إسلام ويب

شرح أصول اعتقاد أهل السنة - صفة السمع لله عز وجلللشيخ : حسن أبو الأشبال الزهيري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • أهل السنة والجماعة في الأسماء والصفات وسط بين المجسمة والمعطلة، فهم يثبتون لله ما أثبته لنفسه وما أثبته له نبيه عليه الصلاة والسلام من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تبديل ولا تأويل، سواء في صفات الذات كالسمع والبصر، أو صفات الأفعال كالمجيء والاستواء، وغيرها.

    1.   

    سياق ما دل من الكتاب والسنة في أن الله عالم بعلم وأن علمه غير مخلوق

    إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، وبعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

    وبعد: فيقول المصنف رحمه الله تعالى: [سياق ما دل من كتاب الله، وما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في أن الله عالم بعلم].

    وهذا في باب الأسماء والصفات للمولى عز وجل، وهو من أعظم الأبواب ومن أخطرها، فيجب أن يكون الكلام في هذا الباب في غاية الأهمية، خاصة وأن الذات الإلهية غيب عنا، فإذا كان الأمر كذلك، فهذا يستلزم أن صفاته كذلك غيبٌ عنا، فلا نستطيع أبداً أن نجزم باسم لله عز وجل، أو بصفة من صفاته إلا عن طريق السمع والخبر، فأنا أستطيع أن أصفك لأني أراك، والمولى تبارك وتعالى ليس كذلك؛ لأنه لا يراه أحد في الدنيا، ولو كان يراه أحد لرآه موسى عليه السلام حينما طلب من ربه أن يراه، فقال: قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ [الأعراف:143]. فالله تبارك وتعالى لم يحقق هذه الرغبة لموسى عليه الصلاة والسلام، ولكنه قال: وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي [الأعراف:143]، ولكن الجبل لم يستقر.

    فرؤية المولى تبارك وتعالى في الدنيا مستحيلة وغير ممكنة ألبتة، لا نقول إلا أن يشاء الله فلو شاء الله أي شيء كان، ولكن الله تعالى قضى ألا يراه أحد في الدنيا على خلاف الآخرة؛ فإن المؤمنين يرونه رجالاً ونساءً، كباراً وصغاراً، بخلاف الكافرين فإن الله تعالى يحجب ذاته ونفسه عن الكافرين عقوبة لهم.

    الشاهد من هذا الكلام: إذا كان الله تعالى غيب عنا فلا نعرف أوصافه، ولا أسماءه، وفي المقابل نقول: إن الله تعالى أرسل رسوله، وأنزل معه الكتاب، وأخبرنا في هذا الكتاب أن له أسماء وصفات، فإذا كنا نؤمن بهذا الكتاب، فلابد وأن نؤمن بأن لله أسماء وصفات، والله تبارك وتعالى فرق بين الأسماء والصفات. فقوله تعالى: وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [البقرة:137] أثبت في هذه الآية اسمين: السميع والعليم، فلابد وأن نثبت أن لله هذين الاسمين.

    وقال الله تعالى لموسى وهارن: إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى [طه:46]. والله تبارك وتعالى يسمع بسمع، ويبصر ببصر، ويعلم بعلم، ويقدر بقدرة، وهو رحيم برحمة، وقوي بقوة، فهذه الأسماء اشتقت منها الصفات مع أن الصفات ثابتة، فضلاً عن جواز اشتقاق الصفة من الاسم، إلا أن الله عز وجل أثبت بالنص أن له صفات بخلاف الأسماء ولكنها تتناسب مع الأسماء؛ لأنه هو السميع وهو يسمع، وهو البصير ويبصر، وهو العليم ويعلم.

    هذا الكلام أجمعت عليه الأمة إلا المعتزلة، وقليل من الجهمية، قالوا: إن الله تعالى يسمع بغير سمع، ويبصر بغير بصر، ويعلم بلا علم، ويرحم بلا رحمة؛ لأنه عليم بذاته، بصير بذاته، رحيم بذاته. أرادوا من ذلك إثبات الأسماء ونفي الصفات. ولكن أهل السنة والجماعة اتخذوا قاعدة في أسماء الله تعالى وصفاته، هذه القاعدة لا يضل من تمسك بها، بل يضل من خالفها وجعلها وراء ظهره، وهي: (أن أسماء الله تعالى وصفاته توقيفية).

    ومعنى توقيفية: أي: ما أوقفه الشرع، فمثلاً: صلاة الظهر أربع ركعات فقط، بلا زيادة ولا نقصان، فالله تعالى قد شرع وأذن وفرض ألا يصلى الظهر متعمداً أكثر من أربع ولا أنقص منها إلا في حال القصر وهو تشريع بنص.

    بيان أن صفات الله وأسماءه توقيفية

    إذاً: معنى أن أسماء الله وصفاته توقيفية هو أنني لا أثبت لله تعالى إلا ما أثبته لنفسه من غير زيادة ولا نقصان، فمثلاً: الله عز وجل هو المنعم حقاً على جميع العباد، ولا يوجد نص يثبت أن الله تعالى اسمه المنعم، فلا يجوز لي أبداً أن أسمي الله تعالى المنعم، وإن كان الإنعام من صفات الكمال، وهي ثابتة من هذا الوجه لله عز وجل، لأنه لا ينعم غيره، ولذلك قال الله تعالى في قصة زيد بن حارثة والنبي عليه الصلاة والسلام: وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ [الأحزاب:37]، فالله تعالى هو المنعم والمتفضل والرزاق، ولكن القضية في إثبات الاسم من عدمه، هل يجوز لي أن أتبجح بذكر اسم لله تعالى لم يثبته تعالى لنفسه؟

    الجواب: لا. حتى وإن كان هذا الاسم جميلاً ومعناه حسناً، فهذا شيء، وإثباته لله تبارك وتعالى شيء آخر.

    فمهما كان الاسم جميلاً إذا كان الله تعالى لم يثبته لنفسه في الكتاب، ولم يثبته له رسوله في السنة الصحيحة فلا يجوز لأحد أن يجتهد في إثبات ذلك لله عز وجل.

    بيان أن اسم (الستار) ليس من أسماء الله تعالى

    الناس يعتقدون أن من أسماء الله تعالى (الستار)، وليس في كتاب ولا في سنة رسوله عليه الصلاة والسلام هذا الاسم، فنسبة هذا الاسم لله عز وجل تقول وافتراء على الله بغير علم؛ لأن الله تعالى أعلم بذاته، وبما تستحقه ذاته العلية من الأسماء والصفات، فإذا كان الله تعالى لم يسم نفسه بهذا الاسم، فلا يجوز لأحد أن يسمي الله تعالى به.

    والستر يحبه الله عز وجل، ولم يسم نفسه به، وإنما وصف نفسه به، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: (إن الله حيي ستير، يحب الحياء والستر).

    وقال عليه الصلاة والسلام فيما رواه مسلم : (من ستر مسلماً في الدنيا ستره الله يوم القيامة).

    فستر الله تبارك وتعالى على عباده من صفاته سبحانه وليس من أسمائه، وإذا كان الله تعالى متصفاً بالستر، فلا يجوز أن يسمى الستار، وهذا خطأ واشتقاق على غير منهج السلف؛ لأن منهج السلف في قضية الأسماء والصفات هو التوقف عند النص، فهم لا يثبتون اسماً زائداً على النص ولا ناقصاً عنه، ولذلك قال النبي عليه الصلاة والسلام: (إن لله تسعة وتسعين اسماً من أحصاها دخل الجنة). أي: من علمها وحفظها وعمل بمقتضاها دخل الجنة.

    وفي حديث ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: (اللهم إني أسألك بكل اسم هو لك، سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحداً من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك).

    فهذا الحديث يبين أن الله تبارك وتعالى له أسماء، منها: ما اختص الله عز وجل نفسه بعلمه ولم يطلع أحداً عليه. وقوله: (أو علمته أحداً من خلقك). أي: من الأنبياء، وهذا فيه رد على صناديد الصوفية الذين يدعون دائماً أنهم يعلمون اسم الله الأعظم، وأن الله تعالى أوحى إليهم وأطلعهم على اسمه الأعظم، وهذا افتراء عظيم على الله عز وجل؛ لأن الأنبياء أحق بذلك، ومع هذا لم يدع نبي من أنبياء الله ولا رسول من رسله أنه يعلم الاسم الأعظم.

    وقوله: (أو استأثرت به في علم الغيب عندك)، أي: حجبته عن خلقك أجمعين أنبياء وغير أنبياء، فإذا كان الله تبارك وتعالى له أسماء قد حجبها عن الخلق أجمعين ومنهم الأنبياء فلا يجوز لعامة المسلمين والمؤمنين أن ينسبوا أسماء لله تبارك وتعالى لم يصرح المولى عز وجل بها في كتابه، ولا على لسان رسوله، ولا أطلع أحداً من الخلق أجمعين بما فيهم الأنبياء والمرسلين على هذه الأسماء.

    والله تعالى إذا أثبت لنفسه اسماً وصفة فلا يجوز لأحد من الخلق إثبات الاسم ونفي الصفة، أو إثبات الصفة ونفي الاسم، وإنما نتوقف فيما أوقفنا الله تعالى عليه سواءً كان ذلك في باب الأسماء أو في باب الصفات، ولذلك عقد الإمام هذا الفصل والذي بعده لإثبات هذه القضية فقال: [سياق ما دل في كتاب الله، وما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في أن الله عالم بعلم]. فهذان اسم وصفة.

    بيان أن الله عالم بعلم وأن علمه غير مخلوق

    قال: [وأن علمه غير مخلوق]. ليرد على القدرية الذين نفوا علم الله تبارك وتعالى الأزلي السابق؛ لأنهم قالوا: إن الله تعالى لم يكن عالماً، ثم علم بعد ذلك، وبعد أن علم خلق الخلق.

    فقولهم: (إن الله لم يكن عالماً فصار عالماً). هذا نقص. وكذلك قولهم: (لم يكن سميعاً فصار سميعاً)، فالكلام في اسم واحد أو في صفة واحدة كالكلام في جميع الأسماء والصفات، ولا يجوز لأحد أن يقول: إن الله عالم بغير علم، ولكنه سميع بسمع. وخلافه تخبط وخبل؛ لأن الكلام في الأسماء والصفات كلها شيء واحد في جهة الإثبات، أو في جهة النفي، فإذا كان في الكمال فهو كلام في الإثبات، وإذا كان في النقص فهو كلام في النقص، لأن الله تعالى متصف بكل كمال، منزه عن كل نقص.

    إذاً: قوله: [إن الله عالم بعلم، وأن علمه غير مخلوق] فيه قضيتين:

    القضية الأولى: أن الله عالم بعلم. أي: إثبات الاسم والصفة في وقت واحد. والثانية: أن علمه غير مخلوق.

    قال: [قال الله عز وجل: فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ [الأعراف:7].

    وقال: وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ [الشورى:25].

    وقال: وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ [البقرة:255].

    وقال: بِمَا أَنزَلَ إِلَيْكَ أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ [النساء:166].

    وقال: فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ [هود:14].

    وقال: وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ [فاطر:11].

    وروى ذلك من الصحابة ابن عباس وبه قال من العلماء: الشافعي وأحمد ، وإسحاق ، وعبد العزيز بن يحيى الكناني ، وأحمد بن سنان الواسطي].

    قال: [عن العلاء عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (سبق علم الله في خلقه فهم صائرون إليه)]، وإن كان الحديث ضعيفاً إلا أنه يشهد له عدة آثار في ذلك.

    ومعنى ذلك: أن علم الله تعالى سابق عن الخلق، ولذلك جاء في صحيح مسلم وغيره أن الله تعالى قدر مقادير الخلائق قبل أن يخلقهم بخمسين ألف سنة، فهل يصح في المعقول والمنصوص أن يصدر هذا من غير عالم؟ إن الواحد منا يتصف بالعلم وبالجهل، وأن علمنا حادث؛ لأن المرء يولد جاهلاً، ثم يتعلم شيئاً فشيئاً، وربما تقدم على الشيء وأنت تجهل ماهيته وحقيقته، وكيف يعمل وكيف ينتج وكيف يسير، ثم تتعلم بعد ذلك.

    كما لو أنك اشتريت سيارة أو مكينة أو شيئاً من الأشياء وأنت لا تستطيع أن تتعامل معه؛ لأنك جاهل بحقيقة هذا الشيء، ثم تأتي بمعلم ليعلمك على هذا الجهاز أو غيره، ثم بعد أن تتعلم تصير عالماً بهذا الجهاز؟ لأن الله تعالى خلق فيك العلم بعد أن كنت جاهلاً.

    أما الله عز وجل فلا يوصف بأنه لم يكن عالماً فصار عالماً، فأما علمي فإنه على قدر بشريتي أعلم شيئاً وأجهل أشياء، وعلمي لهذا الشيء الذي أنا تعلمته وعلمته إنما هو علم حادث. ومعنى أنه حادث: أنه مخلوق.

    وأما علم الله تبارك وتعالى فإنه علم شامل محيط بجميع الخلائق، فهو يعلم تبارك وتعالى ذاته ويعلم أسماءه، ويعلم صفاته كما أنه يعلم كل شيء من خلقه أجمعين.

    وأما أنت فعلمك على قدر ما تحتاج وربما أقل مما تحتاج، فلم يدع أحد من الخلق أنه أحاط بكل شيء علماً، أو ادعى صفة من صفات الربوبية إلا أن يكون فرعون، والله تعالى قد كذبه وأهلكه، ولو كان إلهاً كيف يتسنى له أن يموت، مع أن الحياة والقيومية صفتان ذاتيتان لازمتان لله، ولذلك ورد في الأثر: أن امرأة طرقت الباب على فرعون فقال لها: من؟ فقالت وهي بالباب: بئس الإله الذي لا يعرف من في الباب. أي: أتزعم أنك إله ولا ترى من خلف الباب فكيف ترى الكون؟ ولا ينازع أحد في أن الله تعالى يرى كل كبيرة وصغيرة في الكون، فعلمه محيط، ولو تفكرت في علم الله لوجدت عجباً.

    إن الله تعالى يعلم ما في جوفك وما في ظاهرك، وما في جوف الآخرين وظواهرهم، بل وما في جوف السماوات السبع والأرضين السبع وما في ظاهرها، وإن الله تعالى يعلم الموجود، وإن الله تعالى يعلم الغيب ويعلم الشهادة، فعلمه محيط بكل شيء، علم عام وشامل، أما علم المرء فإنه علم قاصر ضعيف حتى في أخص خصوصيات عملك واختصاصك فكثيراً ما تقابل أشياء من صميم عملك فتقول: أنا ما تعلمت هذه القضية، وأنا أجهلها.

    إذاً: علم الله تعالى علم لا يقاس به علم، وكذلك سمع الله لا يقاس به سمع، لأنه يسمع كل شيء مهما دق وخفي، فأنت ربما تحدث نفسك بأشياء ومعك جارك أو صديقك أو صاحبك، وربما يقول لك صاحبك: فيم تفكر يا فلان؟ الذي يفكر فيه ذلك المرء يعلمه الله تبارك وتعالى، ويعلم ما هو صائر إليه، ونتيجة هذا التفكير الذي لا يعلمه العبد إنما يعلمه الله؛ فإن الله تبارك وتعالى قبل أن يخلق السماوات والأرض وقبل أن يخلق هذا العبد علم أن عبده فلان سيفكر في أمر ما في المكان الفلاني وسيكون نتيجته خيراً أو شراً بالنسبة لهذا العبد.

    إذا: لا يوصف المولى عز وجل بأنه لم يكن عالماً، ثم صار بعد ذلك عالماً، فهو لم يخلق الخلق إلا وهو عالم؛ لأنه خلق بعلم، وإذا كان غير متصرف في غيره فكيف يخلق؟ لأن الذي عطل المولى عز وجل عن صفة من صفاته يلزمه أن يعطله عن جميع الصفات؛ لأنها إما صفات ذات، وإما صفات فعل، وصفات الذات لله عز وجل لازمة له لا تنفك، وأما صفات الفعل فيفعلها المولى عز وجل متى شاء وحيث شاء.

    فمن صفات الذات: اليد، والسمع، والبصر، والساق، واليدين والعينين، وغير ذلك مما يليق بالله عز وجل، لا يشبهه في ذلك أحد من خلقه.

    وما من شيئين إلا وبينهما قدر مشترك، وقدر فارق، فالله تبارك وتعالى له يدان وأنت لك يدان، لكن يدك ليست كيد الله عز وجل، يدك إنما هي يد بشرية تليق بعجزك ونصبك، ويد الله تبارك وتعالى تليق بكماله وجلاله، فلا نستطيع لها تكييفاً، بل ويحرم علينا أن نكيفها؛ لأن منهج السلف: أن يثبتوا لله تبارك وتعالى ما أثبته لنفسه من غير خوض في تأويلها ولا في تكييفها ولا تمثيلها؛ فإن هذا كله مما حرمه الله تعالى على رسله وأنبيائه فضلاً عن بقية الخلق.

    إذاً: نثبت لله تبارك وتعالى ما أثبته لنفسه من أسماء كاسم العليم والسميع والبصير، وما يستلزم هذه الأسماء من العلم والسمع والبصر من غير أن نقول: يسمع كسمعنا ويبصر كبصرنا، ويعلم كعلمنا؛ لأنه شتان ما بين بصر المخلوق وبصر للخالق عز وجل، وعلم المرء وعلم المولى عز وجل، وسمع المرء وسمع المولى عز وجل، فصفات المخلوق ناقصة تليق به وهي في ذاته كمال له، فلو أن إنساناً لا يسمع ولا يبصر فإنه إنسان معيب؛ لأن صفة الكمال لهذا العبد أن يسمع ما يدور حوله من أصوات، ولكن هذا العبد أصيب بالصمم وأصيب بالعمى، فهو لا يسمع ولا يبصر، فهذه عيوب بشرية.

    أما لو كان يسمع كما نسمع ويبصر كما نبصر فنقول: هذا إنسان لا عيب فيه، مع أن سمع المرء وبصره بالنسبة إلى سمع الله وبصر الله لا شيء، وعيب أيما عيب؛ لأن الله تعالى يسمع كل شيء وأنت تسمع إلا ما يحاط بك فقط، والله تعالى يعلم كل شيء وأنت لا تعلم إلا شيئاً قد تعلمته بالفعل، فشتان ما بين صفات المخلوقين وصفات المولى تبارك وتعالى، فنثبت لله تعالى من الأسماء والصفات ما أثبته لنفسه، وما أثبته له رسوله؛ لأنه أعلم الخلق بالله عز وجل، ولأنه لا يتقول على ربه قولاً بغير علم، ولذلك هدده المولى عز وجل فقال: وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأَقَاوِيلِ * لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ [الحاقة:44-46]، فلما لم يأخذ منه اليمين، ولم يقطع منه الوتين تبين أنه لم يتقول على الله عز وجل.

    كما أن الله تعالى أخبر أنه لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى، فكلام الأنبياء وحي، ولكن الفرق بينه وبين كلام الله عز وجل أن كلام الله متلو يتعبد به في الصلاة وغيرها، بخلاف الوحي النبوي فإنه غير متلو وغير متعبد به في الصلاة، فلا يجوز لك أن تقرأ بعد الفاتحة حديثاً ولو كان حديثاً قدسياً، بل لابد أن تقرأ قرآناً؛ لأنك متعبد إلى الله عز وجل بما أمرك، فقد أمرك أن تقرأ قرآناً لا حديثاً نبوياً ولا قدسياً في الصلاة.

    فالشاهد من هذا الكلام كله: أننا لابد في باب الأسماء والصفات أن نقف فلا نثبت شيئاً لله عز وجل ولا ننفيه عن الله عز وجل إلا بنص، فإذا أثبت شيئاً لنفسه أثبتناه وسلمنا وآمنا ورضينا، ولا نخوض في كيفيته، ولا نؤوله ولا نحرفه ولا نعطله، فإن هذا كله من مناهج المتأخرين، ومناهج الفلاسفة المتكلمين.

    أما السلف رضي الله عنهم فإنهم أثبتوا لله تعالى الأسماء والصفات التي أثبتها في كتابه، وأثبتها رسوله في سنته، فلم يثبتوا لله شيئاً أكثر من ذلك، كما أنهم لم يغفلوا اسماً أو صفة في الكتاب والسنة وقالوا: نثبت كل شيء إلا هذا الاسم أو هذه الصفة، فهذا لم يحدث من السلف رضي الله عنهم ولو حدث منهم لكان أولى أن يحدث من النبي عليه الصلاة والسلام، فلما لم يكن ذلك منه ولا منهم كان لزاماً علينا أن نعلم أن هذه القرون إنما هي خير القرون بشهادة النبي صلى الله عليه وسلم، بل وبشهادة المولى تبارك وتعالى، فإنه شهد لأصحاب نبيه بالخيرية في كل شيء ومن جميع الجوانب، فلزاماً لمن أراد أن يتشبه بهم أن يسلك مسلكهم، وأن يعتقد معتقدهم خاصة في باب الأسماء والصفات؛ لأن باب الأسماء والصفات من الأبواب العظيمة جداً التي فرقت الأمة، حتى قال ابن تيمية عليه رحمة الله: إن أحاديث افتراق الأمة لم يكن إلا في باب الأسماء والصفات، ومنها قوله عليه الصلاة والسلام: (افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وافترقت النصارى على ثنتين وسبعين فرقة، وستفترق هذه الأمة إلى ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة).

    فاضطراب هذه الفرق إنما كان في باب الأسماء والصفات حتى تعلم خطورة الأمر، وهذه الفرق كلها في النار إلا واحدة. قيل: من هي يا رسول الله؟ قال: (من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي).

    لم يقل على مثل ما أنا عليه اليوم فقط، ولكنه أدخل أصحابه لعلمه أنهم على الجادة، وأنهم على منهاج النبوة، وأنهم يثبتون لله تعالى ما أثبته لنفسه وما أثبته له رسوله من غير تأويل ولا تحريف ولا تكييف، ولا تمثيل، فلنسلك مسلك سلفنا رضي الله عنهم.

    إثبات أن صفة العلم صفة ذات أزلية لله تعالى

    قال: [عن سعيد بن جبير عن ابن عباس : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إذا قال الرجل عند المريض وكان في علم الله ألا يموت في مرضه ذلك: أسأل الله الكريم رب العرش العظيم أن يشفيك سبع مرات شفاه الله)].

    والشاهد من هذا الحديث: إذا قال الرجل عند مريض في زيارة مرضه: (أسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يشفيك شفاه الله تعالى) إذا دعا بها سبع مرات، إذا كان في علم الله الأزلي السابق أن هذا المرض ليس هو مرض الموت، ولذلك كانوا يفرقون بين مطلق المرض ومرض الموت، فمطلق المرض يمرض ويشفى، بينما مرض الموت يموت بسببه، فإذا كان لم يسبق في علم الله عز وجل أن هذا الرجل في هذا المرض يشفى من مرضه فإنه يشفى بسبب هذا الدعاء.

    وهذا يعني أن الله تعالى علم في الأزل أن هذا العبد لم يمت، ولذلك فإن هذا النص يثبت أن الله تبارك وتعالى لا يزال عالماً منذ الأزل، ولا ينتهي علمه أبداً، لأن العلم صفة ذات للمولى تبارك وتعالى.

    وصفة الفعل إذا شاء فعل وإذا شاء لم يفعل، مثل صفة الكلام إذا شاء الله تعالى تكلم، وإذا شاء ألا يتكلم لا يتكلم، بخلاف صفة الذات فإنها لازمة له لا يمكن أن تنفك عنه كصفة اليد مثلاً، فإن الله تعالى أثبت لنفسه اليدين فهو سبحانه وتعالى متصف بهما أزلاً وأبداً.

    ومن قال: إذا شاء الله أن يحتفظ بيديه احتفظ بهما، وإذا شاء أن يستغني عنهما استغنى ، فهذا سوء أدب مع الله عز وجل، حتى وإن كان ذلك على سبيل المثال.

    فهنا نقول: إن صفة العلم صفة لازمة لله عز وجل، ليست صفة فعل، لأننا لو قلنا إنها صفة فعل، لجاز لنا أن نقول: إذا شاء علم وإذا شاء جهل، والجهل منتف عنه تعالى، فلابد أن يثبت له العلم أولاً وآخراً، فهنا نقول: الله تبارك وتعالى علم أزلاً أن هذا العبد سيموت في هذا المرض أو لا يموت، فإذا كان الله تعالى علم أنه لا يموت في هذا المرض شفاه بسبب هذا الدعاء، وإذا كان علم أزلاً أنه سيموت في هذا المرض، وأنه قدر عليه المرض وكتبه ويموت بسببه، فإن الناس أجمعين لو اجتمعوا على أن يدعوا لهذا المريض لا ينفعه ذلك، ولو أتوا بأصلح من في الأرض وأتقى من في الأرض لا ينفع ذلك الدعاء؛ لأن الله تعالى كتب أزلاً أنه سيموت بهذا المرض، حتى ولو جمع الله الأنبياء والمرسلين يدعون لعبد من عباده بالشفاء، ولكن الله كتب له ألا يشفى من هذا المرض بل يموت فيه لا تقبل دعوات الأنبياء والمرسلين، ولكنه من باب الدعوات وطلب الخير فقط، ولا يلزم أن يشفى منه بسبب دعاء المرسلين، فكم دعا النبي عليه الصلاة والسلام لأصحابه في مرض موتهم، ولكن الله تعالى كتب أزلاً أنهم سيموتون في هذا المرض، فكتب لهم الأجر بسبب دعاء النبي عليه الصلاة والسلام، ولم يملك لهم السلامة والشفاء من هذا المرض.

    الرد على ما يروى عن ابن عباس في معنى الكرسي وتأويله بالعلم

    قال: [عن ابن عباس قال: وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ [البقرة:255] قال: علمه].

    في الحقيقة: هذا نص لم يثبت عن ابن عباس ، والحمد لله أنه لم يثبت، ولو ثبت على مذهب من حسن هذا الأثر فليس فيه حجة؛ لأن الكرسي لا يجوز صرفه عن ظاهره.

    فلا يجوز أن أقول: الكرسي بمعنى العلم. أي: وسع علمه السماوات والأرض؛ لأن سعة علم الله عز وجل في السماوات والأرض قد ذكرت في آيات ونصوص آخر، والكرسي قد وردت فيه أحاديث تثبت أن لله تبارك وتعالى كرسي، فالنبي عليه الصلاة والسلام يقول: (إن الله خلق الأرضين، وخلق السماوات وجعل بين السماء الدنيا وبين الأرض مسيرة خمسمائة عام، وبين كل سماء وسماء مسيرة خمسمائة عام، وفوق كل سماء مسيرة خمسمائة عام، وفوق السماوات البحر، وفوق البحر الكرسي، وفوق الكرسي العرش، والله تعالى فوق العرش).

    وقال عليه الصلاة والسلام لما سئل عن الكرسي، قال: (هو موضع القدمين لله عز وجل).

    فهل يتصور أن علم الله تعالى هو موضع قدميه؟ هذا كلام لا معنى، فكيف يفسر الكرسي بأنه العلم، وهل دعت الضرورة إلى صرف هذا النص وهذا اللفظ عن ظاهره؟ الجواب: لا. وأهل السنة متفقون على أن ما يخص المولى تبارك وتعالى من أسماء وصفات خاصة في أمور الغيب لا يجوز صرفها عن ظاهرها أبداً وإلا وقع الصارف في التعطيل، أي: تعطيل المولى عز وجل عن صفاته.

    حكم القول: (بأن علم الله مخلوق)

    قال: [أخبرنا عبد الله بن أحمد بن علي المقرئ، قال: سمعت أبا بكر عبد الله بن محمد بن زيد النيسابوري يقول: سمعت الربيع بن سليمان يقول: قال حفص الفرد: علم الله مخلوق. قال الشافعي: كفرت بالله العظيم].

    هذا القول إلى الكفر أقرب منه إلى الإيمان؛ لأن كل مخلوق حادث جديد، وعلم الله تبارك وتعالى أزلي أولي، فهل يتصور أن الله تعالى لم يكن عالماً فصار عالماً حتى نقول إن علم الله مخلوق؟! فضلاً عن أن كل مخلوق يفنى، وما من شيء إلا وهو حادث يطرأ عليه البلى والفناء، فهل الله تبارك وتعالى لم يكن عالماً فصار عالماً، ولزاماً أن نقول: إن علمه حادث ومخلوق، وكل مخلوق فان، فهل كان الله تعالى جاهلاً ثم صار عالماً، ثم يئول بعد ذلك إلى الجهل؛ لأنه إذا كان علمه حادثاً فلابد وأن يفنى، فهذا كلام هو للكفر أقرب منه إلى الإيمان.

    ولذلك كفَّر أهل العلم من قال بهذا القول: [قال الشافعي: كفرت بالله العظيم]. أي: كونك تقول: إن علم الله حادث.

    وهؤلاء المبتدعة يتكلمون من طرف خفي ومع خاصتهم في صفة واحدة لا في كل الصفات، ثم يصير من سمع هذا الكلام فرحاً ببيان بدعة ذلك المبتدع في علم الله، وليس في علم الله فحسب، وإنما في جميع الصفات، لأن أهل السنة يعتقدون أن الكلام في صفة واحدة كالكلام في جميع الصفات إما إثباتاً أو نفياً، فمن قال: إن علم الله حادث أو مخلوق، يلزمه أن يقول: إن سمع الله تعالى كذلك، وحلم الله تعالى كذلك، وقدرة الله تعالى كذلك، وأنه لم يكن قادراً فصار قادراً، ولم يكن سميعاً فصار سميعاً، ولم يكن مبصراً فصار بصيراً بعد ذلك، وكذا في بقية الصفات.

    ولماذا تقول بالذات: (علم الله تعالى حادث)، مع أن العلم صفة، والسمع صفة والرحمة صفة، والقوة صفة، والإرادة صفة والمشيئة صفة، فلم تقول هذا في صفة وتترك في بقية الصفات؟ لابد أنه سيعجز عن جواب هذا السؤال.

    ولذلك لما أتى يحيى بن يعمر البصري إلى مكة ومعه حميد بن عبد الرحمن البصري قال له: لعل الله تعالى يقيض لنا أحداً من أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام قال: فأتينا الكعبة فوجدنا أبا عبد الرحمن عبد الله بن عمر يطوف بها. قال: فاكتنفته أنا وصاحبي أحدنا عن يمينه والآخر عن يساره، فظننت أن صاحبي سيكل الكلام إلي أسأله أنا فقلت: أبا عبد الرحمن! قد ظهر قبلنا أناس يقولون: لا قدر، وأن الأمر أنف.

    والشاهد في قوله: (وأن الأمر أنف). يعني: مستحدث. أي: أن الله لا يعلمه أزلاً، وما علمه إلا بعد أن وقع بالفعل. يعني: أن الله تبارك وتعالى - على مذهب الجعد وتلميذه الجهم بن صفوان - لا يعلم قبل صلاة العشاء أنه هناك درس، وما علم أن هناك درس في مسجد الهدى إلا بعد يوم السبت حقيقة.

    فهل يتصور في جنب الله عز وجل أنه لم يكن عالماً به إلا بعد أن وقع فعلمه؟

    وهذا يعني أن صفات المولى عز وجل خلقت له سبحانه وتعالى، وهذا كلام هو إلى الكفر أقرب، ولذلك كفر عبد الله بن عمر هؤلاء وتبرأ منهم.

    وفي رواية أنه قال: أو قد قالوها؟ كأن الصحابة رضي الله عنهم كانوا يتوقعون أن يظهر هذا، ولذلك ورد في صفاتهم أنهم يتنطعون ويتعمقون، وهذا شأن كل متنطع في دين الله عز وجل أن يبوء بالفشل، وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه البخاري أنه قال: (إن هذا الدين يسر، ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه، فسددوا وقاربوا وأبشروا). فما من إنسان تشدد في دين الله عز وجل في كل مسائله وقضاياه أكثر مما ورد فيه النص إلا انقطع، إما غالى مغالاة شديدة جداً فكان حرباً على الإسلام والمسلمين، وإما سقط وترك كل شيء، وخير الأمور أوسطها، وهذه الوسطية وهذا العدل هو الذي كان النبي عليه الصلاة والسلام يحيا به وعليه، وكذلك أصحابه الكرام وأهل العلم الذين يقتدى بهم في دين الله عز وجل.

    قال عليه الصلاة والسلام: (إن دين الله يسر ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه). يعني: لن يغالب الدين أحد إلا غلبه الدين.

    لو أن رجلاً قام الليل كله يصلي لغلبه النوم فنام قبل صلاة الفجر ولم يصل الفجر إلا بعد طلوع الشمس، وإن شئت فقل إلا بعد أذان الظهر؛ لأنه قام الليل كله، وانقطع لذلك عن أداء الفرض، والنبي عليه الصلاة والسلام يحذر أن يكون الرجل منا كالمنبت الذي لا أرضاً قطع ولا ظهراً أبقى. والمنبت: هو المسرع الذي يجري جرياً سريعاً متلاحقاً، فلو أن رجلاً أراد سفراً إلى بلد ما، فركب دابة وظل يضربها على ظهرها، ويأنف أن تمكث وأن تستريح في أثناء الطريق، فإنها ستكل وتعجز عن السير مهما ضربها، فلا هو أبقى الدابة وحافظ عليها، ولا هو وصل إلى البلد التي يريد الوصول إليها، لأنه مسرع على غير العادة متنطع متشدد.

    أما الاستمساك بكتاب الله تبارك وتعالى وسنة النبي عليه الصلاة والسلام على منهاج العدل والوسطية الذي كان عليه الصلاة والسلام وأصحابه، فإن هذا هو دين الله تعالى، وكله يسر. فلا يقال لمن تمسك بالأصل: أنت متشدد أو متطرف أو متزمت، بل يقال: أنت مهتد مقتدٍ. ولا يقال: متطرف إلا لمن زاد عن النص زيادة لا يحبها الله تعالى؛ لأن أحب العمل إلى الله عز وجل أدومه وإن قل، فمن صلى في ليلة إحدى عشرة ركعة، وفي الليلة الثانية لا يصلي شيئاً؛ فإن الله تعالى لا يحب ذلك، فلو صلى ركعتين اثنتين وحافظ عليهما كان هذا العمل أحب إلى الله تعالى من أن يقوم ليلة ويترك الباقي، ولو أنه صام الإثنين والخميس من كل أسبوع لكان أحب إلى الله تبارك وتعالى من صيام الدهر كله، فإن صيام كل يوم يؤدي إلى الملل والعجز فيؤدي إلى ترك الصيام كل الأيام.

    والشاهد من هذا: أن وسطية أهل السنة بين هذه الفرق كوسطية هذه الأمة بين جميع الأمم.

    فمن الملل والأمم من غرقت في المادية فلا ترى إلا المادة، ولا ترى إلا زهرة الحياة الدنيا، كأمة اليهود مثلاً، وإن من الأمم كأمة النصارى الذين عرفوا الرهبانية بل وابتدعوها وما كتبها الله عليهم، ولكن هذه الأمة لا رهبانية عندها، ولكن الله تعالى زهدها وحذرها من غرور الدنيا وزينتها، فهي أمة وسط بين الأمم، وأهل السنة والجماعة وهم الفرقة الناجية وأهل الطريقة المنصورة هم وسط بين فرق الأمة الضالة خاصة في باب الأسماء والصفات، فمنهم من نفى الأسماء والصفات، ومنهم من أثبتها وكيفها ومثلها كصفات المخلوقين، ومنهم من قال: إن الله ليس سميعاً ولا بصيراً ولا قادراً ولا حياً ولا مميتاً وغير ذلك؛ لأنهم تصوروا أن إثبات الصفات للمولى عز وجل يوجب التشبيه بصفات المخلوقين، فقالوا مثلاً: لو قلنا: إن الله سميع بسمع لكان لزاماً علينا أن نقول: إنه سميع بسمع كأسماعنا؛ لأن الله تعالى خاطبنا بهذا، ولابد أنه قد خاطبنا بما نعلمه، وإنما نعلم من أنفسنا أننا نسمع بسمع. ويشيرون إلى آذانهم. فقالوا: ولما كان الله تعالى محالاً عليه أن يكون كذواتنا، فإننا ننزهه أن يتصف بصفاتنا، فعطلوا المولى تبارك وتعالى عن بعض صفاته أو جلها. وعلى النقيض من هؤلاء قال الفريق الثاني: إنما نثبت لله تبارك وتعالى ما أثبته لنفسه، ولكنهم شبهوا، ففريق عطلوا الله تبارك وتعالى عن صفاته، والفريق الثاني أثبت الصفات مع التمثيل والتشبيه، وأما أهل السنة والجماعة فوسط بين هذين الفريقين، فأثبتوا لله تعالى ما أثبته لنفسه، وما أثبته له الرسول عليه الصلاة والسلام من غير زيادة ولا نقصان، وأن الله تعالى خاطبنا بما نعلم، فإذا قال الله تعالى: إنه سميع بصير، علمنا أن الله تعالى يسمع ويبصر، ولما اختلفت الذات العلية عن ذوات المخلوقين كان لزاماً أن تختلف صفاته عن صفات المخلوقين، فصفات الخالق تليق بجلاله وكماله، فإنهم لا يكيفون هذه الصفات، فلا يقولون: إن الله تعالى يسمع بأذن كآذان المخلوقين، وإنما يقولون: إن الله تعالى يسمع بسمع يليق بجلاله وكماله، سمع يتلاءم مع الله عز وجل ومع ذاته العلية لا كسمعنا، وعلى هذا النحو: صاروا في جميع صفات المولى تبارك وتعالى يثبتونها ولا يعطلون أسماء الله تبارك وتعالى عنها، ولا يكيفونها ويمثلونها كالممثلة الذين قالوا: إن الله يسمع كسمعنا ويبصر كبصرنا.

    فقال عبد الله بن عمر لـحميد بن عبد الرحمن ويحيى بن يعمر : إذا لقيتم هؤلاء فأخبروهم أني بريء منهم وأنهم براء مني. أي: لا هم منا ولا نحن منهم؛ لأنهم أنكروا، وجحدوا علم الله الأزلي، ومن كان كذلك بعد قراءة الآيات والأحاديث التي تثبت العلم لله عز وجل اسماً وصفة، لا يبقى لها إيمان.

    والذي ينفي العلم عن الله عز وجل إنما يقول (أنا كافر بهذه الآيات). فبأي دليل وبأي حجة وبرهان يقف بين يدي المولى تبارك وتعالى.

    فمن قال: إن الله لا يعلم الأشياء إلا بعد وقوعها نقول له مقولة ابن عمر: (فأخبرهم أني برئ منهم وأنهم براء مني). أي: لا يربطنا ولاء، والذي بيننا وبينهم قد زال، لأنهم قد مرقوا وخرجوا، فنفوا عن الله تبارك وتعالى ما أثبته لنفسه؛ ظناً منهم أن الله تعالى كان متصفاً بالجهل، فخلق العلم فصار عالماً بعد أن لم يكن.

    الإيمان بمدلول الأسماء والصفات

    قال: [وعن إسحاق بن راهويه : إن الله سميع بسمع، بصير ببصر، قادر بقدرة].

    والمعتزلة قالوا: إن الله سميع بغير سمع، بصير بغير بصر، قادر بغير قدرة، ومعنى ذلك: أن الله تعالى ذات متصفة بأسماء لا مدلول لها في الواقع.

    من الممكن أن يكون الإنسان قوياً ويصرعه أحد الناس، أو كريماً وفيه ما فيه من البخل والشح أو لطيفاً وعنده من الغلظة ما فيه، فلا يلزم من صفات المخلوقين أن يكون لها وجود في الواقع، بل من الممكن أن يتصف المرء بصفة وبضدها، وليس لصفات المولى تبارك وتعالى ضد، وإنما ضدها في المخلوقين لا في الخالق، فالله تبارك وتعالى اتصف بالحلم فحلمه وسع كل شيء، وهو حليم إلى أقصى درجات الحلم وأكمل درجات الحلم، بحيث لا حلم بعد ذلك، ولا أحد يتصف بهذه الصفات فيداني أو يقارب المولى تبارك وتعالى، لأنه متفرد في صفاته، فلا أحد في الخلق يبلغ مبلغ الحلم لله عز وجل، ولا يدانيه ولا يقترب منه، لأن حلمه عام وحلم المخلوق خاص.

    فكذلك لو قلت: إن الله سميع بغير سمع يلزمني أن أقول: ربما يتصف بالسمع وغيره.

    أنا ممكن أن أسمى سميع وأنا أصم، وأنا في الحقيقة لا أسمع شيئاً لأنني أصم، فلا يلزم من كون اسمي سميعاً أن أكون سميعاً حقاً.

    فهذه المسألة مهمة جداً: إذا قلت: إن الله سميع بغير سمع، وبصير بغير بصر، وعليم بغير علم، يلزمك أن تقول: أنه لا يسمع أصلاً، ولا يبصر أصلاً، ولا يعلم أصلاً، أو أحياناً يعلم وهو لا يعلم، ويبصر وأحياناً لا يبصر، وأحياناً يكون قادراً وأحياناً يكون عاجزاً.

    بالنسبة للمخلوق لا يلزم من ذكر اسم قادر أن يكون في كل شيء قادراً، فلا يلزم من كان من المخلوقين اسمه قوي أن يكون قوياً، أو من كان اسمه قادر أن يكون قادراً على كل شيء، إنما يلزم لله عز وجل أن يكون صاحب القدرة، والقوة المطلقتين، فهو سميع بسمع، وبصير ببصر، وغير ذلك من الأسماء والصفات.

    1.   

    سياق ما دل من كتاب الله وسنة رسوله بأن الله سميع بسمع قادر بقدرة

    قال: [سياق ما دل من كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم بأن الله سميع بسمع، بصير ببصر، قادر بقدرة، قال الله عز وجل: وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [البقرة:224]]. فأثبت لنفسه السمع والعلم.

    [قال تبارك وتعالى: لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا [مريم:42]]. وهذا قول إبراهيم لأبيه، وهذه الآية بمفهوم المخالفة تثبت أن الإله يسمع ويبصر وهو الغني ولا يغني عنك شيئاً؛ لأنه الغني تبارك وتعالى.

    [وقال في قصة موسى: إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى [طه:46]، وقال عز وجل: قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا [المجادلة:1]، وروي عن عمر أنه كلمته هذه المرأة. فقيل لها: أكثرت على أمير المؤمنين. فقال: دعها أما تعرفها؟ هي التي سمع الله منها] أي: فأولى بنا أن نسمع.

    فـعمر رضي الله عنه أثبت لله صفة السمع، فقال: دعها أما تعرفها هي التي سمع الله جدالها.

    وهذا نص من عمر بن الخطاب وفيه انقطاع، ولكن يشهد له أصل القصة أنها في كتاب الله عز وجل.

    [وقالت عائشة: الحمد لله الذي وسع سمعه الأصوات]. يعني: سمع الله تبارك وتعالى أحاط بجميع الأصوات، لا أقول: يسمع أصوات الآدميين فحسب، بل وأصوات جميع المخلوقات آدميين وغير آدميين من شجر وبشر وحجر وخيل وريح وجميع المخلوقات.

    [وقال النبي صلى الله عليه وسلم حين سمع أصحابه يرفعون أصواتهم بالدعاء، فقال: (أربعوا على أنفسكم إنكم لا تدعون أصم ولا غائباً)].

    وكان هذا في غزوة من الغزوات، كانوا كلما نزلوا منزلاً أو صعدوا جبلاً رفعوا أصواتهم بالدعاء، فأتاهم النبي عليه الصلاة والسلام فقال: (أربعوا). يعني: تلطفوا وأرفقوا بأنفسكم، (إنكم لا تدعون أصم ولا غائباً إنما تدعون سميعاً بصيراً). فنفى عنه صفة النقص، وأثبت له صفة الكمال، فالله تبارك وتعالى لا يتصف بالصفات التي تليق بالمخلوقين كالصمم وغيرها، فأثبت له الكمال في السمع والبصر، ونفى عنه صفة الأصم والغائب؛ لأن الله تعالى لا يغيب عنه شيء، لأنه حي قيوم.

    [وأشار النبي عليه الصلاة والسلام في حديث أبي هريرة لما قرأ (سميعاً بصيراً) فوضع أصبعه السبابة التي يدعو بها وإبهامه على عينه وأذنه -يعني بذلك- أن الله تعالى يسمع بسمع، بصير ببصر]. لكن لا يلزم من هذه الإشارة أن الله تعالى له عين كعيني وأذن كأذني، خاصة وأن الذي فعل ذلك هو النبي عليه الصلاة والسلام، وقد حذرنا من أن نمثل صفات المخلوق بصفات الخالق، ولكن النبي عليه الصلاة والسلام أراد أن يبين لنا أن المولى تبارك وتعالى يتصف بصفات هي صفات لنا من جهة الاسم فقط، فما من شيئين إلا وبينهما قدر مشترك وقدر فارق.

    فالقدر المشترك بين سمع الله وسمع المخلوق هو في الاسم فقط ومن ذلك أن الدنيا فيها تفاح والجنة فيها تفاح، والدنيا فيها عسل ولبن وخمر والجنة فيها عسل ولبن وخمر، فهل خمر الجنة وعسلها وتفاحها كخمر الدنيا وعسلها وتفاحها؟ شتان ما بين نعيم الدنيا ونعيم الآخرة.

    إذا كان هذا الاختلاف في المخلوقات التي خلقها الله سواء في الدنيا أو في الآخرة، فإنهما يختلفان تماماً من جهة المذاق والحلاوة، فكذلك صفات الله تعالى تختلف عن صفات المخلوق.

    قال: [عن أبي موسى رضي الله عنه: ... (إن الذي تدعونه أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته) -يعني: أقرب شيء إلى شعر رقبة بعيره- قال أبو موسى : (فقلت في نفسي: لا حول ولا قوة إلا بالله. ثم قال: يا عبد الله بن قيس ألا أعلمك كلمة من كنوز الجنة؟ لا حول ولا قوة إلا بالله)]، فالله تعالى معنا بسمعه وعلمه وبصره، أما ذاته العلية تبارك وتعالى فهو فوق العرش.

    قال: [عن أبي موسى قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا أحد أصبر على أذى سمعه من الله عز وجل، يشرك به ويجعل له ولد، وهو يعافيهم ويدفع عنهم ويرزقهم) أخرجه مسلم من حديث جرير، والبخاري من حديث الأعمش].

    فأي حلم وأي صبر للمولى عز وجل!

    والشاهد من هذا الحديث: إثبات السمع لله عز وجل، فهو الذي يخلق الخلق ويعافيهم ويرزقهم الصحة والرزق والمال والطعام والشراب وغير ذلك، ثم بعض هؤلاء الخلق يطوفون حول قبر البدوي ، أو الحسين، ويدعونهم من دون الله عز وجل، وهذا من أعظم الظلم لله عز وجل، وهو أن تجعل لله نداً وهو خلقك.

    قال: [عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إنه سميع بصير، فوضع أصبعه السبابة وإبهامه على عينه وأذنه) أخرجه أبو داود، وهو إسناد صحيح على شرط مسلم يلزمه إخراجه].

    لكن لا يلزم منه التمثيل، أن لله عين كعيني، وأذن كأذني إنما أراد النبي عليه الصلاة والسلام أن يقرب المعنى، وهو أن بين صفاتك وصفات المولى عز وجل قدر مشترك في الاسم فقط، أما الحقيقة والكيفية: فإن صفات الخالق تختلف تماماً عن صفات المخلوقين، ولذلك لما أتى حبر من أحبار اليهود إلى النبي عليه الصلاة والسلام قال: (يا محمد ! أما تعلم أن الله تعالى يحمل يوم القيامة السماوات على أصبع، والأرضين على أصبع، والثرى على أصبع، والماء على أصبع، والخلائق على أصبع، ثم يهزهن ويقول: أنا الملك أين ملوك الأرض، فضحك النبي عليه الصلاة والسلام حتى بدت نواجذه) مقراً لهذا الرجل، ولكنه تلا بعد ذلك قوله تعالى: وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ [الأنعام:91]، فلقد أقره أولاً أن الله تبارك وتعالى له أصابع، وهذا التمثيل الذي مثله اليهودي لا يلزم منه إثبات المماثلة والمشابهة بين أصابع الرحمن وأصابع المخلوق إلا في القدر المشترك وهو الاسم، أن لله أصابع وللمخلوق أصابع، ولكن شتان ما بين أصابع الرحمن وأصابع المخلوق، وإنما المشاركة أو الاشتراك بينهما في مطلق الاسم.

    قال: [عن عائشة رضي الله عنها قالت: الحمد لله الذي وسع سمعه الأصوات، لقد جاءت المجادلة - أي: المرأة التي جادلت النبي عليه الصلاة والسلام - إلى النبي صلى الله عليه وسلم تكلمه في ناحية البيت وما أسمع ما تقول، فأنزل الله عز وجل: قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا [المجادلة:1] استشهد به البخاري].

    فـعائشة رضي الله عنها كانت في ناحية الغرفة والنبي صلى الله عليه وسلم مع تلك المجادلة في الناحية الأخرى، فلما اشتكت وجادلت أنزل الله تبارك وتعالى جواب سؤالها؛ فعجبت من ذلك عائشة وقالت: لقد سمع الله قول المجادلة في زوجها وأنا في ناحية البيت وما سمعت شيئاً.

    وهذه الحادثة فيها إثبات السمع لله تبارك وتعالى وإن خفي كلام المتكلم، فإن الله تعالى يعلم السر وأخفى، والسر: هو ما يحتفظ به المرء لنفسه يعلمه الله، فإن الله يعلم ما في صدرك وإن لم تتكلم به، ويعلم ما لم تفكر فيه أنت بعد، وهو أخفى من السر.

    قال: [عن الأحنف بن قيس قال: كنت عند عمر بن الخطاب فرأيت امرأة عنده وهي تقول: يا أمير المؤمنين! اذكر إذ كنت في أصلاب المشركين وأرحام المشركين حتى من الله عليك بمحمد صلى الله عليه وسلم، فقلت لها: لقد أكثرت على أمير المؤمنين. فقال عمر: دعها أما تعرفها؟ هي التي سمع الله منها فأنا حقاً أسمع منها].

    قال: [عن ابن عباس في قوله عز وجل: تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا [القمر:14] قال: أشار -أي: ابن عباس- بيده إلى عينيه].

    فهذه النصوص ليس فيها حجة للممثلة والمشبهة، وإنما هذا على منوال النبي عليه الصلاة والسلام في إشارته لعينه وأذنه، فيدل على أن الله تعالى يبصر ببصر، ويسمع بسمع، وله عين ليس كأعيننا، وإنما المطابقة أو المشابهة في الاسم فقط دون المسمى.

    نسأل الله تبارك وتعالى أن يتقبل منا ومنكم، أقول قولي هذا، وأستغفر الله تعالى لي ولكم.