إسلام ويب

شرح أصول اعتقاد أهل السنة - صفة النفس لله عز وجلللشيخ : حسن أبو الأشبال الزهيري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • من سمات أهل السنة والجماعة أنهم يثبتون لله تعالى ما أثبته لنفسه، وما أثبته له رسوله من الأسماء والصفات، وينفون عنه ما نفاه عن نفسه، وما نفاه عنه رسوله، ومن تلك الصفات التي أثبتوها صفة النفس لله تعالى، وقد اختلف السلف والأئمة من أهل السنة في كونها صفة للذات الإلهية، أم أنها دلالة على الذات الإلهية، وكذلك اختلفوا في النَفَس فبعضهم جعله صفة، وبعضهم حمله على التنفيس، ولكل قول منها ما يعضده من الأدلة.

    1.   

    أدلة إثبات صفة النفس لله تعالى

    إن الحمد لله تعالى، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. وبعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. وبعد:

    فإن العقيدة هي أهم شيء في حياة المسلم، وأهم شيء في العقيدة هو أن تعتقد في ذات الإله تبارك وتعالى ما يجب له وما يستحيل عليه، وما يستحيل عليه هو ما لا يجوز نسبته إلى الله عز وجل، وهي جميع صفات النقص. وما يجب إثباته لله عز وجل هو جميع صفات الكمال التي أثبتها لنفسه سبحانه وتعالى، وأثبتها له رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم، ومما أثبته الله تبارك وتعالى لنفسه وأثبته له رسوله الكريم: (صفة النفس).

    والسؤال: هل لله نفس؟

    الجواب: نعم. لله نفس؛ لأن هذه الصفة ثبتت في الكتاب وثبتت في السنة الصحيحة، فإذا ثبتت في الكتاب فلابد وأن نسلم؛ لأن الله تعالى أعلم بنفسه من غيره، وإذا جاءت على لسان رسوله، فلابد وأن نقر بأن النبي عليه الصلاة والسلام هو أعلم الخلق بربه، وأن نسلم له حتى وإن لم يكن ما قاله يتناسب مع عقولنا؛ لأن الله تبارك وتعالى فوق حد العقول، ولا يمكن لعقل أن يحيط بالله عز وجل؛ لا بأسمائه ولا صفاته ولا ذاته.

    فإذا كان عقلك يستجيز أن ذات الله تبارك وتعالى لا يمكن الإحاطة بها، فلم تقول: إنه لا يعقل أن يكون لله نفس أو يد أو عين أو ساق؟ لم تستبعد هذا وتستقرب ذاك والجميع واحد، والكلام في صفة النفس كالكلام في بقية الصفات؟

    صفة النفس جاء ذكرها في كتاب الله عز وجل، قال تعالى: وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ [آل عمران:28]. وقال تعالى: كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ [الأنعام:54]. وقال تعالى: وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي [طه:41]. فهذه ثلاث آيات في كتاب الله عز وجل -ويوجد غيرها- تثبت أن الله تبارك وتعالى نفساً.

    والنفس بإسكان الفاء؛ لأن لله تبارك وتعالى نفس بتحريك الفاء، وقال النبي عليه الصلاة والسلام في ثنائه على الله عز وجل: (لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك). فأثبت الحديث أن لله تعالى نفساً.

    وقال النبي عليه الصلاة والسلام في حديث أبي هريرة وهو قطعة من حديث طويل قدسي: (قال الله عز وجل: وإذا ذكرني -أي: عبدي- في نفسه ذكرته في نفسي).

    وبهذه الأدلة يجب علينا أن نثبت أن لله تعالى نفساً.

    وبعض أهل العلم ادعى المشاكلة في الآية الكريمة: تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ [المائدة:116] فقالوا: سبب المشاكلة أن الله تبارك وتعالى عبر بما هو في معقول العباد، وما هو في مفهومهم حتى يقرب إليهم المعنى، وليست النفس هنا حقيقة، ولكن الله عبر بشيء يعلمه المخاطب، وهذا باب المشاكلة أو المقابلة. يعني: ذكر النفس في مقابل النفس، ولكن النفس في البشر حقيقة، كما قال عيسى: تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي [المائدة:116]، ونفس البشر معلومة، والله تبارك وتعالى منزه عن النفس. لماذا تنزهون الله تبارك وتعالى عما أثبته هو لنفسه، وما أثبته له رسوله؟ أأنتم أعلم أم الله؟ أأنتم أعلم أم النبي عليه الصلاة والسلام؟

    هذه دعوى غير واردة بل باطلة؛ لأن النصوص الأخرى كلها وردت دون مقابلة أو مشاكلة.

    أيضاً: ذكرت النفس في هذه الآية: تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ [المائدة:116]. هو من كلام عيسى عليه السلام، والله تبارك وتعالى إنما تكلم بهذا الكلام على لسان عيسى؛ فأين المشاكلة وأين المقابلة؟

    أيضاً: أن الله تبارك وتعالى يعلم السر وأخفى، فإذا كلمه عبد من عباده أو نبي من أنبيائه أو رسول من رسله فإنه يعلم ذلك حتى قبل أن يتكلم، فلا مشاكلة هنا ولا داعي للمقابلة.

    كذلك لو سلمنا جدلاً بأن الله تبارك وتعالى ساق هذا على سبيل المشاكلة والمقابلة -وهي دعوى عريضة لا دليل عليها- فهل ذكر النفس في الأدلة الأخرى والأحاديث الصحيحة الثابتة أيضاً جاء على سبيل المشاكلة والمقابلة؟ الجواب: لا. لأنه تعالى قال: وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي [طه:41]. أين المشاكلة هنا وأين المقابلة؟ والمقابلة: هي ذكر النص في مقابل نص، فقوله تعالى: وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي لم تذكر فيه إلا نفس واحدة وهي نفس الله تبارك وتعالى، فلابد من إثبات النفس لله عز وجل، وليس هناك ما يدعو إلى التأويل أو التحريف؛ إذ شأن النفس كشأن الصفات الخبرية الذاتية الكثيرة التي تعرضنا لمعظمها وسنتعرض لباقيها إن شاء الله تعالى.

    1.   

    خلاف أهل السنة في النفس هل هي الذات أم صفة للذات

    أهل السنة والجماعة يثبتون النفس لله تعالى، ولكن بعض أهل السنة قالوا: النفس هي الذات، ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية ، وإن كان هذا يعد تأويلاً، إما أن تثبت أن الله تبارك وتعالى ذات له نفس، وإما أن تثبت أن النفس هي بذاتها ذات المولى تبارك وتعالى، فيكون الله تبارك وتعالى ذات بلا نفس، أو نفس الله عز وجل هي ذاته المتصفة بالصفات ومنها صفة النفس. يعني: أمامك تأويلات ثلاثة: إما أن الله تعالى ذات بلا نفس. وهذا كلام باطل، وهو كلام المتأولة.

    وإما أن الله تعالى له نفس زائدة على الذات. بمعنى أنها صفة لازمة للذات، فيكون المولى تبارك وتعالى ذاته متصفة بالصفات، وهذا لا بأس به، بل هو أرجح الأقوال في القضية. والذي رجحه شيخ الإسلام ابن تيمية : أن النفس هي ذات الإله تبارك وتعالى. وهنا إشكال: ماذا يقصد ابن تيمية بهذا الترجيح؟ هل يقصد أن النفس هي ذات الإله الذي لم يتصف بأن له نفس، أو أنها ذات الإله المتصف بالصفات ولها النفس؟ الظن أن ابن تيمية عليه رحمة الله مال إلى تفسير النفس بأنها الذات المتصفة بالصفات ومنها صفة النفس، وهذا من باب إحسان الظن بكبير وشيخ أهل السنة في زمانه.

    أما أهل السنة فإنهم يثبتون صفة النفس لله تعالى، ونفسه هي ذاته عز وجل، وهي ثابتة بالكتاب والسنة، فقال: وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ [آل عمران:28]، تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ [المائدة:116]، كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ [الأنعام:54].

    والدليل من السنة: (يا عبادي! إني حرمت الظلم على نفسي). وحديث عائشة رضي الله عنها: (وأعوذ بك منك لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك). وحديث أبي هريرة : (فإذا ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي).

    قال شيخ الإسلام ابن تيمية عن نفس الله: (ونفسه هي ذاته المقدسة). والذي يترجح لدي أنه تأويل.

    وقال أيضاً في الفتاوى: (ويراد بنفس الشيء ذاته وعينه). يعني: تقول: نفس محمد. لو أنك قلت: أنا كلمت محمد، أقول لك: هل كلمته نفسه؟ تقول: نعم. كلمته نفسه. يعني: تقصد ذاته. ففي لغة العرب النفس والذات بمعنى واحد، وهذا الذي حدا بكثير من أهل العلم من السلف أن يقولوا: إن نفس الله تعالى هي ذاته، كما يقال: رأيت زيداً نفسه وعينه، وقد قال الله تعالى: تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ ، وقال: كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ . وقال: وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ . وفي الحديث أنه قال لأم المؤمنين: (لقد قلت بعدك أربع كلمات لو وزن بما قلتيه لوزنتهن: سبحان الله عدد خلقه، سبحان الله زنة عرشه، سبحان الله رضا نفسه، سبحان الله مداد كلماته). وفي الحديث القدسي: (وإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي). فهذه المواضع المراد بها عند جمهور العلماء: الله نفسه. يعني: يفسرون النفس بأنها ذات الإله، ولكني كنت قد نبهت على قاعدة عند سلفنا رضي الله تعالى عنهم: (أنهم يثبتون الصفة ولازمها)، ولكن كلماتهم أحياناً تطلق على الصفة ويراد بها الصفة واللازم، وأحياناً يطلقون اللازم ويريدون إيجاد الصفة قبل اللازم، فأظن أن شيخ الإسلام ابن تيمية إنما عنى بأن النفس هي الذات -أي: المتصفة بالصفات- ومنها صفة النفس.

    قال: (فهذه المواضع المراد فيها بلفظ النفس عند جمهور العلماء: اللَّهُ نَفْسَهُ التي هي ذاته المتصفة بصفاته).

    جمهور العلماء يطلقون النفس على الذات، ويقولون: النفس والذات بمعنى واحد، ولكنها النفس التي هي ذاته المتصفة بصفاته، وليس المراد بها ذاتاً منفكة عن الصفات. يعني: ذات الله تبارك وتعالى متصفة بصفات لازمة لهذه الذات لا تنفك عنه، وهي المراد بها صفة للذات. وهذا الكلام هو الذي أتحرج منه أشد التحرج.

    قال: (ولا المراد بها صفة للذات، بل هي صفة للذات، وطائفة من الناس يجعلونها من باب الصفات، هذه الطائفة هي التي على الحق المبين؛ أن النفس صفة لله تبارك وتعالى، كما يظن طائفة أنها الذات المجردة)، لا. أي: أن ذات الله تبارك وتعالى غير متصفة بأي صفة، مجردة عن الصفات وكلا القولين خطأ، بل أقول: إن أحد هذين القولين صواب والثاني خطأ.

    قال الإمام البخاري في كتاب التوحيد من صحيحه: باب: قول الله تعالى: وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ . وقوله جل ذكره: تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ .

    وقال القاسمي في التفسير: وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ أي: ذاته المقدسة. يذهب في هذا المذهب إلى ما ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية .

    1.   

    نقض مذهب المبتدعة في الصفات وبيان مذهب السلف في الإثبات والنفي

    أيضاً: من السلف من يعد النفس صفة لله عز وجل. وهذا هو الذي يترجح لدي، ومنهم الإمام ابن خزيمة في كتاب التوحيد حيث قال في أوله: (فأول ما نبدأ به من ذكر صفات خالقنا جل وعلا في كتابنا هذا: ذكر نفسه). يعني: أول صفة ذكرها إمام الأئمة في كتاب التوحيد هي صفة النفس لله عز وجل. ثم قال: (جل ربنا عن أن تكون نفسه كنفس خلقه، وعز أن يكون عدماً لا نفس له). يريد أن يقول: نثبت له الصفات بغير تمثيل، وننزهه بغير تعطيل، وهذا هو منهج السلف: إثبات بلا تمثيل، وتنزيه بلا تعطيل. كيف ذلك؟

    أنا أعلم من نفسي أن لي نفساً، وأعلم أن هذه النفس قد اختلف فيها أهل العلم، فمنهم من قال: هي الروح. ومنهم من قال: هي الدم. ومنهم من قال: هي النفس الذي يتنفسه المرء. وغير ذلك مما يقع في أودية الحد والتعريف لنفس الإنسان. أنا أثبت لنفسي النفس؛ لأن الله تبارك وتعالى جبلني وخلقني عليها، وأثبت لله عز وجل النفس، ولكنها نفس تختلف عن نفسي. لماذا؟ لأن ذات الله تختلف عن ذاتي، ولما كانت النفس من صفات الله عز وجل، والذات غيب عني، وأنا لا أعلم كنه الذات ولا كيفية الذات، فلابد وأنني سأسكت عن الخوض في الصفات؛ لأن الذات إذا كانت علية جليلة سامية فلابد وأن الصفات تابعة لها، ومنها صفة النفس، فإن الله تعالى له نفس، ولابد وأنها تختلف عن نفسي. كيف هي؟ الله أعلم بنفسه. ولا نعطل المولى تبارك وتعالى عن صفاته، فنقول: لا نفس له. لأن هذا نفي لما أثبته الله تعالى في كتابه، وما أثبته له رسوله في سنته.

    فلو قلت: إن لله نفساً كنفسي، جعلت الله تبارك وتعالى كخلقه. وهذا حرام. وإذا قلت: إنه ليس هناك نفس لله، سلبت الذات العلية الإلهية صفاتها التي أثبتها الله تبارك وتعالى لنفسه، وهو أعلم بنفسه، ورسوله أعلم به.

    فحيث أردت إثبات ما أثبته الله لنفسه احذر من الوقوع في أن أقول: إن له نفساً كنفسي. لأن هذا تمثيل وهو حرام. وإذا أردت أن أنزه الله عز وجل فلا أنزهه على مذهب المعطلة النفاة الذين ذهبوا بزعمهم إلى تنزيه الإله، فقالوا: ذات بلا صفات. لماذا؟ قالوا: لأن إثبات هذه الصفات يستلزم المشابهة. ففروا من التمثيل والمشابهة فوقعوا في التعطيل، وكلاهما شر.

    أما مذهب أهل السنة والجماعة في أسماء الله وصفاته فوسط بين الممثلة وبين المعطلة، فقد أثبتوا لله تعالى ما أثبته لنفسه، ولم يخوضوا في معرفة كيفيته، بل أثبتوه على الوجه الذي يليق بعظمة الله تبارك وتعالى وجلاله وكماله. وهم يقولون: له نفس، ولكن نحن لا نعلم كيفيتها؛ لأن الذات غيب عنا، ولا نعلم كيفية الذات، وإذا كنا لا نعلم كيفية الذات، فلن نعلم كيفية الصفات.

    ولكن انظر مرة ثانية إلى كلام ابن خزيمة عليه رحمة الله حيث يقول: (فأول ما نبدأ به من ذكر صفات خالقنا جل وعلا في كتابنا هذا: ذكر نفسه، جل ربنا عن أن تكون نفسه كنفس خلقه -رد للتشبيه والتمثيل- وعز ربنا أن يكون عدماً لا نفس له). وهذا رد على المعطلة النفاة.

    واعلم أن هناك بعض الحانقين الحاسدين في زمن ابن خزيمة سموا كتاب التوحيد لـابن خزيمة: كتاب الشرك، مع أنه ينضح توحيداً على مذهب السلف.

    ابن خزيمة عليه رحمة الله ذكر الذهبي في ترجمته أنه كان ممن يخضب. وهذا ربما يقال بأنه لا يحتاج إلى ذكر، والواقع غير هذا؛ لأن في ترجمة أي راوٍ من الرواة عندما يذكر مثل ذلك الذي يُرى أنه لا قيمة له، كان لذكره سبب، وقيمته كامنة في اتباع ذلك الراوي لهدي النبي عليه الصلاة والسلام ومنابذته في هذا الهدي لليهود والنصارى وغيرهم، ولذلك ابن خزيمة لما تكلم بهذا الكلام، لابد وأنه يرد به على بقية الفرق الضالة عن سواء السبيل، واختلفوا في دينهم، حتى اختلفوا في ذات الإله تبارك وتعالى.

    وللشيخ الإمام ابن الجوزي عليه رحمة الله كتاب اسمه: (كيد الشيطان لنفسه قبل خلق آدم عليه السلام وذكر الفرق الضالة)، يذكر فيه كيف طرأ الفساد على هذه الأمة المباركة، ويذكر تسلسلاً لا تكاد تشبع منه حتى تقرأ الكتاب مرات ومرات، يشنع فيه على اليهود تارة وعلى المجوس تارة وعلى النصارى أخرى، ثم يشنع أيما تشنيع على الفرق الضالة الذين انتسبوا للإسلام واختلفوا فيه.

    ومما قاله: (ونهى النبي عليه الصلاة والسلام عن التشبه باليهود والنصارى، فإن النصارى اختلفوا في ربهم وفي إلههم، فلو سألتهم عن ربهم لكان للرجل رأي، وللمرأة رأي، وللأولاد آراء، وللخادم عندهم رأي حتى أنك تطرح عليهم المسألة وهم عشرة فتخرج منهم بإحدى عشر رأياً).

    اختلاف عظيم جداً في ربهم، ولكن الدليل على أن أهل السنة والجماعة هم أعلم الناس بالله عز وجل، وأنهم أهل الإيمان الحقيقي: أنهم لم يختلفوا في ربهم، لا في ذاته ولا أسمائه ولا صفاته ولا أفعاله، كلامهم واحد. ولو أخذت هذا الكلام لـابن خزيمة عليه رحمة الله وعرضته على كلام أحمد لوجدته يتطابق تمام المطابقة معه، ومع كلام السلف كلهم، وكأنه نسخة واحدة إما لفظاً وإما معنى، المهم أن كلامهم واحد وعقيدتهم واحدة، ولكن الأشاعرة لهم قول في الصفات، والمعتزلة لهم قول آخر في الصفات، والجهمية لهم قول ثالث، والقدرية رابع! مما يدل على أن الجميع ليسوا على الحق، والحق واحد، ولو أنهم على الحق لما اختلفوا، فالحق واحد لا يتعدد، فلما تعدد عند قوم قلنا ببطلان هذا الكلام، وبقي ما كان عليه النبي عليه الصلاة والسلام وأصحابه الكرام، ومن سار على نهجهم.

    و عبد الغني المقدسي عليه رحمة الله ذلك العالم الشامي قال: (ومما نطق به القرآن، وصح به النقل من الصفات لله عز وجل: النفس). ثم سرد الآيات والأحاديث التي تدل على إثبات النفس لله عز وجل وقد ذكرناها.

    وكذلك الإمام البغوي عليه رحمة الله.

    ومن المتأخرين صديق حسن خان رحمه الله في كتابه (قطف الثمر)، قال: ومما نطق به القرآن وصح به النقل من الصفات: صفة النفس؛ فإننا نثبتها لله تبارك وتعالى. ولكن جاء في تفسير قوله تعالى: وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ [آل عمران:28]. قال: أي: ذاته المقدسة. وربما قصد بالذات هنا المتصفة بالصفات.

    1.   

    تأويلات النفس

    الشيخ مرعي الكرمي له كتاب: (أقاويل الثقات) وقد أصل لنفسه أصولاً وقعد قواعد ينبغي أن يخالف فيها، من هذه القواعد: أنه عد آيات صفات لله عز وجل من المتشابهات، وليس الأمر كذلك، والمحكم والمتشابه في صفات الله تبارك وتعالى له محاضرة خاصة.

    قال: (ومن المتشابه: النفس). وليس الأمر كما يقول. بل هي من المحكمات، كما في قوله تعالى: كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ [الأنعام:54]، وقوله: وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي [طه:41]، وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ [آل عمران:28]، وقوله عز وجل: (فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي).

    قال أهل التأويل كما ذكر ذلك البيهقي -وهو أشعري المعتقد- النفس في كلام العرب على وجوه. يعني: عند إطلاق كلمة النفس في كلام العرب لها معاني. قال: نفس متفرقة مجسمة مروحة -لها روح- ومنها مجسمة غير مروحة، تعالى الله عن هذين. وهو يريد أن ينزه الله تبارك وتعالى عن هاتين النفسين.

    قال: ونفس بمعنى إثبات الذات. يعني: نفس بمعنى الذات، وعليه فيقال في الله سبحانه: إنه نفس. يعني: فسر النفس بالذات، لا أن له نفساً منفوسة أو جسماً مروحاً، وقد قيل في قوله تعالى: تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ [المائدة:116]. أي: تعلم ما أخفيه في نفسي ولا أعلم ما تخفيه من معلوماتك، ففسر النفس بالعلم، وهذا تأويل آخر: أن النفس تفسر بالعلم. وهذا كلام بعيد جداً؛ لأن العلم من لوازم النفس وليس هو النفس نفسها. وقوله: (فِي نَفْسِكَ) للمشاكلة. وقد قلنا: إن هذا الكلام مردود؛ لأن قوله تعالى: (تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ) إن كان ورد على سبيل المشاكلة -أي: مقابلة النفس بالنفس- فإن النفس قد ذكرت في غير ما آية وحديث بغير مقابلة ولا مشاكلة.

    قال: والمشاكلة وإن ساغت هنا لا تكون في غيره. ومثله: (فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي). أي: حيث لا يعلم به أحد ولا يسأله عليه.

    وقال الزجاج في قوله تعالى: وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ [آل عمران:28]، أي: ويحذركم الله إياه. أي ذاته، ففسر النفس بالذات.

    وقال السهيلي : النفس عبارة عن حقيقة الوجود دون معنى زائد.

    وهذا كلام في غاية الخطورة؛ لأنه سيثبت الذات المجردة عن الصفات -يعني يريد أن يقول: النفس هذه ليست صفة زائدة ثابتة لله تعالى- وقد استعمل من لفظها النفاسة والشيء النفيس، فصلحت للتعبير عنه تعالى.

    وقال ابن اللبان : أولها العلماء بتأويلات، منها: أن النفس عبر بها عن الذات. قال: وهذا وإن كان سائغاً في اللغة لكن تعدي الفعل إليها بـ (في) المفيدة للظرفية محال في حق الله عز وجل. وهذا إبطال لذاك التأويل السابق.

    وقال القاضي أبو بكر بن العربي في قوله عليه الصلاة والسلام: (إني لأجد نفس ربكم من قبل اليمن). قال: أي تنفيسه الكرب. فعبر عن نفس الله عز وجل بالتنفيس وتفريج الكربات.

    وهذا بلا شك أمر بعيد جداً، وقد ظهر فيما مر أن النفس تطلق على الله مراداً بها الذات المتصفة بالصفات.

    ومنهم من قال: إن إطلاق صفة النفس على الله عز وجل يلزم من ذلك أن يكون الله تعالى شخص، ولا حرج في كون الله تبارك وتعالى شخص والأدلة قد وردت بإثبات أن الله تعالى شخص كما في حديث: (لا شخص أغير من الله). فلما علموا ذلك نكصوا على أعقابهم يؤولون الشخص مرة أخرى، يعني: هم ظنوا أولاً أن أهل السنة لا يوافقونهم على هذا الطرح بأن إثبات صفة النفس لله عز وجل يستلزم أنه شخص، فظنوا أن أهل السنة والجماعة يفزعون من هذه التسمية ويرفضونها، ففوجئوا بأن أهل السنة يقولون: وما المانع أن يوصف الله تعالى بأنه شخص وقد جاءت الأدلة بإثبات ذلك ومنها قوله عليه الصلاة والسلام فيما رواه البخاري ومسلم : (لا شخص أغير من الله)، (لا شخص أحب إليه العذر من الله، ومن أجل ذلك بعث المرسلين مبشرين ومنذرين). (لا شخص أحب إليه المدحة من الله، ومن أجل ذلك وعد الله الجنة). وهذا دليل يثبت أن الله تعالى شخص.

    والإشكال أنك تتوهم في ذهنك شيء عن الله، ثم تنزل الله تبارك وتعالى منزلة ما تعرفه من نفسك، وهذا حرام ولا يجوز.

    لما تكلمنا عن اليد استبشع بعض السامعين أن لله يد، مع أن الله قد أثبتها لنفسه، ولما تكلمنا عن العينين استبشع بعض السامعين أن لله عينين. ما البشاعة في ذلك؟ البشاعة عندك أنت، لما وضعت في تصورك ومخيلتك أنك تثبت لله تبارك وتعالى صفة كصفتك وتظن عند سماعها بأن الله تعالى متصف بما خلقك أنت عليه، وهذا هو الذي لا يجوز، ولا ينبغي أن يخطر ببالك.

    قال أبو سليمان الخطابي رحمه الله: إطلاق الشخص في صفة الله غير جائز؛ لأن الشخص لا يكون إلا جسماً مؤلفاً -أي: جسماً مركباً، أو ذاتاً مركبة- وخليق ألا تكون هذه اللفظة صحيحة. يعني: يريد التشكيك في إثبات هذه اللفظة في الحديث وأن تكون تصحيفاً من الراوي. قال: وليس كل الرواة يراعون لفظ الحديث حتى لا يتعدوه، بل كثير منهم يحدث على المعنى، وليس كلهم بفقيه، فقول بعض السلف في كلام له: نعم المرء ربنا لو أطعناه ما عصانا. فهذه الكلمة لم يقصد بها المعنى الذي لا يليق بصفات الله، فإن لفظ المرء للذكر الآدمي، ولكنه أرسل الكلام على بديهة الطبع من غير تأمل للمعنى، فلفظ الشخص إنما جرى من الراوي على هذا السبيل إن لم يكن غلطاً من قبل التصحيف.

    والخطابي الوحيد الذي قال هذا الكلام، ولكن علماء الأمة المتخصصين في الرواية متناً وسنداً أثبتوا هذه اللفظة، فما المانع أن تقول: إن الله تعالى شخص لا كالأشخاص، كما أنك تقول: إن الله تعالى ذات لا كالذوات؟ ما الفرق بين أن تقول: إن الله ذات، وإن الله شخص؟

    قال البيهقي : ولو ثبتت هذه اللفظة لم يكن فيها ما يوجب أن يكون الله شخصاً، فإنه إنما قصد إثبات صفة الغيرة لله والمبالغة فيه، وإن أحداً من الأشخاص لا يبلغ ذلك. وهذا تأويل أيضاً، فهو يريد أن يقول: بدل كلمة شخص أحد. إذاً: لا أحد أغير من الله، وأن الله تعالى واحد أحد، فيريد أن ينزع كلمة شخص ويضع مكانها كلمة أحد، فيكون السياق: لا أحد أغير من الله، لكن هذا اجتهاد، والاجتهاد في مقابلة النص غير معتبر.

    وقال القرطبي بعد أن ذكر عن الخطابي كلامه من أن هذا اللفظ لم يصح ويؤدي إلى عدم الثقة، القرطبي أشعري كبير، لكن يجري الله تبارك وتعالى على لسانه الحق، قال: ولو أننا سلمنا للخطابي الذي يقول أن هذه اللفظة، أو -أن الراوي ذكرها بالمعنى ولم يعبأ بها- لأدى بنا إلى عدم الثقة في النقلة. فكل لفظة نستغربها، نقول: لا. وما المانع أن يكون الراوي أخطأ فيها وذكرها بالمعنى.

    قال: وهذا ليس بشيء -أي: كلام الخطابي لا قيمة له- بل النقل صحيح. يعني: اللفظة صحيحة ويدخله التأويل. يعني: أثبت اللفظة، ثم بعد أن أثبتها أولها؛ لأنه لا يوجد مناص من إثباتها؛ لأنها صحيحة، وانفراد الخطابي بهذا الكلام وأنه غير معتبر. قال: ولكن النقل صحيح ويدخله التأويل. قال: قيل: معناه: لا شخص. أي: لا مترفع من الشخوص وهو الارتفاع والعلو؛ لأن الشخص ما شخص وارتفع. لأن الله تبارك وتعالى علا وارتفع، وهذا الكلام يرد به على ذات التأويل الذي تقدم به القرطبي عليه رحمة الله، ولكن على أية حال نحن أخذنا منه هذا المعنى العظيم الذي رد به على الإمام الخطابي في عدم إثباته للحديث.

    والإمام النووي عليه رحمة الله وقع في نفس تأويل كلمة النفس، فقال: في قوله سبحانه في الحديث القدسي: (إن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي). قال: النفس تعني الذات تارة، وتعني الغيب تارة أخرى. قال: تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي [المائدة:116]. أي: تعلم ما يغيب عني، وأنا لا أعلم ما الذي تعلمه أنت.

    قال المازري -وهو ممن اعتمده النووي في نقل مسائل الاعتقاد-: النفس تطلق في اللغة على معان منها: الدم، ومنها نفس الحيوان، وهما مستحيلان في حق الله تعالى، ومنها الذات، وهو التأويل الثالث، والله تعالى له ذات حقيقة، وهو المراد بقوله تعالى: (في نفسي). يعني: ذهب كما يذهب شيخ الإسلام ابن تيمية إلى تأويل النفس بالذات.

    قال: ومنها الغيب، وهو أحد الأقوال في قوله تعالى: تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي [المائدة:116]. أي: تعلم ما في غيبي، فيجوز أن يكون أيضاً مراد الحديث: إذا ذكرني خالياً أصابه الله عز وجل وجزاه عما عمل بما لا يطلع عليه أحد.

    1.   

    ذكر من أثبت من العلماء أن النفس صفة للذات الإلهية

    السلف أهل الحق يثبتون النفس لله سبحانه، ويسكتون عما وراءه من الخوض في حقيقتها أو كيفيتها، مادام الله تبارك وتعالى أثبت النفس لنفسه فما المانع أن أثبتها وأكف عن الخوض في الكيفية كما كففت عن بقية الصفات؟

    وينزهون الله عن مشابهة نفسه بأنفس المخلوقين، كما لا يقتضي عندهم أن يكون سبحانه مركباً في نفس وبدن تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً! وقد وردت الآيات والأحاديث الدالة على إثبات هذه الصفة لله تعالى، كما قال الحافظ عبد الغني المقدسي وقد تقدم ذكر ذلك.

    وروى أبو هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله: (لما خلق الله الخلق كتب في كتاب فكتبه على نفسه: إن رحمتي سبقت غضبي). فما جوزه النووي رحمه الله من التأويل مردود مخالف لمنهج السلف، أما ما ذكره أولاً من أن المراد بالنفس الذات فله وجه في العربية، فإن النفس تأتي في كلامهم بمعنى الذات كما فصله شيخ الإسلام ابن تيمية ، وعليه حمل النصوص التي فيها إثبات هذه الصفة لله عز وجل. بينما ذكر غيره هذه النصوص مثبتاً بها أن النفس صفة لله تعالى يظهر ذلك من صنيع ابن خزيمة فإنه قال: باب: (ذكر البيان من خبر النبي صلى الله عليه وسلم في إثبات النفس لله). ثم حشد النصوص في ذلك، ثم قال: (فالله جل وعلا أثبت في آي من كتابه أن له نفساً، وكذلك قد بين على لسان نبيه أن له نفساً، وكفرت الجهمية بهذه الآي وهذه السنة، وزعم بعض جهلتهم: أن الله تعالى إنما أضاف النفس إليه على معنى إضافة الخلق إليه، وزعم أن نفسه غيره -أي: زائدة- كما خلق غيره، وهذا لا يتوهمه ذو لب وعلم فضلاً عن أن يتكلم به).

    وقد كتب الله الرحمة أفيتوهم مسلم أن الله كتب على غيره الرحمة؟ يعني: إذا كان الله تبارك وتعالى يقول: وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ [آل عمران:28]، فإذا كانت النفس بمعنى الغير وبمعنى الخلق، فيكون المعنى: ويحذركم الله غيره، فهل يستقيم المعنى هكذا؟ الجواب: لا.

    قال: (وحذر الله العباد نفسه، أفيحل لمسلم أن يقول: إن الله حذر العباد غيره؟

    أو يتأول قوله لكليمه موسى: وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي [طه:41] إذا كان المقصود بالنفس الغير أو الخلق فهل يقال: واصطنعتك لغيري من المخلوقين؟ الجواب: لا. ولا يستقيم هذا المعنى.

    أو يقول: أراد الروح لله بقوله: وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ [المائدة:116]. أي: ولا أعلم ما في غيرك. هذا ما لا يتوهمه مسلم ولا يقوله إلا كل معطل كافر.. انتهى كلامه.

    وإلى أنها صفة للذات ذهب أبو عبد الله محمد بن خفيف في كتابه (اعتقاد التوحيد)، فقد نقل عنه ابن تيمية عقيدته، ومما فيها: إثبات النفس لله تعالى، فقال بعد أن أورد النصوص من الكتاب والسنة في إثبات النفس: فقد صرح بظاهر قوله أنه أثبت لنفسه نفساً، وأثبت له الرسول ذلك، فعلى من صدق الله ورسوله اعتقاد ما أخبر به عن نفسه، ويكون ذلك مبنياً على ظاهر قوله: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى:11]. يعني: نفس ليست كأنفس المخلوقين.

    ثم قال: فعلى المؤمنين خاصتهم وعامتهم قبول كل ما ورد عنه عليه الصلاة والسلام بنقل العدل عن العدل حتى يتصل به إلى النبي صلى الله عليه وسلم.

    وقال صديق حسن خان: ومما نطق به القرآن وصح به النقل من الصفات: النفس. وسرد الآيات والأحاديث الواردة في ذلك، وهذا هو الصواب الموافق لمنهج السلف.

    وخلاصة الأمر: أننا لابد وأن نثبت لله تبارك وتعالى نفساً كما أثبتها سبحانه وتعالى لنفسه، وأثبتها له رسوله الكريم، وأن هذه النفس هي صفة لله تبارك وتعالى. ويحتمل -وهو بعيد في الشرع لا في لغة العرب-: أن تكون النفس هي الذات، فإن كانت النفس هي الذات في المخلوقين، فإن الخالق لا يقاس على المخلوقين، فإن نفسه صفة لازمة لذاته، وهي صفة ذاتية خبرية قد وردت في الأخبار والآثار.

    1.   

    إثبات صفة النَفَس لله تعالى

    صفة النَفَس لله عز وجل جاء فيها حديث سلمة بن نفيل السكوني رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال وهو مول ظهره إلى اليمن: (إن لأجد نَفَس الرحمن من هنا). ولم يقل: نَفْس الرحمن. رواه الطبراني والبزار والبخاري في التاريخ الكبير والبيهقي في الأسماء والصفات، وأسانيده صحيحة.

    وحديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعاً: (ألا إن الإيمان يمان، والحكمة يمانية، وأجد نفس ربكم من قبل اليمن). وشيخنا الألباني حفظه الله حكم على هذا اللفظة: (نفس الرحمن) بالشذوذ والنكارة، وهو الوحيد الذي تفرد بتضعيف هذه الزيادة. ولا أتصور أن معه الحق في ذلك حفظه الله، فهو مجتهد عظيم، ولكنه خالف العلماء سلفاً وخلفاً في تضعيف هذه اللفظة، وللحديث شواهد على فرض ضعف هذه الرواية التي تكلم عنها شيخنا، وهي حديث أبي هريرة في المسند، حتى وإن أثبت أنها ضعيفة، فإنما يشهد لها حديث سلمة بن نفيل السكوني ، وكذلك حديث أبي بن كعب رضي الله عنه موقوفاً عليه: (لا تسبوا الريح؛ فإنها من نفس الرحمن تبارك وتعالى). ورواه النسائي في عمل اليوم والليلة والحاكم في المستدرك، والبيهقي في الأسماء والصفات بإسناد صحيح، بل قال الحاكم : صحيح على شرط الشيخين. وقال الذهبي : بل صحيح على شرط البخاري فقط.

    وحديث أبي هريرة رضي الله عنه: (من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة).

    قال الأزهري في تهذيب اللغة بعد أن ذكر هذا الحديث: (أجد نفس ربكم من قبل اليمن). قال: أجد تنفيس ربكم عنكم. أي: تفريج ربكم، فأول النفس بالتنفيس وتفريج الكربات؛ لأن الله جل وعز نصرهم بهم، وأيدهم برجالهم. وكذلك قوله: (الريح من نفس الرحمن). أي: من تنفيس الله بها عن المكروبين، وتفريجه عن الملهوفين.. انتهى كلامه.

    وقال في القاموس المحيط: وفي قوله: (ولا تسبوا الريح فإنها من نفس الرحمن)، (وأجد نفس ربكم من قبل اليمن)، قال: هو اسم وضع موضع المصدر الحقيقي من نفس تنفيساً ونفساً. أي: فرج تفريجاً. وهو واقع في نفس التأويل أيضاً.

    قال أبو يعلى الفراء في إبطال التأويلات بعد أن ذكر حديث: (الريح من نفس الرحمن). قال: اعلم أنا شيخنا أبا عبد الله -وهو أحمد بن حنبل - ذكر هذا الحديث في كتابه -أي: في مسنده- وامتنع أن يكون على ظاهره في أن الريح صفة ترجع إلى الذات، والأمر على ما قاله.

    ويكون معناه: أن الريح مما يفرج الله عز وجل بها عن المكروب والمغموم، فيكون معنى النفس بمعنى التنفيس، وذلك معروف في قولهم: نفست عن فلان. أي: فرجت عنه، وكلمت زيداً في التنفيس عن غريمه. أي: في أن يفرج وأن يحط عن غريمه الدين. ويقال: نفس الله عن فلان كربه. أي: فرج عنه. وروي في الخبر: (من نفس عن مكروب كربة، نفس الله عنه كربة يوم القيامة). وفي الخبر: أن الله فرج عن نبيه بالريح يوم الأحزاب، فقال سبحانه وتعالى: فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا [الأحزاب:9]. وإنما وجب حمل هذا الخبر على هذا. أي: حمل خبر النَفَس على التنفيس، ولم يجز تأويل غيره من الأخبار.

    يريد أن يقول: إن الخبر هذا بالذات يجوز تأويله، لأنه قد روي في الخبر ما يدل على ذلك؛ وذلك أنه قال عن الريح: (فإذا رأيتموها فقولوا: اللهم إنا نسألك من خيرها وخير ما فيها وخير ما أرسلت به، ونعوذ بك من شرها وشر ما فيها وشر ما أرسلت به). فإذا كانت الريح من نفس الرحمن تبارك وتعالى، وليست من تنفيس الكربات فيكيف نستعيذ بالله تبارك وتعالى من شر الريح، ومن شر ما تحمل، ومن شر ما فيها وما أرسلت به؟! هذا لا يليق بالله عز وجل، وهذا يقتضي أن فيها شراً، وأنها مرسلة.

    قال: وهذه صفات المحدثات -أي: صفات المخلوقات- وفي النفس شيء من هذا الكلام.

    الله تبارك وتعالى قد ثبت في غير ما دليل أنه يضحك، يأتي، يسخط، يغضب، ينزل إلى السماء الدنيا. وعند إطلاق هذه الأوصاف على المخلوقين فإنها محدثة مخلوقة، ونحن نعلم أن الخير والشر من الله عز وجل، ولا يكون في الكون إلا ما أراد، والريح مخلوقة بدليل أنها تسكن تارة وتهيج تارات أخرى، فلما قلنا: بأن الريح من نفس الرحمن. أي: أن الله تبارك وتعالى له نفس من آثار هذه الصفة.. الله تبارك وتعالى يخلق الرياح التي تحمل الخير تارة، والتي تحمل الشر تارة أخرى. ما المانع أن نؤمن بأن لله تعالى نفساً، وأن الله تبارك وتعالى يجعل من هذه النفس الرياح التي تحمل الخير والشر، وإن كانت محدثة فإن إحداث الرياح وخلق الرياح لا يستلزم خلق النفس لله عز وجل.

    وقال شيخ الإسلام ابن تيمية شارحاً لحديث: (إني لأجد نفس الرحمن من قبل اليمن)، قوله: (من اليمن) يبين مقصود الحديث، فإنه ليس لليمن اختصاص بصفات الله تعالى حتى يظن ذلك. أي: فما علاقة اليمن بصفات الرحمن تبارك وتعالى؟ ولكن منها جاء الذين يحبهم ويحبونه، الذين قال فيهم: مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ [المائدة:54].

    والقوم الذين يحبهم الله ويحبون الله هم قبيلة الأشعريين الذين منهم أبو موسى الأشعري ، وقد روي أنه لما نزلت هذه الآية سئل عن هؤلاء -أي: الذين يحبون الله ويحبهم- فذكر أنهم قوم أبي موسى الأشعري ، وجاءت الأحاديث الصحيحة مثل قوله: (أتاكم أهل اليمن أرق قلوباً، وألين أفئدة، الإيمان يمان، والحكمة يمانية). وهؤلاء هم الذين قاتلوا أهل الردة، وفتحوا الأمصار، فبهم نفس الرحمن عن المؤمنين الكربات.

    فشيخ الإسلام ابن تيمية ، وتبعه شيخنا الشيخ ابن عثيمين في شرح العقيدة الواسطية حملوا نفس الرحمن على التنفيس وليس على النفس، ولم يثبتوها صفة لله تبارك وتعالى، وإنما تحرجوا من ذلك وإن كان معظم سلفنا الذين نعتمد عليهم ونثق في معتقداتهم وفي أخبارهم وفي تأويلاتهم مالوا إلى تأويل هذه الصفة إلا أننا لا نميل إليها، وهو اجتهاد لعله خاطئ، ولعله صائب، والأولى أن يثبتوا لله تبارك وتعالى ما أثبته لنفسه، وقد أثبت النبي عليه الصلاة والسلام النفس لله عز وجل، فلا نتعدى هذا الدليل إلى غيره، ونقول في هذه الصفة ما نقول في غيرها، ونؤمن بها كما جاءت ونمرها دون الخوض في تأويلها أو صرفها عن ظاهرها.

    أقول قولي هذا، وأستغفر الله تعالى لي ولكم، وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.

    1.   

    الأسئلة

    بيان ما يجب على المرأة من الصلوات إذا طهرت قبل أو بعد الغروب

    السؤال: نرجو بيان الصلاة التي تجب على المرأة بعد أن تطهر من الحيض؛ علماً بأن الصلاة في كتاب فتاوى المرأة -والفتوى للشيخ ابن باز -: إذا طهرت المرأة قبل غروب الشمس وجب عليها صلاة الظهر والعصر، وإذا طهرت قبل طلوع الفجر وجب عليها صلاة المغرب والعشاء؟

    الجواب: هذا هو الكلام الصحيح، وعليه جمهور أهل العلم.

    حكم الفرق التي تخالف أهل السنة

    السؤال: الفرق التي لا تتفق مع السلف، مثل الأشاعرة والمنهج الذي ينشأ عليه تلاميذ الأزهر -مثلاً- ما جزاء هؤلاء أمام الله؟ وهل الذي يسير على هذا المنهج يؤدي به ذلك للكفر بالله؟

    الجواب: ليس من الضروري أن نقول لك: إن هذا يؤدي إلى الكفر بالله من أجل ألا تمشي وراءه. وقوله عليه الصلاة والسلام: (كلهم في النار إلا واحدة) لا يلزم منه الخلود في النار، بل يلزم منه المكث الطويل للمفارقة بين المتبع والمبتدع. ولو قلنا: بأن الفرق الضالة التي خالفت في أسماء والله وصفاته في النار لا نحكم عليها بالخلود؛ لأنه لا يخلد فيها إلا كافر، لكن اعلم أننا عندما نقول: هذه فرق ضالة. هي بالفعل ضالة. لماذا؟ لأنها ضلت السبيل، وضلت عما كان عليه النبي عليه الصلاة والسلام وأصحابه الكرام، لكن هل ضلوا بعناد وجحود؟ لا يمكن، إلا إذا كان صاحب هوى وصاحب انحراف، مثل عبد الله بن سبأ الذي قال: إن علياً هو الله، أو مثل الشيعة الذين يتقربون إلى الله بسب أبي بكر وعمر وعثمان ، وتكفير الثلاثة، بل وتكفير معظم الصحابة إلا عدد قليل منهم. وقولهم: إن القرآن الذين بين أيدينا ليس هو كلام الله ولا كتاب الله، وأن كتاب الله عز وجل يبلغ ثلاثة أضعاف هذا الكتاب الذي بين أيدينا، وأنه موجود محفوظ مع المهدي المنتظر المزعوم. وأن النبي عليه الصلاة والسلام أوصى علياً بهذا الكتاب، وعلي أخفاه تقية، ثم أعطاه فاطمة ، وفاطمة أعطته لمن بعدها.. وغير ذلك كلام كله خبل.

    أنا أريد أن أقول لك: هناك تأويل سائغ وهناك تأويل غير سائغ وغير معتبر، ولذلك عندما تقرأ لأصحاب الفرق الضالة في كتاب ابن الجوزي المذكور آنفاً تجده يقول: ولقد بلغ أقوام من أهل الضلال مبلغاً جعلهم يقولون: إن الله تعالى شخص جميل، ومنهم من صرح بذلك فقال: إن الله تعالى إنسان لطيف، فأثبتوا له ما هو من صفات المخلوقين، من أن الله تبارك وتعالى يأكل ويشرب ويتغوط وينكح ويلد، وهذا بلا شك كفر صريح يصادم القرآن الكريم.

    إذا علمت هذا فلابد وأنك ستقدر موقف المعتزلة في مسألة خلق القرآن الكريم، المعتزلة قالوا: إن القرآن مخلوق وهو كلام الله. يعني: وافقوا أهل السنة بأن القرآن كلام الله، لكنهم قالوا: إنه مخلوق. وأهل السنة يقولون: هو كلام الله غير مخلوق. ومن قال: إنه مخلوق فقد كفر؛ لأن كل مخلوق حادث، وكل حادث لابد وأن يطرأ عليه الفناء.

    أما المعتزلة فقالوا: لا يلزم من ذلك القول بالذات، وقامت الدنيا ولم تقعد في زمن الدولة العباسية في الصدر الأول في القرن الثالث الهجري وعذبوا أحمد بن حنبل ومن معه لرده على المعتزلة.

    لو أني سألت نفسي سؤالاً: إن هذه القضية متعلقة بذات الإله، وليست لها علاقة بالدنيا ولا بالسلطان ولا بالمال ولا بالأبناء ولا بالزوجات، بل ولا حتى بالكرسي والعرش، حتى ندعي بأنهم عندما دخلت السياسية في هذه القضية كانوا يقصدون بذلك المحافظة على كراسيهم وعلى مناصبهم ودولتهم، فهي قضية عقدية بحتة عند المعتزلة، ولابد أن أحكم بأن المعتزلة كانوا يريدون بهذا المذهب وجه الله عز وجل، فإن المعتزلة حين أحدثوا هذا المذهب الباطل لم يعلموا بأنه الباطل الذي ليس بعده بطلان، وأنه أفسد الفساد، ولكنهم ذهبوا هذا المذهب وفي ظنهم واجتهادهم أن هذا دين الله عز وجل، ومن أجل ذلك قاموا على أهل السنة فضربوهم وآذوهم؛ لأنهم كانوا يعتقدون أن الكلام في الله عز وجل حادث، وأحمد بن حنبل لا يقول بأنه حادث، حتى قامت الحجة واستقر الأمر، ومَنَّ الله تبارك وتعالى على هذه الأمة بظهور أحمد بن حنبل ومن معه، لكن لابد أن أوضح بأن الدولة العباسية في ذلك الزمان كان يهمها أن ترعى دين الله عز وجل، لا ترعى دنياها ولو أفسدت الدنيا والدين كمن يفتي بحل الربا، بل أصبح الآن حلالاً بقانون وبقرار. أيعقل أنه لا يعرف أنه هذا ليس حلالاً؟ يعرف، لكن هذا كرسي وسلطان وأموال تدفع شهرياً فأصبح معلوماً لكل ذي عينين ولمن كان له لب أن هذه الفتوى فتوى مأجورة مفصلة، وليست فتوى دين أبداً.

    ومعظم الفتاوى التي على هذا النحو ليست ديناً، حتى الحراس والزراع في أراضيهم يعلمون هذا؛ لأنه يصدمهم فيما تربوا عليه ونشأوا وأنت أبوك الفلاح الذي يحسن كتابة اسمه يعلم أن التعامل مع البنوك ربا. لماذا؟ لظهور العلم وانتشاره. تأتي وتقول: أين العمل بهذه الفتوى؟ سأقول لك: إنك صاحب هوى، أنت كذاب، أنت متبع لهواك عندما تقول: أضعها في رقبة عالم وأخرج منها سالم.

    أما المعتزلة عندما أخطئوا فما كانوا يقصدون الخطأ، ولم يكن من وراء خطئهم مصلحة لهم في قيام دولتهم، وإنما هو الدين الذي حرصت الدولة في ذلك الوقت على بيانه وظهوره على الدين كله، ولكنهم في هذا الاجتهاد أخطئوا، ولما انتشرت هذه البدعة وماجت في الأرض شرقاً وغرباً كان لزاماً من وقفة قوية لأهل السنة التي قيض الله تبارك وتعالى لها أحمد بن حنبل .

    أنا أريد أن أقول: ليس من تحرى الحق فأخطأه كمن تعمد الباطل، فالأول مأجور أجراً واحداً، والثاني: مأزور كل الوزر، ولا يحل لأحد أن يتبعه.

    سئل أحد علماء الأزهر عن حكم أخذ المرتب والمكافأة عن العمل في البنك.

    فقال: المرتب أو الأجر الذي يتقاضاه الموظف عن عمله بالبنك لا يعتبر رباً ولا حراماً، مادام هذا العمل أتيح له. يعني: يريد أن يقول: إن الناس كلها تقبض الرواتب من البنوك، والعبرة هنا ليست بأخذ هذا الراتب من البنك، العبرة بأصل العمل الذي استحققت عليه هذا الراتب، فإذا كان العمل حلالاً فيستوي أن تأخذ الراتب من البنك أو من غيره، وإذا كان العمل حراماً فالراتب حرام، أخذته من البنك أو من غيره.

    والقاعدة الفقهية عند أهل العلم تقول: إذا انتقل الشيء عن محله انتفت صفته. أي: لا صفة له باقية، أخذ ذلك من أدلة كثيرة منها: حديث بريرة وهي مولاة لـعائشة رضي الله عنها والنبي عليه الصلاة والسلام وأهل بيته لا تحل لهم الصدقة، فالصدقة كانت تأتي لـبريرة والنبي عليه الصلاة والسلام يأخذ من هذه الصدقة لنفسه، فتقول: لماذا يأخذه والصدقة حرام عليه؟ يرد على ذلك بقوله عليه الصلاة والسلام: (هي لـبريرة صدقة ولنا هدية). يعني: قد وقعت في يد بريرة باعتبار أنها صدقة، وقد خرجت من يد بريرة باعتبارها هدية.

    فإذا انتقل الشيء عن محله انتفت صفته، والعبرة هنا بحل العمل أو حرمته، فإذا كان المرء يؤدي عملاً حلالاً فيستوي في ذلك أن يأخذ المال من البنك أو من غيره، وإذا كان حراماً فالراتب حرام سواء أخذه من البنك أو من غيره. والله تعالى أعلم.

    حكم هجران المداوم على المعاصي بعد نصحه

    السؤال: لي ابنة أخت عمرها تسع عشرة سنة لا تصلي ومداومة على التبرج والمشاهدة للتلفزيون وسماع الأغاني واقتناء المجلات الخليعة، ولي أم كلما أنكرت هذا غضبت علي ودعت علي وصارت مشكلة، علماً بأن ابنة أختي تعيش معنا، وأن الآن لا أخاطبها إطلاقاً ولا أكلمها منذ شهور، وأعتني بنصح أمي وأختي؟

    الجواب: الصحيح أن تداومي على نصيحتها وأن تصلوا لله عز وجل في الثلث الأخير من الليل وتدعو لها بالصلاح والفلاح والرشد وغير ذلك، ولا تملي من نصحها بالليل والنهار، فإما أن تقبل وإما أن تخرج من البيت.

    حكم التوسل بالأولياء والصالحين

    السؤال: أثر عمر بن الخطاب في الاستسقاء: كنا نستسقي بنبينا صلى الله عليه وسلم واليوم نستسقي بـالعباس عم نبينا، فهل يدل على جواز التوسل بالأولياء؟

    الجواب: لا، وإنما التوسل يكون بدعاء الصالحين وبالعمل الصالح الذي يعمله المرء، ويكون بالله تعالى وأسمائه وصفاته، أما التوسل بذوات المخلوقين فلا يجوز قط.

    حكم إحداث قول جديد لم يرد عن السلف

    السؤال: هل يجوز لنا أن ننشئ قولاً جديداً لم يأت به أحد من السلف كقولكم في أمر النفس؟

    الجواب: لا، لا يجوز. يعني: أنت تريد أن ترد علي وتقول: مادام السلف أجمعوا أن النفس هي التنفيس، فلماذا تتحرج منها؟ أنا أقول لك لماذا أتحرج منها: لأن القضية ليس فيها إجماع، وأن لم آت برأي ثالث، بل بعض السلف -وهم قلة بلا شك- أثبتوا النَفَس لله عز وجل، على ما يليق بجلاله وكماله سبحانه وتعالى، وما الحرج أن أتبع ولو واحداً من أهل العلم في إثبات هذا، وأن هذا الذي يترجح لدي، ورأيي هذا ليس رأياً ثالثاً، وإنما هو ترجيح لأحد الرأيين في المسألة. والله أعلم.

    حكم أكل الجلالة من الدجاج

    السؤال: سمعنا أن بعض الدجاج في القرى أكلها لا يجوز وتدخل في حكم الجلالة، فهل هذا حديث، وهل هذا صحيح أم لا؟

    الجواب: في الحقيقة هذه مسألة محدثة لم تكن معروفة في الماضي، إنما الجلالة هي التي ترعى وتأكل القاذورات، ويتغير لحمها عن لحوم مثيلاتها، والجلالة نهى النبي عليه الصلاة والسلام عن أكلها حتى تحبس ثلاثاً أو أكثر من ذلك لكي يتغير لحمها. يعني: تأكل طعاماً جيداً نظيفاً نقياً طاهراً حتى يتغير لحمها ودمها فحينئذ يجوز أكلها.

    لكن في الحقيقة كون هذه فراخ الدجاج جلالة من عدمه أمر ليس محل اتفاق بين أهل العلم، وكثير ممن يربون الدواجن في مزارعهم يثبتون أن هذه ليست جلالة، وأن الطعام الذي يأتون به طعام نقي جيد وطاهر، أما قول القائلين بأن في الطعام نسبة دم، فالأطباء يقولون: إن نسبة الدم عبارة عن (1%) فقط بالنسبة للطعام الكلي، وهذه النسبة لا يتعلق بها تحريم ولا كراهة. يعني: على فرض صحة قولهم بأن الطعام فيه نسبة (1%) دم، فنسبة (1%) إلى (99%) لا يمكن أن يتعلق بهذه النسبة حرمة ولا كراهة. والله تعالى أعلم.

    حكم المكره على القتل والزنا

    السؤال: عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله تجاوز لي عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه). وذكر الإمام النووي في شرحه لهذا الحديث أنه يستثنى من ذلك الإكراه على الزنا والقتل فلا يباحان؟

    الجواب: يريد أن يقول: إن الإمام النووي استثنى هذين الاثنين: القتل والزنا؛ وبالفعل فقد ذكر ذلك الإمام النووي رحمه الله. لأنني إذا أكرهت على قتلك فلابد من إزهاق النفس، وإن كنت لا آثم بذلك. أي: إذا قتلت مكرهاً، فما المانع ألا أقتل، وإن كنت أنا الذي سأقتل. يعني: المكْرِه أعظم ما يمكن أن يملكه للمُكْرَه: القتل. إذاً يقتلني فنفس مقابل نفس، نفس أكرهت فلم تقبل هذا الإكراه فقتلت فهي شهيدة أو بريئة عند الله عز وجل، وهذا خير من أن تقتل نفساً بريئة لا ذنب لها إلا الإكراه، هذا في حق القتل.

    أما في حق الزنا، فلعظم خطره ولاختلاط النسب فيه واختلاط المياه. أي: ماء الرجل بماء غيره، وما يترتب عليه من مفسدة عظيمة على الفرد والمجتمع؛ لذا قال: إن الزنا والقتل يستثنيان من الإكراه.

    مداخلة: ما حكم الذي أحكم في قيده وأكره على الزنا من باب التعذيب والإجبار؟

    الشيخ: لا يمكن لأحد مع هذه الحالة أن يقوى على الزنا، أما إذا كان الكلام موجه لبعض الجهات والهيئات التي ألفوا اغتصاب المؤمنين والمؤمنات سواء باللواط أو الزنا، فهذا أمر ليس فيه إكراه، وأي إكراه في ذلك؟ فإما أن تكون قد أنيطت بك تلك المهمة وأنت مجبر عليها، فلابد وأن تترك هذا العمل فوراً، وإن أوذيت وعذبت فلابد من الترك كذلك.

    مداخلة: وهل الأفضل لهذا المكره أن يموت إن خير بين القتل والزنا أم يرتكب الفاحشة؟

    الشيخ: يموت خير له، وهذا الكلام هو الذي قاله شيح الإسلام ابن تيمية.

    سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك، وأتوب إليك.