إسلام ويب

شرح أصول اعتقاد أهل السنة - رؤية المؤمنين لله عز وجلللشيخ : حسن أبو الأشبال الزهيري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • تعد مسألة رؤية المؤمنين لربهم عز وجل من أشرف مسائل الدين وأجلها، إذ إنها تتعلق بالاعتقاد وأصول الدين، بل هي الغاية التي شمر إليها المشمرون، وهي الزيادة التي أكرم الله بها عباده المؤمنين في الآخرة، وقد دلت على ذلك أدلة كثيرة من الكتاب والسنة، وهو مذهب أهل السنة والجماعة قاطبة، خلافاً لبعض أهل الأهواء والبدع.

    1.   

    ذكر الخلاف في رؤية النبي عليه الصلاة والسلام لربه ليلة المعراج

    الحمد لله تعالى، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    ثم أما بعد:

    فقد تكلمنا في الدرس الماضي عن مدى إمكانية رؤية الله عز وجل بالعين، وقلنا: إن ذلك محال في حق البشر، وذكرنا الخلاف الذي حدث في حق النبي عليه الصلاة والسلام في رحلة المعراج: هل رآه بعيني رأسه أم رآه بفؤاده؟

    وذكرنا أن هناك خلافاً شكلياً ظاهرياً، فـابن عباس خالف جمهور الصحابة فأثبت الرؤية لله عز وجل، إلا أنه لم يثبت عنه أنه قال: رآه بعيني رأسه، وإنما وردت عنه أقوال مطلقة، ومن ذلك: أنه سئل: [ (هل رأى النبي صلى الله عليه وسلم ربه؟ فقال: نعم) ].

    والتقييد الذي ورد في كلامه بأنه رآه بفؤاده لا بد وأن يحمل عليه كلامه المطلق، وبهذا ينضم قول ابن عباس إلى قول جمهور الصحابة، فلا يكون هناك في الحقيقة خلاف بينهم، فالنبي صلى الله عليه وسلم ما رأى ربه بعيني رأسه، وإنما رآه بفؤاده، ولا أدل على ذلك من قول عائشة رضي الله عنها لـمسروق : (من حدثكم أن محمداً رأى ربه فقد أعظم على الله الفرية)، وفي رواية أنها قالت: (لقد قف شعري مما أسمع، إني أسمع أقواماً يقولون: إن محمداً رأى ربه، فمن قال ذلك فقد أعظم الكذب على الله).

    ثم مما يؤيد كلامها: كلام عبد الله بن مسعود ، فإنه قال نفس الكلام، وفوق هذا الكلام كله: حديث النبي عليه الصلاة والسلام لـأبي ذر لما سأله: (هل رأيت ربك؟ قال: نور أنى أراه)، وفي رواية قال: (رأيت نوراً).

    كما أثبتنا في الدرس الماضي أن النبي عليه الصلاة والسلام رأى ربه مناماً لا يقظة؛ لما رواه أحمد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (رأيت ربي في منامي في أحسن صورة، حتى وضع كفه بين كتفي فشعرت ببردها بين ثديي)، ورؤيا الأنبياء حق ووحي.

    وبهذا يتبين خلاصة الأمر وخلاصة الكلام في هذا: أن رؤية الله تبارك وتعالى بعيني الرأس في الدنيا؛ سواء للمؤمنين أو للأنبياء لا تجوز، وعلى ذلك إجماع علماء الإسلام.

    وأما رؤية النبي صلى الله عليه وسلم لربه فإنه قد رآه في منامه ولم يكن ذلك بعيني رأسه، وإنما رآه بفؤاده، وهذا مجمل اعتقاد أهل السنة والجماعة في مسألة الرؤية بالعين.

    1.   

    رؤية المؤمنين لربهم في الآخرة

    وأما رؤية المؤمنين لله عز وجل في الآخرة، فهل هي ممكنة وجائزة وثابتة أم منتفية؟

    أردنا في هذا الدرس أن نكمل موضوع الرؤية، فكان لزاماً علينا حتى يتم الكلام في باب رؤية المولى عز وجل أن نتكلم عن هذه الجزئية، وهذه القضية خالفت فيها بعض الفرق أهل السنة والجماعة، كالجهمية والمعتزلة وغيرهم.

    كلام الإمام الطحاوي وغيره في إثبات رؤية المؤمنين لربهم عز وجل

    يقول الإمام الطحاوي عليه رحمة الله: والرؤية حق لأهل الجنة، بغير إحاطة ولا كيفية، كما نطق به كتاب ربنا: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ [القيامة:22-23].

    وتفسيره -أي: تفسير الرؤية- على ما أراد الله تعالى وعلم، وما جاء في ذلك من الحديث الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو كما قال، ومعناه على ما أراد، ولا ندخل بذلك متأولين بآرائنا، ولا متوهمين بأهوائنا، فإنه ما سلم أحد في دينه إلا من سلم لله عز وجل، ولرسوله صلى الله عليه وسلم، ورد علم ما اشتبه عليه إلى عالمه.

    والمخالف في إثبات الرؤية -أي: رؤية الناس لله عز وجل- من الجهمية والمعتزلة، ومن تبعهم من الخوارج والإمامية على جهة الخصوص، قولهم باطل مردود في الكتاب والسنة؛ لأن مسألة الرؤية ثابتة في الكتاب والسنة والإجماع.

    وقد قال بثبوت الرؤية الصحابة والتابعون، وأئمة الإسلام المعروفون بالإمامة في الدين، كـأحمد والشافعي وأبي حنيفة ومالك وسفيان الثوري وابن عيينة وحماد وغيرهم من أئمة الدين، وأهل الحديث عامة، وسائر طوائف أهل الكلام المنتسبين إلى السنة والجماعة، فكلهم أجمعوا على أن الله تعالى يرى بالأبصار يوم القيامة في الجنة.

    وهذه المسألة من أشرف مسائل أصول الدين وأجلها، وهي تتعلق بالاعتقاد وأصول الدين لا بفروعه، بل هي الغاية التي شمر إليها المشمرون؛ ولذلك قيل للشافعي : ماذا تقول في قول الله عز وجل: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ [القيامة:22-23]؟ قال: تغشاهم نضرة بسبب نظرهم إلى الله عز وجل، فإنهم يلتمسون من نوره، وكل مسلم إنما تظهر على وجهه علامات الرضا وعلامات السخط نظراً لما يطلب.

    ولذلك قال النبي عليه الصلاة والسلام: (نضر الله امرأً سمع مني مقالة فوعاها، فأداها كما سمعها).

    قال أحمد بن حنبل : (نضر الله امرأً) أي: جعل في وجهه النضرة، وهي البشر والسرور والفرح، فترى وجهه نير وإن كان أسود أو أسمر؛ لأنه استمد هذه النضرة من حديث النبي صلى الله عليه وسلم.

    وقال أحمد : ما رأيت عالماً من علماء الحديث إلا وقد عرفته، قيل له: كيف؟ قال: بالنضرة التي في وجهه، أي: بالبشر والفرح والسرور، والنور الذي يشع من وجهه بسبب طلبه لحديث النبي عليه الصلاة والسلام، وهذا تأويل لقوله: (نضر الله امرأً سمع مني مقالة فوعاها).

    وهذا يدل على أن من سمع ما قاله النبي عليه الصلاة والسلام، أو تذاكره، أو درسه، أو اهتم، أو بثه في الخلق علماً وعملاً فإنه يحظى بهذا الوعد العظيم الذي وعد به النبي عليه الصلاة والسلام، وهي تحقيق النضرة في وجهه.

    وقال محمد بن إدريس الشافعي في قول الله عز وجل: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ [القيامة:22]: تغشاهم نضرة في وجوههم بسبب نضرهم لله تبارك وتعالى، قيل له: أأنت تقول بذلك؟ أي: أهذا معتقدك؟ قال: والله لو لم يكن ذلك لما عبد محمد بن إدريس ربه. أي: لولا أني أعتقد أني ألقى الله عز وجل يوم القيامة، وأنظر إليه فما فائدة عبادتي الآن؟ أي: إذا لم أكن على يقين من أنني سأتزود بنور الله عز وجل يوم القيامة، وأتنعم وأتلذذ بالنظر إلى وجه الله تعالى، فإذا كنت أشك في ذلك فلم أعبد ربي إذاً؟!

    وهذا يدل على أن المرء يعبد ربه طمعاً في جنته، وطمعاً في التلذذ بالنظر إلى وجهه الكريم سبحانه وتعالى.

    قال: وهذه مسألة من أشرف مسائل أصول الدين وأجلها، وهي الغاية التي شمر إليها المشمرون، وتنافس فيها المتنافسون، وحرمها الذين هم عن ربهم محجوبون، وعن بابه مطرودون.

    أعظم الأدلة على رؤية المؤمنين لربهم في الجنة

    وقد ذكر الإمام الطحاوي رحمه الله تعالى أن من الأدلة على رؤية المؤمنين لربهم في الجنة قوله تعالى: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ [القيامة:22-23]، وهي من أظهر الأدلة وأعظمها في إثبات النظر إلى الله تعالى.

    وأما من أبى إلا أن يحرفها بما يسميه تأويلاً فقوله غير صحيح، فنصوص المعاد والجنة والنار والحساب سهل تأويلها على أرباب التأويل، يعني: من أراد أن يؤول فالتأويل وارد وليس عنه ببعيد، ولا يشاء مبطل أن يتأول النصوص وأن يحرفها عن مواضعها إلا وجد إلى ذلك من السبيل ما وجده متأولو هذه النصوص.

    يريد أن يقول: إن الذي يريد أن ينحرف لا بد وأن يجد أمامه سبل الانحراف، بخلاف من عقد العزم من أول أمره على أن يكون متبعاً لا مبتدعاً، وعلى أن يكون له سلف في كل قول وفعل، لا من أراد أن ينخر في دين الله عز وجل بهواه، وبتأويل لم يثبت عن واحد من السلف.

    وهذا هو الذي أفسد الدين والدنيا، وهو ما فعلته اليهود والنصارى في نصوص التوراة والإنجيل، وقد حذرنا الله تعالى من أن نفعل فعلهم، وأبى المبطلون إلا سلوك سبيلهم، وكم جنى التأويل الفاسد على الدين وأهله من جناية؟! فهل قتل عثمان رضي الله عنه إلا بالتأويل الفاسد؟ وجرى بسببه ما جرى في يوم الجمل وفي يوم صفين، وقتل بسببه الحسين رضي الله عنه، وجرى ما جرى يوم الحرة، وخروج الخوارج على علي بن أبي طالب، واعتزلت المعتزلة، ورفضت الروافض، وافترقت الأمة إلى ثلاث وسبعين فرقة، كل ذلك بسبب التأويل الفاسد.

    استعمالات النظر في اللغة

    وإضافة النظر إلى الوجه الذي هو محله في هذه الآية، وتعديت الفعل بأداة (إلى) صريح في نظر العين المجردة، وإخلاء الكلام من قرينة تدل على خلاف حقيقته وموضوعه صريح في أن الله تعالى أراد بذلك نظر العين التي في الوجه إلى الرب جل جلاله.

    والنظر له عدة استعمالات في اللغة، ففي قوله تعالى: أَوَلَمْ يَنظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ [الأعراف:185]، تعدى الفعل (ينظروا) بحرف (في)، وذلك يدل على أن النظر هنا ليس بالعين المجردة، وإنما هو بالتفكر والاعتبار، وإذا تعدى بنفسه كقوله: انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ [الحديد:13]، دل على التوقف والانتظار، وإن تعدى الفعل (نظر) بـ(إلى) دل على النظر بالعين المجردة، كقوله تعالى: انظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ [الأنعام:99]، فهنا تعدى الفعل (نظر) بحرف الجر (إلى)، فدل على أن العين هي التي قصدت، فكيف إذا أضيف إلى الوجه الذي هو محل البصر!!

    استدلال السلف الصالح بقوله تعالى: (وجوه يومئذ ناضرة) على إثبات الرؤية

    روى ابن مردويه بسنده إلى ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى: (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ [القيامة:22] قال: من البهاء والحسن -فهي يومئذ بهية وحسنة وجميلة- إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ [القيامة:23] قال: في وجه الله عز وجل).

    إذاً: فالنظر لا بد وأن يكون إلى وجه الله عز وجل، ولا يمكن أن يكون عن طريق التفكر أو التدبر أو التوقف والاعتبار، وإنما هو عن طريق العين المجردة.

    وعن الحسن قال: نظرت إلى ربها فنضرت بنوره عز وجل، أي: نظرت العين إلى ربها فأصابتها وغشيتها النضرة بسبب اقتباسها من نور الله عز وجل.

    وعن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ [القيامة:23] قال: تنظر إلى وجه ربها عز وجل.

    وقال عكرمة في قوله: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ [القيامة:22]: ناضرة من النعيم، إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ [القيامة:23] قال: تنظر إلى ربها نظراً.

    ثم حكى عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما مثله، وهذا قول كل من فسر من أهل السنة والحديث هذه الآية؛ وكأن إجماع أهل السنة والجماعة قد انعقد في تفسير هذه الآية على أن المرء ينظر إلى ربه يوم القيامة بالعين المجردة.

    استدلال السلف بقوله تعالى: (لهم ما يشاءون فيها ولدينا مزيد) على إثبات الرؤية

    وقال تعالى: لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ [ق:35] قال الطبري : قال علي بن أبي طالب وأنس بن مالك رضي الله عنهما : هو النظر إلى وجه الله عز وجل.

    قوله: لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا [ق:35]، أي: من جميع أنواع النعيم، وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ [ق:35] أي: ولدينا نعمة زائدة على نعيم الجنة، وهو النظر إلى وجه الله تبارك وتعالى.

    استدلال السلف الصالح بقوله تعالى: (للذين أحسنوا الحسنى وزيادة) على إثبات الرؤية

    وقال تعالى: لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ [يونس:26]، أي: للذين أحسنوا في هذه الدنيا بعمل الطاعات، والائتمار بالأوامر، والانتهاء عن النواهي، لهم الجنة وزيادة، والزيادة هي: النظر إلى وجه الله تبارك وتعالى.

    وقد فسرها بذلك النبي عليه الصلاة والسلام والصحابة من بعده، فقد جاء في صحيح مسلم عن صهيب رضي الله عنه قال: (قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ [يونس:26]، فقال: إذا دخل أهل الجنة الجنة -وهذا نعيم- وأهل النار النار، نادى مناد: يا أهل الجنة! إن لكم عند الله موعداً يريد أن ينجزكموه، فيقولون: ما هو؟ ألم يثقل موازيننا، ويبيض وجوهنا، ويدخلنا الجنة، ويجرنا من النار؟! فيكشف الحجاب؟)، أي: فيكشف الله تبارك وتعالى الحجاب بينه وبين عباده فينظرون إليه، فما أعطاهم شيئاً أحب إليهم من النظر إليه، وهي تلك الزيادة في الآية: لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ [يونس:26]، والزيادة هي النظر إلى وجه الله تبارك وتعالى، وكذلك فسرها الصحابة رضي الله عنهم كما روى ابن جرير ذلك عن جماعة منهم: أبو بكر الصديق وحذيفة وأبو موسى الأشعري وابن عباس رضي الله عنهم أجمعين.

    وقال تعالى: كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ [المطففين:15]، فهذه الآية في حق الكفار، فنفرق بين رؤية المؤمنين ورؤية الكفار، فالكفار محجوبون، ومفهوم المخالفة يدل على أن المؤمنين غير محجوبين عن رؤية الله عز وجل، فيكشف لهم الحجاب فيرونه عز وجل، فضلاً عن ورود الآية الصريحة في إثبات الرؤية وهي قوله: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ [القيامة:22-23]، فهذه الآية في حق أهل الإيمان، وآية الحجب: كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ [المطففين:15] في حق الكفار.

    وقد احتج الشافعي رحمه الله وغيره من الأئمة بهذه الآية على الرؤية لأهل الجنة، إذ أنها صريحة في ذلك، ومنطوقها يدل على حجب أهل الكفر عن الرؤية، ذكر ذلك الطبري وغيره عن المزني عن الشافعي .

    وقال الحاكم : حدثنا الأصم حدثنا الربيع بن سليمان -وهو تلميذ الإمام الشافعي - قال: حضرت محمد بن إدريس الشافعي رحمه الله وقد جاءته رقعة قماش من الصعيد فيها سؤال:

    ما تقول في قول الله عز وجل: كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ [المطففين:15]؟ فقال الشافعي : لما أن حجب هؤلاء في السخط، كان في هذا دليل على أن أولياءه يرونه في الرضا.

    فاحتج بهذه الآية التي منطوقها صريح في حجب الكفار عن الرؤية، واحتج بمفهوم المخالفة على إثبات الرؤية لأهل الإيمان.

    1.   

    شبه المعتزلة في إنكار الرؤية والرد عليها

    وأما استدلال المعتزلة بقوله تعالى لموسى عليه السلام عندما طلب من ربه أن يره: قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي [الأعراف:143]، فقد احتجوا بالآية على نفي الرؤية، وأقول: لو كانت مسألة الرؤية ممكنة وجائزة لما منع الله عز وجل طلب نبيه موسى عليه السلام، وهذه قد تكون شبهة لا حجة.

    والجواب عليها من وجوه:

    الأول: أنه لا يظن بكليم الله ورسوله الكريم موسى عليه السلام -وهو أعلم الناس بربه في وقته- أن يسأل الله عز وجل ما لا يجوز عليه سبحانه.

    الثاني: أن توقن بأن الأنبياء هم أعلم الخلق بالله عز وجل، وبما يجوز وما لا يجوز، وما ينبغي وما لا ينبغي، وما يستحيل وما هو ممكن في حق الله عز وجل، وأن النبي عليه الصلاة والسلام أعلم الخلق بالله وأتقاهم له، وكذلك كل نبي هو أعلم الخلق في زمانه بالله عز وجل، ولو كان موسى يعلم أن رؤية الله تبارك وتعالى مستحيلة لما سأل ذلك؛ لأنه يعلم ما يجوز وما لا يجوز على الله عز وجل.

    ولما سأل ربه أن يراه وأن ينظر إليه منعه الله عز وجل فقال: لَنْ تَرَانِي [الأعراف:143] ولم ينكر الله عليه سؤاله كما أنكر على نوح عليه السلام عندما طلب من ربه الشفاعة لابنه، فقال الله عز وجل: إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ [هود:46]، فهنا ربنا تبارك وتعالى أنكر على نوح، ولو أنك نظرت إلى سؤال موسى وجواب الله عز وجل عليه فستلمس منه المنع لا الإنكار، مع أنه قال لنوح: إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ [هود:46] فرد عليه، ثم أنكر عليه بقوله: إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ [هود:46] أي: حذاري أن تسألني ما أنت به جاهل، وما لا ينبغي ولا يجوز، فأنا أحذرك من ذلك؛ ولذلك تاب نوح عليه السلام واعتذر إلى ربه.

    الثالث: أن الله تعالى قال: لَنْ تَرَانِي [الأعراف:143]، ولم يقل: إني لا أُرى، أي: أنت الآن على سطح هذه المعمورة لن تراني، ولم ينف الله عز وجل مبدأ الرؤية أبداً وأزلاً، وإنما قال: لَنْ تَرَانِي [الأعراف:143]، و(لن) تفيد النفي في المستقبل لا تأكيد النفي؛ ولذلك لو قلت لولدك: لن أعطيك مالاً؛ لا يدل على أنك ستمنعه المال ما حييت، لكنه إن طلب مرة أو مرتين أو ثلاثاً فإنك ستمنعه، لكن سيئول الأمر في النهاية إلى أنك ستعطيه، وكذلك قولك للآخر: لن أرضى عنك، لا يدل على أنك ساخط عليه مدى الحياة، وإنما هذا نفي للمستقبل أو لشيء من المستقبل، لا نفياً مؤبداً.

    ولذا قال ربنا عز وجل: لَنْ تَرَانِي [الأعراف:143] ولم يقل: إني لا أرى، أو لا تجوز رؤيتي، أو لست بمرئي.

    والفرق بين الجوابين ظاهر، ألا ترى أن من كان في كمه حجر فظنه رجل طعاماً، فقال: أطعمنيه، فالجواب الصحيح: إنه لا يؤكل، إذاً فهو نفي للأكل مطلقاً؛ لأن الحجر لا يؤكل، وأما إذا كان الذي في كمه طعام فإنه يقول: إنك لن تأكله، وكذلك تدل الآية على أنه سبحانه وتعالى مرئي، لكنه لا يرى الآن، وموسى عليه السلام لا تحتمل قواه في هذه الدار رؤية ربه عز وجل.

    ويوضح ذلك قوله تعالى: وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي [الأعراف:143]، فأعلمه أن الجبل مع قوته وصلابته لا يثبت أمام تجلي الله عز وجل في هذه الدار، فكيف بالبشر الذي خلق من ضعف؟! فالله سبحانه قادر على أن يجعل الجبل مستقراً، وذلك ممكن، وقد علق به الرؤية، ولو كانت محالاً لكان نظير أن يقول: إن استقر الجبل فسوف آكل وأشرب وأنام، والكل عنده سواء.

    الرابع: قوله تعالى: فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا [الأعراف:143]، فإذا جاز أن يتجلى الله عز وجل للجبل -وهو جماد لا ثواب له ولا عقاب- فكيف يمتنع أن يتجلى لرسله وأوليائه في دار كرامته؟! لكن الله تعالى أعلم موسى عليه السلام أن الجبل إذا لم يثبت برؤيته في هذه الدار فالبشر من باب أولى.

    الخامس: أن الله كلم موسى وناداه وناجاه، ومن جاز عليه التكلم والتكليم، وأن يسمع مخاطبة كلامه بغير واسطة؛ فرؤيته أولى من باب الجواز.

    ولهذا لا يتم إنكار رؤيته إلا بإنكار كلامه، فمن أنكر الرؤية لا بد أن ينكر الكلام، ومن أثبت الكلام لا بد وأن يثبت الرؤية، وقد جمع أهل العلم بين الرؤية والكلام.

    وأما دعواهم: تأكيد النفي بـ(لن)، وأن ذلك يدل على نفي الرؤية في الآخرة، فتأويل فاسد جداً؛ لأنها لو قيدت في التأكيد لا تدل على جواز النفي في الآخرة، فكيف إذا أسقطت، قال تعالى: وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا [البقرة:95]، مع قوله: وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ [الزخرف:77]، فهم تمنوا أن يقضي الله عز وجل عليهم، مع أن الله تعالى قد قال: وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا [البقرة:95].

    ولأن (لن) لو كانت للتأكيد المطلق لما جاز تحديد الفعل بعدها، وقد جاء ذلك في قوله تعالى: فَلَنْ أَبْرَحَ الأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي [يوسف:80]، فلو كانت (لن) تفيد التأبيد والنفي المؤبد فما كان هناك داع للاستثناء الذي يأتي بعدها؛ لأنها إذا كانت تفيد التأبيد في المستقبل فما فائدة الاستثناء؟!

    فقوله: فَلَنْ أَبْرَحَ الأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي [يوسف:80]، لو كانت تفيد التأبيد لكان المعنى: فلن أبرح الأرض حتى وإن أذن لي أبي.

    فوجود الاستثناء بعد النفي يدل على أن (لن) لا تفيد النفي المؤبد، وإنما النفي في المستقبل فقط، فثبت بذلك أن (لن) لا تقتضي النفي المؤبد.

    قال الشيخ ابن مالك في الألفية:

    ومن رأى النفي بلن مؤبداً فقوله اردد وسواه فاعضدا

    أي: الذي يقول: إن النفي بـ(لن) يفيد التأبيد فقوله مردود، وسواه فتمسك به، أي: أنها تفيد النفي في المستقبل فقط وليس على سبيل التأكيد.

    استدلال المعتزلة بقوله: (لا تدركه الأبصار...)

    وأما الآية الثانية التي يتمسك بها نفاة الرؤية لله عز وجل فهي قوله تعالى: لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ [الأنعام:103]، فقد يقول لك قائل: أنت تعتقد أن الله تعالى يرى بالأبصار يوم القيامة؟ فتقول له: نعم، وفي الجنة.

    فيرد عليك قائلاً: والآية التي تقول: لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ [الأنعام:103]، فهل ستقول: أنا رجعت عن كلامي ورأيي! لأدنى شبهة تلقى عليك، ولذلك فدروس العقيدة هي من أهم ما يمكن أن يحرص عليه المرء، وهذه شبهة يقول بها المعتزلة والجهمية والخوارج، وهي في الحقيقة حجة لأهل السنة في إثبات الرؤية مع أن ظاهرها يدل على نفي الرؤية، لكن أهل السنة استنبطوا منها أنها تثبت الرؤية، وهو أن الله تعالى إنما ذكرها في سياق التمدح، ومعلوم أن المدح إنما يكون بالصفات الثبوتية لا العدمية أو السلبية، فالله تبارك وتعالى يمدح نفسه دائماً بصفة المدح، ولا يمكن أن يكون هناك مدح إلا من جهة الثبوت لا من جهة السلب، وقوله تعالى: لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ [البقرة:255]، فالسنة والنوم صفات نقص لا يمكن أن يمدح الله تبارك وتعالى نفسه بها، لكن فهمنا منها المدح بإثبات النقيض والضد، فمدح الله عز وجل نفسه بإثبات كمال الحياة والقيومية.

    إذاً فهو لم يتمدح بصفات النقص، وإنما مدح نفسه بما ينقض ويناقض ويناهز هذه الصفات، وهي إثبات الحياة والقيومية لله عز وجل، وهما صفتان معارضتان للسنة والنوم، ولذا نقول: إن الصفات العدمية أو السلبية لا مدح فيها، وإنما المدح في الصفات الوجودية الإيجابية، فيمدح الرب تعالى بالنفي إذا تضمن أمر وجودياً، فأنت إذا نفيت عنه السنة والنوم فلا بد أن تثبت له الصفة المناقضة، وهي الحياة والقيومية.

    إذاً فربنا تبارك وتعالى يمدح نفسه بشيء موجود، كمدحه نفسه بنفي السنة والنوم المتضمن لكمال القومية، ونفي الموت المتضمن كمال الحياة، ونفي اللغوب والإعياء -التعب والمشقة- لإثبات كمال القدرة، ونفي الشريك والصاحبة والولد والظهير المتضمن لكمال ربوبيته وإلهيته وقهره، ونفي الأكل والشرب المتضمن كمال صمديته وغناه، ونفي الشفاعة عنده إلا بإذنه المتضمن لكمال توحده وغناه عن خلقه، ونفي الظلم المتضمن لكمال العدل والعلم والغنى، ونفي النسيان وعزوب شيء عن علمه -أي: غيابه- المتضمن كمال علمه وإحاطته، ونفي المثل المتضمن لكمال ذاته وصفاته.

    وربنا سبحانه وتعالى لم ينف عن نفسه شيئاً ليس له أمر ثبوتي وجودي في المقابل، فإن المعدوم يشارك الموصوف في ذلك العدم، ولا يوصف الكامل بأمر يشترك هو والمعدوم فيه.

    فالمعنى إذاً: أنه يرى ولا يدرك ولا يحاط به، فأهل السنة يقولون: إن قوله تعالى: (لا تدركه الأبصار) ليس نفياً للرؤية، وإنما هو نفي للإدراك والإحاطة، فأنت نفسك ممكن ترى مخلوقاً فضلاً عن الله عز وجل، لكنك لا تحيط به ولا تدركه، ولذلك لما قال قوم موسى لما فروا من فرعون وتبعهم فرعون وجنوده: إِنَّا لَمُدْرَكُونَ [الشعراء:61]، قال موسى: قَالَ كَلَّا [الشعراء:62]، فنفي موسى الإدراك، مع أن موسى وقومه كانوا يرون فرعون وجنوده، وموسى عليه السلام لما قالوا له: إِنَّا لَمُدْرَكُونَ [الشعراء:61] لم يقل: لم يرونا أو لن يرونا، وإنما قال: (كلا)، فالجواب هذا متعلق بكلام قوم موسى في الإدراك، أي: لن يدركنا فرعون، وقول موسى ونفيه الإدراك لا ينفي أن فرعون وقومه كانوا ينظرون ويرون موسى ومن معه، إذاً فنفي الإدراك لا يستلزم نفي الرؤية، وهذا في حق المخلوق.

    ولو أنك رأيت جبريل على صورته التي خلقه الله عز وجل عليها له (600) جناح، كل جناح يسد الأفق، فكيف ستحيط بجبريل وهو مخلوق؟! إنك لن تستطيع أن تحيط به، مع أنه مخلوق من مخلوقات الله.

    وأيضاً: لو أنك وقفت أمامي وجهاً لوجه، ونظرت إليك ونظرت إلي، فهل سيحيط كل منا بصاحبه؟ لا؛ لأني إذا رأيت وجهك خفي علي ظهرك، وإذا رأيت ظهرك خفي علي وجهك، إذاً أنا أراك ولكني لا أدركك، فإذا كان هذا في المخلوق الإنسان الضعيف فكيف بالله عز وجل؟!

    إذاً فقوله (لا تدركه الأبصار) ليس نفياً للرؤية بقدر ما هو نفي للإدراك والإحاطة؛ ولذلك يقول الله عز وجل وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا [طه:110] أي: لا يمكن أبداً أن تقع منك الإحاطة بالله عز وجل؛ لأنه منزه عن ذلك؛ لإثبات كمال وحدانيته.

    فقوله: لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ [الأنعام:103] يدل على كمال عظمته، وأنه أكبر من كل شيء، فإذا كنت لا تدرك أنت الشيء الصغير المخلوق فالله تبارك وتعالى من باب أولى، وأنه لكمال عظمته لا يدرك بحيث يحاط به، فإن الإدراك هو الإحاطة بالشيء، وهو قدر زائد على الرؤية، إذ الإدراك أعم من الرؤية، والرؤية أخف، كما قال تعالى: فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ * قَالَ كَلَّا [الشعراء:61-62]، فلم ينف موسى عليه السلام الرؤية، وإنما نفى الإدراك، فالرؤية والإدراك كل منهما يوجد مع الآخر وبدونه، فالرب تعالى يرى ولا يدرك، كما يعلم ولا يحاط به علماً.

    والله تبارك وتعالى موجود، وعندك علم يقيني بذلك، ولا يلزمك من هذا أن تعلم الله تبارك وتعالى من كل وجه وزاوية، فتحيط به علماً، وهو الذي فهمه الصحابة والأئمة من الآية كما ذكرت أقوالهم في تفسير الآية، بل هذه الشمس المخلوقة في رابعة النهار، وفي كبد السماء، تستطيع أن تنظر إليها، لكن عينك الضعيفة تعجز عن مواصلة النظر في الشمس وأنت في كل الأحوال لا يمكن أن تحيط بالشمس؛ لأن حرارتها الشديدة لا تمكنك من الإحاطة بها، بل من دوام النظر إليها، فالله تبارك وتعالى من باب أولى.

    1.   

    ما روي عن النبي والصحابة والتابعين في رؤية المؤمنين لربهم

    رواية أبي هريرة وأبي سعيد الخدري عن النبي عليه الصلاة والسلام

    وأما الأحاديث عن النبي عليه الصلاة والسلام فقد بلغت حد التواتر، ورواها أصحاب الصحاح والمسانيد والسنن، منها [حديث أبي هريرة رضي الله عنه: (أن ناساً قالوا: يا رسول الله! هل نرى ربنا يوم القيامة؟)]، وتأمل الدليل عندما يكون صحيحاً وصريحاً فإنه يطمئن، ويبطل النزاع، ومع ذلك فهذه الأدلة لم تنفع المعتزلة والجهمية، فإنهم لما كانوا أصحاب هوى وانحراف أضلهم الله عز وجل؛ لأنهم استحبوا العمى على الهدى، فأعماهم الله عز وجل في الدنيا والآخرة.

    [قال: (إن ناساً قالوا: يا رسول الله! هل نرى ربنا يوم القيامة؟)]، وهذا سؤال واضح؛ لأنهم يعرفون أنهم لن يروه في الدنيا، والصحابة كانوا مجمعين على أن رؤية الله مستحيلة في الدنيا.

    وعند ذلك سألوا عن شيء آخر وجديد، (هل نرى ربنا يوم القيامة؟)، والمقصود بيوم القيامة: يوم المحشر، وقوله تعالى: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ [القيامة:22-23] المراد بقوله سبحانه: (يومئذ) أي: يوم المحشر، فإن أهل الإيمان هم الذين ينظرون إلى الله عز وجل، لكن هل ينظر إليه الكفار والمنافقون في المحشر؟ هذه الجزئية والفرعية سنتكلم عنها بإذن الله.

    فقوله: (قالوا: يا رسول الله! هل نرى ربنا يوم القيامة؟)، وكان بإمكانه أن يقول: نعم، لكنه أراد أن يضرب لنا مثلاً ليكون أبلغ في إيصال هذا العلم، [فقال: (هل تضارون في رؤية القمر ليلة البدر؟)]، أي: عندما يكتمل القمر لا يكون بينكم وبينه ضير ولا ضيم، ولا يحجبكم عن رؤيته شيء.

    قال: [(قالوا: لا يا رسول الله! قال: هل تضارون في الشمس ليس دونها سحاب؟)]، أي: عندما تطلع الشمس وتكون صحواً، هل تعلمون علماً يقيناً حين النظر إليها أن هذه الشمس هي التي خلقها الله أم لا؟

    [قال: (فإنكم ترونه كذلك)] أي: لا يمنعكم ضيم ولا شك ولا ريب من رؤية الله عز وجل كما ترون الشمس والقمر.

    وهنا شبهة عظيمة جداً وقعت فيها المعتزلة والجهمية، فقالوا: إن هذا النص يفيد التشبيه، أي: تشبيه المولى تبارك وتعالى بخلقه، إذ أنكم لو أثبتم هذا للزمكم أن تقولوا بالتشبيه بين الله تبارك وتعالى وبين خلقه من الشمس والقمر.

    والجواب عن هذه الشبهة: أنه قد ورد في نفس الحديث أنه عليه الصلاة والسلام قال: (فإنكم ترونه كذلك)، فالضمير يعود إلى الله عز وجل، أي: كما ترون الشمس والقمر، إذاً ليس هنا تشبيه.

    والمقصود من الحديث تشبيه الرؤية بالرؤية، لا تشبيه المرئي بالمرئي، فالنبي عليه الصلاة والسلام شبه رؤيتك في الوضوح لله عز وجل برؤيتك للشمس والقمر في الوضوح، بحيث لا يمنعك شيء؛ لأن الذي يمنعك عن الله عز وجل هو الحجاب، فإذا كشف الله تبارك وتعالى الحجاب هل يمنعك من رؤية الله عز وجل شيء؟ لا.

    فالشمس إذا كان بينك وبينها سحاب تحجب، وإذا رفع هذا الحجاب، ولم يكن هناك سحاب فإنك ترى الشمس صحواً، وإذا نظرت إلى القمر ليلة البدر في تمامه ليس هناك غيم ولا ضوء عليك؛ فإنك ستراه على صورته الحقيقية.

    لذا فالنبي عليه الصلاة والسلام قال: (فإنكم ترون ربكم كما ترون الشمس)، فشبه الرؤية بالرؤية من جهة الوضوح، ولم يشبه المرئي -وهو الله عز وجل- بالمرئي -وهو الشمس والقمر-.

    وحديث أبي سعيد الخدري بنفس سياق حديث أبي هريرة .

    رواية جرير بن عبد الله البجلي

    [عن جرير بن عبد الله البجلي قال: (كنا جلوساً مع النبي صلى الله عليه وسلم فنظر إلى القمر ليلة البدر فقال: إنكم سترون ربكم عياناً)]، أي: سترون ربكم بأعين رءوسكم، لكن لماذا موسى لم يره؟ لأن الله عز وجل سيركب فينا يوم القيامة بصراً شديداً حديداً نتمكن به من رؤيته، وأما الآن في الدنيا فلا؛ لأن نظرنا لا يحتمل.

    [قال: (كما ترون هذا -وأشار إلى القمر- لا تضامون في رؤيته)].

    رواية أبي موسى الأشعري

    وحديث صهيب الذي ذكرناه، [وحديث أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (جنتان من فضة آنيتهما وما فيهما، وجنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما، وما بين أن ينظروا إلى ربهم تبارك وتعالى إلا رداء الكبرياء)]، أي: أن الحجاب الذي بيننا وبين رؤية الله عز وجل هو رداء الكبرياء على وجهه سبحانه وتعالى في جنة عدن، فإذا كشف هذا الرداء رأيت الله سبحانه وتعالى.

    رواية عدي بن حاتم رضي الله عنه

    [وعن عدي بن حاتم رضي الله عنه قال: (وليلقين الله أحدكم يوم يلقاه)]، واللقاء ثابت، فإذا كنت تلقى الله عز وجل لقاءً -واللقاء يقتضي المعاينة- فمعنى ذلك أنك ستراه بعينك، [قال: (ليس بينه وبينه حجاب ولا ترجمان، فليقولن: ألم أبعث إليك رسولاً فيبلغك؟ فيقول: بلى يا رب!) -ولو أنكر فإنه سيختم على فيه فتتكلم جوارحه- قال: (فيقول: بلى يا رب! فيقول: ألم أعطك مالاً، وأتفضل عليك؟ فيقول: بلى يا رب!)].

    والشاهد في الحديث: أن اللقاء يوم القيامة سيكون وجهاً لوجه بين الخالق والمخلوق، وهذا يقتضي النظر إليه سبحانه وتعالى بالعين، وقد روى أحاديث الرؤية نحو من ثلاثين صحابياً، فهي قد بلغت حد التواتر، ومن أراد الوقوف عليها فليواظب على سماع الأحاديث النبوية، فإن فيها مع إثبات الرؤية أنه يكلم من شاء إذا شاء، وأنه يأت الخلق يوم القيامة لفصل القضاء، وأنه فوق العالم، وأنه يناديهم بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب، وأنه يتجلى لعباده، وأنه يضحك إليهم، إلى غير ذلك من الصفات التي سماعها على الجهمية والمعتزلة بمنزلة الصواعق، بل أكره شيء على كل الفرق الضالة أن تسمعهم آيات وأحاديث الصفات؛ لأنهم مؤولون ومخالفون لها.

    قال: [وكيف يعلم وصول دين الإسلام من غير كتاب الله وسنة رسوله؟]، وهذا كلام جميل وقوي، ومعناه: من أين ستتعلم هذه الأصول من قول فلان وعلان؟! كما يقول ابن القيم :

    العلم قال الله وقال رسوله قال الصحابة ليس بالتمويه

    ما العلم نصبك للخلاف سفاهة بين الرسول وبين قول سفيه

    يعني: إذا ثبت الكلام في كتاب الله أو في سنة النبي صلى الله عليه وسلم فليس لفقيه قول، وإذا تكلم الناس بخلاف ما في الكتاب والسنة فأقوالهم مردودة ومطروحة؛ ولذلك يقول هنا: وكيف نتعلم أصول ديننا الإسلامي من غير كتاب الله وسنة رسوله؟ وكيف يفسر كتاب الله بغير ما فسر به رسوله وأصحاب رسوله الذي نزل القرآن بلغتهم؟ والورع كل الورع ألا يتكلم امرؤ في دين الله عز وجل إلا بعلم، ولذلك يقول أبو بكر الصديق رضي الله عنه عندما سئل عن معنى (الأب) في قوله تعالى: وَفَاكِهَةً وَأَبًّا [عبس:31]: أي سماء تظلني، وأي أرض تقلني إن قلت في دين الله تعالى ما ليس لي به علم. أي: اسألوا واحداً آخر غيري عن معنى الأب، فأنا لا أعرف معناها.

    فتأمل كلام الصديق رضي الله عنه، والظن به أن يعلم ذلك، لكن لما كان المراد مرعى الإبل والماشية ربما يكون أهل البدو أعرف بهذا التأويل من أبي بكر الحضري، فقال: اسألوا عنه غيري، فأنا لا أستطيع أن أتكلم في دين الله عز وجل برأيي؛ لأني أخشى ألا تظلني السماء، ولا تقلني الأرض إن قلت في دين الله ما ليس لي به علم.

    قال: [وليس تشبيه رؤية الله تعالى برؤية الشمس والقمر، تشبيهاً لله، بل هو تشبيه الرؤية بالرؤية لا تشبيه المرئي بالمرئي].

    ويقول: وفي هذا الحديث دليل آخر على علو الله على خلقه؛ لأنه قال لهم: (هل ترون القمر؟ هل ترون الشمس؟)، إذاً فأنتم سترون ربكم في جهة العلو؛ لأنه ضرب لك مثلاً بشيئين موجودين في السماء، فإذا كنت ترى الشمس أو القمر في العلو فلا بد وأن ترفع وجهك إلى السماء حتى ترى الله عز وجل.

    قال: [ فيه دليل على علو الله على خلقه، وإلا فهل تعقل رؤية بلا مقابلة؟ ]، وأما الأشعرية فقالوا بأن الرؤية ستتم، لكن بشرطين:

    الأول: رؤية بلا مقابلة! وهذا كلام غير منطقي ولا يعقل.

    الثاني: رؤية الفؤاد وليست رؤية العين.

    ومنهم من قال: يرى لا في جهة، ولفظ (جهة) من الألفاظ المحدثة التي لم تكن معلومة في حياة السلف، ومنهج السلف أن الله سيُرى، لكن قولهم: ليس في جهة، مصطلح محدث، وأي مصطلح محدث وجديد لا يقول به السلف، وإنما يتوقفون عنده، ومن قال به ناقشوه: ماذا تريد بهذا اللفظ؟ لأن الكلام في الاعتقاد من أخطر ما يمكن، فكلمة فيه تأخذك إلى جهنم، وكلمة تدخلك الجنة.

    فمن قال: إن الله يرى لا في جهة، سنقول له: هل لفظ (الجهة) قاله النبي عليه الصلاة والسلام؟ فسيقول: لا، فنقول: قاله أبو بكر ؟ فسيقول: لا، فنقول: قاله عمر، أو عثمان، أو الصحابة والتابعون؟ فسيقول: لا، فنقول: إذن لماذا قلته؟ فسيقول: إنما قصدت به معنى عندي، فنقول له: ما هو هذا المعنى؟

    قال: أنا أردت أن الله تعالى ليس محدود بحد؛ لأن وجوده في ناحية أو في جهة يدل على أنه محدود، أو على أنه جسم من الأجسام، فنقول له: أليس عندك في ذلك شيء قط من اعتقاد السلف؟ فإن قال: ما أردت بكلمة (الجهة) إلا العلو والفوقية لله عز وجل، فنقول له: نعم، لكن الأولى أن تلتزم في هذا الباب وفي هذه المسألة بما ورد من مصطلحات في الشرع.

    فعندما تقول: إن الله تعالى في السماء، فسنقول لك: ليس هناك أي خلاف معك، وكونه في السماء لا يدل على أنه محدود بجهة، فقولك: إن الله في السماء خير من قولك: في جهة.

    وإن سئلوا: أين الله؟ قالوا: في كل مكان، ويقصدون: نفي العلو والفوقية؛ لأنه معنا في الأرض بزعمهم وقولهم، وفي هذه الحالة أنا أقول لهم: أنتم كذابون، فالله تبارك وتعالى يرى في السماء، واللقاء يتم بينه وبين خلقه، هو من الأعلى ونحن في الأسفل.

    ولله المثل الأعلى، فأنت ترى الطير تسبح في الهواء وتسير فيه، مع أنها في العلو وأنت في السفل، فكيف تستبعد أن اللقاء يتم بينك وبين الله عز وجل وهو في السماء وأنت في الأرض؟!

    ومن قال: يرى لا في جهة فليراجع عقله، فإما أن يكون مكابراً بعقله، أو في عقله شيء، ومن قال: يرى لا أمام الرائي ولا خلفه ولا عن يمينه ولا عن يساره ولا فوقه ولا تحته، رد عليه كل من سمعه بفطرته السليمة فقال: كيف ذلك؟!

    ولهذا ألزم المعتزلة من نفى العلو بالذات بنفي الرؤية، وقالوا: كيف تعقل رؤية بغير جهة؟! إذاً فهذه الجهة التي يقول بها المتكلمون هي عند أهل السنة والجماعة إثبات العلو والفوقية لله عز وجل.

    1.   

    أقوال أهل العلم في رؤية الكفار والمنافقين لله عز وجل في المحشر

    والرؤية حق لأهل الجنة، وهي تخصيص لأهل الجنة، فإن تخصيص أهل الجنة بالذكر يفهم منه نفي الرؤية عن غيرهم، ولا شك في رؤية أهل الجنة لربهم في الجنة، وكذلك يرونه في المحشر قبل دخولهم الجنة؛ لأن رؤية الله تبارك وتعالى تتم مرتين: مرة في المحشر أمام جميع الخلائق، وليس فقط للمؤمنين، فيكشف الحجاب سبحانه ويراه أهل الموقف في المحشر، بل ويكلمهم ويحاسبهم ويزن أعمالهم، ثم إما إلى الجنة وإما إلى النار، فهل يثبت من هذا رؤية أهل الكفر والنفاق لله عز وجل في المحشر؟

    إن الجنة لا يدخلها إلا نفس مؤمنة مسلمة، ورؤية المؤمنين لربهم عز وجل في الجنة ثابتة لا يزاحمهم فيها غيرهم؛ لأنه ليس هناك غير المؤمنين في الجنة، لكن القضية هنا محصورة في المحشر، فهل يرى الكافرون ربهم؟ وهل يخاطب الله تبارك وتعالى الكافرين والعصاة والمنافقين أم لا؟

    قال: [(ولا شك في رؤية أهل الجنة لربهم في الجنة، وكذلك يرونه في المحشر قبل دخولهم الجنة، كما ثبت ذلك في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم، ويدل عليه قوله تعالى: تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ [الأحزاب:44])]، أي: يوم يلقونه في المحشر.

    قال: (واختلف في رؤية أهل المحشر على ثلاثة أقوال:

    القول الأول: لا يراه في المحشر إلا المؤمنون.

    والقول الثاني: يراه أهل الموقف -يعني: جميع من يقف في الحساب والعرض يراه- المؤمن والكافر والمنافق، ثم يحتجب عن الكفار ولا يرونه بعد ذلك)، يعني: يرون الله عز وجل في وقت الحساب والعرض، ثم يحتجب عنهم بعد ذلك كما احتجب عنهم قبل ذلك.

    (القول الثالث: يراه مع المؤمنين المنافقون دون بقية الكفار)، وكذلك الخلاف في تكليمه لأهل الموقف.

    والحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى رجح الرأي الأول، أي: أن المؤمنين فقط هم الذي يرون ربهم يوم القيامة في المحشر، كما يخصون برؤية المولى عز وجل في الجنة، واتفقت الأمة على أنه لا يراه أحد في الدنيا بعيني رأسه.

    وأما قوله: (بغير إحاطة ولا كيفية) أي: لا تدركه الأبصار، فلا تحيط به علماً ولا كيفية؛ لأن الله تعالى لا يكيف من قبل خلقه، بل ولا يعلم كيفيته إلا هو سبحانه وتعالى، وكما خفيت علينا كيفية الذات فلا بد وأن تخفى علينا كيفية الصفات، ومن صفاته الفعلية: الرؤية، والكلام مع خلقه من غير ترجمان، والإذن لخلقه بالنظر إليه ورؤيته.

    فهذه من صفات أفعاله سبحانه وتعالى، وإن كانت الرؤية من فعل العبد، إلا أن الله تبارك وتعالى مكن منها عباده المؤمنين.

    وأما تفسير قول النبي عليه الصلاة والسلام: (ما منكم) أي: ما منكم يا معشر الأمة، قال: (من أحد إلا سيكلمه ربه)، ولما تكون هناك مسألة تحتاج إلى أدلة، وهذا الدليل يفهم منه عدة أوجه؛ فإن الترجيح فيها يكون بناءً على شيء ينقدح في نفس العالم، ويأتي عالم آخر فينقدح في ذهنه وعقله ترجيح مذهب آخر، وبناءً عليه يصعب جداً أن تقطع فيه بقول فصل وتقول: وما عدا هذا القول باطل، لكن تقول: هذا أرجح من ذاك؛ لأنه عندما تقرأ الأقوال وتطلع عليها وأنت طالب علم فكيف ترجح القول هذا؟! ولو سألناك عن الدليل، فهل يكفي أنه شيء انقدح في نفس الجاهل؟ لا.

    وأختم بأبيات جميلة في إثبات الرؤية للإمام ابن القيم عليه رحمة الله تعالى:

    فبينا هم في عيشهم وسرورهم وأرزاقهم تجري عليهم وتقسمُ

    تجلى لهم رب السموات جهرة فيضحك فوق العرش ثم يكلم

    سلام عليكم يسمعون جميعهم بآذانهم تسليمه إذ يسلم

    يقول: سلوني ما اشتهيتم فكل ما تريدون عندي أنني أنا أرحم

    فقالوا جميعاً نحن نسألك الرضا فأنت الذي تولي الجميل وترحم

    ولله أفراح المحبين عندما يخاطبهم من فوقهم ويسلم

    ولله أبصار ترى الله جهرة فلا الضيم يغشاها ولا هي تسأم

    فيا نظرة أهدت إلى الوجه نضرة أمن بعدها يسلو المحب المتيم

    فحي على جنات عدن فإنها منازلك الأولى وفيها المخيم

    ولله واديها الذي هو موعد المزيد لوفد الحب لو كنت منهم

    وحي على يوم المزيد الذي به زيارة رب العرش واليوم موسم

    ولكننا سبي العدو فهل ترى نعود إلى أوطاننا ونسلم

    وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه وسلم تسليماً كثيراً.

    1.   

    الأسئلة

    حكم التوفير في البنك الربوي

    السؤال: دفتر التوفير في البنك يحدد آخر كل سنة مقدار الأرباح، وتختلف من سنة لأخرى، فهل يكون هذا ربا؟

    الجواب: يا أخي! لا تذهب إلى البنك؛ لأن المسألة فيها لبس، والذي فهمته وأنا بعيد عن البنك، ألا يستطيع أن يفهمه المتخصصون في البنك، لو أعطاك كل سنة (10%) فستبقى النسبة معروفة ومحددة سلفاً، لكن لو أعطاك هذه السنة نسبة والسنة الآتية نسبة تختلف عنها، والسنة التي بعدها تختلف على الاثنتين، فهم ضابطون لحساباتهم جيداً، وحاسبون الربح جيداً، لكن على أية حال نقول: إذا أردت أن تضع أموالك فضعها في بنك فيصل، أو في المصرف الإسلامي الدولي.

    حكم تفضيل الأنبياء على بعضهم

    السؤال: يقول البعض: إنه لا يجوز تفضيل نبي على نبي؛ كأن نقول: إن سيدنا محمد أفضل من سيدنا إبراهيم قولاً باللسان، وإن كان ذلك من المعلوم في النصوص، فهل هذا صحيح؟

    الجواب: سؤال وجيه صراحة، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: (لا تقولوا: أنا خير من يونس بن متى) مع أنه هو القائل عليه الصلاة والسلام: (أنا سيد ولد آدم ولا فخر)، فالله أعطى نبيه السيادة والسؤدد والعلو والرفعة على ولد آدم ومنهم الأنبياء، ومعلوم قطعاً عند كل مسلم أن أفضل الخلق على الإطلاق منذ أن خلق الله الخلق إلى يوم القيامة هو محمد صلى الله عليه وسلم، فكيف يجمع بين ذلك؟ والجواب: أن معنى ذلك: أنه لا تفضيل بين نبي ونبي في الإيمان بنبوته، بل أنت ملزم بأن تؤمن بجميع الأنبياء كما آمنت بمحمد عليه الصلاة والسلام.

    أما اعتقادك أنه خير الخلق، وأفضل الأنبياء؛ فهذا اعتقاد واجب ولازم؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام أشار إليه بقوله: (أنا سيد ولد آدم).

    وقوله هنا عليه الصلاة والسلام: (لا تقولوا: أنا خير من يونس بن متى) أي: لا تفضلوني عليه من جهة اعتقادكم أنه نبي وأنا نبي.

    حكم إعطاء الوالد لبعض أولاده شيئاً دون الآخرين

    السؤال: كتب رجل لاثنين من أولاده الذكور قطعة أرض اشتراها؛ بحجة أنهما بذلوا مجهوداً شاقاً في شراء الأرض، مع العلم بأنه ذو خمس بنات، فما حكم ذلك؟

    الجواب: لا يجوز ذلك، وقد أتى بشير إلى النبي عليه الصلاة والسلام ليشهد على أن ينحل أحد أولاده نحلة، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: (أنحلت كل ولدك مثلما نحلت هذا؟ -أي: هل أعطيت كل واحد من أولادك مثل ما أعطيت هذا؟- قال: لا، قال: اذهب إلى غيري فأشهدهم على ذلك، فإني لا أشهد على زور)، وهذا من باب التغليظ والتوبيخ على سوء فعله، لا من باب أنه أجاز له ذلك الفعل، فيذهب يستشهد واحداً آخر.

    ودائماً تبقى حقوق البنات مهضومة وكأنها سنة متفق عليها، وقد كنت في قضية في مدينة السلام منذ أيام، حيث قابلت رجلاً يملك أرضاً شاسعة جداً، وهو مليونير، وأولاده من الذكور والإناث كلهم ملتزمون، وقد أراد أن يقسم الميراث قبل موته، وبالفعل قسمه على أولاده الذكور، وأعطى لكل بنت ما تقوم به الحياة من أموال.

    فولد من أولاده سألني عن حكم ذلك التقسيم؟ فقلت له: إنه غير جائز، ثم ذهبت أتكلم مع هذا الرجل فقال لي: يا شيخ! كلمة واحدة، ما فيه شيء اسمه بنت تأخذ أرض، فقلت له: ما فيه حاجة اسمها تقسيم الميراث في حياتك، اسمه ميراث؛ لأنه يوزع بعد موتك، والتوزيع هذا باطل، وأولاده كلهم جالسون، فقلت لهم: كل واحد تستهويه نفسه أن يأخذ عقد البيع والشراء الذي كتبه له أبوه هذا، ووالله العظيم إنه حطب جهنم وبئس المصير، فإذا أردتم أن تأخذوا هذه الأوراق فخذوها، فقالوا: كلهم: لا نريدها، فقال لهم أبوهم: سأحرمكم وأتزوج أخرى، وأكتب لها كل الأرض.

    لذا دائماً في كل أسرة وبعد كل وفاة تطرح قضية الظلم في توزيع الميراث، وخاصة في الفلاحين، فحدث ولا حرج، فالبنت ليس لها عندهم أي شيء مطلقاً، فيقول لك: خسارة أن يرجع الميراث لزوج ابنتي! مع أن هذا شرع ربنا، ثم هل ربنا لما فرضه كان ينسى أن هذا سيئول إلى زوجها؟ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنسَى [طه:52] فالله تبارك وتعالى كما قال: وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا [مريم:64]، فلما شرع الشرع هذا ختمه بقوله: تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوهَا [البقرة:229] أي: أي إنسان يتعدى ما حدده له الميراث فهو معتدي.

    وهذا العدوان لا ينفعه في قبره، ولو أراد أن يقسم الميراث قبل الموت فجائز، بل أحياناً المصلحة تستدعي ذلك.

    فلو أن رجلاً عنده ولد طيب وموحد ومتسامح، ولا يريد المشاكل، وعنده ولد هو شيطان، فلو أنه ترك الأرض والبيت والسيارات للأولاد يقسموها بينهم بشرع الله، فإن هذا الولد لن يمكنهم من شرع ربنا، ولا حتى من شريعة نابليون، بل سيأخذ المال كله، والذي لا يريد يضرب رأسه في الرصيف، ففي هذه الحالة توزيع الميراث ربما يكون جائزاً مشروعاً؛ رفعاً للضرر، لكن لا بد أن يتم بشرع الله تبارك وتعالى، ويبقى الرجل صاحب حق في البيع والشراء؛ لأن هذا ماله، ولا بأس أن يكتب أوراقاً تضمن له الحق؛ لأننا نسمع بالليل والنهار أن الرجل ربما يريد أن أولاده لا يختلفون من بعده، فيكتب لهم كل شيء له، فأول ما كتب استلم كل واحد منهم الورقة في يده وطردوه من البيت، وصار شريداً يتكفف الناس حتى يأكل ويشرب، وهذا حاصل، فهذا الشعب المجرم انتشر الظلم فيه من كل وجه، حتى مع الآباء والأمهات.

    حكم المذي عند المرأة

    السؤال: ما حكم المذي عند المرأة إذا كانت كثيرة المذي؟

    الجواب: إذا خرج من الفرج وأصاب الثياب ببلل؛ وجب عليها أن تغسل الموضع، وأن تتوضأ.

    الرؤية يوم المحشر

    السؤال: جاء في حديث النبي عليه الصلاة والسلام بعد قراءته الآية: لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ [يونس:26] قال: (لما دخل أهل الجنة الجنة والنار النار) إلى آخر الحديث، قال: ففي الحديث أن أهل الجنة يقولون: (ألم تبيض وجوهنا؟ ألم تدخلنا الجنة).

    إذاً فالرؤية زيادة لم تحدث من قبل، وهذه الزيادة هي النظر إلى وجه الله؛ ولذلك جاءت بعد دخولهم الجنة، وكانت أفضل النعيم، فكيف الرؤية يوم المحشر؟

    الجواب: لقوله تبارك وتعالى: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ [القيامة:22-23]، وفي قوله عليه الصلاة والسلام: (ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه ليس بينه وبينه ترجمان)، و(ما منكم من أحد إلا يلقى ربه فيحاسبه) وهذا في المحشر؛ لأن الجنة ليس فيها حساب، واللقاء لا يكون إلا برؤية.

    كيفية دفن النبي عليه الصلاة والسلام

    السؤال: هل دفن النبي عليه الصلاة والسلام في شق أو في لحد؟

    الجواب: دفن في لحد، وهو القائل: (اللحد لنا، والشق لغيرنا) ، فكيف يخالف الأمة في قبره عليه الصلاة والسلام؟!

    موقف الإمام عند الصلاة على الجنازة

    السؤال: أين يقف الإمام عند الصلاة على الجنازة؟

    الجواب: يقف من المرأة عند وسطها، ويقف من الرجل عند رأسه.

    حكم من يسب الله أو دينه

    السؤال: ما حكم الدين في معاملة الوالد الذي يسب دين الله، بل يسب الله تعالى، كما أنه كثير الكذب، وأنا لا آكل معه، ولا ألقي عليه السلام، كما أن نفسي لا تستريح إلى معاملته ومخالطته؟

    الجواب: إن الذي يسب الله عز وجل كافر كفراً مخرجاً من الملة، ولا خلاف بين أهل العلم في ذلك، ولا يوجد أحد يجهل أن سب الله كفر، إذ إن ذلك مما فطر عليه الخلق، فلا يحتاج إلى علم؛ لأن العلم به قرن بالقلوب منذ أن خلق الله تعالى الخلق، وإذا ثبت كفره على هذا النحو فإنه يأخذ حكم الكافر في كل شيء.