إسلام ويب

شرح أصول اعتقاد أهل السنة - صفة الوجه والعين لله عز وجلللشيخ : حسن أبو الأشبال الزهيري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • صفة الوجه ثابتة لله عز وجل بأدلة الكتاب والسنة، وقد تضافرت أقوال علماء السنة على إثباتها لله عز وجل، كما أثبتها سبحانه لنفسه، وأثبتها له رسوله صلى الله عليه وسلم، وهذا كعادتهم في إثبات سائر الصفات الله عز وجل، بدون تأويل ولا تعطيل ولا تحريف ولا تمثيل، وقد خالف أهل البدع في ذلك فأولوا هذه الصفة، كما أولوا غيرها من الصفات، ظانين منهم أنهم ينزهون الله عز وجل بزعمهم عن الأبعاض والأجزاء ومشابهة المخلوقين، وهذا انحراف وضلال مبين.

    1.   

    سياق ما دل من كتاب الله وسنة رسوله على أن من صفات الله الوجه

    إن الحمد لله تعالى، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

    وبعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

    وبعد:

    فإن الوجه ثابت لله عز وجل في كتابه الكريم، وفي سنة نبيه العظيم عليه الصلاة والسلام، وأجمع على ذلك سلفنا رضي الله تبارك وتعالى عنهم، وخالف في ذلك المتأخرون، أو خالف في ذلك الخلف جميعاً.

    وصفة الوجه لله عز وجل صفة ذاتية خبرية، وليست صفة فعلية، بل هي صفة ذاتية، بمعنى أنها لازمة لذاته منذ الأزل وإلى الأبد، فهي لازمة له أولاً وآخراً ولا تنفك عنه، فهي ليست من صفات الأفعال التي إذا شاء الله تعالى فعلها وإذا شاء لم يفعلها كصفة الكلام والضحك والغضب والإتيان والمجيء والسرور والفرح، وغير ذلك، فهذه صفات فعلية إذا شاء فعلها وإذا شاء لم يفعلها، بخلاف الصفات الذاتية اللازمة له، والتي لا تنفك عنه سبحانه وتعالى.

    وثبتت هذه الصفة كغيرها من الصفات الخبرية بكتاب الله عز وجل، قال: [قال الله عز وجل: وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ [الرحمن:27]] فهذه الآية أثبتت أن لله تبارك وتعالى وجهاً.

    قال: [وقال: كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ [القصص:88]]. أي: وجه الله تبارك وتعالى.

    قال: [عن أبي موسى: قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بأربع كلمات فقال: (إن الله لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه -يعني: يخفض الميزان ويرفعه- يرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار، وعمل النهار قبل عمل الليل، حجابه النور، لو كشفها -أي: لو كشف هذا الحجاب- لأحرقت سبحات وجهه) زاد عبد الله: (كل شيء أدركه بصره)]. فأثبت في هذا الحديث أن له وجهاً.

    وقال عليه الصلاة والسلام في حديث طويل: [(ما بين القوم وبين أن يروا ربهم تبارك وتعالى إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن)]، فإذا رفع هذا الحجاب رأى الناس ربهم تبارك وتعالى وذلك في الآخرة. أي المؤمنون.

    وهذا الحديث قطعة من حديث طويل عند البخاري ومسلم في أبواب رؤية الرب تبارك وتعالى لأهل الإيمان.

    إتيان السلف لصفة الوجه كسائر الصفات

    أطبق سلفنا رضي الله عنهم وأتباعهم على الإيمان بهذه الصفة كغيرها من صفات الرب تبارك وتعالى، وإثباتها على ما يليق بالله، وهم لا يفسرونها ولا يؤولونها، وإنما يؤمنون بها كما جاءت، ويمرونها كما جاءت، وهذا مذهب سلفنا رضي الله عنهم في جميع الصفات الخبرية لله عز وجل، بل وفي جميع الصفات، فهم يؤمنون بها على ما وردت في النص دون أن يتعرضوا لها بالتأويل أو التحريف أو التمثيل أو التكييف، ولا يطلقون عليها شيئاً من الألقاب التي يرددها النفاة -أي: المعطلة أو المتأولون- مثل العضو أو الجزء.

    المعطلة والمؤولة يقولون: الوجه لله عز وجل يلزم منه إثبات أنه كل يتجزأ. قالوا: فالوجه جزء من البدن والذات، فلو أننا قلنا: إن لله وجهاً للزم أن نقول: إن الله ذات مكون من أبعاض وأجسام وأجزاء.

    وهذه هي شبهة الممثلة أو المعطلة الذين أرادوا أن ينزهوا بزعمهم الله تبارك وتعالى عن مشابهته للمخلوقين.

    قالوا: ولو أننا أثبتنا الوجه للزم من ذلك أن نقول بالأبعاض أو الأجزاء للكل وللذات العلية، ولما كان هذا عندهم يتنافى مع تنزيه المولى تبارك وتعالى فقد قالوا: نحن لا نثبت له وجهاً؛ لأن إثبات الوجه يلزم منه أنه سبحانه وتعالى جسم.

    و

    إن سلفنا رضي الله عنهم لم يذهبوا في هذه الصفة -كما لم يذهبوا في غيرها- إلى مثل هذه التأويلات، بل قالوا: نثبت لله تبارك وتعالى ما أثبته لنفسه، وننفي عنه ما نفاه عن نفسه من صفات النقص، ونثبت له ما أثبته له رسوله من صفات الكمال، وننفي عنه ما نفاه عنه رسوله من صفات النقص، وإذا أثبتنا شيئاً لله تبارك وتعالى قد ورد في الكتاب والسنة فإنما نثبته على الوجه اللائق بالله عز وجل، ولا نخوض فيه بتأويل أو تعطيل أو تحريف؛ لأننا لو عطلنا هذه الصفة وقلنا: ليس لله وجه فلابد وأن نكون مكذبين بالقرآن الكريم وبأحاديث النبي عليه الصلاة والسلام.

    والله تبارك وتعالى أعلم بنفسه من خلقه، ونبيه أعلم به من بقية الخلق، وإذا كان الله تبارك وتعالى -وهو أعلم بذاته العلية- قد أثبت لنفسه الوجه فلم لا نثبته نحن؟ وإذا أثبت الرسل لله تبارك وتعالى الوجه فلم لا نثبته نحن؟

    وإذا كنا متبعين غير مبتدعين فلم لا نتبع النبي عليه الصلاة والسلام فيما أمرنا؟ ولم لا ننته عما حذرنا منه؟ ولماذا نعطل الله تبارك وتعالى عن صفاته العلية وأسمائه الحسنى؟

    وهنا أمر أكرره دائماً؛ لأنه في غاية الأهمية، وهو أن نعتقد معتقد السلف في صفات المولى تبارك وتعالى وفي أسمائه العلية، ولو نظرت الآن على وجه المعمورة والبسيطة لوجدت قلة قليلة جداً من أهل العلم -ولا أقول من طلاب العلم ولا من عامة الناس- يعتقدون معتقداً صحيحاً في الله عز وجل، وأما عامة أهل العلم فإنهم قد وقعوا فيما حذر منه النبي عليه الصلاة والسلام، وحذر منه أصحابه الكرام، فقد وقعوا في التأويل تارة، وفي التحريف تارة، وفي التعطيل تارة، وغير ذلك زعماً منهم أنهم ينزهون الله تبارك وتعالى.

    خطأ إطلاق لفظ (كتب التربية الدينية) على الكتب الشرعية

    إننا لو نظرنا الآن إلى القائمين على المناهج الدراسية التي أعدت إعداداً لإبعاد أطفالنا وأولادنا عن سلوك طريق الهدى المستقيم، وعن سلوك طريق ربهم لوجدنا أنهم أقوام تربوا على أيدي اليهود تربية طويلة، أخذت أمداً بعيداً من السنين، وإذا نظرنا إلى كتب التربية الدينية، وهذا اسم خطأ، وإنما الصحيح أن تسمى: التربية الشرعية الإسلامية، وليست التربية الدينية؛ فإن اليهود يقولون: التربية الدينية. والنصارى يقولون: التربية الدينية، ونحن نقول: التربية الدينية. إذاً: نحن نعترف بأن لليهود ديناً، وغير ذلك، ودين الله تبارك وتعالى واحد، فقولنا: التربية الدينية هذا أمر مجمل، وفيه لبس عظيم جداً، وهو يجعل المستمع لهذا المصطلح يقول: هناك تربية دينية لليهود وللنصارى وللمسلمين، ولو قلنا: (التربية الشرعية الإسلامية) لكان أمراً قاطعاً وجازماً، فالمصطلح الأول مصطلح غربي لا علاقة لأهل الإسلام به.

    اشتمال المناهج الدراسية على عقيدة التأويل والتحريف والتعطيل والتمثيل

    أيضاً: لو نظرنا في أمثال هذه الكتب التي تدرس التربية الشرعية لأولادنا في المدارس وإخواننا في الجامعات لوجدنا فيها التأويل والتحريف والتعطيل بل والتمثيل تارة كما عند النصارى، وهو تمثيل الخالق بالمخلوق، وهذا أمر في غاية الفظاعة، فأولادنا يتربون أعواماً طويلة على هذا الانحراف العقدي، ثم بعد ذلك إذا أردنا أن نضبط هذا الفكر والفهم تعبنا كل التعب؛ لأنهم منذ عشرين عاماً وهم يدرسون تلك العقيدة الفاسدة التي استقوها من جوهرة التوحيد، أو من كتب النسفي ، أو من كتب الزمخشري ، أو غيرها، فيعز بل يصعب جداً أن يستقيم هذا الذي درس هذا الانحراف أمداً طويلاً، وأن يعود بين يوم وليلة.

    وأنا أحذر كل الحذر الإخوة والآباء لهؤلاء الطلاب والتلاميذ، وأنصحهم أن يراجعوا على جهة الخصوص كتب اللغة العربية والتربية الدينية، ويقوموا أولادهم، ويبينوا لهم فساد وعوار ما أدخل في هذه الكتب، وأنه قد حرص واضعيها على إرضاء أسيادهم هنا وهناك.

    إن تصحيح معتقدك ومعتقد أبنائك وأهل بيتك أمر في غاية الأهمية؛ لأن العقيدة أهم شيء في حياة المسلم، فإن استقامت استقام ما بعدها، وإن اعوجت فقد اعوج كل شيء بعدها، ولا يسلم للعبد شيء قط إذا كانت عقيدته غير منضبطة على عقيدة السلف رضي الله وتبارك وتعالى عنهم.

    والسلف رضي الله عنهم يثبتون لله تبارك وتعالى الصفات التي أثبتها لنفسه وأثبتها له رسوله على المعنى اللائق به، وكونهم يثبتون ذلك هذا يرد على المعطلة الذين ينفون هذه الصفات عن الله عز وجل، وكونهم يثبتونها على المعنى اللائق بالله عز وجل يردون به على الممثلة الذين قالوا: إثبات هذه الصفات يستلزم التمثيل، فقال السلف: إثباتها لا يستلزم التمثيل، ولكننا نثبت لله عز وجل ما أثبته لنفسه على الوجه الذي يليق بذاته العلية.

    وإذا كنا نؤمن أن لله تبارك وتعالى ذاتاً علية تختلف عن ذوات المخلوقين، فلابد وأن نؤمن لزاماً أن لهذه الذات العلية التي تختلف عن ذوات المخلوقين صفات علية تختلف عن صفات المخلوقين؛ لأنه لا يمكن بحال من الأحوال أن يكون هناك ذات بغير صفات، فإذا بلغنا هذا المبلغ وعرفنا أن هذه الذات متصفة بصفات، وأنها علية لا تتناسب ولا تتماثل وتتشابه مع ذوات المخلوقين، فلابد أن تكون الصفات كذلك.

    شبهة نفاة صفة الوجه والرد عليهم

    السلف لا يطلقون على هذه الصفات شيئاً من الألقاب التي يرددها النفاة مثل العضو، والجزء، والبعض، وغير ذلك من الألقاب التي يطلقونها ليتذرعوا بها إلى نفي هذه الصفة، بدعوى أن إثبات هذه الصفة يعني التركيب المستلزم للحاجة والافتقار، فهم يقولون: لو أنكم أثبتم الوجه فلا بد أن تقولوا: إنه بعض من كل؛ لأن الوجه جزء من الجسم ومن البدن، فإذا أثبتنا لله عز وجل وجهاً فلابد وأنه جزء من ذاته، قالوا: كما أن إثبات اليد يستلزم أن تكون جزءاً من ذاته، وكذلك العين والساق، فهو إذاً: ذات مكونة من أبعاض وأجزاء وأجسام، وهذا كلام في غاية الإجرام في حق الله عز وجل.

    والمخلوق مكون من أجزاء وأجسام وأبعاض، ولو سئلت: هل تقيس الخالق بالمخلوق؟ فلا بد وأنك ستقول: لا، فالذات تختلف عن الذات. أي: ذات الخالق تختلف عن ذات المخلوق.

    وإذا كان هذا النافي أو المشبه يقول بهذا، فنقول له: اختلاف الذات عن الذات يستلزم اختلاف الصفات، وهذا يعني: أن نثبت الصفات، ولكن على الوجه اللائق بتلك الذات، فلما كانت الذات كاملة علية جليلة، فلابد وأن تكون الصفات كذلك، فنثبت لله تبارك وتعالى الوجه. وهم يقولون: الوجه هو الذات. فإذا سئلوا: لماذا تقولون إن الوجه هو الذات؟ لقالوا: اعتماداً على قوله تعالى: كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ [القصص:88].

    ونحن نثبت لله تبارك وتعالى الساق والوجه واليد والعين والنفس، وكل ما أثبته الله تعالى لنفسه، ولو قلنا بإثبات الوجه الحقيقي لله عز وجل لقال النفاة: يلزم من إثباتكم الوجه لله عز وجل: أن ذات الإله هالكة مع من يهلك، ولا ينج إلا وجهه، ويستشهدون بظاهر الآية: كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ [القصص:88].

    رد ابن عثيمين على من أول الوجه بالذات

    تعرض الشيخ ابن عثيمين حفظه الله تعالى لرد هذه الشبهة بكلام ممتع وجميل جداً فقال: فإن قيل: ما المراد بالوجه في قوله: كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ [القصص:88]؟ إن قلت: المراد بالوجه الذات، فيخشى أن تكون حرفت -يعني: عطلت- فإذا قلت: إن هذا الوجه عبارة عن الذات فيكون المعنى: إنه ذات بلا وجه، كما قال أحد المفسرين: إن الله تبارك وتعالى ليس له وجه، فالله تبارك وتعالى يثبت أن له وجهاً، وهو يقول: ليس لله تبارك وتعالى وجه. وقال في قوله تعالى في سورة القصص: كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ [القصص:88]، أي: إلا ذاته. لأنه ليس لله وجه، إذ لا يشبه شيئاً ولا يشبهه شيء، فنفى الوجه عن الله تبارك وتعالى نفياً صريحاً، وقال: الوجه عبارة عن الذات حيث إنه لا وجه له؛ لأنه يلزمنا من إثبات الوجه أن نشبهه بالمخلوقين، ولما كان لا يشبه المخلوقين ولا يشبهه مخلوق يلزمنا نفي صفة الوجه.

    ولذلك قال صراحة في قوله: كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ [القصص:88]. أي: إلا ذاته؛ لأنه ليس لله وجه، إذ لا يشبه شيئاً ولا يشبهه شيء.

    وهذا الرجل الكبير هو فريد وجدي ، وتفسير فريد وجدي يقع في مجلد عظيم، وقد سلك فيه مسلك الأشاعرة في كل الصفات، وقد نفى عن الله تبارك وتعالى صفة الوجه التي أثبتها الله تبارك وتعالى لنفسه، وأثبتها له رسوله الكريم عليه الصلاة والسلام.

    يقول ابن عثيمين -رحمه الله- : إن قلت المراد بالوجه الذات فيخشى أن تكون حرفت، وهذا التحريف يستلزم التعطيل، وإن أردت بالوجه نفس الصفة -أي: صفة الوجه- وقعت في محذور، وهو ما ذهب إليه بعض من لا يقدرون الله حق قدره حيث قالوا: إن الله يفنى إلا وجهه.

    يقول: والجواب: إن أردت بقولك إلا ذاته يعني: أن الله تعالى يبقى هو نفسه مع إثبات الوجه لله، فهذا صحيح، ويكون هنا عبر بالوجه عن الذات لمن له وجه. أي: بذات لها وجه.

    وإن أردت بقولك الذات: أن الوجه عبارة عن الذات بدون إثبات الوجه، فهذا تحريف وهو غير مقبول.

    أي: أن ابن عثيمين مشى على قاعدة: أن السلف يثبتون الصفة ولازمها، فهو يقول: إذا أردت بالوجه الذات فلا بأس بهذا المراد إذا كنت تثبت أن هذه الذات لها وجه، وأما إذا قصدت أن الوجه هنا يعني الذات المجردة عن الصفة فهذا تحريف وتعطيل.

    إذاً: لا بأس أن تقصد بالوجه الذات، ولكن مع الإيمان بأن هذه الذات لها وجه.

    وهذا كلام جميل ومقبول، وإن كنت لا أستريح راحة كاملة لهذا التأويل، وهذا التفسير والبيان، ولكني أؤمن بالصفة كما جاءت هكذا، ولكن يلزمني أن أجيب عن السؤال، وأقول: من قال: إن الهلاك يلزم كل شيء إلا الوجه، وأن الله تبارك وتعالى يهلك فقد كفر.

    ويكون معنى الآية: إن الله تبارك وتعالى يهلك كل عباده ولا يهلك هو؛ لأن الهلاك صفة عجز ونقص، وهذا لا يجوز على المولى تبارك وتعالى، بل تبقى ذاته ويبقى وجهه، وربما يكون هذا صياغة أخرى لكلام الشيخ ابن عثيمين حفظه الله، ولذلك يقول: وعليه فنقول: إِلَّا وَجْهَهُ [القصص:88]، أي: إلا ذاته المتصفة بالوجه، وهذا ليس فيه شيء.

    والفرق بين هذا القول وبين قول أهل التحريف: إن هؤلاء يقولون: إن المراد بالوجه الذات ولا وجه لهذه الذات. ونحن نقول: المراد بالوجه الذات المتصفة بأن لها وجهاً، فعبرنا به عن الذات. أي: فعبرنا بالوجه عن الذات رداً على هذه الشبهة.

    وهناك أدلة أخرى في كتاب الله عز وجل تدل على إثبات هذه الصفة -أي: صفة الوجه لله- ومنها:

    قوله تعالى: وَمَا تُنفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ [البقرة:272].

    وقوله تعالى: وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ [الرعد:22].

    ومن السنة: حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: (لما قسم النبي عليه الصلاة والسلام الغنائم يوم حنين قام إليه رجل وقال: يا محمد! إن هذه قسمة ما عدل فيها، وما أريد فيها وجه الله). فأثبت الوجه لله. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: (ويحك، ومن يعدل إذا لم أعدل؟). يعني: إذا عم الظلم في الأرض فمن يعدل إلا الأنبياء والرسل؟

    والشاهد من هذا: أن النبي عليه الصلاة والسلام أقره على سياق هذا الكلام وفهمه وأن لله وجهاً، وهذا الرجل هو زعيم الخوارج، ولما ولى قال النبي عليه الصلاة والسلام: (ليخرجن من ضئضئ هذا -أي: من صلبه وظهره- قوم تحقرون صلاتكم إلى صلاتهم، وصيامكم إلى صيامهم، يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم. قال: فإذا لقيتموهم فاقتلوهم). وهم الخوارج.

    فهذا إقرار من النبي عليه الصلاة والسلام لفهم هذا الرجل أن لله تعالى وجهاً.

    ومنها: حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما في الثلاثة الذين حبسوا في الغار، وقصتهم طويلة معروفة مشهورة، وقال كل واحد منهم: اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك ففرج عنا ما نحن فيه. والحديث في الصحيحين.

    وحديث سعد بن أبي وقاص الطويل الذي فيه: (لما مرض سعد زاره النبي عليه الصلاة والسلام، فقال: يا رسول الله! إني رجل ذو مال ولا يرثني إلا ابنة لي، أفأتصدق بمالي؟ قال: لا. قال: أفأتصدق بشطره؟ -أي: بنصفه- قال: لا. قال: أفأتصدق بثلثه؟ قال: بالثلث، والثلث كثير).

    وقال ابن عباس رضي الله عنهما: وددت أن الناس نزلوا من الثلث إلى الربع؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: (والثلث كثير).

    ثم قال النبي عليه الصلاة والسلام: (إنك إن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس). أي: يمدون أكفهم للناس ويتسولون.

    ثم قال عليه الصلاة والسلام: (إنك لن تخلف -أي: لن تترك شيئاً خلفك- فتعمل عملاً تبتغي به وجه الله إلا أجرت عليه). أو (إلا ازددت به درجة ورفعة).

    كلام ابن خزيمة في إثبات صفة الوجه لله تعالى

    قال إمام الأئمة ابن خزيمة في كتاب التوحيد بعد أن أورد جملة من الآيات تثبت صفة الوجه لله عز وجل: فنحن وجميع علمائنا من أهل الحجاز وتهامة واليمن والعراق الشام ومصر مذهبنا أن نثبت لله ما أثبته الله لنفسه، نقر بذلك بألسنتنا -أي: نشهد به بألسنتنا- ونصدق ذلك بقلوبنا، من غير أن نشبه وجه خالقنا بوجه أحد من المخلوقين -يعني: نؤمن بهذه الصفة كما جاءت دون تشبيه ودون تمثيل- عز ربنا عن أن يشبه المخلوقين، وجل ربنا عن مقالة المعطلين -يعني: لا وجه شبه بين الخالق والمخلوق- ثم استعاذ من مقالة المعطلين النافين لصفات المولى تبارك وتعالى.

    كلام ابن مندة في إثبات صفة الوجه لله تعالى

    قال الحافظ ابن منده في كتاب التوحيد: ومن صفات الله عز وجل التي وصف بها نفسه: قوله تعالى: كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ [القصص:88]، وقال: وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ [الرحمن:27] وكان النبي عليه الصلاة والسلام يستعيذ بوجه الله من النار، والفتن كلها، ويسأل بوجه الله تبارك وتعالى.

    ثم سرد ابن منده بسنده أحاديث، ثم قال: بيان آخر يدل على أن العباد ينظرون إلى وجه ربهم عز وجل. إلى أن قال: باب آخر: فيه إثبات أن العباد ينظرون إلى وجه الله عز وجل، وسرد بسنده ما يدل على ذلك من أخبار سلفنا رضي الله تبارك وتعالى عنهم.

    كلام الأصبهاني في إثبات صفة الوجه لله تعالى

    قال الأصبهاني في كتاب الحجة: ذكر إثبات وجه الله عز وجل الذي وصفه بالجلال والإكرام، والضمير في قوله (وصفه) يعود على الوجه. قال: باب: ذكر إثبات وجه الله عز وجل الذي وصفه بالجلال والإكرام والبقاء في قوله عز وجل: وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ [الرحمن:27]. فهو لم يقل: ذي الجلال، وإنما قال: ذُو الْجَلالِ ، وذو الجلال صفة للوجه، ولو قال: ذي الجلال لكان الجلال والإكرام صفتان للرب تبارك وتعالى، وليس للوجه.

    وقال تعالى: تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ [الرحمن:78].

    وهنا لابد أن نفرق بين الآيتين، فلم يقل الله تبارك وتعالى في الآيتين: (ذو). ولم يقل فيهما: (ذي)، وإنما قال في الوجه: ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ [الرحمن:27]، وقال في الذات: ذِي الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ [الرحمن:78].

    وهذا يدلنا على إثبات الوجه، وأنه متصف بالجلال والإكرام، وعلى إثبات الذات، وأنها كذلك متصفة بالجلال والإكرام، فمن قال: إن الوجه عبارة عن الذات -أي: أنه ذات بلا وجه- فلابد وأنه سيخطئ في تفسير قوليه تبارك وتعالى: (وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو) و(ذِي)، ولن يخرج من هذه الورطة.

    وقد تعرض ابن عثيمين -رحمه الله- لهاتين الآيتين اللتين ذكرتا في كتاب الله وتعرض كذلك لأحاديث النبي عليه الصلاة والسلام، فقال في الآية الأولى: وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ [الرحمن:27]: وهذه معطوفة على قوله تعالى: كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ [الرحمن:26]. ثم أعقب ذلك بقوله: وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ [الرحمن:27].

    ولهذا قال بعض السلف: ينبغي إذا قرأت: كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ أن تصلها بقوله: وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ؛ حتى تبين الاستثناء؛ حتى يتبين نقص المخلوق وكمال الخالق، وذلك للتقابل، فهذا فناء وهذا بقاء. أي: هذا فناء كتب على المخلوقين، وهذا بقاء واجب لله تبارك وتعالى. وقال تعالى: وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ، أي: لا يفنى.

    الوجه معناه معلوم عند العرب، فهو ثابت لله عز وجل، وكيفيته لدينا مجهولة، كما أن الذات مجهولة لدينا،وكذلك الصفات مجهولة لدينا، ونحن لا نعلم كيفية وجه الله تبارك وتعالى كما لا نعلم سائر صفاته، ولكنه يلزمنا أن نؤمن بأن له وجهاً موصوفاً بالجلال والإكرام، وموصوفاً بالبهاء والعظمة والنور العظيم، وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: (حجابه النور، لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه). وسبحات وجهه أي: بهاءه وعظمته وجلاله ونوره.

    وقوله: (ما انتهى إليه بصره من خلقه) فبصره ينتهي إلى كل شيء. يعني: لو أن الله كشف هذا الحجاب -الذي هو من نور- لأحرقت سبحات وجهه جميع المخلوقين؛ لأن بصره ينتهي إلى جميع المخلوقين، وعليه فلو كشف الله هذا الحجاب -الذي هو النور أو النار- لاحترق كل شيء في الأرض.

    ولهذا نقول: هذا الوجه وجه عظيم، ولا يمكن أبداً أن يماثل أوجه المخلوقات.

    وبناء على هذا نقول: من عقيدتنا أننا نثبت أن لله وجهاً حقيقة، وقد أخذنا هذا ونأخذه من قوله تعالى: وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ [الرحمن:27]. وهذا الوجه لا يماثل أوجه المخلوقين؛ لقوله تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى:11]. فهذا نفي للمثلية بين الخالق والمخلوق، ونحن نجهل كيفية هذا الوجه؛ لقوله تعالى: وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا [طه:110].

    فإن حاول أحد أن يتصور هذه الكيفية بقلبه، أو أن يتحدث عنها بلسانه فهو مبتدع ضال؛ لأن هذا ليس طريق السلف، وهو قول على الله من غير علم، وقد حرم الله علينا أن نقول عليه ما لا نعلم، كما قال تعالى: قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ [الأعراف:33] فالتعرض لذكر كيفية الوجه لله عز وجل قول على الله بغير علم.

    وقال تعالى: وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا [الإسراء:36]، أي: أنك مسئول على كل هؤلاء.

    وأما قوله: وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ [الرحمن:27]، فقد وصف نفسه بأنه رب محمد صلى الله عليه وسلم، وهذه ربوبية خاصة، وقوله: ذُو صفة للوجه، والدليل الرفع، فلم يقل: ذي، وإنما قال: ذو، ولو كانت صفة للرب لقال: ذي الجلال، كما قال في نفس السورة: تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ [الرحمن:78]، فلما قال: ذُو الْجَلالِ علمنا أنه وصف للوجه.

    والْجَلالِ معناه: العظمة والسلطان، وَالإِكْرَامِ: مصدر من أكرم.

    معنى قوله تعالى: (كل شيء هالك إلا وجهه)

    قال تعالى: كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ [القصص:88]، أي: فان.

    وقوله: كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ [الرحمن:26] أي: هالك إلا وجهه، وهي توازي قوله تعالى: وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ [الرحمن:27] والمعنى: كل شيء فان وزائل، إلا وجه الله عز وجل فإنه باق، ولهذا قال: لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [القصص:88]، أي: فهو الحكم الباقي الذي يرجع إليه الناس ليحكم بينهم.

    وقيل في معنى الآية: كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ [القصص:88] أي: إلا ما أريد به وجهه. وهذا تأويل ثان، والتأويل الأول: أن يراد بالوجه الذات العارية عن الصفات.

    وهذا التأويل قد رددناه بقوله تعالى: (وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو)، ولم يقل: ذي؛ لأن الجلال والإكرام هنا صفة للوجه، بخلاف قوله تبارك وتعالى: تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلالِ ، فذي الجلال صفة للرب تبارك وتعالى.

    وأما التأويل الثاني لقوله تعالى: كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ [القصص:88] أي: إلا ما أريد به وجهه تبارك وتعالى، فيكون هذا الهلاك على الأفعال، أي: أفعال العباد، فكل من فعل فعلاً لا يبتغي به وجه الله فهو هالك، أي: يصبح هباء منثوراً.

    وهناك أحاديث أخرى كثيرة جداً في الأمر بلزوم النية الصالحة في العمل والإخلاص لله عز وجل، وهي تبين أن من عمل عملاً على غير هذا النحو فإنه يكون هباء منثوراً، بل صاحبه في النار، ولذلك قال النبي عليه الصلاة والسلام: (من تعلم العلم ليتصدر به المجالس، أو يماري به السفهاء، أو يجادل به العلماء فالنار النار)، مع أنه تعلم العلم، ولكنه لم يتعلمه لوجه الله عز وجل، ولم يخلص فيه لله عز وجل، وإنما تعلمه بنية سيئة فاسدة، وقد قال عليه الصلاة والسلام: (إنما الأعمال بالنيات) . فالنية يترتب عليها الجزاء والعقاب، إن خيراً فخير وإن شراً فشر.

    فقولهم في تأويل قوله تعالى: كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ [القصص:88] بأنه: إلا ما أريد به وجهه هذا كلام فاسد جداً؛ لأنه يلزم منه نفي الصفة؛ لأن الهلاك سيكون مترتباً على الفعل نفسه، وهم قالوا: إن سياق الآية يدل على ذلك، فقوله: وَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ [القصص:88] كأنه يقول: لا تدع مع الله إلهاً آخر فتشرك به؛ لأن عملك وإشراكك هالك، أي: ضائع سدى، إلا ما أخلصته لوجه الله، فإنه يبقى، لأن العمل الصالح له ثواب باق لا يفنى في جنات النعيم. والمعنى الأول أسد وأولى.

    تأويل أهل التحريف للوجه بالثواب والرد عليهم

    أيضاً: فسر أهل التحريف وجه الله بالثواب، فقالوا: المراد بالوجه هنا: الثواب، فكل شيء يفنى إلا ثواب الله عز وجل فإنه لا يفنى.

    وإذا قلنا: إن الوجه الثواب لزمنا أن نقول: إن الذات غير متصفة بالوجه. يعني: أنها ذات بلا وجه، وهذا تعطيل.

    ففسروا الوجه الذي هو صفة كمال لله عز وجل بشيء مخلوق بائن عن الله قابل للعدم والوجود؛ لأن الثواب إذا شاء الله تبارك وتعالى أوجده وإذا شاء جعله هباء منثوراً، فالثواب بيد الله عز وجل، فهو يثيب عبداً ولا يثيب آخر، والثواب على هذا النحو مخلوق؛ لأنه حادث، فأنت لن تثاب إلا إذا عملت، فثواب الله تبارك وتعالى مخلوق حادث ومترتب على العمل، والعمل كذلك مخلوق وحادث، فإذا قلنا: إن الوجه في الآية المراد به الثواب فالثواب حادث، ووجه الله تبارك وتعالى ليس حادثاً، فلا يصح أن نقول: إن الوجه مقصود به الثواب، بل الذي يصح أن نثبت لله تبارك وتعالى وجهاً على المعنى الذي يليق بكماله وجلاله، فإذا فسر بالثواب صار من باب الممكن الذي يجوز وجوده وعدمه.

    بيان أن كل الآيات التي ذكرت الوجه مضافاً إلى الله فإنه يراد بها وجه الله الثابت له

    الأصل أن كل آية فيها إثبات الوجه مضافاً إلى الله فإنه يراد بها وجه الله الثابت له، كما في قوله تعالى: وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ [الأنعام:52].

    وقوله: وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى * إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الأَعْلَى [الليل:19-20]. وما أشبههما من الآيات، فالأصل أن المراد بالوجه المضاف إلى الله عز وجل وجه الله تبارك وتعالى، الذي هو صفة من صفاته.

    اختلاف المفسرين في معنى قوله تعالى: (فأينما تولوا فثم وجه الله) وبيان الصحيح منها

    اختلف المفسرون في آية واحدة، وهي قوله الله تعالى: وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ [البقرة:115]، فقال بعضهم: فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا أي: إلى أي مكان وليتم وجوهكم عند الصلاة، فَثَمَّ أي: فهناك وجه الله عز وجل.

    ومنهم من قال: إن الوجه بمعنى الجهة، وإن معنى فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ [البقرة:115] أي: فثم الجهة التي وجهكم الله تعالى إليها، وهذا تأويل أيضاً، فأولوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ [البقرة:115] أي: فثم الجهة، فأولوا الوجه بالجهة، وقالوا: إن الوجه بمعنى الجهة؛ لقوله تعالى: وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا [البقرة:148]. فلم يقل: لكل وجه هو موليه، ولكن قال: لكل وجهة.

    فالوجه عند هؤلاء هو الجهة، أي: فثم جهة الله التي يقبل الله صلاتكم إليها، قالوا: لأنها نزلت في حال السفر، فإذا صلى الإنسان النافلة فإنه يصلي حيث كان وجهه، أو إذا اشتبهت عليه القبلة، فإنه يتحرى ويصلي، سواء كان ذلك في الفرض أو في النافلة.

    والصحيح أن المراد بالوجه هنا هو وجه الله تبارك وتعالى الحقيقي، أي: إلى أي جهة تتوجهون فثم وجه الله تبارك وتعالى؛ لأن الله محيط بكل شيء، ولأنه ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أن المصلي إذا قام يصلي فإن الله يقبل عليه بوجهه، ولهذا نهى النبي عليه الصلاة والسلام أن يبصق الرجل عن أمامه أو عن يمينه، ولكن إذا أراد أن يبصق فليبصق عن شماله أو تحت قدمه اليسرى، فإن الملائكة تلازم يمينه، وإن الله تبارك وتعالى من تلقاء وجهه.

    فإذا صليت في مكان لا تدري أين القبلة فيه واجتهدت وتحريت وصليت ثم بان أن القبلة خلفك فالله يكون قبل وجهك حتى في هذه الحال، ويقبل عليك بوجهه؛ لأنك قد بذلت ما في وسعك وتحريت ما أمكنك. وهذا معنى صحيح موافق لظاهر الآية.

    حال كتاب: المفسرون بين التأويل والإثبات في آيات الصفات وحال مؤلفه

    للشيخ محمد عبد الرحمن المغراوي كتاب عظيم جداً اسمه: (المفسرون بين التأويل والإثبات في آيات الصفات). وهو مع صغره إلا أنه عظيم النفع جداً، والشيخ المغراوي رجل مغربي، وعريق في مذهب السلف، وقد التقيت بهذا الرجل في السعودية مرة، وفي الكويت مرة أخرى، وهو في غاية الشدة في إثبات مذهب السلف، وعادة المغاربة بدءاً من ليبيا وانتهاء بالمغرب أنهم قوم لا يعرفون إلا الحدة والعصبية لأي رأي يتبنوه.

    ومن أعظم نعم الله على ذلك الرجل أنه تعصب لمذهب السلف، وقل أن تجد في المغرب رجلاً يفهم عقيدة السلف حق الفهم كما فهمها هذا الرجل، فصنف هذا الكتاب بعد أن طاف وجال في جميع التفاسير التي ألفها المفسرون، فمنهم من كان معتزلياً محترقاً، أو جهمياً جلداً، أو أشعرياً قحاً، أو سلفياً.

    1.   

    حال المفسرين في التأويل

    من المفسرين من وقع في التأويل بغير قصد كـالشوكاني مثلاً، فـالشوكاني كان سلفي المعتقد، وكان أولاً زيدياً شيعياً، ولكن الله تبارك وتعالى من عليه بالرجوع إلى مذهب السلف، والذي يترجح لدي أن الله من عليه بوجود محمد بن عبد الوهاب في أرض الجزيرة العربية؛ لأن الشوكاني عاصر محمد بن عبد الوهاب عليهما رحمة الله، وانتشر مذهب ابن عبد الوهاب السلفي العقيدة في أرض الجزيرة كلها في حياته، ولعل الشوكاني عليه رحمة الله تأثر به، فانحرف عن مذهب الزيدية إلى مذهب السلف الصالح رضي الله عنهم، ثم بقيت عنده بقايا ربما لا يقصدها، ومن باب النصيحة في الدين أقول: إنه وقع في بعض التأويل؛ لأن صاحب البدعة قل أن يتنظف منها بالكلية، بل لابد أن يبقى فيه شيء من رواسبها، ولذلك لا يمكن أن يكون صاحب البدعة الأصلية كصاحب السنة الأصلية وإن تاب صاحب البدعة، فليس هذا كذاك عند الله عز وجل إلا إذا أحسن إحساناً ليس بعده إحسان واستقام استقامة نهائية، وتخلى عن بدعته من أولها إلى آخرها.

    حال ابن عطية وابن الجوزي في التأويل

    أيضاً: من المفسرين ابن عطية الأندلسي ، وهو إمام كبير جداً ومفسر عظيم وصاحب سنة، ولكنه كان في العقيدة أشعرياً، وكان صاحب سنة -أي: له رواية وسند- وتفسيره من التفسيرات العظيمة التي هي محل الاعتبار والاهتمام، ولكنه في آيات الصفات وقع وزل. وكذلك ابن الجوزي عليه رحمة الله.

    حال الزمخشري والبيضاوي والنسفي في التأويل

    أيضاً الزمخشري له كتاب عظيم جداً في التفسير، وهو عظيم في باب اللغة، وباب الصرف، والبيان والإعجاز، أما في صفات المولى تبارك وتعالى فلا يساوي شيئاً؛ لأنه معتزلي ومحرف، والبيضاوي كذلك ، وكذلك النسفي الذي هو عمدة الأزهر.

    ومن التلبيس العظيم: أنك تسمع وتدرس في الأزهر أن أهل السنة والجماعة هم الأشاعرة والماتريدية أتباع أبي منصور الماتريدي ، وهذا تلبيس عظيم جداً على الأمة، فالأشاعرة والماتريدية من أهل القبلة وليسوا من أهل السنة، بل هم خلف، وهم في الترتيب الثاني في إثبات خلفيتهم بعد المعتزلة.

    حال الخازن وأبي حيان والجلالين والشربيني وأبي السعود في التأويل

    أيضاً الخازن في تفسيره كذلك، وكذلك أبو حيان الأندلسي الغرناطي ، وهو من غرناطة.

    و جلال الدين السيوطي كان أشعرياً قحاً، وكذلك جلال الدين المحلي ، وتفسير الجلالين معلوم لديكم ومشهور، رغم أنه لا يعتبر في عالم التفاسير تفسيراً؛ لأنه تعليقات يسيرة وبسيطة على كلمات المولى تبارك وتعالى، ولكن لإثبات أشعريتهما جعل الله تبارك وتعالى القلم يجري بأيديهما في آيات الصفات، فأولاها وصرفاها عن ظاهرها حتى تعلم الأمة ولا تضطرب أو تختلف في إثبات أشعريتهما، وسمي هذا التفسير تفسير الجلالين نسبة إلى جلال الدين السيوطي وجلال الدين المحلي .

    كذلك الخطيب الشربيني وهو كذلك عمدة الأزهر، وأبو السعود عمدة الأزهر.

    حال الشوكاني في التأويل وعدم تعمده للباطل كالزمخشري

    والشوكاني سلفي، وله كتاب اسمه: التحف في مذاهب السلف ، ولكنه وقع في التأويل، وقد نبهنا مراراً أن الذي يتحرى الحق ولا يصيبه ليس كالذي يتعمد الباطل، وهذا مثل الزمخشري.

    إن الزمخشري في تفسيره للآيات التي أثبتت رؤية المؤمنين لربهم تبارك وتعالى صرف هذه الآيات عن ظاهرها، ولم يتكلم فيها، ولما أتى إلى الأحاديث التي تثبت ذلك سمى أهل السنة: الحشوية. وقال: لقد صنع الحشوية أحاديثاً يثبتون بها -بزعمهم- رؤية المؤمنين لربهم.

    وهذه الأحاديث متواترة، والذي يردها كافر، فالذي يرد الحديث المتواتر كالذي يرد الآية من كتاب الله؛ لأن هذا ثابت بالتواتر وذاك ثابت بالتواتر، ولكنه لم يستطيع أن يرد الآية فأولها، وهذا مذهب أهل البدع. يعني: إذا لم يستطيعوا نزعها من جذرها تعرضوا لها بالتأويل. يعني: يصرفوها عن ظاهرها.

    فكأنه يقول: الحديث أمره سهل، وأما الآية فلا أستطيع؛ لأن الأمة كلها ستقوم علي، وأما الحديث فهو محل أخذ ورد، فهو يقول عن الأحاديث التي أثبتت الرؤية: أنتم الذين صنعتموها.

    قال الإمام الذهبي رداً على الزمخشري : ليته ما تكلف. فهل أهل السنة سيطبقون ويجمعون في الأرض مع اختلاف بلدانهم وألسنتهم وألوانهم ومعارفهم على اختلاق أحاديث تبلغ حد التواتر؟

    فالمتواتر عند المحدثين هو: الحديث الذي روي بالعدد الكثير في كل طبقة من الطبقات من أول السند إلى منتهاه بحيث يستحيل عادة تواطؤهم على الكذب. يعني: لا يمكن أبداً أن يتفق مغربي مع واحد مصري مع شامي مع حجازي مع يمني مع طلياني في إثبات حديث وسياقه على نسق واحد إلى النبي عليه الصلاة والسلام؛ إذ إن كل واحد من هؤلاء في جهة، ومع هذا يتناقلون حديثاً على وجه واحد، فهذا يدل على صدقهم، ومع ذلك قال الزمخشري : إنهم صنعوا أحاديث يثبتون بها رؤية المؤمنين لربهم. وهذا لم يضرب ولم يقتل في ذلك الوقت، وهو أشر من الحكام.

    حال الألوسي في التأويل

    أيضاً: من المفسرين الذين وقعوا في التأويل: الإمام الألوسي، وكتابه (روح المعاني) في التفسير يقع في عشرة مجلدات، وهو كتاب عظيم إلى أقصى حد، ولكن الألوسي زل في بعض الصفات وأولها، وليته ما كتبها، لأن أصله ليس أشعرياً، فزل في بعض الصفات وليس في كلها، فهو مرة يدافع عن مذهب السلف ومرة يقع فيما وقع فيه المؤولة، وهذا يدل على أنه لم يتمكن من دراسة الاعتقاد.

    ومن واجبي أن أبين لك ذلك؛ حتى إذا قرأت في كتب هؤلاء تحذر، وأنا أحثك على القراءة وطلب العلم من هذه الكتب، إلا في موطن الصفات والذات فينبغي أن ترجع لرجل سلفي سني، أو تقرأ له؛ لأن حبك لفلان ربما يجعلك تعمى وتصم عن أخطائه، وهذا مذهب غير معمول به عند المسلمين.

    حال سيد قطب في التأويل

    أيضاً: سيد قطب رحمه الله تبارك وتعالى، وهو لم يتمكن من دراسة الاعتقاد، فقد دخل السجن قبل أن يقرأ كتاباً في العقيدة، وما تعلم في السجن شيئاً، بل تفرغ للكتابة والتصنيف.

    والذي يظهر أن السيد قطب يثبت صفة الوجه، ولكن بتحفظ شديد جداً، فقد قال في سورة البقرة عند قوله: وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ [البقرة:115]: فهي توحي بأنها جاءت رداً على تفضيل اليهود في إدعائهم أن صلاة المسلمين إلى بيت المقدس كانت باطلة وضائعة ولا حساب لها عند الله، والآية ترد عليهم هذا الزعم، وهي تقرر أن كل اتجاه قبلة، فثم وجهه حيث توجه إليه عابد، وإنما تخصيص قبلة معينة هو توجيه من عند الله، لا أن وجه الله سبحانه في جهة دون جهة، والله لا يضيق على عباده ولا ينقصهم ثوابهم، فهو عليم بقلوبهم ونياتهم، ودوافع اتجاهاتهم، وفي الأمر سعة، والنية لله، إن الله واسع عليم.

    وقال في قوله تعالى: كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ [القصص:88]: فكل شيء زائل، وكل شيء ذاهب، المال والجاه والسلطان والقوة والحياة والمتاع، وهذه الأرض ومن عليها، وتلك السماوات ومن فيها وما فيها، وهذا الكون كله ما نعلمه منه وما نجهله كله هالك، فلا يبقى إلا وجه الله الباقي متفرداً بالبقاء.

    وقال عند قوله تعالى: كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ [الرحمن:26-27]: وفي ظل هذا النص القرآني تخفت الأنفاس، وتخشع الأصوات، وتسكن الجوارح، وظل الفناء يشمل كل حي، ويطوي كل حركة، ويغمر آفاق السماوات والأرض، وجلال الوجه الكريم الباقي يظلل النفوس والجوارح والزمان والمكان، ويغمر الوجود كله بالجلال والوقار.

    ثم ذكر كلاماً وقال بعده: ويعقب على هذه اللمسة العميقة الأثر بنفس التعقيب، فيعد استقرار هذه الحديقة الغناء لكل من عليها، وبقاء الوجه الجليل الكريم وحده بعد استقرار هذه الحقيقة نعمة يواجه بها الجن والإنس.

    وقال عند قوله: وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى * إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الأَعْلَى [الليل:19-20]: ثم ماذا ينتظر هذا الأتقى الذي يؤتي ماله تطهراً وابتغاء وجه ربه الأعلى؟ إن الجزاء الذي يطالع القرآن به الأرواح المؤمنة هنا عجيب ومفاجئ على غير المألوف.

    فهو في تفسيره لهذه الآيات لا يؤولها بل يبقيها على ظاهرها، فنحمله على المتبادر إلى الذهن من إثبات الصفات.

    وسيد قطب أول صفات كثيرة لله عز وجل وأقل تأويله هو تأويله لصفة الوجه، وقد أول صفة الاستواء، وصفة الكلام، وصفة الكرسي، وصفة الإتيان والمجيء، وصفة النفس، وصفة العين، والمحبة، واليد، والفوقية، وإثبات الرؤية، وصفة المعية، وأقل تأويله هو تأويله لصفة الوجه دون هذه الصفات.

    حال المراغي ومحمود حجازي والطاهر بن عاشور في التأويل

    أيضاً: المراغي إمام كبير من أئمة الأزهر وعالم من علمائهم وقد أول هذه الصفات كذلك، وكذلك الشيخ محمود حجازي وقع في التأويل، وطاهر بن عاشور في تفسيره العظيم جداً وقع في التأويل، وكان متأولاً أصيلاً.

    حال الصابوني في التأويل وذكر نماذج من تأويلاته

    أيضاً: الصابوني -حفظه الله وهداه- وقع كذلك في التأويل، فقال في صفة الوجه عند قوله تعالى: كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ [القصص:88] أي: كل شيء يفنى وتبقى ذاته المقدسة، ففسر الوجه بالذات، وقال: أطلق الوجه وأراد ذات الله عز وجل.

    قال ابن كثير: وهذا إخبار بأنه تعالى الدائم الباقي الحي القيوم الذي تموت الخلائق ولا يموت، فعبر بالوجه عن الذات، كقوله: كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ [الرحمن:26-27].

    وقال عند قوله تعالى: كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ [الرحمن:26]، أي: ويبقى ذات الله الواحد الأحد ذو العظمة والكبرياء والإنعام والكرام.

    وقال عند قوله: وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ [البقرة:115]. أي: إلى أي جهة توجهتم بأمره فهناك قبلته، فخص الوجه بالقبلة التي رضيها لكم، وقد نزلت الآية فيمن أضاع جهة القبلة.

    وكذلك القرطبي عليه رحمة الله.

    وإذا نظرت إلى كلام المفسرين، أو إلى تأويل المفسرين لكدت أن ترجع بالحسرة والندامة، وبشديد الحزن والغم والهم، فقل أن يسلم لك إمام من الأئمة أو مفسر من المفسرين إلا ووقع في التأويل أو كان مؤولاً أصيلاً.

    وهؤلاء الذين عددناهم الآن حوالي عشرين مفسراً، وبقية الكتاب تناول بقية المفسرين من أول من صنف في التفسير إلى آخر من صنف كـالصابوني ، وهم كثرة كثيرة جداً.

    تفاسير ينصح بالرجوع إليها

    أعظم تفسير ترجع إليه هو تفسير الإمام الطبري ؛ فقد كان على رأس أهل السنة والجماعة في زمانه، ثم اختصر كتابه العلامة الكبير النحرير شيخ السلف والمفسرين في زمانه: ابن كثير الدمشقي عليه رحمة الله تعالى.

    ونحن ننصح دائماً بالرجوع إلى تفسير القرآن العظيم لـابن كثير لمن أراد النظر في التفسير، ومن عز أو شق عليه هذا أو لم يفهمه فليرجع إلى مختصر هذا الكتاب، وهو اختصار شيخنا وأستاذنا وعالمنا رحمه الله الشيخ محمد نسيب الرافعي ، فقد اختصر تفسير ابن كثير في أربع مجلدات، فمن أراد فليرجع إلى هذه الكتب الثلاثة، وأما غيرها فالأولى أن لا يقرأ فيها ولا ينظر فيها إلا طالب للعلم الشرعي الذي قد تمكن من علم العقيدة على مذهب السلف.

    فإذا نظرت في الآية المتعلقة بصفات المولى تبارك وتعالى فلابد أن تعلم كون هذا المفسر متبعاً أو مبتدعاً.

    حال ابن الجوزي في العقيدة

    ابن الجوزي -عليه رحمة الله- أشعري أصيل، وتجد له أحياناً أقوالاً في غاية الروعة والجمال في مذهب أهل السنة والجماعة، ونبذ الابتداع، وتضليل المبتدعة، والأمر بلزوم وسلوك سبيل السلف، ولكن القضية كانت عند ابن الجوزي غير منضبطة، فهو يأمر باتباع السلف ويخالفهم، فقد قال في قوله تعالى: وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ [الرحمن:27]: قال المفسرون: معناه يبقى ربك، ففسر الوجه بالذات.

    وكذا قال في قوله: يُرِيدُونَ وَجْهَهُ [الأنعام:52] أي: يريدونه هو.

    وقال في قوله: كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ [القصص:88]: إلا هو، وقد ذهب الذين أنكرنا عليهم إلى أن الوجه صفة تختص باسم زائد على الذات.

    وهذا الكلام في غاية الخطورة، فهو يقول: وقد ذهب الذين أنكرنا عليهم. والذين أنكر عليهم ابن الجوزي هم السلف، فقد ذهبوا إلى إثبات أن لله تعالى وجهاً، وهو صفة زائدة على الذات.

    وهذا هو معتقدنا نحن، فنحن نقول: ونعتقد أن لله تبارك وتعالى وجهاً يختلف عن الذات؛ لأننا لو قلنا: إن الوجه هو الذات فستكون الذات من غير وجه، ولكن الوجه صفة زائدة للذات، فهو سبحانه ذات متصفة بالوجه.

    و ابن الجوزي يقول: و(قد ذهب الذين أنكرنا عليهم إلى إثبات أن لله تعالى وجهاً) وليس له دليل إلا ما عرفه من الحسيات، من أن ذلك يوجب التبعيض، وأنا إذا أثبتنا أن لله وجهاً فهذا يوجب التبعيض.

    قال: ولو كان كما قالوا -أي: ولو كان الأمر كما قلنا نحن- كان المعنى أن ذاته تهلك إلا وجهه. ويستدل بقوله تعالى: كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ [القصص:88].

    قال ابن حامد : أثبتنا لله وجهاً ولا يجوز إثبات رأس.

    يعني: إذا أثبتنا أن لله وجهاً لا يلزم هذا أن نثبت أن لله رأساً؛ لأنه لم يرد في النصوص، فلو قلت: إثبات الوجه يلزم منه إثبات الرأس؛ لأن وجهي في رأسي، فكيف أثبت وجهاً بلا رأس؟ فسأقول لك: هذا الكلام في حقي أنا وأنت، وأما في حق الله عز وجل فلا؛ فلو قلت: يلزم من إثبات الوجه إثبات الرأس، فسأقول لك: أنت وضعت صورة لله عز وجل في رأسك وقلبك وجعلت الله كنفسك، وجعلت الذات العلية كذاتك أنت السفلية.

    ولا نثبت لله وجهاً بلا رأس، فهذا أيضاً خطأ، بل نثبت لله وجهاً لأنه أثبته، وننفي عنه ما نفاه عن نفسه، فلا نثبت الرأس، ولا مانع أن يكون الله اتصف به، ولكنه لم يخبرنا، ونحن لا نثبت لله شيئاً إلا إذا كان ثابتاً.

    يقول: ولقد اقشعر بدني من جراءته على ما ذكر، فما أعوزه في التشبيه غير الرأس.

    فـابن الجوزي ينقم على ابن حامد الذي يقول: إننا نثبت الوجه لكن لا نثبت الرأس، قال: لأنه يلزم من إثبات الوجه التشبيه بين الخالق والمخلوق.

    حال كتاب دفع شبه التشبيه لابن الجوزي وسبب تأليفه له

    إن كتاب (دفع شبه التشبيه) لـابن الجوزي أشأم كتاب صنف في الإسلام في الاعتقاد، وكان غرضه من تصنيف هذا الكتاب أن يرد على أهل السنة، معتبراً أن الذي عندنا شبهات وهو يدفعها عننا.

    قال: لأن إثباتكم للشبهات التي في عقولكم يلزم منها التشبيه بين الخالق والمخلوق، فهو يسمينا تارة المجسمة، وتارة المشبهة.

    فقد انبرى قلمه في تصنيف هذا الكتاب ليرد به على أهل السنة والجماعة؛ ظناً منه أن ما عندنا هو مجموعة شبهات، وابن الجوزي رد على إمامه أحمد بن حنبل . حتى أن الإمام الذهبي حينما تكلم في المجلد الرابع عشر من السير في ترجمته لـابن الجوزي قال: وليت ابن الجوزي سكت وما خالف إمامه. لأن ابن الجوزي في الفروع حنبلي، وأحمد بن حنبل كان سيد الأمة في زمانه في إقامة العقيدة على ما كانت عند النبي عليه الصلاة والسلام وعند أصحابه الكرام.

    و ابن الجوزي اعتبر أن أحمد بن حنبل ومن معه مشبهة، وقد أساء غاية الإساءة للحنابلة ولـأحمد بن حنبل خاصة في مذهبه، وأساء إلى مذهب السلف على العموم رضي الله تبارك وتعالى عنهم، وهو يقول: إنه سلفي، ويحث الناس على معتقد السلف.

    مناقشة لأحد دكاترة الأزهر حول من هم المتكلمون وصفة الكلام

    سألت أحد مشايخ الأزهر كان يدرس العقيدة للسنة الأولى في كلية الشريعة، وقد أكثر من قول: (والمتكلمين). فقلت له: من المتكلمون؟ قال لي: أهل السنة، قلت: من هم؟ قال لي: الأشاعرة والماتريدية مجموعهم هم أهل السنة، قلت: والمعتزلة؟ قال: والمعتزلة خالفوا في بعض الصفات فقط، قلت: ومن الذي خالف في كل الصفات؟

    قال: الذين أثبتوها على ما جاءت ولم يتعرضوا لها بالتأويل.

    قلت: وما الذي منعهم أن يتعرضوا لها بالتأويل؟ قال: جهلهم بالنصوص، قلت: الذي نعلمه من كتب الاعتقاد أن أبا بكر لم يتعرض لهذه الآيات بالتأويل، ولا عمر ، ولا عثمان ، ولا علي ، والنبي عليه الصلاة والسلام أمرنا أن نتبع سنة هؤلاء، فقد قال: (فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين). قال: لا، أمر النبي عليه الصلاة والسلام باتباع سنة الخلفاء في السياسة والحكم، قلت له: من أين لك هذا القيد؟

    قال: لأن السنة إذا أضيفت إلى خليفة قصد بها الحكم، وإذا أضيفت إلى عالم قصد بها في هديه وسمته، قلت: أيضاً سنطالبك بالدليل في هذا. وكان أكبر رأس في الأزهر، وهو رئيس جامعة الأزهر، وهو الدكتور عبد الفتاح الشيخ . ثم قلت له: يا أستاذ! الذي نعلمه من مذهب سلفنا أن أسماء الله تبارك وتعالى وصفاته لا يتعرض لها بالتأويل، وما سكت سلفنا عن تأويل هذه الصفات عن جهل وإنما عن علم وإيمان، فقد آمنوا بها ولم يرد أن أحداً منهم سأل النبي عليه الصلاة والسلام ما المقصود باليد أو الوجه أو الساق أو القدم أو الأنامل أو الأصابع؟

    وهب أن أبا بكر جاهل، فهل الأمة والصحابة في ذلك الزمان كلهم جهال؟ فقد علمهم النبي عليه الصلاة والسلام أن يسألوا إذ لم يعلموا، فكونهم لم يسألوا دليلاً على أنهم آمنوا بها كما جاءت، وأمروها ولم يتعرضوا لها بتأويل، وأما من تعرض لها بتأويل فإنه خلفي وليس سلفياً.

    قال: ماذا تقصد؟ قلت: أقصد أن من تعرض لها بالتأويل أشعري، والأشاعرة ليسوا من أهل السنة بل هم من أهل القبلة، وهذه مجاملة معهم، وأما أن تدعي أمام الطلاب أن الأشاعرة والماتريدية هم أهل السنة فهذا تلبيس، فثار ثورة عارمة وسب وشتم، ثم حرش بي عند العساكر الذين كانوا يحرسونه.

    في المحاضرة الثانية كنت جالساً في الدكة الأولى، فقال في صفة الكلام لله عز وجل: والكلام ثابت لله عز وجل، فقلت: يمكن أنه تاب والحمد لله، ويبدو أن الرجل قد راجع نفسه واستقام، فقال: ولكن ليس على مذهب الحشوية، فقلت له: يا شيخ! من الحشوية؟ قال: من سموا أنفسهم بالسلف، قلت: نحن يعني؟ قال: هو أنت، قلت له: ليس أنا فأنا تابع، قال: وأما الكلام الثابت لله عز وجل فهو كلام نفساني، وإن الله لا يتكلم على الحقيقة، قلت: آخر الكلام ينقض أوله، قال لي: كيف؟ قلت له: الله تبارك وتعالى يتكلم كلاماً على الحقيقة متى شاء وبأي كيفية شاء ونحن لا نعلم حقيقة الكيفية، قال لي: كيف؟ وهل ربنا يؤاخذنا بشيء لا نعلمه؟ قلت له: لا، وأرجو ألا ترفع صوتك حتى لا تضيع المعلومة، فالكلام ثابت لله عز وجل على المعنى اللائق به، ثم قلت له: وهل أنت رأيت ربنا؟ قال: لا، قلت: هل رأيته كيف يتكلم؟ قال: لا، قلت له: وكيف أثبت أن له كلاماً نفسانياً؟ وما الذي يمنعك أن تثبت له الكلام على الحقيقة؟ قال: كيف يا بني؟ وهل له أسنان ولسان؟ قلت له: وهل لابد أن نثبت له ذلك؟ قال: فكيف تقول: إنه يتكلم حقيقة؟ قلت له: هل ربنا له مخ؟ فلو أن له مخاً فسيتكلم كلاماً نفسانياً، فهل تثبت له المخ؟ قال لي: لا، قلت له: كيف يكون له كلام نفساني؟ قال: تعال إلى المكتب لنتناقش، قلت له: بل هنا؛ لأنك تكلمت بهذا الكلام أمام الطلاب، ولا يصلح أن يخفى هذا على الطلاب، ولا أن تعتقد أنت لنفسك أن الله تبارك وتعالى يتكلم كلاماً نفسانياً، ومعذرة فأنا سأبيّن الطلاب ماذا يعني الكلام النفساني عند الأشاعرة، ثم قلت له: من أول من سن الأشعرية؟ قال لي: أبو الحسن الأشعري ، قلت له: وفي أي قرن كان؟ قال: في القرن الثاني، قلت له: وفي خلال هذين القرنين أتظن أن الأمة كانت مجمعة على الضلال إلى أن أتى أبو الحسن الأشعري ؟ ثم إن أبا الحسن الأشعري صنف كتباً بعد توبته وأعظمها كتاب (الإبانة)، وكتاب رسالة إلى أهل الثغر أثبت فيها عقيدة أحمد بن حنبل ، وخلع نفسه من عقيدته الأولى -عقيدة المتكلمين- وقد تكلم بكلام عظيم ومتين جداً في الإثبات والنفي على مذهب السلف، وعلى مذهب أحمد بن حنبل. إذاً: فمن ماذا تاب؟ هل تاب من الحق ورجع إلى الباطل أم تاب من الباطل؟ فقال لي: توبة أبي الحسن غير ثابتة، قلت له: بل ثابتة وبقلمه، قال: أنت الذي افتريت عليه، قلت له: كيف؟ قال: أنتم الذين صنفتم كتاب الإبانة.

    ثم قلت لهذا الدكتور: دعني أبين للطلاب الكلام النفساني، قال: لا أنا من سيبينه. ثم قال: الله تبارك وتعالى لا يليق به أن يتلكم كلاماً على الحقيقة ككلامنا؛ لأنه يلزم من هذا إثبات الفم والأنف واللسان والأسنان، فكلامه تعالى كلام نفساني. قلت له: لكن علماءنا حينما تكلموا عن هذا الموضوع قالوا كلاماً غير هذا، قال: ماذا قال العلماء؟ قلت له: قالوا: إن الكلام النفساني هذا هو كلام دار في نفس الإله فنظر إليه جبريل عليه السلام، فعلم ما في نفس الله تبارك وتعالى، وما دار في نفسه وخلجه -كما قالوا- فإذا عبر عنه جبريل بالعربية صار قرآناً، وإذا عبر عنه بالعبرية صار توراة، وإذا عبر عنه بالسريانية صار إنجيلاً، يعني: أن ربنا سبحانه وتعالى لا يتكلم على الحقيقة، وإنما كلامه يدور في نفسه، وأنه لما نظر جبريل إلى نفس الله عز وجل علم ما دار في نفسه فعبر بما فهم عن الله، فهل يا دكتور! قيل هذا الكلام أم لا؟ قال: نعم هذا قيل، قلت له: هل أسألك سؤالاً؟ قال: تفضل، قلت له: هل رأى جبريل ربه؟ مع العلم أن هؤلاء لا يثبتون الرؤية. قال: والله العظيم لو أن العلم لكم حلال لسكتم حتى تتعلموا، السلام عليكم، وتركنا وخرج.

    ثم إن ثلاثة أرباع الطلاب في المدرج قاموا علي قومة واحدة وقالوا لي: لا تحضر المحاضرة نهائياً بعد الآن، فقلت: لماذا؟ فقالوا: لأنك تعطل علينا المحاضرة، مع أنهم هم المعطلة، فواحد يسمينا حشوية وآخر يسمينا معطلة، وغير هذا، وهكذا كان في كل محاضرة بلاء.

    وتجد الواحد من هؤلاء يلبس عمامة وهو إمام، ومع هذا تسأله في العقيدة فلا يعرف شيئاً، وهؤلاء هم علية القوم، ووجهاء البلد، ويأتي الواحد منهم يجلس على كرسي مترين في ثلاثة أمتار، ويفتي في دين الله عز وجل بغير علم.

    مناقشة لأحد مشايخ الأزهر حول صفة اليد في قوله تعالى: (يد الله فوق أيدهم)

    أيضاً: أحد مشايخي في الأزهر كنت أظن فيه خيراً، وكان شديداً جداً في السنة، ولم أكن أعرف أن عنده هذا التأويل العظيم، فقلت له: نريد أن تعطينا محاضرة في مسجد الرحمة، قال: نعم، وأين مسجد الرحمة؟ قلت له: في شارع الهرم، قال: أولم تجد إلا شارع الهرم؟ قلت له: لا بأس فيه خير أيضاً إن شاء الله، قال: ما عنوان المحاضرة التي تريدونها؟ أتريدونها في العقيدة أم في الأصول أم في الفقه؟ قلت له: لا، إنما نريدها محاضرة عامة، قال: ولنجعلها في العقيدة، قلت له: هناك عندنا ناس يا دكتور! يقولون: يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ [الفتح:10] يعني قوة الله فوق قوتهم، قال لي: نعم هكذا أقول، وماذا تقولون أنتم؟ قلت: يكفي يكفي لا نريدك، وكنت أتكلم معه بالتليفون وأنا بعيد منه، ثم قال: ماذا تقولون يا أخي؟! قلت له: نثبت لله يداً حقيقية، قال: من قال لكم هذا الكلام؟ قلت: الذي قال لنا هذا الكلام النبي عليه الصلاة والسلام ثم أبو بكر وعمر ، قال لي: أنتم تكذبون على هؤلاء، هؤلاء أطهار وأشراف.

    وقد دل الكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة وأئمتها على أن لله تعالى وجهاً، كما أن له يدين وسمعاً وبصراً وصورة وعلماً وحياة وقدماً، وغير ذلك مما وصف الله به نفسه، أو وصفه به رسوله محمد عليه الصلاة والسلام، فيجب إثبات الوجه لله تعالى إثباتاً بلا تمثيل وتنزيهاً بلا تعطيل.

    ونحن نثبت الوجه لله عز وجل؛ لأن الله لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ [الشورى:11]، وكما أننا نثبت لله تبارك وتعالى ذاتاً لا تشبه الذوات، فكذلك نثبت له تعالى وجهاً لا شبيه له ولا نظير.

    وقد نفى الجهمية وأشباههم من نفاة الصفات صفة الوجه عن الله تعالى، وحرفوا الكلم عن مواضعه، وأتوا بعبارات مجملة تحتمل حقاً وباطلاً، وأرادوا بها قطعاً معنى باطلاً؛ كي يلبسوا بها على الخلق، وهذه الألفاظ المجملة يلهج بها أهل البدع؛ لينفوا بها صفات الباري جل وعلا.

    الرد على من أول صفة الوجه بأدلة الكتاب والسنة

    بالاعتصام بالكتاب والسنة تنجو من أباطيل أهل البدع وشبههم، وهناك الكثير من الأدلة من الكتاب والسنة التي ترد على الجهمية وغيرهم من النفاة وتدحض شبههم، وتقمع باطلهم:

    قال تعالى: كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ [القصص:88]، وقال: وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ [الرحمن:27].

    وجاء في صحيح البخاري -رحمه الله- عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: (لما نزلت هذه الآية: قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ [الأنعام:65] قال النبي عليه الصلاة والسلام: أعوذ بوجهك، فقال: أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ [الأنعام:65]، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: أعوذ بوجهك، قال: أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا [الأنعام:65]، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: هذا أيسر)، وهذا الحديث نص صحيح صريح في إثبات الوجه لله تعالى، وهو من الصفات الذاتية الخبرية.

    ومن الأدلة على إثبات صفة الوجه لله تعالى: ما رواه مسلم عن أبي موسى الأشعري قال: (قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بخمس كلمات، فقال: إن الله عز وجل لا ينام ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه، يرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار، وعمل النهار قبل عمل الليل، حجابه النور)، وفي رواية: (النار، لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه).

    والجهمية تنكر هذا الحديث وما في معناه، فعموا وصموا، والأشاعرة تحرفه وتتأوله بتأويلات فاسدة، إما بتفسير الوجه بالذات؛ لتنفي صفة الوجه عن الله، وإما بغير ذلك من التأويلات الباطلة.

    وهناك العديد من الأدلة الصحيحة المتلقاة بالقبول عند أهل العلم مما يثبت لله تعالى صفة الوجه، وهي تغيظ الجهمية والمعتزلة والأشاعرة وغيرهم من الطوائف الضالة، ففي البخاري ومسلم من طريق أبي بكر بن عبد الله بن قيس عن أبيه عن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (جنتان من فضة آنيتهما وما فيهما، وجنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما، وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن).

    فقوله: ( على وجهه ) فيه إثبات الوجه لله تعالى حقيقة، وأهل الباطل تأولوا هذا الحديث كما تأولوا غيره من الأحاديث الدالة على إثبات صفة الوجه لله تعالى، حتى قال القاضي عياض : فمن أجرى الكلام على ظاهره أفضى به الأمر إلى التجسيم، أي: فمن آمن به على ظاهره وأثبت الوجه لله أفضى به ذلك إلى التجسيم، يعني: كأنه أراد أن يقول: إذا أثبت الوجه لله فلابد وأن تقول بأن الله تعالى جسم له أجزاء وأبعاض؛ لأن الوجه جزء من الجسم، وبعض من الكل.

    والقاضي عياض كان إمام المتأولة، وكلامه هذا خطأ وغلط، فليس في إثبات الصفات لله تعالى تجسيم، فإن السلف يثبتون لله ما أثبته لنفسه، وما أثبته له رسوله محمد عليه الصلاة والسلام إثباتاً بلا تمثيل، وتنزيهاً بلا تعطيل.

    والواجب على جميع الخلق: التسليم والانقياد لكلام الله وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم، وعدم ضرب الأمثال لله تعالى؛ فإنه من أعظم الضلال والإلحاد، والذي لا يفهم من صفات الخالق إلا ما يفهمه من صفات المخلوق هو المجسم المشبه. والله المستعان.

    ومن الأدلة كذلك على إثبات الوجه لله تعالى: ما رواه أبو داود عن حيوة بن شريح قال: لقيت عقبة بن مسلم فقلت له: بلغني أنك حدثت عن عبد الله بن عمرو بن العاص عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه كان إذا دخل المسجد، قال: (أعوذ بالله العظيم وبوجهه الكريم وسلطانه القديم من الشيطان الرجيم. قال: أقط؟ قلت: نعم، قال: فإذا قال ذلك قال الشيطان: حفظ مني سائر اليوم) .

    فقوله: ( وبوجهه الكريم ) دليل على إثبات الوجه لله تعالى، وهو يرد على من زعم أن الوجه هو الذات، فقد استعاذ صلى الله عليه وسلم أولاً بالله العظيم، ثم استعاذ ثانياً بوجهه الكريم.

    وهذه المغايرة للتباين بين الذات وبين الوجه، وإثبات أن الوجه صفة لتلك الذات، والعطف يدل على المغايرة.

    والأحاديث والآثار عن الصحابة رضي الله عنهم في إثبات الوجه لله تعالى كثيرة، وقد أخرجها كثير من أهل العلم في كتبهم، متلقين لها بالقبول والتسليم، ولم ينكرها أحد منهم.

    قال ابن خزيمة : فنحن وعلماؤنا جميعاً في جميع الأقطار نقول: إن لمعبودنا عز وجل وجهاً كما أعلمنا الله في محكم تنزيله.

    خطأ ابن الجوزي في نسبته تفسير الوجه بالذات إلى جميع المفسرين

    ابن الجوزي تأول قوله تعالى: وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ [الرحمن:27] بأنه يبقى ربك، وهذا التعميم والإطلاق بأنه قول المفسرين خطأ عظيم جداً.

    فهناك من المفسرين قبل ابن الجوزي من فسر الآية بغير ما ادعاه ابن الجوزي ، مع أن الحق ليس مقصوراً على من صنف كتاباً أو كتباً في التفسير، وليس بلازم أن نأخذ تأويل الصفات من التفسير، فهذا أحمد بن حنبل رحمه الله ليس له كتاب التفسير، ومع هذا تكلم عن صفات المولى تبارك وتعالى.

    و الطبري في تفسير قوله تعالى: كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ [الرحمن:26-27]، قال: يقول تعالى ذكره: كل من على ظهر الأرض من جن وإنس فإنه هالك، ويبقى وجه ربك يا محمد! ذو الجلال والإكرام. فلم يقل: ويبقى ربك، وإنما قال: وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ، فهذا إثبات لصفة الوجه، وقوله: ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ [الرحمن:27] نعت للوجه، ففرق بين قوله تعالى: وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ [الرحمن:27]، وبين قوله: تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ [الرحمن:78].

    فذو الجلال والإكرام صفة للوجه، وأما ذي الجلال والإكرام فصفة للذات تبارك وتعالى.

    قال: وهذا مذهب أهل التحقيق، ومن فسر الوجه بالذات فقد أخطأ وسلك مسلك الجهمية.

    رد ابن خزيمة على من أول الوجه بالذات في قوله تعالى: (ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام)

    وقال ابن خزيمة في كتاب التوحيد: وزعم بعض جهلة الجهمية أن الله عز وجل إنما وصف في هذه الآية نفسه -أي: التي أضاف إليها الجلال بقوله: تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ [الرحمن:78]- ، قال: وزعمت أن الرب هو ذو الجلال والإكرام لا الوجه.

    قال أبو بكر: أقول -وبالله توفيقي-: هذه دعوى يدعيها جاهل بلغة العرب؛ لأن الله عز وجل قال: وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ [الرحمن:27] فذكر الوجه مضموماً في هذا الموضع مرفوعاً، وذكر الرب بخفض الباء بإضافة الوجه، ولو كان قوله: ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ [الرحمن:27] مردوداً إلى ذكر الرب في هذا الموضع لكانت القراءة: ذي الجلال والإكرام مخفوضاً كما كان الباء مخفوضاً في ذكر الرب جل وعلا -أي: في قوله تعالى: تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ [الرحمن:78]- فلما كان الجلال والإكرام في هذه الآية صفة للرب خفض (ذي)، ولما كان الوجه في تلك الآية مرفوعاً كانت صفة الوجه مرفوعة، فقال: (ذو) ولم يقل: ذي، فتفهموا يا ذوي الحجا! هذا البيان الذي هو مفهوم في خطاب العرب، ولا تغالطوا فتتركوا سواء السبيل.

    رد ابن القيم على من أول الوجه بالذات

    قال ابن القيم عليه رحمة الله في مختصر الصواعق كلاماً عجيباً، فقد قال: إنه لا يعرف في لغة من لغات الأمم وجه الشيء بمعنى ذاته ونفسه. يعني: لا توجد حتى لغة في العالم تفهم أن الوجه بمعنى الذات، فكيف تقولون بأن الوجه في الآية المقصود به الذات؟

    قال: وغاية ما شبه به المعطل وجه الرب أن قال: هو كقوله: وجه الحائط، ووجه السور، ووجه النهار، ووجه الأمر، فيقال لهذا المعطل المشبه: ليس الوجه في ذلك بمعنى الذات، بل هذا مبطل لقولك؛ فإن وجه الحائط أحد جانبيه؛ فهو مقابل لدبره، ومعنى هذا أن وجه الكعبة مقابل لدبرها، فهو وجه حقيقة، فما الذي يمنعك أن تثبت لله وجهاً على الحقيقة؟

    رد ابن تيمية على من نفى الصفات عن الذات

    قال ابن تيمية : وإذا قال من قال من أهل الإثبات للصفات: أنا أثبت صفات لله زائدة على ذاته فحقيقة ذلك أننا نثبتها زائدة على ما أثبته النفاة من الذات.

    وهذا كلام جميل جداً، فهو يريد أن يقول: النفاة لم يثبتوا تلك الصفات الزائدة على الذات، وأما نحن فنقول: إن الذات متصفة بصفات، والنفاة سموا نفاة؛ لأنهم نفوا تلك الصفات الزائدة على الذات، وقالوا: نحن نثبت الذات فقط، وأما هذه الصفات فإنا نؤولها أو نعطلها، أي: يصرفونها عن ظاهرها، أو يعطلونها تماماً.

    وابن تيمية عليه رحمة الله -وهو سيد المثبتين على منهج السلف- يقول: إنما نثبت لله تبارك وتعالى إثباتاً بلا تمثيل، وننزهه تنزيهاً بلا تعطيل.

    والكلام في هذا الأمر أظنه يطول جداً.

    فإذا علم هذا الأصل العظيم الذي لا يضل من تمسك به فليعلم أن النصوص جاءت صريحة صحيحة في إثبات الوجه لله تعالى، وقد تقدم بعضها.

    ومن أنكرها فإنما ينكر على الله تبارك وتعالى قوله، وعلى الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام خبره، وهذا من أعظم الضلال وأقبح الباطل، قال تعالى: فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [النساء:65].

    ومن رد آيات الصفات وأحاديثها أو حرفها فهو والله بمعزل عن هذا التحكيم.

    وقول ابن حامد : ولا نجوز إثبات الرأس قصده في ذلك أن النص لم يأت به، ولو جاء النص به لكنا أول القائلين به؛ تفادياً من مخالفة الله ومخالفة رسوله عليه الصلاة والسلام، وقد قال تعالى: فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [النور:63].

    قال الإمام أحمد رحمه الله: أتدري ما الفتنة؟ الفتنة: الشرك، لعله إذا رد بعض قوله أن يقع في قلبه شيء من الزيغ فيهلك. فلما لم يأت النص بإثبات الرأس لله تعالى لم يقل به ابن حامد ، وأي عيب في هذا؟

    ومنه يظهر أن إنكار ابن الجوزي ليس في محله؛ لأن ابن حامد أثبت لله وجهاً، وهكذا جاءت النصوص، فمن أنكر على ابن حامد فإنما يرد الآيات والأحاديث الصحيحة، وهذا ضلال بعيد وزيغ عظيم، نسأل الله تعالى السلامة والعافية.

    حكم تأويل العين بالرؤية

    أيضاً: من الناس من حمل العين المذكورة في الكتاب على الرؤية، وهذا تأويل، يعني: قال في قوله تعالى: وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي [طه:39] أي: بمرأى مني، وفي قوله: فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا [الطور:48] أي: بمرأى منا، وكذلك في قوله: تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا [القمر:14]. وقد يكون ذلك من صفات الذات، وتكون صفة واحدة، والجمع فيه للتعظيم، ومنهم من حملها على الحفظ والكلاءة -أي: الرعاية- وقال: إنها صفات فعل، والجمع فيها سائغ. ومن قال بأحد هذين زعم أن المراد بالخبر نفي نقص العور عن الله سبحانه وتعالى، وأنه لا يجوز عليه ما يجوز على المخلوقين من الآفات والنقائص.

    رد البيهقي على من نفى الصفات عن الذات

    قال البيهقي في الرد على هؤلاء: والذي يدل عليه ظاهر الكتاب والسنة من إثبات العين صفة لا من حيث الحدقة أولى.

    فهو يريد أن يقول: أثبت لله تبارك وتعالى ما أثبته لنفسه من صفة العين على الحقيقة، ولا تتوهمن أن العين جارحة؛ لأن العين في حق المخلوقين هي الحدقة، فلا تقولن: حدقة في حق الله عز وجل، وهذا القول الذي اختاره البيهقي هو الذي عليه سلف الأمة، وأما محاولة بعض الناس حمل النصوص على خلاف ما يظهر من ألفاظها فمحاولة جهمية معروفة.

    وأما تفسير من فسر الآيات السابقة بالرؤية مع إنكار صفة العين فقوله شبيه بقول المعتزلة القائلين: إنه تعالى سميع بلا سمع، وبصير بلا بصر، وعليم بلا علم، وهو قول مرفوض شرعاً وعقلاً، كما تقدم وذكرناه.

    و ابن الجوزي عليه رحمة الله وقع في هذا التأويل، ورد على ابن خزيمة ، وهو من أئمة السلف.

    وابن الجوزي مضطرب جداً في باب الاعتقاد خاصة في باب الأسماء والصفات، فهو تارة يثبتها وينافح ويجادل ويهاجم المبتدعة، وتارة يقول بقول المبتدعة ويهاجم أهل السنة ويسميهم مشبهة، فهو هنا أنكر على ابن خزيمة إثبات العينين لله تبارك وتعالى حقيقة، وقال: هذا لا يشبه كلام السلف.

    ثم قال: وقد أتى ابن خزيمة بما لم يسبق به، مع أن ابن خزيمة هو إمام من أئمة المسلمين، وهذه زلة خطيرة وسقطة شنيعة وقع فيها ابن الجوزي عليه رحمة الله، وما ذكرناه آنفاً يكفي للرد عليه.

    وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

    1.   

    الأسئلة

    حال النصوص الواردة في قيام أول رجب، وحكم تخصيص أول رجب بالقيام

    السؤال: هل وردت نصوص في قيام أول ليلة رجب؟

    الجواب: النصوص التي وردت في قيام أول رجب كلها نصوص باطلة غير صحيحة، فمن خص أول يوم في رجب بقيام اعتقاداً منه أن هذه طاعة مخصوصة منصوص عليها فقد وقع في الابتداع، أي أنه غير معذور بجهله، وليحذر المرء من الأيام التي يلتزم المبتدعة بصيامها، وتلك الليالي التي يخصونها بقيام دون ما نص في كتاب الله، أو في سنة النبي عليه الصلاة والسلام.

    حكم التصفيق للرجال، وحكم القسم بقول (اللهم أقسم بك عليك)

    السؤال: ما حكم التصفيق للرجال في أي مناسبة؟ وهل يجوز أن أدعو الله تعالى بقولي: اللهم إني أقسم بك عليك؟

    الجواب: حكم التصفيق للرجال مكروه كراهة شديدة جداً، ولم يثبت عن أحد من السلف أنه كان يصفق في أي مناسبة من المناسبات، والنبي عليه الصلاة والسلام جعل التصفيق من شأن النساء، والتسبيح من حق الرجال في الصلاة، فقال: (إنما التصفيق للنساء والتسبيح للرجال)، يعني: إذا أخطأ الإمام فلتصفق المرأة وليسبح الرجل، فبعض أهل العلم عمم التصفيق على كل الأحوال، وبعضهم قال: إنما هو مخصوص بالصلاة، ولا بأس أن يصفق الرجل في غير الصلاة. والله تعالى أعلم بذلك.

    وأما قول الرجل أريد أن أدعو الله تعالى بقولي: (اللهم إني أقسم بك عليك) فليس عندي جواب على هذا السؤال.

    ولك أن تقسم بالله وبأسمائه وصفاته، وأما أن تقسم بالله عليه أو تقسم بصفة من صفاته عليه، أو بفعل من أفعاله عليه سبحانه وتعالى فليس عندي علم في هذا الباب، ولعل الله تعالى يطلعنا ويعلمنا حكم هذا.

    حكم شراء مصحف لطالب العلم من مال الزكاة

    السؤال: هل يجوز شراء مصحف لطالب علم يحفظ القرآن ويريد أن يتم حفظه كاملاً من مال الزكاة؟

    الجواب: يجوز إذا كان فقيراً؛ لأن زكاة المال لها مصارف ثمانية معلومة في كتاب الله عز وجل في قوله: إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ [التوبة:60] إلى آخر الآية، فإذا دخل هذا الطالب تحت صنف الفقراء جاز ذلك، أو تحت صنف المساكين جاز ذلك، أو تحت صنف آخر من بقية الأصناف جاز له ذلك.

    وأما شراء مصاحف ووقفها في المساجد من زكاة المال فهذا أمر لا يجوز، كما أنه لا يجوز بناء المساجد من زكاة المال من باب أولى، والمعاصرون توسعوا جداً في فهم في سبيل الله، وهذا التوسع الله أعلم بحقيقة قبوله، وهل هو صحيح أم لا؟ فقد أدخلوا فيه كل شيء، وكل من هب ودب، وكل محتاج، والأصل في إطلاق سبيل الله أنه الجهاد، أي: جهاد العدو، هذا هو الأصل.

    وقد ورد حديث في مسند أحمد يدل على أن سبيل الله هو الجهاد والحج، والسلف توقفوا عند هذين، وجمهورهم على أن سبيل الله هو الجهاد، وأما المعاصرون فإنهم أدخلوا الكثير والكثير في هذا السهم، الذي هو من أسهم الزكاة، والمنصوص عليه في الآية. فالله أعلم بحقيقة الأمر.

    حكم صيام الإثنين والخميس إذا وافق يوم الشك

    السؤال: الذي يصوم الإثنين والخميس طول السنة هل له أن يصوم آخر يوم في شعبان إذا كان إثنين أو خميس أم يقف في خمسة عشر شعبان؟

    الجواب: يصوم في كل إثنين وخميس إلى أن يدرك رمضان، حتى وإن كان اليوم الذي قبل رمضان هو يوم الإثنين أو الخميس، وقد وقع خلاف سنة (1984م) في الأردن، وهذا الخلاف كان في يوم الأربعاء، وهل رمضان غداً أم بعد غداً؟ فسألت الشيخ الألباني : هل الصيام غداً أم بعد غد؟ قال: على أية حال أنا في الحالين صائم.

    وهذا يعتبر جواباً صريحاً أو ضمنياً للرد على سؤال الأخ، فيجوز لك أن تصوم الإثنين أو الخميس الذي قبل رمضان مباشرة، فإن كان من رمضان فهو فرض، وإن لم يكن من رمضان فهو نافلة؛ لأنه قد ثبت من عادتك أنك تصوم الإثنين والخميس على مدار السنة كلها.

    وليلة النصف من شعبان أو يوم النصف من شعبان كل الأحاديث الواردة فيه ضعيفة، وأنا لن آخذ بحديث ليلة النصف ونهار النصف من شعبان ولكن آخذ بحديث الثلاثة الأيام البيض، وإذا كنت أصوم منذ اثني عشر شهراً فلا تأت تمنعني اليوم، هذا فضلاً أنه فيه عدم مشاركة المبتدعة في بدعتهم.

    وأما حديث: (إذا انتصف شعبان فلا تصوموا) فهو حديث ضعيف، وهذا الذي اعتمد عليه الأخ في سؤاله. ويوم الشك هو يوم الغيم الذي لا تتضح فيه الرؤيا، والنبي عليه السلام قال: (صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين). والعدة إذا كانت في أول الصيام فالمقصود بها عدة شعبان، وإذا كانت في آخر الصيام -أي: في آخر رمضان- فالمقصود بها عدة رمضان.

    حكم قول: (لسوء حظي)، و(لا قدر الله)

    السؤال: ماذا تقول في قولي الناس: (لسوء حظي)، و(لا قدر الله)؟

    الجواب: (لسوء حظي) كلمة تدل على الشؤم، ولا شؤم في الإسلام كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام، فقد قال: (لو كان الشؤم في شيء لكان في ثلاث: في المرأة، والدابة، والبيت).

    يقول الحافظ ابن حجر : وهذا يدل على أنه لا شؤم قط في الإسلام؛ لقوله: (لو كان الشؤم في شيء)، فدل على أنه لا شؤم أصلاً في الإسلام.

    وهذا من الألفاظ النابية التي ينبغي للمسلم أن يتورع ويتنزه عنها.

    وقوله: (لا قدر الله) كلام مجمل إذا أراد قائله أن الله لا يقدر الأشياء إلا بعد وقوعها فهذا قدري جلد، أو جاهل، وإذا كان هذا من باب الدعاء لرفع الشر فلا بأس بذلك، كما تقول: فلان رحمه الله، وما يدريك أنت أن الله قد رحمه، فإذا كنت تخبر أن الله قد رحمه فهذا قول على الله بغير علم، وإذا كنت تقول هذا من باب الدعاء له فلا بأس بهذا، فقولك: (لا قدر الله). أي: أسأل الله ألا يقدر عليك الشر، فهذا من باب الدعاء، وهو جائز ولا بأس به.

    حكم قول: (يا مولانا)

    السؤال: يقول الناس: (يا مولانا!) فهل هذه الكلمة صحيحة أم لا؟

    الجواب: هي صحيحة، والمؤمنون بعضهم أولياء بعض، فأنت مولاي وأنا مولاك، وكلنا يتولى أخاه وصاحبه، والولاية من الولاء، والولاء معقود في الله عز وجل حباً وبغضاً، إيماناً وكفراً، فالكافرون يتولى بعضهم بعضاً، والمؤمنون بعضهم أولياء بعض.

    وكلمة ( مولانا ) لها عند العجم مدلول أحسن بكثير جداً من العرب، فالعربي يقول لك: يا مولانا! استهزاء تارة وبحق تارة وبلغو الكلام تارة ثالثة.

    والعجم لا يقولون: يا مولانا إلا لرجل ذو مكانة وعلم سابق، أو الشيخ له مكانته، فإذا سمعت الباكستاني يقول لآخر: يا مولانا، فاعرف أن هذا الرجل له مكانة عظيمة جداً في بلده، وأما في مجتمعنا الآن فهي تقال لكل أحد.

    حكم إيراد المفتي والقاضي للدليل على فتواهما

    السؤال: إذا سئلت مسألة أعلمها ولكنني لا أتذكر الدليل جيداً من الكتاب والسنة، أو أنني أعلم الدليل ولكني أشك في صحته وتمام الإجابة؛ فهل إذا سكت عن الإجابة التي ربما تنفع مسلماً أكون كاتماً للعلم النافع وواقعاً في الإثم حقاً أم أنني على صواب؟

    الجواب: القاضي والعالم لا يلزمان بسوق الدليل عند إجابة الأسئلة، فإذا ساقا الدليل على صحة كلامهما فهذا فضل، ولذلك استقر في أذهان وعقول وقلوب الناس -العالم منهم والجاهل- أن الحاكم إذا حكم بحكم لا يطالبه المحكوم عليه بسوق أدلته، وأجمع أهل العلم أن القاضي لا يلزم بإثبات أدلته، أو بسوق مستنده في هذا الحكم، وكذلك المفتي.

    وتجد في أصول الفقه مسألة: هل يلزم المفتي أن يسوق أدلة فتواه في كل فتوى؟ ويجيبون كلهم: بـ(لا). قولاً واحداً، فإذا ساق فهذا فضل، فأنت لا يلزمك أن تسوق الدليل، وإن سقته كان أحسن وأفضل.

    وإذا كنت تعلم أن الذي يستفتيك متعنت فلا تجبه ابتداء، وقد كان الرجل يأتي إلى مالك فيسأله السؤال فلا يجبه مالك ، فيعيده عليه فلا يجبه مالك ، وقد حدث منه هذا مرات وفي عدة مجالس، فإذا تأدب وانكسر وذل بين يدي الإمام أجابه، ثم يقول له الإمام في نهاية الجواب: يا فلان! سل تعلماً ولا تسل تعنتاً، فإن الذي يتأدب ويريد أن يتعلم علمناه، وأما من يريد أن يتنطع فلا؛ لأن الذي لم يتأدب ولم يتعلم أصول الأدب في طلب العلم فلابد وأنه سيفسد بهذا العلم كثيراً، وهناك أناس كثر في هذا الزمان تعلموا بعض العلم ولم يتعلموا له الأدب فصار شرهم على علماء الأمة بالذات ظاهر وبين وواضح، وأول ما طعنوا طعنوا في أهل العلم؛ لأنهم لم يتعلموا الإخلاص أولاً في طلب العلم الذي هو أوجب الواجبات على طالب العلم، ثم لم يتعلموا حق الشيخ، وحق الكتاب، وحق الأقران، وحق الأمة عليهم، فإذا لم يتعلم طالب العلم هذا كله وهجم على العلم هجوماً فلابد وأنه سيتراجع عن طلب العلم، ثم بعد ذلك يدير ظهره لعلماء الأمة وطلاب العلم فيها.

    حكم طاعة الوالدين إذا منعا الولد من طلب العلم

    السؤال: هل يجوز الكذب على الوالدين لأنهما يمنعاني من حضور مجالس العلم خوفاً علي، وكذلك يمنعاني من إطلاق اللحية؛ لأنهما يرفضان التعصب، زادكم الله علماً وحفظكم؟

    الجواب: هذا السؤال صراحة مشكل جداً، وقد سمعت العلماء يجيبون عن هذا السؤال: بأن العلم الذي لا يسعك جهله لا طاعة لوالديك في الامتناع عنه، كعلم الاعتقاد مثلاً، أو علم فرائض الإسلام من صلاة وصيام وزكاة وحج، هذا إذا لم تكن تعلمه ولا سبيل لك إلى تحصيله تحصيلاً سليماً، ففي هذه الحالة لا طاعة لوالديك في الامتناع.

    وأما إذا كان العلم من باب النافلة -وأنت عالم وراسخ على أصول ثابتة في هذه المسائل الأساسية، أو أنك جاهل وتريد أن تصبح واعظاً- ففي هذه الحالة سماع كلام الوالدين أولى من حضور هذه المجالس، والعلماء يفرقون بين العلم الذي لا يسعك جهله والعلم الذي يسعك جهله.

    والوعظ والمجالس الوعظية من العلم الذي يسعك أن تجهله، وليس لازماً أن تبكي، ولكن يلزمك أن تعرف أن الظهر أربع ركعات، وإذا كنت صاحب مال لزمك أن تعرف حق الله تعالى في هذا المال، وإذا أرادت الحج لزمك أن تعرف كيف تحج.

    وقت حادثة الإسراء

    السؤال: هل صحيح أن الإسراء كان في رجب؟

    الجواب: لا، لم يصح، ولكنهم يحتفلون في رجب من أجل حلاوة المولد.

    حكم الوصية

    السؤال: سمعت أن من مات ولم يوص لم يكلمه الله يوم القيامة، وقد كتبت وصيتي، ولكني لا أعلم ماذا أكتب فيها غير بعض الأشياء منها، وذلك تقريباً لعامل السن، فأنا لم أبلغ العشرين بعد وأشعر بقلق من هذا الأمر، فبماذا تنصحني؟

    الجواب: مادام أن الوصية الشرعية معك فلا بأس، وهي تكفيك إن شاء الله.

    ولا حرج عليك إذا لم توص خاصة إذا لم يكن عندك شيء توصي به، ويمكن أن توصي بالمسائل الشرعية، ونبذ البدع، واتباع السنن، وحث القوم على سلوك مذهب السلف من الاعتقاد الصحيح وغير ذلك، ووصية الإنسان لا بد أن تكون معلومة من حياته، فلو علم عن شخص أنه صاحب مذهب فاسد، وأنه يتحين فرصة أن يموت أحد الجيران أو أحد الأقارب ثم يلطم الخدود ويشق الجيوب ويدعو بدعوى الجاهلية -وهذا الفعل كان يفعله النساء في الجاهلية، ولكن في هذا الوقت أصبح من أعمال الرجال، فجاهلية الماضي أفضل من جاهلية المسلمين في هذه الأيام، فإذا مات شخص من الأسرة فإنه يلطم ويشق الجيوب، فإذا لبس جلابية قطعها، ثم يقطع الثوب الأول والثاني والثالث وهكذا، ثم يجعل ذلك باباً للولاء والبراء- فإذا مات ولم يوص ففي هذه الحالة سنقول: إنه كان يلزمه أن يوصي وصية شريعة يبرأ بها إلى الله عز وجل.

    وقد دعيت مرة لألقن امرأة كانت في الاحتضار أو شيء من هذا، فذهبت مسرعاً، فقالت لي: يا شيخ حسن ! هل تعرف خالتي أم زينب ؟ قلت: لا والله أنا لا أعرفها. فأوصتني أن هذه هي التي تنوح عليها أول الأمر. فقلت لها: هذا حرام وأنتِ آثمة بهذا. فهل تريدين أن تدخلي النار؟ قالت: ولماذا أدخل النار؟ فأنا صوت على الناس حتى أصيبت حنجرتي بالمرض شهراً. قلت: إذاً يلزمك أن تتوبي من هذا قبل أن تموتي، فقالت: خلاص يا شيخ حسن ! أنا وضعت وصيتي في رقبتك، وأنت مسئول على كل شيء، ولو حاسبني ربي عن شيء سأسألك أنت يوم القيامة، قلت لها: إذاً توكلي على الله، ثم التفت فإذا بها قد ماتت.

    فجاء أهلها يريدون أن يقدموا الواجب الذي عليهم، فقلت لهم: هذه قد أوصت بكيت وكيت وكيت، وإذا لم تنفذوا وصيتها فسنأتي بشبابنا وننفذ وصيتها بالإكراه، وذهبنا ودفناها ورجعنا، فكتب الله تبارك وتعالى لهذه المرأة أن توصي وصية شرعية في آخر لحظة من لحظات حياتها.

    فالمرء بلا شك يلزمه أن يوصي، ولكن لزوماً لا يبلغ به الإثم إذا لم يكن له ما يوص فيه، فالأمر على الاستحباب المؤكد جداً، وبعض أهل العلم ذهب إلى وجوب الوصية، ورتب الإثم على من تركها. والله تعالى أعلم.

    معنى حديث (صلة الرحم تزيد في العمر) ودرجته

    السؤال: قرأت في شرح الطحاوية أن صلة الرحم تزيد في العمر -أي: سبب طول العمر- فما معنى هذا؟

    الجواب: هذا حديث صحيح، ومعناه: أن الله قدر أن هذا يصل رحمه فيعيش، وأن هذا سبب إلى وصوله هذه الغاية، ولو لم يعمل بالسبب لم يصل إلى هذه الغاية.

    وهذا الحديث قد روي بطرق كثيرة، ومجموع هذه الطرق يرتقي بالحديث إلى درجة الصحيح لغيره.

    وقد اختلف العلماء في معنى زيادة العمر مع أن الله تبارك وتعالى كتب العمر، ولن يتغير بزيادة ولا نقصان، والإمام ابن القيم عليه رحمة الله في كتاب (الداء والدواء) تعرض لشرح هذه القضية وفصلها تفصيلاً جيداً ونقل الاختلاف فيها: فقال: زيادة العمر هنا بمعنى البركة. أي: بركة العمر، فمثلاً الإمام الشافعي مات وعمره أربع وخمسون سنة، وقد ذاع علمه في الأرض شرقاً وغرباً، وسيظل بإذن الله إلى قيام الساعة، فإذا نظرت إلى عمر هذا الرجل وذلك الميراث العظيم الذي ورثته عنه الأمة قلت: هذا إعجاز وأعجوبة من أعاجيب الزمان، وهناك من بلغ أربعاً وخمسين سنة ولا يعرف كيف يصلي ولا يصوم، وحينما تنظر إلى عمرك وعمر الشافعي تعلم أنه كان ممتلئاً بركة وأنت على غير ذلك.

    قال: زيادة العمر هنا البركة في العمر التي قدرها الله عز وجل؛ لأن غيرك في نفس العمر، وليس هناك بركة في عمره ولا في عمله.

    ومنهم من قال -وهو التفسير الأولى- : إن هذا هو المحو والإثبات في الكتب التي بأيدي الملائكة، وأما الذي لا يقبل المحو ولا الإثبات فهو اللوح المحفوظ المذكور في قول الله تبارك وتعالى: يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ [الرعد:39].