إسلام ويب

شرح أصول اعتقاد أهل السنة - صفة القدم لله عز وجلللشيخ : حسن أبو الأشبال الزهيري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • صفة القدم ثابتة لله تعالى في السنة، وهي قدم تليق بالله سبحانه لا تشبه أقدام المخلوقين، وهذا هو مذهب أهل السنة والجماعة في جميع الصفات، إذ يجب إمرارها كما جاءت من غير تشبيه ولا تعطيل ولا تكييف ولا تأويل، وقدم الله سبحانه لا يعلم كيفيتها إلا هو سبحانه وتعالى.

    1.   

    إثبات أهل السنة والجماعة صفة القدم لله تعالى

    إن الحمد لله تعالى، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار.

    فمع صفة أخرى لله عز وجل، وهي من الصفات الخيرية اللازمة لذاته سبحانه، وهي صفة الرجل أو القدم، وكلاهما بمعنى واحد، وهذه الصفة ثبتت لله عز وجل بالسنة لا بالكتاب ولا بالإجماع إلا أن يكون إجماع أهل السنة والجماعة، أما إجماع الأمة فلا، لأن الفرق الضالة خالفت أهل السنة والجماعة في هذه الصفة.

    وإذا قلنا: إن هذه الصفة ثبتت في سنة النبي عليه الصلاة والسلام فيلزمنا سوق الأدلة على ذلك.

    قال أبو هريرة في المحاجة التي دارت بين الجنة والنار: قال النبي عليه الصلاة والسلام: (تحاجت الجنة والنار، فقالت النار: أوثرت بالمتكبرين والمتجبرين. وقالت الجنة: ما لي لا يدخلني إلا ضعفاء الناس وسقطهم. فقال الله تبارك وتعالى للجنة حينئذ: أنت رحمتي أرحم بك من أشاء من عبادي. وقال للنار: أنت عذابي أعذب بك من أشاء من عبادي، ولكل واحدة منكما ملؤها). أي: على الله تعالى أن يملأ الجنة وأن يملأ النار. (فأما النار فلا تمتلئ حتى يضع الجبار رجله فيها، فتقول: قط قط قط). أي: اكتفيت.. اكتفيت .. اكتفيت، أو حسبي.. حسبي.. حسبي. (فهنالك تمتلئ وينزوي بعضها إلى بعض، ولا يظلم الله من خلقه أحداً، وأما الجنة فإن الله عز وجل ينشئ لها خلقاً)، أي: يخلق لها خلقاً حتى يملأها.

    الشاهد من الحديث: أن النار لا تمتلئ حتى يضع الجبار فيها قدمه، فهذا المقطع من الحديث يفيد ثبوت صفة القدم لله عز وجل.

    وروى البخاري هذا الحديث من حديث أنس رضي الله عنه بنحو هذه الرواية.

    و ابن عباس رضي الله عنه قال: الكرسي موضع القدمين، والكرسي هو أحد مخلوقات الله عز وجل العظيمة، قال الله تعالى: وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ [البقرة:255]. ومعنى: وسع. أي: شمل وأحاط. فهذه السماوات السبع وهذه الأرضين السبع ما هي في الكرسي إلا كحلقة في فلاة.

    والعرش أعظم من الكرسي؛ ولذلك قال النبي عليه الصلاة والسلام: (ما السماوات السبع والأرضون السبع بالنسبة للكرسي إلا كحلقة ألقيت في فلاة من الأرض، وفضل العرش على الكرسي كفضل الفلاة على هذه الحلقة).

    هذا حديث عظيم جداً يدل على أن الكرسي بالنسبة إلى العرش لا شيء، كما أن السماوات والأرض بالنسبة إلى الكرسي لا شيء، ومثل النبي عليه الصلاة والسلام لهذا بمثل عظيم جداً ليقرب الأذهان، فقال: هب أن السماوات والأرض حلقة بين يديك ألقيتها في صحراء هل تظهر لك هذه الحلقة؟ الجواب: لا. بل تختفي؛ لأنها ليست شيئاً بالنسبة إلى هذه الفلاة. قال: إذا كانت السماوات والأرض في الكرسي على هذا النحو فالكرسي نفسه لا يمثل شيئاً بالنسبة إلى العرش، فكيف يكون حجم العرش حينئذ؟ إنه عظيم جداً، والله تبارك وتعالى من فوق العرش.

    وتصور أن الكرسي الذي هذا وصفه وأن السماوات والأرض بالنسبة له لا شيء هو موضع قدمي الله عز وجل، فكيف تكون هاتان القدمان لله عز وجل؟ أمر لا يمكن أبداً أن يدخله قياس ولا أن يحيط به عقل، فسبحان الله الكبير المتعال، أثبت لنفسه العلو وأثبت لنفسه اسم الكبير وصفة الكبر، بل العظمة رداؤه والكبر إزاره سبحانه وتعالى، فلابد أن كل صفة من صفاته تليق بكبريائه تبارك وتعالى وعظمته وعلوه فوق عرشه.

    فإذا كنا لا نستطيع تكييف مخلوق لله عز وجل وهو الكرسي فعجزنا عن تصور ذات الله أولى.

    وهذه الأرض بين أيدينا ونحن نعيش عليها، لكنها ليست أرضاً واحدة، وكانوا قديماً يقولون: ليس بعد بلاد مغرب العرب بلاد أخرى، وكانوا يقولون: بحر الظلمات الذي ليس بعده شيء، ثم اكتشفوا منذ حوالي (400) عام دولة أمريكا، اكتشفوها بعد أن أيقنوا أنه ليس بعد بلاد المغرب العربي بلاد أخرى؛ اكتشفوا أعظم دولة، والآن رجعوا إلى نفس الكرة مرة أخرى وقالوا: ليس بعد أمريكا إلا بحر الظلمات، والمسافة من أول أمريكا إلى آخرها عشر ساعات بالطائرة متواصلة. يعني: كما بين مصر إلى أمريكا. لكن هل أمريكا آخر بلدان العالم؟ لابد أن يتصل الغرب بالشرق؛ ولذلك هذا كلام أثاره أهل العلم بمناسبة ذكر المسيح الدجال وحديث الجساسة الذي رواه مسلم في آخر كتاب الصحيح.

    قالوا: المسيح الدجال موجود من زمن النبي عليه الصلاة والسلام، وحديث تميم الداري في ذكر الدجال في صحيح مسلم ، يثبت أن تميماً الداري رأى المسيح الدجال ورأى الجساسة.

    وهل هو ابن صياد أو غيره؟ خلاف بين أهل العلم، وقد رآه تميم في جزيرة في البحر، والنبي عليه الصلاة والسلام قال: (إن يظهر وأنا فيكم فأنا حجيجه، وإن ظهر بعد موتي فاعتصموا منه بأوائل سورة الكهف). وهذا يعني: أن المسيح الدجال موجود في تلك الجزيرة التي رآه فيها تميم الداري. ويدعي الفلاسفة والمتأولة أن هذا من ضرب الخيال؛ وحجتهم في ذلك: هذا التقدم التكنولوجي الذي وصل إليه العالم الغربي الآن، وأنه ما من شيء في السماء ولا في الأرض إلا وهو معلوم لديهم علماً يقيناً، فعندهم الأقمار الصناعية التي اكتشفت كل شيء، فليس هناك بقعة في الأرض إلا وهي داخلة في محيط هذه التقنية العلمية، ومع هذا لم نر هذه الجزيرة، وليس هناك شيء يسمى المسيح الدجال ، ولو كان لاكتشفناه. فرد عليهم بعض العلماء المسلمين وقالوا: إن المسيح الدجال موجود في جزيرة في أقصى الغرب. فكلفوا طاقماً من الطيارين ليكشفوا عن تلك المظلمة من البحار التي في أقصى الغرب، وكل من ذهب إلى هذا المكان انقطع الإرسال بينه وبين تلك القاعدة التي أمرته بالانطلاق، وهذا المكان المظلم يسمى مثلث برمودا، فأتى كبيرهم وقال: لابد لي من الذهاب بنفسي، وركب طائرته، وأخذ يتحدى العالم الإسلامي أجمع وذهب إلى نفس الموطن فاختفى وكلهم لم يرجع إلى الآن.

    فما الذي يمنعنا الآن أن نعتقد أن طول الأرض وعرضها لا يعلمه إلا الله عز وجل، مع أن الأرضين سبع والسماوات سبع، ولو صدقنا ادعاءهم بأنهم صعدوا إلى السماء أو صعدوا إلى القمر لقلنا: ليس عندهم علم بشيء مما خلقه الله بين السماء والأرض إلا القمر، أو عندهم علم بشيء من أخبار القمر؛ لأن بعض الناس يتصورون أنهم وصلوا إلى السماء، وإنما هم وصلوا إلى القمر.

    والقمر مخلوق عظيم لله عز وجل بين السماء والأرض فإذا كانت هذه السماوات السبع التي يعلم عنها أحد شيئاً إلا الله عز وجل، لا تساوي شيئاً بالنسبة إلى الكرسي، فإن هذا الكرسي الذي وسع السماوات والأرض هو موضع القدمين لله عز وجل، وهذا يعني: بأن الله تعالى مستو على عرشه؛ لأن العرش فوق الكرسي، والكرسي بالنسبة إلى العرش لا يعد شيئاً، فالكرسي بالنسبة إلى العرش كحلقة في فلاة، فتصور إذا كان الكرسي على هذا النحو وأنه موضع القدمين لله عز وجل، فما كيفية هاتين القدمين؟ لابد من السكوت الذي يستلزم معه الإيمان المطلق والتسليم الجازم لله عز وجل بما أثبته لنفسه وما أثبته له رسوله، وإلا ستخوض خوض الفلاسفة؛ لأنه أمر عظيم لا يمكن أبداً للعقل أن يدركه، وإذا كان هذا غيب فليس للعقل دخل فيه.

    ولذلك يقول ابن عباس: الكرسي موضع القدمين. وابن عباس رضي الله عنه لا يتكلم في أمر الغيب إلا بنص، فإذا كنت تتحرج أن تتكلم في غيب يتعلق بالله وأسمائه وصفاته، فـابن عباس أشد تحرجاً وورعاً؛ لأنه أعلم بالله منا، ولكن ابن عباس لا يبلغ علمه أن يتكلم في ذات الله إلا بدليل من المعصوم عليه الصلاة والسلام، فقول ابن عباس: والكرسي موضع القدمين. يدل على أنه قد سمعه من النبي عليه الصلاة والسلام ولكنه لم يرفعه. يقول علماء الحديث: الأحاديث الموقوفة التي تتعلق بالغيب لها حكم الرفع؛ لأنه لا مجال للعقل فيها، فإذا كان لا مجال للعقل فيها مع صحة السند إلى قائل هذا الكلام وامتناعه من الرواية عن أهل الكتاب فلابد أن نسلم بصحة هذا الكلام وأن نبني عليه الأحكام؛ ولذلك لم يقل هذا الكلام ابن عباس فقط، بل شاركه أبو موسى الأشعري رضي الله عنه. قال: الكرسي موضع القدمين، وله أطيط كأطيط الرحل. يعني: صوت يسمع كصوت الرحل. وهذا الحديث رواه عبد الله بن أحمد في كتاب السنة وأبو الشيخ الأصفهاني في كتاب العظمة، وابن أبي شيبة عثمان في كتاب العرش، وابن جرير والبيهقي وغيرهم، وهذا الأثر صححه شيخنا الشيخ الألباني رحمه الله.

    وبهذه الآثار وذاك الحديث المتقدم نثبت لله عز وجل صفة القدم والرجل، وأن لله عز وجل قدمين كما في أثري ابن عباس وأبي موسى الأشعري ، ولكنهما قدمان تليقان به وبعظمته سبحانه؛ لأنه ليس كمثله شيء، وإن اشترك ذلك معنا في الاسم إلا أنه يختلف في الحقيقة والكيفية.

    قال أهل العلم: في مجموع هذه الروايات البيان الواضح بأن القدم والرجل كلاهما عبارة عن شيء واحد صفة لله تعالى حقيقة على ما يليق بعظمته. وقد تكلم شيخ الإسلام ابن تيمية في هذا كلاماً عظيماً وطويلاً، وإنني أعلم أنه لا همة للطلاب في الصبر على كلام ابن تيمية ؛ لأنه كلام يطول ذكره فضلاً عن طول شرحه.

    وفي رواية البخاري ومسلم والترمذي من حديث أنس أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال: (لا تزال جهنم تقول: هل من مزيد؟ حتى يضع رب العزة فيها قدمه). وفي رواية: (حتى يضع الجبار فيها رجله). وفي رواية: (حتى يضع الله عز وجل فيها رجله أو قدمه). وفي هذه الرواية: (حتى يضع رب العزة فيها قدمه، فتقول: قط قط وعزتك، ويزوى بعضها إلى بعض). وفي رواية البخاري : (فيضع الرب قدمه عليها فتقول: قط قط، فهناك تمتلئ وينزوي بعضها إلى بعض). وفي بعض الطرق: (حتى يضع الجبار فيها قدمه). وفي رواية مسلم : (ولا يزال في الجنة فضل -أي: مكان يتسع للداخل- حتى ينشئ الله خلقاً فيسكنهم فضول الجنة). يعني: يخلق الله عز وجل خلقاً مخصوصين فيدخلون في ذلك المكان المتسع الفاضل في الجنة ويملئونه.

    قال الترمذي : وقد روي عن النبي عليه الصلاة والسلام روايات كثيرة في مثل هذا، والمذهب في هذا عن أهل العلم من الأئمة.

    يعني: مذهب السلف كـسفيان الثوري ومالك بن أنس وسفيان بن عيينة وابن المبارك ووكيع وغيرهم قالوا: نروي هذه الأحاديث ونؤمن بها ولا يقال: كيف؟ فنروي هذه الأحاديث ونؤمن بها على ما جاءت ولا نقول: كيف القدم؟ وهذا الذي اختاره أهل الحديث، أن يرووا هذه الصفات كما جاءت، ويؤمنون بها، ولا يتأولون، ولا يكيفون.

    قال: وهذا أمر أهل العلم الذي اختاروه وذهبوا إليه. يعني: هذا مذهب السلف في إثبات هذه الصفات وإمرار أدلتها كما جاءت دون الخوض في تأويلها.

    وقال الخطابي : كان أبو عبيد - القاسم بن سلام - يقول: نحن نروي هذه الأحاديث ولا نريغ لها المعاني. أي: ولا نطلب لها المعاني. والمعنى هنا بمعنى الكيفية. أي: ولا نكيفها ولا نؤولها، نرويها كما جاءت ونؤمن بها كما جاءت، دون أن نخوض في كيفيتها.

    قال الخطابي : ونحن أحرى ألا نتقدم فيما تأخر عنه من هو أكثر علماً وأقدم زماناً وسناً.

    انظر إلى هذا الكلام الجميل! نحن دائماً نردد: ما وسع السلف يسعنا، وما سكت عنه السلف وجب علينا السكوت عنه، فلماذا إذاً تخوض الأمة في أمور قد سكت عنها سلفها؟

    فإذا كنا متفقين على أن الصحابة أعلم منا، فهل ورد في السنة أن واحداً من أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام قال: ما القدم يا رسول الله؟! ما الساق يا رسول الله؟! ما العين يا رسول الله؟! ما اليد يا رسول الله؟! هل سأل أحد من السلف ذلك؟ الجواب: لا. ومعنى ذلك: أنهم آمنوا بها وأمروها كما جاءت، وليس معنى أمروها: أنهم تركوها، بل إنهم آمنوا بها أولاً وأثبتوها لله على مراده سبحانه، ثم أمروها كما جاءت ولم يتعرضوا لها بالتأويل ولا بالتكييف ولا بالتحريف، فإذا كانوا هم كذلك فنحن أحرى أن نتأخر فيما تأخر فيه القوم، وأن نتقدم فيما تقدموا فيه. يعني: الذي تكلموا فيه نحن نتكلم فيه، ولا نحدث رأياً ثالثاً.

    يقول ابن حزم الإمام الجبل: إذا اختلف السلف في مسألة على وجهين فلا يحل لمن أتى بعدهم أن يحدث رأياً ثالثاً. فاعلموا أن هذه قواعد على طريقة السلف، فلو أنك عملت بهذه القواعد وسلمت بها فستستريح وتريح.

    1.   

    مذاهب الفرق الضالة في صفة القدم

    إنكار المعطلة لصفة القدم لله عز وجل

    قال الخطابي: ونحن أحرى ألا نتقدم فيما تأخر عنه من هو أكثر منا علماً وأقدم زماناً وسناً، ولكن الزمان الذي نحن فيه قد صار أهله حزبين: منكر لما يروى من هذه الأحاديث، وهؤلاء هم الجهمية الذين أنكروا صفات الباري تبارك وتعالى، ومكذب به أصلاً.

    فإما أنه يرد الأحاديث ويثبت أنها ضعيفة أو مكذوبة بعقله لا بالأدلة والقواعد التي وضعها أهل العلم لإثبات النص ورده، وإما إذا غلبناهم وقلنا: إنها صحيحة وأنها قد وردت في الصحيحين وغيرهما لجئوا إلى حيلة أخرى وهي تأويل هذه النصوص وصرفها عن ظاهرها.

    قال: منكر لما يروى من هذه الأحاديث ومكذب به أصلاً، وفي ذلك تكذيب العلماء الذين رووا هذه الأحاديث، وهم أئمة الدين وثقة السنن، والواسطة بيننا وبين النبي عليه الصلاة والسلام. فلماذا ترد هذه الأحاديث؟ يعني: هذا الحديث الذي بين يدينا رواه البخاري ومسلم ، وهو يثبت أن لله تبارك وتعالى رجلاً أو قدماً والأمة اتفقت على قبول الصحيحين وأنهما أصح الكتب بعد كتاب الله عز وجل، فهل سترد حديثاً اتفقت الأمة على قبوله؟ سيجد المبتدع حرجاً، فيقول: لا. إذاً: لابد أن نذهب مذهباً آخر، ولو رده سأقول له: ولم رددته؟ أفيه انقطاع؟ سيقول: لا. أرواته عدول؟ فسيقول: نعم. عدول. بمعنى: أنهم ثقات ضابطون؟ سيقول: نعم. أهناك شذوذ؟ يقول: لا. فيه علة؟ يقول: لا. إذاً: لم رددته؟ يقول: لأنه يستحيل عقلاً أن يثبت هذا لله عز وجل؛ لأنه يلزم من ثبوت هذا ثبوت الجارحة لله عز وجل، واليد الجارحة كأيدينا تماماً، وكأرجلنا تماماً، إذا كنتم تؤمنون بأن لله رجلاً. وأنه سبحانه يضعها في النار حتى تقول: قط قط، وينزوي بعضها إلى بعض، فيلزمكم أن تقولوا: إن لله رجلاً كأرجلنا.

    وأهل السنة يقولون: لا. لا يلزم من إثبات الصفة لله عز وجل مشابهتها لصفات المخلوقين، لكننا نثبتها لله عز وجل على المعنى اللائق بالله عز وجل، ولا نتعرض لها بتكييف ولا تحريف ولا نصرفها عن ظاهرها، وإنما نؤمن بها ونمر أدلتها كما جاءت بعد الإيمان والتسليم بهذه الأدلة على مراد الله عز وجل في إثبات صفاته وكماله.

    ضلال المشبهة بتشبيه صفة القدم لله بصفات خلقه

    الطائفة الأخرى: مسلمة للرواة فيها -قالوا: لا نستطيع أن نقول: إن هذا الحديث ضعيف أو مكذوب أو مردود، فنسلم للرواة فيها- ذاهبة في تحقيق الظاهر منها مذهباً يكاد يفضي إلى القول بالتشبيه. يعني: الأولون كأنهم أرادوا أن يثبتوا تنزيه المولى عز وجل عن مشابهته للمخلوقين، فقالوا: لا يوجد شيء اسمه الصفات أبداً، لا يوجد شيء اسمه يد ولا رجل ولا ساق ولا شيء أبداً؛ لأننا ننزه المولى عز وجل من أن يكون مثل المخلوقين، وهذا الفريق ذهب مذهباً مناقضاً، وهو إثبات هذه الصفات لله عز وجل، ولكنهم قالوا: يد كأيدينا ورجل كأرجلنا، ونفس كأنفسنا، فشبهوا الخالق بالمخلوق. يعني: قوم أرادوا أن ينزهوا فوقعوا في التعطيل، وقوم أرادوا أن يثبتوا فوقعوا في التمثيل والتشبيه، أما أهل السنة فوسط بين الاثنين، قالوا: نحن ننزه المولى عز وجل على مذهب الفريق الأول ولكننا نخالفهم في إثبات الصفات، ونوافق الفريق الثاني في إثبات الصفات ولكن دون تمثيل أو تشبيه. هذا معتقد أهل السنة في صفات الله عز وجل.

    ضلال المؤولة لصفات الله تعالى

    ونحن نرغب عن الأمرين معاً، ولا نرضى بواحد منهما. أي: لا نرضى بمذهب التعطيل ولا بمذهب التمثيل والتشبيه.

    وقال آخرون: يجب علينا أن نطلب لما يرد من هذه الأحاديث إذا صحت من طريق النقل والسند تأويلاً.

    قال أهل التأويل: القدم هاهنا يحتمل أن يكون المراد به: من قدمهم الله للنار من أهلها. وهذا كلام سخيف وبارد. قالوا: (حتى يضع الرب قدمه فيها) هذه اللفظة تعني: أن من علم الله سلفاً أنه من أهل النار فقدمهم إليها، فيقال لكل من قدمه الله قدم. أنت نفسك لست مستفيداً من هذا التأويل ولن يدخل في ذهنك هذا، ولكن احذر ألا تفهمه، بل افهم أن هذا التأويل تأويل سامج وبارد، فيقولون: أن هذا القدم في هذا الحديث تعني من قدمه الله تعالى إلى النار. يعني: من قذفه فيها. قالوا: ولغة العرب تطلق القدم على السابقة من الأمر. فنقول لهم: ماذا تقولون في الضمير؟ (حتى يضع الجبار فيها قدمه). فالهاء تعود على الجبار. وفي رواية: (حتى يضع الله عز وجل فيها رجله)؟

    وقال النضر بن شميل في معنى قوله: (حتى يضع الجبار فيها قدمه). أي: من سبق في علمه أنه من أهل النار، وهذا تأويل باطل.

    قال الخطابي : وقد تأول بعضهم الرجل على نحو من هذا، والمراد به: عدد استيفاء الجماعة الذين استوجبوا دخول النار. هذا في تأويل الرجل، قالوا: هذه الرجل بمعنى الجماعة، والعرب تسمي جماعة الجراد رجلاً، كما تسمي جماعة الظباء سرباً، واستعير ذلك لجماعة الناس. أيتصور هذا الكلام؟! اعلم أن هذه الصفة قد عاد الضمير إليها، قال: (رجله) لم يقل: رجلاً، وقال: (قدمه) ولم يقل: قدماً، وأنتم تعلمون أن الضمير إذا أضيف إلى صفة مخصوصة يلزمها ولا يتعدى إلى غيرها بخلاف إطلاقه وعدم إضافته، كما لو قلت: قدم، يصح أن تقول قدم الله عز وجل وقدم المخلوقين، لكن إذا قلت: قدمي فإنه لا يفهم منها أنها قدم الله عز وجل، وإذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: حتى يضع الله قدمه. يدل على أنها قدم الله عز وجل، لأنها مضافة إلى الله عز وجل، فلا يصح صرفها عن هذا التخصيص مطلقاً.

    وإن الإمام القرطبي من أعظم المتأولة، مع أن تفسيره في غاية الإمتاع، إلا أنه في صفات المولى عز وجل يجب التحذير منه، فله كتاب اسمه (الأسنى في أسماء الله الحسنى) قد بلغ في أسماء الله وصفاته مبلغاً عظيماً لم يسبق ولم يلحق به؛ فأثبت لله عز وجل أسماء وصفات لم يثبتها له رسوله ولم يثبتها لنفسه المولى عز وجل، وأنتم تعلمون أن الأسماء والصفات أمر توقيفي.

    قال القرطبي : وقيل: إن هؤلاء قوم تأخر دخولهم في النار وهم جماعات؛ لأن أهلها يلقون فيها فوجاً فوجاً، كما قال الله تعالى: كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا [الملك:8]، فالخزنة تنتظر أولئك المتأخرين الذين لم يدخلوا بعد في النار، إذ قد علموهم بأسمائهم وأوصافهم، فإذا استوفى كل واحد منهم ما أمر به ولم يبق أحد قالت الخزنة: قط قط. لفظ الحديث أن الذي قال: قط قط هي النار. قال: وحينئذ تنزوي جهنم على من فيها، وتنطبق إذ لم يبق أحد ينتظر، فعبر عن ذلك الجمع المنتظر بالرجل والقدم لا أن الله تعالى جسم من الأجسام تعالى الله عن ذلك.

    نقول: أنت تنزه الله تبارك وتعالى عن ذلك مع أن الله لم ينزه نفسه ولم ينزهه رسوله الكريم عليه الصلاة والسلام عن هذا، كما أن إثبات القدم والرجل لله عز وجل لا يستلزم إثبات الجسم والجارحة.

    وقال بعضهم: القدم: خلق من خلق الله تعالى، فمادام أن هناك مكاناً في الجنة فارغاً، وربنا تبارك وتعالى سينشئ خلقاً جديداً فيسكنهم الجنة حتى تكتفي الجنة فكذلك القدم والرجل إنما هما علم واسم على مخلوق جديد لله عز وجل يخلقه في ذلك الوقت فيلقيه في النار حتى تقول: قط قط. وهذا تأويل آخر. يعني: هذه القدم والرجل أسماء لمخلوقات جديدة سيخلقها الله عز وجل في حينها، حينما تقول جهنم هل من مزيد؟ فيخلق الله عز وجل لها خلقاً جديد قد استوجبوا النار، هذا الخلق يسمى الرجل تارة ويسمى القدم تارة أخرى!

    قال: القدم بخلق من خلق الله تعالى يخلقه يوم القيامة، فيسميه قدماً ويضعه في النار فتمتلئ منه.

    قال ابن فورك : قال بعضهم: القدم: خلق من خلق الله يخلقه يوم القيامة فيسميه قدماً، ويضيفه إليه من طريق الفعل.

    فقوله: (حتى يضع الجبار فيها قدمه) إضافة الضمير للفعل، وكذلك قوله: (حتى يضع الجبار فيها رجله) قالوا: إن هذا خلق جديد اسمه قدم واسمه رجل، والله تبارك وتعالى يأمر به فيلقى في جهنم، فإذا ألقي قالت النار: قط قط.

    وقال بعضهم: المراد بالقدم هنا: قدم خلقه. وهذا كذلك لا يصح أبداً، ولا يمكن أن يستقيم مع لغة العجم وليس العرب فقط؛ لأن من استوجب دخول النار دخلها كل بدنه، فهل تتصور أن رجليك كمخلوق تدخل النار، وأنت تدخل الجنة من غير رجليك؟! ومعلوم أن الناس في الجنة على أحسن منظر وأحسن هيئة، فلا يتصور أن النبي عليه الصلاة والسلام يقول: (فيضع الجبار فيها قدمه). أي: قدم خلقه، وأن هاء الضمير تعود على الخلق لا على الخالق، لا على الجبار ولا على الله عز وجل؛ لأنه لا يمكن في هذه الحالة إلا تصور واحد، وهو أن أرجل المخلوقين التي استوجبت النار تقطع وتلقى في النار.

    وإنك الآن لو قطعت ساقك أو قدمك وأحرقوها أمامك لن تبكي؛ لأنه لا يؤثر فيك؛ ولا إيلام لك، إنما ألمك عند القطع، وكم من إنسان مقطوع الأعضاء في هذه الحياة الدنيا لا يتألم بفقدانه لهذه الجارحة التي دفنت، فهل هذه الجوارح التي دفنت وبليت حتى صار عظامها رماداً تؤثر في صاحبها الذي ما زال حياً؟! الجواب: لا. فكيف يقال: إن القدم قدم خلق الله عز وجل؟ فالله تعالى أعد النار للمتكبرين والمتجبرين، وكل جواظ عتل، وأهل النار يتضاوون وفيها يصيحون فيها صياح الكلاب، أما الجنة فيدخلها الناس على أحسن هيئة ومنظر، فهل يتصور أن يدخل شخص الجنة بلا قدم أو بلا ساق؟ فهذا الكلام نثبت به فساد هذا التأويل الفاسد.

    نعود إلى كلمة الجبار. ماذا تقولون في قول النبي عليه الصلاة والسلام: (حتى يضع الجبار فيها قدمه)؟ نحن متفقون على أن الجبار هو الله، فانظروا إلى ماذا قال هؤلاء المتأولة: قالوا: الجبار يحتمل أنه أريد به الموصوف بالتجبر من الخلق، كقوله تعالى: وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ [إبراهيم:15]، فلا يتصور أن الآية المعني بها هو الله عز وجل؛ لأن الخيبة لا تنسب إلى الله عز وجل ولا الندم، فلا شك أن كل جبار عنيد في الآية المقصود بهم الخلق الذين تجبروا. وقد يتأثر أناس بمثل هذا التأويل، وهذا شر البلية.

    نقول: الموصوف بالتجبر من المخلوقين موصوف على سبيل التنكير لا على سبيل التعريف، والحديث: (حتى يضع الجبار) وهو الله عز وجل، والآية: كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ هذا منكر وذاك معرف.

    وهناك تأويل آخر للجبار، وهو أن الجبار هنا: إبليس وشيعته؛ لأنه أعظم المتجبرين، فإنه أول من استكبر، والتكبر والتجبر بمعنى واحد.

    وقال ابن التلمساني في قوله عليه الصلاة والسلام: (حتى يضع الجبار فيها قدمه): إن الجبار ليس من الأسماء الخاصة بالله تعالى، فتباً لما قال! اسم الجبار ثابت لله عز وجل في القرآن وفي السنة وبإجماع أهل العلم، فـابن التلمساني هذا كان على قمة التصوف، فهو منحرف انحرافاً ليس بعده انحراف، فإنه لا يسلم أحد تنكب طريق السلف من شرين: شر التشبيه وشر التعطيل، ثم إنه لا يسلم مرة ثالثة من الرد على الله وعلى رسوله وعلى أئمة الدين الذين رووا هذا العلم، وأثبتوا أن من أسماء الله عز وجل (الجبار)، وابن التلمساني قال: لا. إن الجبار ليس من أسماء الله عز وجل. إذاً: أين نذهب بهذه النصوص كلها؟!

    فقال: والمراد به: جبار يعلم الله عتوه واستكباره، كإبليس وأتباعه مثلاً والنمرود وجنوده، وقد قال عليه الصلاة والسلام: (أهل النار كل متكبر جبار).

    نعم. كل متكبر ينازع الله تعالى في كبريائه، كل جبار من المخلوقين ينازع الله تبارك وتعالى في جبروته؛ لأنه صاحب الجبروت، والنبي صلى الله عليه وسلم كان في ركوعه وسجوده يقول: (سبوح قدوس رب الملائكة والروح). ويقول: (سبحان ذي الملكوت والجبروت والكبرياء والعظمة).

    وكذلك يرد هذا التأويل حديث: (حتى يضع الله رجله)، فإذا كان الجبار اسم أحد من المخلوقين فمن الممكن أن يفكر أحد الناس في أن يسمي ابنه الجبار، وأنا اعتقادي أن ذلك لا يخطر ببال أحد، ولو خطر لخطفه الله عز وجل خطفاً، ومعنى خطفه: أهلكه.

    فهذا التأويل الفاسد يرده حديث النبي عليه الصلاة والسلام: (حتى يضع الله فيها رجله). وكذلك حديث: (فيضع الرب قدمه).

    كذلك أولوا الرب. قالوا: هناك رب الأسرة ورب البيت ورب البلد ورب العزة، فنقول: هل هناك شيء اسمه الله البلد أو الله العزة؟ الجواب: لا. إذاً: يكون الله تعالى هو المراد بالجبار في الحديث الآخر؛ لأنه لابد من حمل الألفاظ بعضها على بعض، ولكن الخلف خصوصاً المتكلمين منهم تجد عندهم التأويل بالمجازفة، فترى الواحد منهم ينزلق منزلقاً لا يستطيع أن يخرج منه. تصور أن إنساناً جباناً يضرب ضرب عشواء وخبط عشواء لا يستطيع أن يعرف أهو يضرب أم لا، فالمتكلمون نفس الشيء يهرفون بما لا يعرفون، ولا يراعون ألفاظ الحديث، إما لعدم معرفتهم بألفاظ الحديث وطرقه، أو لمصارعتهم للباب بلا تأمل، ولا ريب أن السلف قد تصوروا في نصوصهم مثل هذه الأجوبة، فرأوها متناقضة متهافتة فسكتوا عنها، ولم يتفوهوا بها لعلمهم بفسادها، وفوضوا كيفية علمها إلى الله تعالى، مع أنهم أكثر منا علماً. وهذا يقين.

    فالسلف كعادتهم يرون أن المقام ليس مقام اجتهاد أو استحسان أو قياس؛ لأن صفات الباري تبارك وتعالى لا تثبت لا بالاجتهاد ولا بالاستحسان ولا بالقياس -وهذا الكلام ذكرناه في قواعد الأصول- وإنما هو مقام تسليم لله ولرسوله عليه الصلاة والسلام، وأنه لا قول لأحد مع قول الله عز وجل ورسوله المعصوم عليه الصلاة والسلام الذي أمره ربه أن يبلغ ما أنزل إليه، فمما بلغه الرسول عن الله بعض أوصاف الجنة والنار؛ وذلك من الأمور الغيبية التي أطلع الله عليها نبيه عليه الصلاة والسلام، ولا سبيل للإنسان العادي أن يقول فيها قولاً اجتهاداً أو استحساناً مع أنها مخلوقة، فهل يمكن أن نتصور ما في الجنة من نعيم وما في النار من عذاب ونحن أحياء الآن؟ ومن المضحك أن هناك من يرسمون على كتاب يتعلق بالجنة والنار، ويقسم الغلاف نصفين: نصف فيه تفاح ومانجو وموز وغير ذلك ويقول: هذه الجنة، ونصف فيه خطوط حمراء تنزل من وجه قد رسمه ويقول: هذه النار، وأن النار قد ألهبت وجهه حتى صار كالماء يسيل من على رأسه. وهذا لا يجوز قط؛ لأنه خوض في علم الغيب، ولا يصح أبداً أن تدخل المجاز ولا التشبيه في أمور الغيب مطلقاً، وهو مذهب الخلف المتأولين المتكلمين، أما مذهب السلف فالإيمان بأن هناك جنة فيها نعيم، ولا يمكن أبداً أن يشبه نعيم الدنيا إلا في الأسماء، كما أن لله عز وجل أوصافاً تشبه أوصافك في الاسم فقط، فله قدم سبحانه وتعالى ولي قدم، له رجل وأنا لي رجل، له يد وأنا لي يد، لكن هذه مشابهة في الاسم فقط، كذلك نعيم الجنة يشبه نعيم الدنيا ولكن في الاسم فقط، فأنا على يقين أن تفاح الجنة يختلف تماماً عن تفاح الدنيا في الطعم وفي الشكل وفي اللون؛ لأن الجنة فيها من النعيم ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.

    فإن كنت لا أستطيع أن أقيس مخلوقاً على مخلوق؛ لأن تفاح الدنيا مخلوق، وتفاح الجنة كذلك مخلوق، فكيف بقياس صفات الخالق على صفات المخلوق؟!

    الكرسي موضع القدمين وسع السماوات والأرض، فكيف يكون حجم القدمين؟ لا أعرف، وليس مطلوباً مني أن أخوض في معرفة كيفيتها؛ لأن ذات الإله تبارك وتعالى أعظم وأجل من أن تتصور، وكذلك صفاته، فلا يجرؤ واحد من المسلمين أن يتخيل ولا أن يضع صورة لله عز وجل في ذهنه أو في تصوره، فأعظم ما يمكن أن تذهب إليه أن تثبت لله تبارك وتعالى صفات وأوصافاً كصفاتك وأوصافك؛ لأن الله تبارك وتعالى خلقك في أحسن تقويم وفي أحسن صورة، فليس هناك أحد من مخلوقات الله عز وجل أعظم خلقاً منك، فعقلك لا يمكن أبداً أن يتخيل في إثبات صورة أعظم من صورة قد رآها هو بعيني رأسه، وهي ذاته ونفسه وبدنه، فإذا ذهبت تمثل الله تبارك وتعالى وتضع له الكيفية والصورة -مع أن هذا حرام قطعاً- فهل يمكن أن تذهب بعقلك المحدود الذي لم ير جمالاً في المخلوقات أعظم من نفسه أن يتصور أن الله تعالى غير ذاتك أنت؟ الجواب: لا. ولذلك يحرم عليك أن تتخيل في جنب الله شيئاً.

    فإذا كان حراماً عليك أن تفعل هذا، فلابد وأن تسلم أن لله تعالى ذاتاً وصفات تليق بجلاله وكماله.

    فلابد أن أؤمن بقدمي الله وأسلم، من أجل أن أستريح؛ لأنني لو آمنت بهما وسلمت أكون قد أثبت لله تبارك وتعالى ما أثبته لنفسه، وما أثبته له رسوله على مراد الله وعلى مراد الرسول صلى الله عليه وسلم.

    وإذا قلت: لو أنني أثبت القدم لله يلزم من ذلك أنني شبهته بنفسي فإنني بذلك أكون قد رددت الآيات والأحاديث الواردة في إثبات ذلك، وكذبت العلماء الذين رووا لنا هذه النصوص، ووقعت في متاهات لن أخرج منها.

    إذاً: المخرج هو مذهب السلف في إثبات ما أثبته الله لنفسه، ونفي ما نفاه الله عن نفسه، وإثبات ما أثبته الرسول صلى الله عليه وسلم لربه؛ لأنه أعلم الخلق بالله عز وجل، ونفي ما نفاه النبي عليه الصلاة والسلام عن ربه؛ لأنه أعلم بربه فيما يجوز وما لا يجوز، وما يمكن وما يستحيل لله عز وجل.

    فإذا كنت تؤمن بهذا فينبغي أن تسلم للنص إذا أتاك، وأن تؤمن به وأن تمره كما جاء، ولا تتعرض له بالخوض ولا التأويل.

    ومما أخبر الرسول صلى الله عليه وسلم: ما نص عليه الحديث وهو الحديث المتقدم: (لا يزال يلقى في النار وتقول: هل من مزيد؟ حتى يضع فيها رب العالمين قدمه). وانتبه إلى الألفاظ: الله، الجبار، رب العزة، رب العالمين، فإن أولت لفظ الجبار، سنقول لك: أول لفظ الله؟ ولن تستطيع. إذاً: لابد أن تسلم في الجبار وتعلم أن الله هو الجبار. (تقول: هل من مزيد حتى يضع فيها رب العالمين قدمه فينزوي بعضها إلى بعض وتقول: قط قط بعزتك وكرمك) وهذا الحديث متفق عليه.

    فحديث إثبات صفة القدم قد صح عنه عليه الصلاة والسلام في الحديث الذي رواه مسلم والبخاري فما علينا إلا التسليم لرسوله عليه الصلاة والسلام، وقد ساق مسلم الحديث المذكور بروايات كثيرة وهو في الأصل متفق عليه، وموضوع الحديث على اختلاف رواياته وطرقه المحاججة بين الجنة والنار.

    والحديث الأول حديث الأعرج عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي عليه الصلاة والسلام: (تحاجت الجنة والنار). يعني: الجنة والنار كلاهما أراد أن يقيم الحجة على صاحبه. كيف ذلك؟ وهل الجنة تتكلم والنار تتكلم؟ نعم. وهاهو الحديث: (فقالت النار: أوثرت بالمتكبرين والمتجبرين. وقالت الجنة).

    قال المتأولون: المراد بذلك: قال أصحاب النار، وقال أصحاب الجنة. قالوا: لأن النار لا تتكلم والجنة لا تتكلم. نقول: أكملوا أيها المتأولون! الحديث: (لا يدخلني إلا) فأنتم أهل النار فكيف سيدخلون فيكم؟ إذاً: ليس مستقيماً أن يقول أهل النار: لا يدخلني! لا يصح.

    إن هؤلاء المتأولين فضحونا أمام الغرب بتأويلاتهم، لأن هؤلاء الغربيين -إن صح أنهم أصحاب عقول- يضعون كل شيء على عقولهم، فيقولون: لابد أن نعرف هذه النار، فإن قيل: وقال أصحاب النار: لا يدخلني كيف ذلك؟ أصحاب النار هم الذين سيدخلون، فلا يصح أن يكونوا هم المدخول فيهم، وهذا رد لبعض أهل الغرب على المتكلمين من الفلاسفة وممن تبعهم من علماء المسلمين، ولعلمك الأمر كان على الستر والسلامة في زمن النبي عليه الصلاة والسلام وفي زمن الخلفاء وفي زمن الخلافة الإسلامية، وزمناً في الدولة الأموية وصدراً من خلافة الدولة العباسية، فلا تجد أحداً ينازع، حتى توسعت الدولة العباسية في ترجمة كتب أهل اليونان في الصدر الثاني من الدولة العباسية فدخل الشر كله. واعلم أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يحذر في كل من الفتوحات من قراءة كتب أهل البلاد المفتوحة؛ لأن هذه الكتب لو أنك فتحتها ستترجم، وستجد من أبناء المسلمين من يعتقد هذه الترجمة.

    فهذا النخر لعظام الأمة إنما أتى من داخلها، على يدي هؤلاء المرتزقة من أمثال: طه حسين وعلاء عبد الرازق وأحمد لطفي كانوا صبية كتاب على الستر والسلامة حتى ذهبوا فرنسا فوقعوا بل وغرقوا في تقليد غيرهم من الكفار.

    1.   

    الاستدلال بحديث تحاجج الجنة والنار لإثبات صفة القدم لله تعالى وكلام أهل العلم في ذلك

    قال النبي صلى الله عليه وسلم: (تحاجت الجنة والنار، فقالت الجنة وقالت النار)، نحن نثبت أن الجنة تتكلم على الحقيقة ولكن ليست لها جارحة؛ لأن الله سبحانه وتعالى لم يخبرنا أن هذه الجنة عبارة عن ذات مكونة من صفات وجوارح، وكذلك النار تتكلم بقدرة الله عز وجل، والله تعالى يخلق لها الكلام فتتكلم به، والذي يسمع هذا الكلام هو الله عز وجل، وتسمعه النار وتسمعه الجنة، بدليل الحديث: فقالت النار.. وقالت الجنة.. يعني: رداً عليها. فالجنة تسمع النار، والنار تسمع الجنة، والله تعالى يسمع الجميع.

    ولذلك قالت النار: (أوثرت بالمتكبرين والمتجبرين. وقالت الجنة: فما لي لا يدخلني إلا ضعفاء الناس وسقطهم وعجزهم. فقال الله للجنة: أنت رحمتي أرحم بك من أشاء من عبادي. وقال للنار: أنت عذابي أعذب بك من أشاء من عبادي، ولكل واحدة منكما ملؤها، فأما النار فلا تمتلئ فيضع قدمه عليها، فتقول: قط قط. فهنالك تمتلئ ويزوى بعضها إلى بعض). وهذا الحديث رواه غير واحد من الصحابة، منهم أبو هريرة وأبو سعيد الخدري وأنس بن مالك خادم النبي عليه الصلاة والسلام.

    وفي بعض رواياته: (حتى يضع الله تبارك وتعالى رجله فتقول: قط قط قط ثلاثاً). وفي بعضها: (حتى يضع فيها رب العزة تبارك وتعالى قدمه فتقول: قط قط، وعزتك).

    فموقف السلف من معنى الحديث: أن هذا الحديث من أحاديث الصفات، وأن القدم صفة من الصفات الخبرية التي تمر كما جاءت دون تأويل أو تحريف في النص، ودون تشبيه أو تمثيل لصفات الله بصفات خلقه، فلا تقاس القدم بأقدام خلقه، ورجله بأرجل مخلوقاته، بل يكتفى بالمعنى الوضعي للكلمة دون محاولة لإدراك حقيقة قدمه، وقد عجزنا عن إدراك حقيقة ذاته سبحانه، فآمنا وسلمنا لله ورسوله، وهذا موقف لا يتغير ولا يتبدل بالنسبة لأتباع السلف، فهو موقف ثابت، وهو اتباع النصوص في جميع الصفات الخبرية أو غيرها، كما قال ابن مسعود رضي الله عنه: اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتم.

    والحديث بجميع رواياته يدل على أن الله سوف يخلق في الجنة والنار تمييزاً وقدرة على الكلام دون أن يكون لهما آلات التكلم من الفم والأسنان واللسان وغيرها، وهو المعتاد بالنسبة لنا.

    وأما الخلف فقد تكلفوا في تأويل هذا الحديث أكثر من تكلفهم في تأويل أي نص آخر من نصوص الصفات، وذكرنا من قبل تأويل الخلف في المراد بالقدم ورددنا عليه.

    وابن الجوزي عليه رحمة الله في كتابه دفع (شبه التشبيه) شن غارة شعواء على بعض علماء السلف.

    قال ابن الجوزي : وقد ذهب القاضي أبو يعلى إلى أن الساق صفة ذاتية وقال مثله في: (يضع قدمه في النار). قال ابن الجوزي : وذكر الساق مع القدم تشبيه محض.

    وقد اتفقنا من قبل أن ابن الجوزي كان مضطرباً جداً في مسائل الاعتقاد، فهو يريد أن يقول: إن القاضي أبا يعلى أثبت الساق وأثبت معها القدم، وأن إثباتهما يستلزم التشبيه. وهذا لا يصح عنده. وليس القاضي أبو يعلى فقط الذي أثبت هذا، بل كل علماء السنة أثبتوا لله عز وجل ما أثبته لنفسه، ومنها الساق والقدم ولم يقولوا بالتشبيه، بل نزهوا المولى تبارك وتعالى عن التعطيل ونزهوه عن التشبيه، وكلام ابن الجوزي ليس فيه شيء من الهداية، بل هو ظلمات بعضها فوق بعض، فإن الأدلة كتاباً وسنة تدل على إثبات ذلك لله، فمن أنكره فإنما ينكر على النبي عليه الصلاة والسلام وعلى الصحابة الذين نقلوا إلينا ذلك.

    وقال ابن الجوزي : وقال أبو يعلى مثله في: (يضع قدمه في النار). وهذا أيضاً من الحق الذي يجب الاعتقاد والتسليم له، فإن القدم صفة من صفات الله تعالى الذاتية التي يجب الإيمان بها دون تحريف أو تعطيل، ودون تكييف أو تشبيه. ثم ذكر حديث الاحتجاج بين الجنة والنار، وقوله: (قدمه) وأن الهاء تعود على الرب جل وعلا، وهو قول واحد عند أهل السنة والجماعة، والحديث صحيح صريح في إثبات صفة القدم لله عز وجل. وذكر بعد ذلك أثر ابن عباس وأثر أبي موسى الأشعري في إثبات أن الكرسي موضع القدمين لله عز وجل؛ لأنه أمر غيبي له حكم الرفع، فلا يقال فيه من قبل الرأي ولا مجال للاجتهاد فيه، فيؤخذ منه إثبات قدمين لله عز وجل، فنثبت ذلك لله تعالى، ونؤمن بأن الله جل ذكره: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ [الشورى:11].

    قال أحمد بن حنبل : أحاديث الصفات تمر كما جاءت. أي: الأحاديث التي فيها إثبات صفة لله عز وجل تؤمن بها على حقيقتها، وتفوض كيفية هذه الصفة لله عز وجل، مع كونك تعلم علماً يقينياً أن هذه الصفة ثابتة لله عز وجل.

    قال الإمام الثقة الجبل حماد بن سلمة البصري وكان من أشد الناس في زمانه على أهل البدع: من رأيتموه ينكر هذه الأحاديث -أحاديث الصفات- فاتهموه في دينه، فهو يزعم أنه ينزه المولى عز وجل عن التشبيه.

    قال عبد الرحمن بن مهدي -وهو من هو في الإمامة والفضل- لما ذكر عنده الجهمية الذين ينفون أحاديث الصفات ويقولون: الله أعظم من أن يوصف بشيء من هذا. هم بزعمهم يقولون ذلك، فيقولون: أنثبت لله اليد والساق والرجل والعين و..؟ لا. إننا ننزه ربنا عن هذا الكلام. فلما ذكر هذا الكلام في مجلس عبد الرحمن بن مهدي قال: قد هلك قوم من وجه التعظيم.

    أي: قوم أرادوا أن يعظموا الله عز وجل فوقعوا في الهلكة؛ لأنك إذا ذهبت هذا المذهب لابد أن ترد على الله عز وجل ما أثبته لنفسه، وهذا موطن هلاك. فهؤلاء قالوا: الله أعظم من أن ينزل كتاباً أو يرسل رسولاً، ثم أنكروا الكتب وأنكروا الرسل، والذي ينكر الكتب يعتبر كافراً، والذي ينكر الرسل يعتبر كافراً، فكفروا بالرسل وكفروا بالكتب؛ ولذلك قال الله تعالى: وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ [الأنعام:91].

    ثم قال: هل هلك المجوس إلا من جهة التعظيم؟ فإنهم قالوا: الله أعظم من أن نعبده. أرأيت إلى مثل هذا البلاء العظيم! كذلك عبدة الشياطين عندما سئلوا: لم تعبدون هؤلاء الشياطين؟ قالوا: من أجل أن نأمن شرهم. وهل هناك شر أعظم من عبادتهم؟! إن الشيطان نفسه لم يبلغ من الشر أعظم من ذلك، بل إن منتهى أمله أن تعبده من دون الله عز وجل، أتعبد الشيطان من أجل أن تأمن شره؟! وبعد ذلك أين ستكون؟ ستكون معه في الآخرة في جهنم وبئس المصير.

    قال المجوس: الله عز وجل أعظم من أن نعبده.

    ومعنى هذا الكلام: أن الله عز وجل لا يحتاج منا إلى عبادة؛ وذلك لأن عبادتنا لا تنفعه، ومعاصينا كذلك لا تضره، فإذا كان الأمر كذلك فالله عز وجل خلق غابات ولم يخلق آدميين؛ لأن هذه لغة أهل الغابات والمزارع، وليست لغة بشر آدميين محترمين أصحاب عقول وتمييز. قالوا: إن الله غني عن عبادتنا؛ لأنها لا تنفعه، كما أن معاصينا لا تضره. إذاً: لا فرق أبداً بين الطيب والخبيث، وبين الجبار من الخلق المتعنت العنيد، وبين الطائع المخبت المنيب إلى ربه. فنقول: إذا لم يكن هناك فرق في الدنيا بين هؤلاء الاثنين فلماذا الله عز وجل خلق الجنة وخلق النار؟

    قالوا: الله أعظم من أن نعبده، ولكن نعبد من هو أقرب إليه منا. قالوا: الشمس؛ لأنها أقرب إلى الله منا، فالمجوس يؤمنون بأن الله في السماء، يقولون: إننا نعبد من هو أقرب إلى الله منا، فماذا تعبدون؟ قالوا: نعبد الشمس، لكن الأشاعرة يقولون: بأن الله في كل مكان، والمجوس يقولون: إن الله في السماء، فنحن سنأخذ هذه النقطة وهذه الفائدة من لسان المجوس، لكن سنخالفهم في أصل القول، يعني: نحن نستطيع أن نرد على الأشاعرة بكلام المجوس وبمعتقد المجوس أن الله تعالى في السماء.

    قالوا: الله أعظم من أن نعبده ولكن نعبد من هو أقرب إليه منا، عبدوا الشمس لعلمهم أنها فوق وأنها قريبة من الله عز وجل منا، وسجدوا لها فأنزل الله عز وجل: وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى [الزمر:3].

    وأما قول ابن الجوزي : ذكر الساق مع القدم تشبيه محض. فهذا قول من اعتقد معتقد الخلف وتنكب طريق السلف.

    أسأل الله تعالى لي ولكم الهداية والتوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه وسلم تسليماً كثيراً.

    1.   

    الأسئلة

    الثبات على عقيدة الفرقة الناجية

    السؤال: نرجو إعلامنا بمشاهير التأويل الذين نقرأ لهم كـالقرطبي وابن الجوزي ؟ وكذلك أي الجماعات الحالية التي هي على الساحة متأولة وذلك للحيطة؟

    الجواب: على أية حال نحن بينا أن القرطبي كان متأولاً، وبينا أن ابن الجوزي كان متأولاً، فتارة ينافح عن مذهب السلف ويهجم على الخلف، وتارة يهجم على السلف، وتارة ينسب للسلف قولاً ليس من أقوالهم قط، لذلك الذهبي عليه رحمة الله قال في السير: وابن الجوزي لم تثبت قدمه على وتيرة واحدة، فكان أحياناً ينصر مذهب السلف وأحياناً ينصر الخلف، ولا يصح أيها الإخوة! أن عقل المرء وإيمانه يكون عبارة عن قص ولصق، فالجملة التي تعجبه من عند المعتزلة يأخذها ويعتقدها، والتي تعجبه من عند الجهمية يعتقدها، والتي تعجبه من عند الأشعرية يعتقدها، والتي تعجبه من عند الشيعة يعتقدها، يعني: عقيدته عبارة عن مجموع عقائد الفرق الضالة مع الفرقة الناجية وهي أهل السنة والجماعة، بل لابد للمرء أن تكون عقيدته لا تزيد ولا تنقص عن معتقد السلف رضي الله تعالى عنهم أجمعين.

    أخطاء سيد قطب رحمه الله لا تعني بغضه وعدم الترحم عليه

    السؤال: هل سيد قطب من المتأولة؟

    الجواب: إذا أردنا الكلام عن الأديب البارع السيد قطب فلا شك أن هذا الرجل كانت له ظروف علمها من علمها وجهلها من جلها، فـسيد قطب عليه رحمة الله ظهر في فترة كان الناس فيها هم للكفر أقرب منهم للإيمان، ولم يكن هذا العلم السلفي منتشراً في ذلك الوقت، قضى سيد قطب معظم حياته في سجون عبد الناصر الهالك عليه من الله تعالى اللعنة، فلم يتأهل اعتقادياً قبل أن يدخل السجن، كـالنووي عليه رحمة الله لم يتمكن من دراسة العقيدة، واكتفى بالنقول من المازري والقاضي عياض وكلاهما أشعري، ولكنه ينقل عنهما التأويل دون تقعيد وأحياناً يقعد، وأحياناً ينقل ويستحسن، واعتذر عنه بعض تلاميذه أنه لم يكن قد تمكن من دراسة علم الاعتقاد على يد مشايخ زمانه، فوقع فيما وقع فيه، فإن قيل: الإمام النووي هل هو أشعري جملة؟ الجواب: لا. ليس كل من وقع في بدعة ينسب إليها، كما أنه ليس كل من وقع في الكفر يصير كافراً، فأحياناً يقع المسلم في قول كفري أو فعل كفري لكن لا يلزم من وقوع هذا الكفر الكفر، كما أن الرجل يقع في البدعة ولما يعلم بعد أنها بدعة. يذكر أن رجلاً من المحدثين عمل بحديث ضعيف عشرين عاماً، فقال أحد تلامذته: إن هذا الحديث فيه فلان وفلان وهما ضعيفان، فوجد المحدث أن الطالب صادق فبكى. قيل له: خير يا إمام! يعني: هون عليك. قال: خير؟! والله ما في عملنا منذ عشرين عاماً بهذا النص خير قط.

    فلا يلزم من وقوع الرجل في بدعة أنه مبتدع، كما لا يلزم من وقوعه في الكفر أنه كافر، بل ولا يلزم من إطلاق الكفر على الجماعة كفر كل معين فيها، فلو قلنا: إن بلداً من البلدان كافرة، هل يلزم من هذا أن كل من بهذه البلد يكون كافراً؟ فهاهي أمريكا بلد كفر، ومع ذلك نجد كثيراً من إخواننا يعيشون في تلك البلاد، فلا يلزم من إطلاق الحكم العام بالكفر على مجموعة لزوم هذا الكفر على كل فرد من أفراد المجموعة، ولذلك لما نقول: لعنة الله على الظالمين، هل كل ظالم ملعون بعينه؟ الجواب: لا، فهناك ظلم لم يرد النص بلعن صاحبه في القرآن ولا في السنة، ومع هذا فهو ظلم، لكن لا يلزم منه إثبات اللعن في شخصه.

    نرجع إلى كلامنا: سيد قطب عليه رحمة الله وقع في تأويل بعض الصفات، وهو كغيره من أهل العلم نحب فيه الصلاح والخير والطاعة وموافقة السنة. أليس هذا منهج أهل السنة والجماعة؟ ونكره كل ما يخالف الحق ويخالف الكتاب والسنة.

    وكوننا نكره ما يأتي من قبل عالم أو مجتهد في مسألة من المسائل خالف فيها الحق لا يعني ذلك بالضرورة أننا نبغضه هو، بل نحن نحب سيد قطب عليه رحمة الله، ونتولاه وندعو له بالرحمة، وندعو له بالخير، وندعو له بأن يبيض الله تبارك وتعالى وجهه مع وجوه المؤمنين يوم القيامة، وفي نفس الوقت نرد عليه ما خالف فيه الكتاب؛ لأن الكتاب أحب إلينا من سيد قطب وغيره، والسنة أحب إلينا من أنفسنا وليس من سيد قطب فحسب.

    فالشيخ سيد قطب عليه رحمة الله خالف منهج السلف في كثير من الصفات كما هو في كتاب (الظلال) وغيره من كتبه.

    فأغلب الظن أن سيد قطب لم يتأهل في هذا الباب، وليس في هذا عيب؛ لأن معظم حياة سيد قطب قضاها في السجون، وأنت تعجب إذا علمت أنه ألف (الظلال) وهو في السجن.

    وأنت لو كلفت أن تحفظ جزء عم في السجن قد تعجز.

    كان عبد الناصر وزبانيته من كلاب الأرض في ذلك الزمان يحبسون سيد قطب في داخل سجونهم وزنازينهم، ولو كنت مكانه لأيقنت أنك لن تستطيع أن تفسر لحظة واحدة تفسيراً هادئاً، فكيف برجل يخرج هذا التفسير العظيم من بين جدران السجون؟ فإذا نظرت إلى خطئه في الاعتقاد فانظر إلى إصابته الحق في كثير من المسائل التي تكلم فيها في كتابه الظلال.

    فالشاهد من هذا الكلام: أن السيد قطب له حسناته الكثيرة، وله أخطاؤه كذلك، فما أخطأ فيه نرده على سيد قطب وعلى غيره، وكذلك وجب علينا أن نقبل ما أصاب فيه ووافق الكتاب والسنة؛ لأن الحق ضالة المؤمن يلتمسه ويأخذه حيث وجده.