم سيعملون الإيمان ويعملون الطاعات، فحينما علم من هؤلاء الشرك جعلهم من قسم النار، وحينما علم من هؤلاء الإيمان جعلهم من قسم الجنة.

    إذاً: فالمسألة كلها مبنية على علم الله الأزلي، فالذي ينكر علم الله الأزلي لا بد أنه ينسب الظلم لله، فغلاة القدرية حينما نفوا علم الله الأزلي أنكروا مثل هذه الأحاديث، ولكن الله تبارك وتعالى هو العليم القدير اللطيف، وهو الحكم العدل، وما كان ليظلم عباده قط؛ لأنه المتصف بكمال العدل والحكمة، فلما علم أزلاً بما هؤلاء عاملون، وما هم إليه صائرون؛ كتب لهم الجزاء، وكذلك فعل مع القسم الثاني..