إسلام ويب

شرح أصول اعتقاد أهل السنة - صفة الاستواء لله عز وجلللشيخ : حسن أبو الأشبال الزهيري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • من أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة أن الله مستو على عرشه بائن من خلقه، واستواؤه تعالى معناه: علوه وارتفاعه على خلقه فوق سماواته وعرشه، وقد دل على ذلك الكتاب والسنة وإجماع أهل العلم المعتبر، خلافاً للفرق الضالة الخارجة عن الطريق المستقيم، والذين يؤولون ذلك تأويلات عقلية مبناها على اللغة، وعلى اعتبار عدم مناقضتها لصفة المعية كما هو في المخلوقين، ولبئس ما فهموا، وساء ما إليه فطنوا.

    1.   

    اشتراك المخلوق مع الخالق في بعض الصفات لا يستلزم المشابهة والمماثلة

    إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    صلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

    في الدرس الماضي ذكرنا عشراً من القواعد التي تلزم كل مسلم -فضلاً عن طالب العلم- في سبيل دراسته لعلم الاعتقاد، وقلنا: إن صفات المولى تبارك وتعالى لا يمكن فهمها كما فهمها السلف إلا من خلال هذه القواعد، وهذه القواعد كنا قد استفدناها من كتب شيخي الإسلام ابن تيمية ، وابن القيم وقد جمع جلها شيخنا محمود عبد الرازق المنصوري في كتاب سماه: توحيد الصفات بين معتقد السلف وتأويل الخلف، وبالأمس أرسل إلي عدة نسخ من مختصر لهذا الكتاب، فقرأته اليوم فألفيته مختصراً نافعاً جداً؛ ولذلك آثرنا أن نوزعه عليكم إن شاء الله.

    ذكرنا أن أول هذه القواعد هي: توحيد المولى تبارك وتعالى، بمعنى: إفراده بالوحدانية في كل شيء، فلا يستطيع أحد أن يتصف بصفة على الوصف الكامل لله عز وجل من خلقه قط، فلو ذكرنا صفة الرحمة فإن الله تعالى موصوف بها، وإن كثيراً من عباده موصوف بها، لكن الله تعالى تفرد بهذه الصفة على الوجه الأكمل الذي ليس بعده كمال، فلا تستوي رحمة المخلوق ورحمة الخالق سبحانه وتعالى؛ لأن رحمة الخالق واسعة وعامة وشاملة لمن كان أهلاً لها؛ ولذلك يقول المولى تبارك وتعالى: وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ [الأعراف:156]، أما رحمة العباد فلا تسع كل شيء؛ ولذلك هناك مفارقة ومباينة بين صفة المخلوقين وصفة الخالق تبارك وتعالى.

    فعند إطلاق صفة من الصفات على مخلوق من المخلوقات -وإن تشابهت وتماثلت- مع صفة لله عز وجل، فلا يعني هذا أنها شبيهة ومماثلة لها من جميع الوجوه ومن جميع الجوانب، بل هي شبيهة بها من حيث الاسم فقط، فإذا كانت المخلوقات نفسها تتماثل أو تتشابه في الاسم، وتختلف في الصورة، فإن الله تبارك وتعالى خلق العسل وخلق الخمر، وخلق التمر وخلق الجنان وخلق التفاح وخلق المطعومات، ولكنك إذا وازنت بين مطعومات الدنيا التي تطعمها أنت الآن ومطعومات الجنة فشتان ما بين هذا وذاك.

    وإذا قلنا لك: هل تستطيع أن تكيف تين الجنة أو زيتونها؟ تقول: لا، أنا الذي أعرفه من هذا النعيم الأسماء فقط؛ وذلك لأن الله ذكر في كتابه أنه خلق في الجنة التين والزيتون، لكن هل هو كالتين والزيتون اللذين نأكلهما؟ الجواب: لا، فالزيتون الذي نأكله نحن الآن ليس كالزيتون الذي خلقه الله في الجنة، فإذا كانت المخلوقات نفسها اتحدت في أحد الأوصاف ولكنها تباينت واختلفت في بقية الأوصاف، فهل يمكن أن تسوي صفات الخالق سبحانه وتعالى بصفات المخلوقين عند الإطلاق؟ لا يمكن أبداً، هناك مباينة ومفارقة.

    1.   

    سياق ما روي في قوله تعالى: (الرحمن على العرش استوى)

    ونحن بصدد ضرب بعض أدلة استواء الله تباك وتعالى على عرشه، فاستواء سليمان على العرش، واستواء بلقيس على العرش، واستواء أي ملك على عرشه يختلف تماماً عن استواء المولى تبارك وتعالى؛ لأن استواء المخلوقات يتناسب مع ضعف وعجز ونقص هذه المخلوقات، أما استواء المولى تبارك وتعالى فلا شك أنه على الوجه الأكمل الذي يتناسب مع كمال صفاته تبارك وتعالى، وإن كان الجميع يسمى: استواء.

    فليس استوائي هذا على الكرسي وأنا مماثل له كاستواء المولى تبارك وتعالى على عرشه، فإن هذا استواء يليق بالله عز وجل، واستوائي على الكرسي يليق بذلك الضعف البشري الذي خلقت له ومن أجله.

    وقد ذكر الإمام اللالكائي باباً وسرد فيه أدلة استواء الرحمن على العرش، فقال: [ سياق ما روي في قوله تعالى: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه:5]، وأن الله على عرشه في السماء ]، فهل كلمة (على) هنا تستلزم المماسة؟ هذا الذي فهمه أصحاب الفرق الضالة. فقوله: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه:5]، قالوا: (استوى) بمعنى: استولى، ولنا وقفة مع هذا التفسير.

    الوقفة الأولى: قوله تعالى: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه:5]، هل يلزم من هذا الحرف (على) أن الله تعالى مماس وملاصق للعرش؟ فإذا قلنا ذلك فإنه يلزمنا أن نقول: إن العرش يحمله، وهو سبحانه وتعالى منزه عن ذلك، فهو أكبر من العرش، وأكبر من جميع المخلوقات؛ فلا يحمله خلق من خلقه تبارك وتعالى، وإنما نقول: إن الله تعالى علا فوق العرش، أي: خلق الأرضين وخلق السماوات السبع، وجعل فوق السماء السابعة بحراً، وفوق البحر الكرسي، وفوق الكرسي العرش، والله تعالى فوق العرش، ليس مماساً له سبحانه وتعالى؛ لأنه منزه أن يلتصق بأحد من مخلوقاته.

    قال: (وأن الله على عرشه في السماء)، قولنا: (في السماء) لا تستدعي الظرفية كذلك، بل (في) بمعنى (على)؛ لأن المتفق عليه أن حروف الجر ينوب بعضها عن بعض، فقوله: (في) يعني: (على)، أي: وأن الله على عرشه على السماء، بمعنى: فوق السماء؛ لأن (على) تفيد العلو والفوقية، فـ(في) هنا بمعنى (على)، أي: على السماء؛ ومثلها قوله تبارك وتعالى: وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ [طه:71]، فهل يتصور أن ذلك المجرم يدخل غيره في جذع النخلة حتى يعاقب ويصلب؟ الجواب: لا، ولكن التقدير: ولأصلبنكم على جذوع النخل، فـ(في) بمعنى (على).

    إذاً: قوله: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ [طه:5]، أي: فوق العرش، وأن الله على عرشه في السماء، يعني: على السماء، فهذه الحروف إنما تفيد الفوقية والعلو.

    الأدلة من القرآن على أن الله مستو على عرشه فوق خلقه

    قال: [ وقال الله عز وجل: إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ [فاطر:10] ]، فالصعود لا بد وأن يكون إلى جهة العلو، وكذلك الرفع، قال: إِلَيْهِ يَصْعَدُ ، أي: يرتفع الْكَلِمُ الطَّيِّبُ [فاطر:10]، وأن الله تعالى يجازي صاحبه خيراً، وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ [فاطر:10]، أي: يرفعه إليه ويقبله.

    قال: [ وقال تعالى: أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ * أَمْ أَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ [الملك:16-17] ]، فقوله: أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ [الملك:16]، والذي في السماء هو الله عز وجل، وكما اتفقنا أن (في السماء) بمعنى: (على السماء).

    قال: [ وقال تعالى: وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ [الأنعام:61] ]، فأسند لنفسه تارة العلو وتارة الفوقية، وهما بمعنى واحد، وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً [الأنعام:61]، أي: يرسل عليكم من السماء إلى الأرض حفظة؛ فدلت هذه الآيات على أنه تعالى في السماء، وعلمه في كل مكان من أرضه وسمائه.

    فهذا أمر معلوم لدى جميع السلف أن الله تعالى بذاته استوى على العرش، ولكن لما خاض المعتزلة والأشاعرة من بعدهم في صفات المولى تبارك وتعالى، وتكلموا على استوائه وفوقيته، أو معيته مع خلقه -قالوا: إن الله تعالى مع خلقه بذاته في كل مكان، هذا قول المعتزلة والأشاعرة، وهو قول يناقض وينافي الحق تماماً ولا حق فيه، بل الحق أن الله تبارك وتعالى مستو بذاته على العرش، مباين لخلقه، كما ثبت ذلك من كلام السلف، وللإمام الطحاوي شعر ونظم جميل جداً في بيان معتقد أهل السنة والجماعة في معية الله تبارك وتعالى، قال: نؤمن بالله تعالى، وأنه فوق السماء، أي: وأنه استوى على عرشه بائن من خلقه، ومعنى بائن: غير ملاصق لخلقه، بل مغاير لهم.

    ولا بد أن نعرف أن العرش مخلوق ولا خالق إلا الله عز وجل، وقول الإمام: بائن من خلقه، يدل على أن الله غير ملاصق للعرش، ولكنه فوق العرش سبحانه وتعالى، وذلك لما كان العرش أعلى شيء في المخلوقات؛ فإن الله تعالى فوق هذا العلو، يعني: أن الله تبارك وتعالى أعلى من كل مخلوق، وأعلى المخلوقات هو العرش، والله تعالى فوق العرش.

    فدلت هذه الآيات على أنه تعالى في السماء، وعلمه بكل مكان من أرضه وسمائه؛ لأن الله تعالى قد أحاط علمه بكل شيء، والسماوات شيء، والأرض شيء، وجميع المخلوقات شيء، وأن علم الله تبارك وتعالى قد أحاط بكل شيء، روي ذلك عن الصحابة: عن عمر ، وابن مسعود ، وابن عباس ، وأم سلمة ، ومن التابعين: ربيعة بن أبي عبد الرحمن الفقيه المدني، وسليمان التيمي ، ومقاتل بن حيان ، وقال به من الفقهاء: مالك بن أنس ، والثوري ، وأحمد بن حنبل ، ونحن نذكر هذا على سبيل الاختصار، وإلا فقد سبق أن سردنا الكثير من أسماء السلف الذين تكلموا وصنفوا في معتقد سلف هذه الأمة.

    الأدلة من السنة على أن الله مستو على عرشه فوق خلقه

    ذكر الإمام اللالكائي في هذا الباب -كما ذكر في غيره على عادة المصنفين المسندين- آثاراً وأحاديث بعضها صحيح والبعض الآخر ضعيف، ولا شك أن الحجة في الصحيح، خاصة إذا كان الاحتجاج في باب الاعتقاد، أما الضعيف فلا حجة فيه، ولا حتى في فضائل الأعمال على المذهب الراجح، ولذلك ذكر هنا أحاديث ضعيفة كما ذكر آثاراً أعرضنا عن ذكرها صفحاً؛ لأنها ليس فيها حجة.

    ومما صح من روايته عن معاوية بن الحكم السلمي ، وهذا الحديث عند الإمام مسلم وهو المعروف بحديث الجارية.

    قال معاوية بن الحكم السلمي رضي الله عنه: (يا رسول الله! كانت لي جارية ترعى غنيمات لي من قبل أحد والجوانية -أي: كانت لي بنت صغيرة ترعى الغنم بين جبل أحد والجوانية- وإني أطلعتها يوماً إطلاعة، فوجدت ذئباً قد ذهب منها بشاة)، يعني: اختبرتها وراقبتها ذات يوم؛ فوجدت ذئباً أخذ شاة من تلك الغنيمات. قال: (وأنا من بني آدم آسف كما يأسفون)، يعني: أحزن لفقدان مالي وأغضب، (فصككتها صكة)، يعني: لما غفلت عن تلك الغنيمات؛ صفعتها وصككتها على وجهها صكة. قال: (فعظم ذلك على النبي صلى الله عليه وسلم)، استعظم ذلك جداً وأنكره. قال معاوية : (فقلت: يا رسول الله! ألا أعتقها؟ -أي: فيكون ذلك كفارة لي؟- فقال: ادعها إلي، فقال لها النبي عليه الصلاة والسلام: أين الله؟ قالت: الله في السماء)، وهذه جارية صغيرة، وإن شئت فقل: بدوية لا تعرف من دينها ولا من دنياها شيئاً غير أنها ترعى الأغنام في الجبل، ومع هذا لم تقع فيما وقع فيه فرق كثيرة من فرق المسلمين، وضلت فيه جماعات من أمة محمد عليه الصلاة والسلام: كالجهمية والمعتزلة والأشعرية والماتريدية وغيرهم.

    فقالت هذه الجارية: (الله في السماء. قال: فمن أنا؟ قالت: أنت رسول الله! فقال النبي عليه الصلاة والسلام لـمعاوية بن الحكم السلمي: اعتقها فإنها مؤمنة)، فرتب النبي عليه الصلاة والسلام إيمان هذه الجارية على معرفتها بذات الله تبارك وتعالى، وأنه مستو على عرشه في السماء، وأنها أقرت برسالة ونبوة النبي عليه الصلاة والسلام، وهذا بلا شك أعظم علامات الإيمان: اعتقادك بالله عز وجل واعتقادك بأن محمداً صلى الله عليه وسلم نبيه ورسوله.

    انظروا إلى هذه الجارية الصغيرة في السن، البدوية التي لا حظ لها في العلم، علمت بفطرتها أن الله تعالى في السماء، مستو على عرشه.

    وعن أبي هريرة : (أن رجلاً أتى النبي عليه الصلاة والسلام بجارية سوداء أعجمية)، والأعجمي ليس بلازم ألا يكون عربياً، فالأعجمي: هو كل من لم يجد اللسان العربي، ولكنه يتكلم بلسان آخر، وكذلك العربي الذي لا يستطيع أن يفصح عما في نفسه بلسان عربي فصيح مبين يسمى أعجمياً وإن كان عربياً.

    أتى رجل إلى النبي عليه الصلاة والسلام بجارية سوداء أعجمية فقال: (يا رسول الله! إن علي عتق رقبة مؤمنة)، يعني: قد فعلت فعلاً يستوجب أن أعتق رقبة مؤمنة، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أين الله؟ فأشارت بأصبعها السبابة إلى السماء، فقال لها: من أنا؟ فأشارت بأصبعها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وإلى السماء)، أي: أنت رسول الله الذي في السماء، وهذه جارية أعجمية؛ فقال النبي عليه الصلاة والسلام: (اعتقها)، يعني: هي تصلح أن تكون كفارة لذنبك؛ لأنها مؤمنة، وإن الذنب الذي ارتكبته ورتب الله تبارك وتعالى عليه عتق رقبة مؤمنة هذه الجارية بهذه الإجابة مؤمنة وهي تجزئ في كفارتك؛ فأعتقها.

    قال: [ وعن عقبة بن عامر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من توضأ فأحسن وضوءه، ثم رفع نظره إلى السماء -وهذا محل الشاهد وفي رواية: بصره إلى السماء- فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله؛ فتحت له أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء) ].

    الشاهد: أن المرء إذا توضأ ثم رفع بصره إلى السماء، لماذا يرفع بصره إلى السماء؟ لماذا لا يضع وجهه في الأرض وينادي المولى تبارك وتعالى؟ الجواب: لداعي الفطرة في قلبه وفي روحه ونفسه أن الله تعالى في السماء، وما وجدنا واحداً قط من المسلمين، بل ولا حتى من غير المسلمين يدعو الله تبارك وتعالى إلا وهو يتوجه بيديه وبوجهه ورأسه ورقبته، بل وبكليته إلى جهة السماء؛ لأن داعي الفطرة من داخله يناديه أن الله تعالى في السماء، وأنك إن توجهت إليه بالدعاء قبل الله دعاءك.

    وهذا الحديث محل خلاف بين أهل العلم من المحدثين، فبعضهم يحسنه، والبعض الآخر يضعفه، كالذي بعده؛ لأنه من رواية أبي عبيدة عن عبد الله بن مسعود ، وهو أبوه، وقيل: إن أبا عبيدة لم يسمع من أبيه إلا بعض أحاديث -أربعة أو خمسة- قال أبو عبد الرحمن عبد الله بن مسعود : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ارحم من في الأرض يرحمك من في السماء)، سواء كانت مناسبة الحديث في ضرب جارية أو في ضرب دابة أو غيرها، فإن النبي عليه الصلاة والسلام أمر بالإحسان إلى هذه الحيوانات؛ لأنها من جملة المخلوقات، وأن كل شيء خلقه الله تعالى حتى الحيتان في البحر يستغفرون للعالم.

    يقول النووي رحمه الله: لأن العالم هو الذي يأمر وينهى، ومن أمره ونهيه أنه يبين حكم الله تعالى في الرحمة بالحيوان، فهم كذلك يستغفرون له؛ لأن الجزاء من جنس العمل.

    قال عليه الصلاة والسلام: (ارحم من في الأرض يرحمك من في السماء)، والذي في السماء هو الله عز وجل، وهو الذي يملك الرحمة.

    وعن أبي عبيدة عن أبيه عبد الله بن مسعود قال: (ارحم من في الأرض يرحمك من في السماء)، فروى هذا مرفوعاً تارة، وموقوفاً تارة أخرى.

    1.   

    أقوال السلف في استواء الله على عرشه وعلوه وفوقيته على خلقه

    قول عمر رضي الله عنه في علو الله وفوقيته

    قال عمر رضي الله عنه: (والذي نفس عمر بيده لو أن أحدكم أشار إلى السماء بأصبعه على مشرك ثم نزل إليه على ذلك ثم قتله؛ لقتلته به).

    هذا النص خفي على المحقق فقال في الحاشية: لم يتبين لي المراد من هذا القول، والمراد من هذا القول: أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه علم أن الله تعالى يقبل دعاء المؤمنين ويقبل دعاء الصالحين، فلو أن واحداً من المؤمنين توجه إلى السماء، أي: إلى الله عز وجل بالدعاء على مشرك من غير ما جريرة ارتكبها واقترفها استوجبت أن يدعو المسلم والمؤمن عليه، وقتل ذلك المشرك من جراء هذه الدعوة؛ لقتله عمر بن الخطاب؛ لأنه قتل مشركاً بغير ذنب.

    قول ابن عباس رضي الله عنهما في علو الله وفوقيته

    وعن مجاهد قال: قيل لـابن عباس : إن ناساً يقولون بالقدر -أي: يتكلمون فيه وينفون علم الله تبارك وتعالى بما كان وما سيكون- فقال: (يكذبون بالكتاب، لئن أخذت بشعر أحدهم لأنصونه)، يعني: لئن ظفرت بواحد منهم لأضربنه ضرباً مبرحاً، وعبر عنهم بأنه إذا لقي الواحد منهم أخذ شعره حتى يقطعه ولا يبقي في رأسه شعرة، قال: (إن الله عز وجل كان على عرشه قبل أن يخلق شيئاً، فخلق الخلق فكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة، فإنما يجري الناس على أمر قد فرغ منه)، والشاهد في قول ابن عباس في الباب: إن الله عز وجل كان على عرشه قبل أن يخلق شيئاً، فإن الله تعالى كان على العرش، وأهل العلم اختلفوا: هل القلم خلق أولاً أو العرش؟ لأنه قد وردت نصوص تدل على أن أول ما خلق الله القلم فقال له: اكتب، وورد أن الله تعالى قبل أن يخلق شيئاً من مخلوقاته خلق العرش؛ لأنه كان على العرش ولم يكن شيئاً.

    واختلاف أهل العلم له محاضرة أخرى؛ لأن الكلام فيه والتأويل فيه طويل جداً، ويحتاج إلى صفاء ذهن في هذه الجزئية على جهة الخصوص: هل خلق العرش أولاً أو القلم؟ ولكن الراجح: أن القلم خلق أولاً، وخلق الله تعالى العرش فاستوى على العرش.

    وعن عكرمة في قوله تعالى: ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ [الأعراف:17]، ولم يقل: سآتيهم من فوقهم. قال ابن عباس : لم يستطع أن يقول: من فوقهم؛ لعلمه أن الله من فوقهم.

    وعن بشر بن عمر قال: سمعت غير واحد من المفسرين يقولون: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه:5]، قال: ارتفع. لأن استوى في لغة العرب بمعنى (علا وارتفع)، خاصة إذا قيدت بالمولى تبارك وتعالى، فاللفظ له معنى عند الإطلاق، وله معنى عند التقييد، فعند الإطلاق (استوى) بمعنى: (علا وارتفع)، وذلك عند العرب، فإنهم لا يعرفون (استوى) إلا بمعنى: (علا وارتفع)، وعند التقييد لها معان متعددة سنذكرها الآن.

    شرح قول أم سلمة في استواء الله عز وجل

    وعن الحسن عن أمه عن أم سلمة في قوله تعالى: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه:5]. قالت: الكيف غير معقول. أي: إذا كنا متفقين على أن (استوى) بمعنى: (علا وارتفع)، فما هي الكيفية التي استوى الله عز وجل بها على عرشه؟ هذا أمر لا يدخل في دائرة العقل قط، فهو أمر غيبي، ونحن نؤمن بوجود الله عز وجل، ولا يشك أحد في أن الله تعالى ذات موجودة، لكن لو قلنا لواحد: صف لنا الله عز وجل؛ فإنه لا يستطيع، والذي لا يستطيع أن يصف المولى تبارك وتعالى لا بد أنه سيعجز عن وصف صفاته، وعلى ذلك فإنه سيعجز كذلك عن معرفة كيفية يد الله عز وجل، وساق الله عز وجل، وعين الله عز وجل، ووجه الله عز وجل؛ وذلك لأن اليد من الصفات، والوجه من الصفات، والساق من الصفات، وكذلك الأمر في بقية الصفات.

    والصفات في حق المخلوقين هي المكونة للذات، فإذا قلت لك: صف لنا محمداً أو إبراهيم أو سعداً، فإنك تستطيع أن تصفه تماماً؛ لأنك لا تستطيع أن تصف شيئاً إلا إذا كان مماثلاً لأمر أنت رأيته، فلو أني قلت لك: صف لنا إبراهيم! لقلت: إبراهيم طويل أو قصير، أو عريض أو نحيف أو سمين، ذو عينين زرقاوتين، أو أصابعه طويلة، أو أبيض أو أسود، حليم غضوب، وغير ذلك من الصفات، فأنت تصف إبراهيم بهذه الدقة؛ لأنك رأيت إبراهيم، أو رأيت من هو مثل إبراهيم، وهكذا فتستطيع أن تصف إبراهيم من خلال مثيله.

    ولكن الله تبارك وتعالى ليس له مثيل، وأنت لم تر الله عز وجل، إذاً: الله تبارك وتعالى غيب عن الخلق أجمعين؛ فلا نستطيع أبداً أن نصف المولى تبارك وتعالى، نعجز عن ذلك؛ لأنه غيب، وهو لا مثيل له ولا عدل له ولا كفء له؛ ولأنه منزه عن الشريك والمثيل والضد وغير ذلك من أنواع المماثلات والمتشابهات في عالم المخلوقات، فإذا كان الله تبارك وتعالى غيباً عنا على هذا النحو الذي ذكرناه، فإما أن ننكره وإما أن نثبته، فإن أنكرناه لا بد أن ننكر ذاته؛ لأن هذه الذات هي متصفة بتلك الصفات، فإن أنكرناه كفرنا، وإن أثبتنا وجود الذات؛ لا بد أن نثبت وجود الصفات، لكن وجود الصفات يكون على نحو يليق بالذات، ونحن لا نعلم كيفية الذات.

    فإذا كنت أنا أعجز عن وصف ذات الإله، فلا بد أنني سأعجز عن وصف يده وساقه ووجهه وبقية الصفات اللازمة له عز وجل، التي أثبتها لنفسه في كتابه، وأثبتها له رسوله صلى الله عليه وسلم في سنته؛ ولذلك عندما يأتي شخص ويقول لي: كيف الله؟ أقول: هذا أمر أنا لا أعقله، ولا أقدر أن أصفه، فإن قال لي: صف لي يد الله تبارك وتعالى فقط، أقول له: لا أقدر على ذلك، والذي لا يستطيع أن يتكلم في الذات لا يستطيع أن يتكلم في الصفات؛ لأن الذات والصفات أمر واحد، وصفات المولى تبارك وتعالى -كما قلنا- لازمة لذاته.

    فالذي يستطيع أن يتكلم في الذات يستطيع أن يتكلم في الصفات، والصواب: أننا لا نستطيع أن نتكلم في الذات، وبالتالي يحرم علينا أن نتكلم في الصفات، ولكن علينا أن نؤمن بها كما جاءت، أليس عندنا إيمان بوجود الله من غير ما نراه ومن غير ما نمثله؟ فلماذا لا نؤمن بصفات الله من غير ما نراها ومن غير ما نمثلها ونشبهها بصفات المخلوقين؟ وهذا أمر لازم لإيمانك بالذات من غير أن تراها، فكذلك لا بد أن تؤمن بالصفات على الوجه اللائق الكامل لله عز وجل وأنت لم ترها ولا تعرف كيفيتها؛ ولذلك لما سئلت أم سلمة عن معنى الاستواء الذي هو أحد صفات المولى تبارك وتعالى قالت: الكيف غير معقول، أي: لا يدخل في دائرة عقلي قط؛ لأن عقلي قاصر وعاجز أن يكيف الاستواء لله عز وجل.

    فاستواء المولى تبارك وتعالى شيء آخر يختلف عن استواء المخلوقين؛ لأن الذات تختلف عن ذوات المخلوقين، وكذلك الصفات لا بد أن تختلف عن صفات المخلوقين، فالكلام في كيفية الاستواء كالكلام في كيفية كل صفة من صفات المولى تبارك وتعالى، يمتنع ويستحيل ولا يجوز لأحد أن يمثل ولا أن يشبه، ولا أن يحرف الكلم عن مواضعه؛ فيصرف هذه الصفات عن مدلولها الذي وضعه المولى تبارك وتعالى له؛ فلا يجوز لأحد أن يقول: اليد هي القدرة، والعين هي الرعاية، والمجيء هو الأمر، وغير ذلك من صفات المولى تبارك وتعالى، بل نثبتها كما أثبتها السلف، ونمرها كما جاءت، ولا نتكلم فيها قط، ونؤمن بها على هذا النحو. فإن النبي عليه الصلاة والسلام لما نزلت عليه هذه الآيات لم يخف عليه معناها، ولم يناقش أحد من الصحابة النبي عليه الصلاة والسلام في كيفية الاستواء؛ وذلك لأنهم يعلمون أن الاستواء بمعنى العلو والارتفاع، فهذا كان أمراً مستقراً لديهم، ولذلك لم يسألوا عنه، بل لم يثبت أن واحداً من أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام سأل عن صفة واحدة لله عز وجل؛ لأنهم سكتوا عن هذه الصفات، وآمنوا بها على هذا النحو الذي وردت به ظاهراً، وعلموا المعنى؛ لأنه لا يعقل أن الله تبارك وتعالى يخاطب المخاطبين بكلام هم لا يعلمون معناه؛ ولذلك قالوا: الكيف غير معقول، والاستواء غير مجهول، يعني: معلوم لنا أن الله تعالى استوى؛ لأنه أخبر في كتابه أنه قد استوى.

    فنحن نعلم أن الله قد استوى بمعنى: (قد علا وارتفع) فنحن نعلم معنى الاستواء، فلا نفوض العلم فيه، ولا نفوض المعنى؛ لأن معنى الاستواء معلوم عند العرب، ولكن نفوض الكيفية، أي: نكل أمرها إلى الله عز وجل العليم بنصه.

    إذاً: أنا لا أفوض العلم ولا أفوض المعنى، إنما أفوض الكيف، فالكيف إلى الله عز وجل، فهو الوحيد الذي يعلم كيف استوى سبحانه وتعالى.

    قالت: (والإقرار به إيمان). يعني: نؤمن بهذا الاستواء إيماناً جازماً لا نتردد ولا نشك فيه، ولو شككنا في صفة من صفاته فهذا هو السبيل إلى عدم الإيمان أو الشك في الله عز وجل.

    قالت: (والجحود به كفر). أي: من صفات المولى تبارك وتعالى، أو ذات المولى تبارك وتعالى.

    شرح قول الإمام مالك في استواء الله عز وجل

    الجواب الذي أجابت به أم سلمة قد أجاب به ربيعة الرأي ، وأجاب به مالك كذلك، فقد جاء رجل إلى مالك بن أنس فقال: يا أبا عبد الله ! الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه:5] كيف استوى؟ قال: فما رأيت مالكاً وجد من شيء كموجدته من مقالته -يعني: ما رأيته غضب غضباً شديداً إلا عندما وجه إليه هذا السؤال- وعلاه الرحضاء، يعني: العرق، وهذا يدل على أن هذا السؤال لم يطرح في عالم السلف، وكان بالنسبة لـمالك كصاعقة نزلت على رأسه.

    قال: وأطرق القوم، وجعلوا ينتظرون ما يأتي منه، فلما سري عن مالك قال: الكيف غير معقول، والاستواء منه غير مجهول -يعني: معلوم لدينا أنه استوى بمعنى: علا وارتفع- والإيمان به واجب على ما جاءت به النصوص من غير تأويل ولا تحريف، والسؤال عنه بدعة.

    فالسؤال عن كيفية صفات المولى تبارك وتعالى بدعة؛ لأن أمرها موكول إلى الله عز وجل، فلا يحل لأحد أن يسأل عن كيفية صفات المولى عز وجل؛ لأن الذي يسأل عن كيفية الصفات لا بد أن يسأل عن كيفية الذات، فالله له وجه يليق به ليس كوجوه المخلوقين، وله ساق تليق به ليست كسوق المخلوقين، وله نفس لكن ليست كأنفس المخلوقين، وفي النهاية نعلم أن ذات المولى تبارك وتعالى تختلف عن ذوات المخلوقين؛ لأنها تابعة للخالق.

    قال: والسؤال عنه بدعة؛ فإني أخاف أن تكون ضالاً، فأمر به فأخرج من المسجد.

    وهنا وقفة طيبة جداً: أن من سأل عن شيء تورع عنه السلف؛ فلا بد أن يعلم أن هذا أول الطريق للضلال، خاصة إذا كان تعلقه بالمولى عز وجل بذاته أو صفاته من جهة الكيفية، لا من جهة العلم والمعنى، ألسنا دائماً نردد هذا الشعار: ما وسع السلف يسعنا؟ لكن لماذا في الأسماء والصفات لم يسعنا ما وسع السلف؟ لماذا السلف سكتوا عن تكييف صفات المولى عز وجل ونحن لا نريد أن نسكت؟ فالسلف وسعهم أن يؤمنوا ويصدقوا بهذه الأخبار التي أثبتت أن لله تبارك وتعالى صفات تليق بجلاله وكماله، لماذا نحن لا نريد أن نسكت؟ ولماذا الأمة كلها لم تسكت، وخاضت في الأسماء والصفات؟ فمنهم من عطل المولى تبارك وتعالى وحرَّف الكلم عن مواضعه، بحيث يصل بهم الحال في النهاية إلى أنه لا يوجد شيء اسمه إله متصف بصفات؛ لأن اليد عندهم هي القدرة، والعين هي الرعاية، وغير ذلك من تحريف وتأويل الصفات عن معناها اللائق بالله عز وجل؛ هؤلاء معطلة.

    ولذلك إذا سألت: أين إله المعطلة؟ سيظهر عندهم أنه إله بلا ساق وبلا يد وبلا عين وبلا وجه وبلا ذات، وصدق ابن تيمية عليه رحمة الله لما قال: المعطل يعبد عدماً، والممثل يعبد صنماً؛ لأن الممثل والمشبه قالا: الله تعالى له يد كيدي، وله عين كعيني؛ فنصل في النهاية إلى أن ربنا عبارة عن شخص من الأشخاص، وذات من ذوات المخلوقين؛ ولذلك قال ابن تيمية : وكل ممثل يعبد صنماً؛ لأن الصنم معلوم لديه، فهذا القول من أفضل أقوال ابن تيمية : الممثل يعبد صنماً والمعطل يعبد عدماً.

    فالممثل والمشبه لصفات المولى تبارك وتعالى بصفات المخلوقين ينتهي إلى أن هذا الإله هو عبارة عن إنسان، والمعطل الذي أراد بزعمه أن ينزه المولى تبارك وتعالى عن منهج المجسمة والممثلة والمشبهة نفى تلك الصفات عن الله عز وجل، فأصبح عندهم في النهاية إلهاً بلا صفات، وبهذا وقعوا فيما فروا منه، وقعوا في شر لكن من نوع آخر.

    وأهل السنة والجماعة وسط بين هؤلاء وهؤلاء، لا يعطلون صفات المولى تبارك وتعالى، بل يثبتونها، ولكن ليس على مذهب المثبتة الممثلة المشبهة، وإنما يؤمنون بما أثبته الله تعالى لنفسه، وأثبته له رسوله على الوجه اللائق بكماله وجلاله، فهم يفارقون المشبهة ويفارقون في الوقت نفسه الممثلة.

    شرح قول ربيعة الرأي في استواء الله عز وجل

    وسئل ربيعة عن قوله: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه:5] كيف استوى؟ قال: الاستواء غير مجهول -يعني: هو معلوم لدينا- والكيف غير معقول، لا نستطيع أن نعقله؛ لأن العقل لا يدرك إلا ما أحاط به، أما شيء غيبي فلا يدخل في مقدور العقل ولا في حدوده؛ فكيف يعقله؟ أو كيف يكيفه ذلك العقل؟

    قال: الكيف غير معقول، ومن الله الرسالة -أي: الأمر بإثبات ما أثبته لنفسه وما أثبته له رسوله- وعلى الرسول البلاغ وقد بلغ، وعلينا التصديق، أي: الإيمان بما فرض الله عز وجل علينا.

    وقول مالك : فإني أخاف أن تكون ضالاً، وأمر به -أي: السائل- فأخرج من المسجد؛ هذا يدل على أن كل منحرف عن معتقد السلف ينبغي ألا يجالس؛ لأن مجالس السلف فيها عامة الناس وفيها خاصتهم، وأما الخاصة فلا يخشى عليهم، لكن الخشية كل الخشية أن تفسد عقائد عامة الناس، ولذلك كل مبتدع ضال -خاصة في مسائل الاعتقاد- ينبغي أن يعزل عن مجالس أهل الخير إذا علم عناده وجحوده، أما إذا أتى طالباً للعلم وطالباً للهدى ومنقاداً لأهل العلم من سلف هذه الأمة وممن سار على منهجهم وأخذ من منبعهم؛ فلا شك أن جلوسه هنا مستحب بل واجب عليه.

    شرح قول ابن الأعرابي في استواء الله عز وجل

    وعن داود بن علي قال: كنا عند ابن الأعرابي فأتاه رجل فقال له: ما معنى قول الله عز وجل: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه:5]؟ فقال: هو على عرشه كما أخبر عز وجل. انظر إلى الجواب كأنه فسر الماء بالماء، لو قلنا: صف لنا الماء، ستقول: الماء هو الماء، ولا يوجد تفسير أسهل من هذا، والسلف كانوا يفسرون الماء بالماء.

    فقال له: ما معنى الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه:5]؟ قال: معناه: أنه على عرشه كما أخبر. إجابة مريحة لكن لمن أراد أن يرتاح، فقال له: يا أبا عبد الله ! ليس هذا معناه، إنما معناه: استولى.

    إذا كنا نفسر قول الله تعالى: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه:5] بمعنى: استولى، فمن هذا الذي كان ينازع الله تبارك وتعالى على العرش فغلبه واستولى على العرش؟! وهذا من لازم التأويل، إذا كنت تقول: إن (استوى) بمعنى: (استولى) فلا بد أن يكون قد حصل هناك مغالبة بين الله وبين غيره، وكان هذا العرش بينهما، أو كان هذا العرش مع غير الله، وأن الله استولى على ذلك الغير وضربه وهزأه ثم أخذ منه العرش، هل يعقل أن يكون هذا تفسيراً؟ وهل هناك مجنون -فضلاً عن عاقل- يقبل هذا التفسير في حق المولى عز وجل؟!

    إذاً: (استوى) بمعنى: (علا وارتفع) لكن لو قلت: استوى بمعنى: استولى في حق المولى عز وجل؛ فهذا يدل على أن المغالبة كانت بين الله وبين غيره، ولكن في النهاية كتب النصر لله عز وجل، تعالى الله عن قولهم علواً كبيراً.

    فقال: يا أبا عبد الله ! ليس هذا معناه -أي: ليس معناه: علا وارتفع- إنما معناه: استولى. قال ابن الأعرابي : اسكت، ما أنت وهذا، لا يقال -يعني: لا يقال: (استوى) بمعنى: (استولى)- استولى على الشيء إلا أن يكون له مضاد، فإذا غلب أحدهما قيل: استولى، أما سمعت النابغة يقول:

    ألا لمثلك أو من أنت سابقه سبق الجواد إذا استولى على الأمد

    ففي حق المخلوقين لا بأس، لكن في حق الخالق لا.

    وقال أبو بكر محمد بن أحمد بن النضر : كان أبو عبد الله بن الأعرابي جارنا، وكان ليله أحسن ليل -يعني: يقيمه ويتعلم فيه- وذكر لنا أن ابن أبي داود سأله: أتعرف باللغة استوى بمعنى استولى؟ وكان ابن الأعرابي لغوياًّ ومحدثاً وفقيهاً، فقال: لا أعرف، إنما استوى بمعنى: علا وارتفع.

    وقال ثعلب -أي: أبو العباس-: استوى: أقبل عليه وإن لم يكن معوجاً. وهذا أحد المعاني، (ثم استوى إلى السماء)، أي: أقبل إلى السماء، واستوى على العرش بمعنى: علا، واستوى وجهه: اتصل، واستوى القمر: امتلأ، واستوى زيد وعمر: تشابها، واستوى فعلاهما وإن لم تتشابه شخوصهما، هذا معنى استوى في اللغة، واختار من بينها استوى على العرش، بمعنى: علا، فإذا صرف الاستواء لغير الله عز وجل كانت له معانٍ أخرى، أما إذا قيد بالرحمن فإن الاستواء يكون بمعنى: العلو والارتفاع، هذا الذي يعرف من كلام العرب.

    شرح تفسير مقاتل لقوله تعالى: (ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم...)

    قوله تعالى: مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ [المجادلة:7]، يعني: لو تناجى ثلاثة أو أربعة أو خمسة؛ إلا كان الله تعالى معهم أينما كانوا، حتى وإن أخفوا كلامهم.

    أتت امرأة تشتكي زوجها إلى الرسول صلى الله عليه وسلم في مسألة الظهار، تقول عائشة : فدخلت المرأة على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في بيته، وكنت في زاوية منها، والمرأة تجادل النبي عليه الصلاة والسلام في أمر زوجها الذي قال: أنت علي كظهر أمي، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (انتظري حتى يأتينا الوحي).

    فانتظرت المرأة فنزل جبريل عليه الصلاة والسلام بقوله تبارك وتعالى: قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا [المجادلة:1]، تقول عائشة لما نزلت هذه الآية: سبحان الذي وسع سمعه الأصوات! مع أنها نجوى بين الرسول صلى الله عليه وسلم وبين تلك المرأة إلا أن الله سمع ذلك؛ ولذا قالت عائشة للنبي عليه الصلاة والسلام: (يا رسول الله! ما من شيء صغير ولا كبير، غيب ولا شهادة إلا الله يعلمه؟ قال النبي صلى الله عليه وسلم: نعم).

    فالله تبارك وتعالى مستو بذاته على عرشه: وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ [الحديد:4] بسمعه وعلمه وإحاطته وبصره ورعايته.. وغير ذلك من بقية صفات المولى تبارك وتعالى اللازمة لعلمه وسمعه وبصره وإحاطته بالخلق.

    قال مقاتل في قوله تعالى: مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ [المجادلة:7]، قال: هو على العرش ولن يخلو شيء من علمه.

    قوله: (هو على العرش) أي: بذاته، وكلمة (بذاته) لم يتعرض السلف لها ولم يذكروها؛ لأنها معلومة لديهم، فلم يذكروها إلا بعد أن تكلم الخلف المبتدعون في الذات الإلهية، وقالوا: إن الله تعالى مع كل خلقه بذاته.

    يعني: لو أنا دخلت الحمام، أو دخلت الحوش، أو دخلت الأماكن النجسة فإن ذات الله تبارك وتعالى موجودة معي في هذه الأماكن القذرة والنجسة؟! تنزه الله عن ذلك! فالصحيح: أنني لو صنعت في الحمام صنيعاً أحاسب عليه، فإن الله يعلمه ويراه ويسمعه.

    إذاً: الله تعالى مع خلقه بعلمه وسمعه، أما ذاته العلية فإن الله تبارك وتعالى قد استوى على عرشه، وقد تحرج السلف من كلمة الذات؛ لأنها لم تكن على لسان النبي عليه الصلاة والسلام ولا على لسان أصحابه، فلم يذكروها، والسلف كانوا يتحرجون أشد الحرج من الحق ما لم يتكلم به من قبلهم.

    وكلمة الذات حق، ولكن لكونها لم ترد عن السلف؛ فإنهم تورعوا عن ذكرها، مثال ذلك: في قصة خلق القرآن، فإن السلف يقولون: القرآن كلام الله، ولم يقولوا يوماً: مخلوق ولا غير مخلوق؛ لاعتقادهم أنه غير مخلوق، لكن لا يلزم بهذا المعتقد التصريح به، ولما وقع المعتزلة فيما وقعوا وقالوا: هو مخلوق؛ اضطر أحمد بن حنبل ومن معه أن يقولوا: هو غير مخلوق، فكلمة (غير مخلوق) هذه تحرج بعض السلف من ذكرها ونطقها وإطلاقها؛ لأنها لم تأت على لسان الصحابة والتابعين.

    لكن في مقابلة أهل البدع وذكرهم لهذا صراحة صرح السلف رضي الله تعالى عنهم بأقوال يكرهونها، لا لأنها الحق، وإنما لأنها لم ترد على لسان السلف، فكذلك لم نجد واحداً من الصحابة يقول: استوى الرحمن على العرش بذاته، وإنما هو علم من نفسه وآمن وصدق بأن الرحمن استوى على العرش، أما كلمة (بغير ذاته) فلم يخض فيها السلف، وإنما خاض فيها الخلف، إذ قالوا: الله معنا في كل مكان بذاته، فالسلف اضطروا إلى التصريح، قالوا: أنتم تقولون: الله معنا بذاته، ولو كان الصحابة يقولون ذلك والنبي عليه الصلاة والسلام يقوله؛ فهذا أمر آخر، أما أن تقولوا شيئاً لم يقله الصحابة: إنه معنا بذاته، فالله تعالى عن ذلك، ونحن سنتعرض للذات، ونقول: إن الذات العلية في السماء على العرش، وأما المعية لله عز وجل فإنها معية علم وسمع.

    ولذلك قال: هو على العرش، ولن يخلو شيء من علمه، ولم يقل: من ذاته، يعني: هو على العرش بذاته، وليس شيء يخلو من علمه، يعني: هو معنا بعلمه، وأما ذاته العلية فهي فوق العرش.

    قول سليمان التيمي في علو الله وفوقيته

    وقال سليمان التيمي -وهو من أئمة السلف-: لو سئلت: أين الله تبارك وتعالى؟ لقلت: في السماء.

    من هذا القول نعلم أن السلف لم يدخلوا في هذه التعقيدات التي دخل فيها الخلف، إنك عندما تقرأ مثلاً: كتاب مقالات الإسلاميين لـأبي الحسن الأشعري ، أو كتاباً من كتب الخلف عموماً -و أبو الحسن سلفي؛ لأنه قد ثبتت سلفيته- لوجدت أمراً صعباً شديداً جداً على العقل وتخشى أن تقبله، فهناك كلام في المقالات مثل الطلاسم، تقول: هذا الكتاب أشبه بالسحر؛ لأن العقيدة أخفى وأدق من ذلك، وهناك كثير من طلبة العلم يقولون: أشق الدروس على نفوسنا وعقولنا دروس العقيدة؛ لدخول المحاضر في تلك التعقيدات الخلفية التي أتى بها الخلف، وأنها أشبه بالكلام الذي لا معنى له، وكأنها سفسطة وخوض في الباطل.

    قال التيمي : لو سئلت: أين الله تبارك وتعالى؟ لقلت: في السماء، فإن قال -أي: السائل-: فأين عرشه قبل أن يخلق في السماء؟ قلت: على الماء، فإن قال لي: أين كان عرشه قبل أن يخلق الماء؟ قلت: لا أدري. وأنا لست مطالباً أن أستمر معك في هذه الأسئلة، لا بد أن تؤمن كإيماني، وأنا لست مكلفاً بذلك، أعطني نصاً من كتاب الله وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام يقول بوجوب التسلسل مع هذا السائل. لا يوجد؛ لذلك قال: لا أدري، وهذا كلام جميل، واعتقاد سليم، وهو من أئمة السلف، ومع هذا يقول في أمر من أمور الاعتقاد: لا أدري؛ لأنه غير مكلف بذلك.

    أقوال سفيان الثوري وعبد الله بن نافع وأحمد بن حنبل في علو الله وفوقيته

    وقال سفيان الثوري في قوله تعالى: وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ [الحديد:4]، قال: علمه، أي: علمه معكم أينما كنتم.

    و عبد الله بن نافع يقول: ملك الله في السماء، وعلمه في كل مكان لا يخلو منه شيء.

    وقال يوسف بن موسى البغدادي : قيل لـأبي عبد الله أحمد بن حنبل : الله عز وجل فوق السماء السابعة على عرشه، بائن من خلقه، وقدرته وعلمه في كل مكان؟ قال أحمد : نعم، على العرش، وعلمه لا يخلو منه مكان. وفي رواية حنبل أن أحمد سئل عن قوله: وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ [الحديد:4]، وقوله: مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ [المجادلة:7].

    انظر! يحتجون بظاهر القرآن الذي هو في ظاهره تعارض، قال تعالى: وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ [الحديد:4]، وقال تعالى: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه:5] فيقولون: هذا فوق وهذا تحت، أليس فيه تعارض؟ فأجاب أحمد بأن قوله تعالى: وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ [الحديد:4]، يعني: بعلمه، أما ذاته العلية فهي فوق. قال: علمه، عالم بالغيب والشهادة، علمه محيط بالكل، وربنا على العرش بلا حد.

    أليس العرش مخلوقاً، والكرسي وسع السماوات والأرض، وهو أكبر من العرش، لكنه على أية حال في النهاية هو كالسقف الذي أظل الخلق أجمعين، وله حد.

    والله تبارك وتعالى باعتباره على العرش له صفة يعلمها هو سبحانه، لكن لا يعلمها أحد من خلقه، لكن ليس له حد سبحانه، إذا كان الذي يتكلم في حد الله عز وجل يريد أن لله ذاتاً فإننا نؤمن أن الله تبارك وتعالى ذات متصف بالصفات ونوافقه على ذلك، أما إذا كان يريد أن الله تعالى محدود يميناً ويساراً، وفي الأمام والخلف، وطولاً وعرضاً؛ فإننا نقول: هذا كفر بواح.

    قال: وربنا على العرش بلا حد ولا صفة، وسع كرسيه السماوات والأرض بعلمه.

    قول محمد بن جعفر في استواء الله على عرشه

    وسئل محمد بن جعفر عن قول الله عز وجل: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه:5]، قال: من زعم أن الله استوى على العرش استواء مخلوق على مخلوق فقد كفر، ومن اعتقد أن الله استوى على العرش استواء خالق على مخلوق فهو مؤمن. وهو بهذا يريد أن يقول: إن استواء الخلق غير استواء المخلوق، فإذا اعتقدت أن الله استوى استواء يليق به؛ فأنت مؤمن، وإذا اعتقدت أن الله يستوي كاستوائك أنت؛ فأنت كافر، والذي ينبغي في هذا أن يقال: إن الله استوى على العرش من غير تكييف، يعني: عندما يقال: كيف استواؤه؟ أقول: لا أعلم، هذا علمه لله عز وجل.

    1.   

    الجمع بين قوله تعالى: ( وهو معكم أينما كنتم) وبين أن الله مستو على العرش

    هنا سؤال مهم، والجواب عليه إما أن يكون بالنقل والسمع، وإما أن يكون بالعقل: معية الله تبارك وتعالى لخلقه في الوقت الذي نثبت فيه العلو والارتفاع هل بينهما تناقض؟

    كيف تجمع بين أن الله على العرش وهو كما في الآية: مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ [الحديد:4]؟ فإنك إن لم يكن عندك علم تقف، وبعد هذا التوقف تشك، والشك في ذات الله تبارك وتعالى وفي صفاته كفر، فهل بين العلو والمعية تناقض؟

    الجواب: ليس بينهما تناقض لأول وهلة، حتى لو لم تكن تعرف الجواب، فلعلمك أن هذا ورد في الكتاب تحكم بعدم التناقض؛ لأنه لَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا [النساء:82]، فهذا كلام الله عز وجل الذي لا يخطئ قط، ولا يجوز عليه الخطأ، بل هو مستحيل في حقه تبارك وتعالى، فما دام هذا كلامه فلا بد من الجمع والتأويل بما يتناسب مع كمال الله وجلاله، أما من قال بالتعارض والتناقص في حق الله عز وجل فهو كافر.

    ما ورد في القرآن ليس فيه تناقض

    الوجه الأول من أوجه الجواب: أن الله جمع بينهما حين وصف به نفسه، ولو كانا يتناقضان ما صح أن يصف الله تعالى به نفسه، يعني: يكفي أنهما في القرآن قد وردا، فلا يوجد بينهما تناقض؛ لأن الله عز وجل قال هذا، وهذا إيمان مطلق، ما دام ربنا قال هذا، وما دام النبي صلى الله عليه وسلم قال هذا فالكلام صحيح، كقوله تعالى: يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ [الفتح:10]، وقوله عليه الصلاة والسلام: (يد الله على الجماعة)، وفي رواية: (يد الله مع الجماعة)، معنى هذا الكلام: أنه عندما أجتمع معك على البر والتقوى فربنا معنا ومؤيدنا وناصرنا ومعيننا، لكن (يد الله على الجماعة) أو (مع الجماعة) عجزت بعض العقول أن تفهم هذا المعنى، فقالوا: لا، اليد هنا ليس المقصود بها اليد الحقيقية لله عز وجل، إنما المقصود بها: النصرة والتأييد والإعانة والتثبيت، كيف ذلك والله تعالى قال: يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ [الفتح:10]؟ فلو كانت اليد بمعنى القوة فهذا صرف للصفة عن مدلولها الحقيقي، وكأنك تقول: إنه ليس لله يد، ولو كانت اليد بمعنى القدرة فأنت تنفي أن تكون لله يد؛ لأنك أولت، بل حرفت النص عن ظاهره بما ينتج عنه تعطيل المولى عز وجل عن إحدى صفاته وهي صفة اليد.

    فالقول الصحيح في تفسير قوله تعالى: يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ [الفتح:10]: فوقية يد الله فوق أيدي الجماعة المؤمنة لا يعلم كيفيتها إلا الله، وهذه قاعدة أخذناها في الدرس الماضي: أن الكلام في صفة واحدة كالكلام في بقية الصفات، والكلام في الصفات كالكلام في الذات.

    عدم وجود تعارض بين العلو والمعية

    كذلك عندما تمشي في الصحراء ليلاً فإنك تجد القمر معك وهو في السماء معك، فتقول: أنا كنت ماشياً في الصحراء والقمر يمشي معي، لكن المعية هذه تشير إلى أن القمر كان ماشياً بجانبك، فهل كان القمر يمشي بجانبك؟ كذلك لو قال شخص: كنت أمشي في صحراء مكة والشمس تسير معي، فهل سارت الشمس معه؟ والشمس كانت معه بالفعل، فالشمس معي بضوئها، والقمر كذلك معي بضوئه ونوره، فالقمر في السماء بينك وبينه ملايين الأميال، ومع هذا أنت جوزت لنفسك أن تقول: القمر معي، والشمس معي، والنجوم معي، وغير ذلك من المخلوقات.

    كذلك السماء فوق الأرض، فعندما أقول: السماء فوق الأرض، هل يلزم من ذلك أن السماء ملاصقة للأرض مماسة لها؟ فكلمة (فوق) عند الإطلاق ولأول وهلة تعني المماسة والالتصاق، فقولي: السماء فوق الأرض، يعني: أن السماء قد التصقت وماست الأرض، وهذا الكلام في الواقع غير صحيح؛ لأن بين السماء الدنيا وبين الأرض مسيرة خمسمائة عام، هذه السماء الدنيا تبعد عن الأرض بنحو خمسمائة عام للراكب المسرع، بل قال بعضهم: بسرعة الضوء، وسمك السماء الواحدة مسيرة خمسمائة عام، وبين كل سماء وسماء مسيرة خمسمائة عام حتى السماء السابعة.

    خمسمائة عام في (13) أو في (14)، وفوق السماء السابعة بحر، وهو الماء المعبر عنه بقوله تعالى: وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ [هود:7] فالماء ليس هو الساحل الأحمر أو الأبيض، بل الماء الذي فوق السماء السابعة، عمقه مسيرة خمسمائة عام، وفوق هذا الماء العرش، وفوق العرش الكرسي، والله تعالى استوى على العرش، انظر إلى علو الله تبارك وتعالى على هذه المخلوقات جميعاً بهذه الأبعاد الفلكية الخطيرة التي لا يمكن إحصاؤها، ثم بعد ذلك هو مع خلقه بعلمه وسمعه يرى مكانهم ويسمع كلامهم، ويجازيهم على الإحسان إحساناً، ويقدر لهم خيراً أو شراً على ما صنعوه من شر؛ إما أن يؤاخذ به، وإما أن يعفو عنه.

    إذاً: الوجه الثاني في الجمع بين معية الله تبارك وتعالى وفوقيته: أنه ليس بين العلو والمعية تعارض، إذ من الممكن أن يكون الشيء عالياً وهو معك، مثلما ذكرنا في القمر والشمس وغيرها.

    أرأيت لو أن إنساناً على جبل عال وقال للجنود: اذهبوا إلى مكان بعيد في المعركة وأنا معكم، فمعيته هنا ليست ببدنه، ولكنهم أرادوا أن يثبتوا ذلك من باب المجاز، فقد يقول أمير الجيش للجيش: اذهبوا قاتلوا العدو الفلاني وأنا معكم، ووضع نفسه أو التف على قمة الجبل، ووضع المنظار على عينيه، وهو يرى الجيش رغم المسافات البعيدة بينه وبين الجيش إلا أنه يرى أحوال الجيش، وفي الحقيقة هو ليس معهم إلا بمجرد المنظار، فإذا كان هذا القائد يقول لجنوده: أنا معكم رغم هذا البعد وهو مخلوق، فما بالكم بالخالق تبارك وتعالى؟

    تعذر اجتماع العلو والمعية في حق المخلوق لا يعني تعذر اجتماعهما في حق الخالق

    الوجه الثالث: أنه لو تعذر اجتماعهما في حق المخلوق لم يكن متعذراً في حق الخالق؛ للكلام الذي قلناه في الدرس الماضي: أن نظام الأقيسة والجاذبية الأرضية التي يتعامل بها الناس في حياتهم لا يمكن أن تنطبق على الله، ولا أن يخضع لها المولى عز وجل؛ لأنها مقاييس ضعيفة وهزيلة تتناسب مع ضعفنا.

    أما المولى تبارك وتعالى القوي الواحد المتفرد الصمد الذي تلجأ إليه جميع المخلوقات، ولا يلجأ هو لأحد، هو الغني عن الخلق، والخلق كلهم فقراء، غنيهم وفقيرهم فقير إلى الله تبارك وتعالى، فإذا كان اجتماع المعية والعلو والارتفاع في حق المخلوقين مستحيل، أو غير ممكن، فإنه ممكن في حق المولى تبارك وتعالى؛ لأن البشر تحكمهم المقاييس، هذه المقاييس والمعايير لا يمكن أن تحكم على الصفات الإلهية؛ لأن الله أعظم وأجل، ولا يمكن أن تقاس صفات الخالق بصفات المخلوقين في ضوء التباين بين الخالق والخلق.

    والرسول عليه الصلاة والسلام كان يقول في السفر: (اللهم أنت الصاحب في السفر والخليفة في الأهل)، يعني: أنت معي في سفري، وأنت معي في أهلي، وأنت خليفتي في أهلي، يعني: أنا يا رب! قد استخلفتك على أهلي أن تحفظهم وترعاهم، وهذا الفهم الذي في عقولنا إنما يتناسب مع المخلوق.

    لو قلت لك: يا أخي! ستسافر معي؟ فتقول أنت: أنا موافق، فأقول لك: بشرط أن تخلفني في أهلي؛ فإنك ستقول: أنت مخطئ هل سأقسم نفسي نصفين؟ فإما أن آتي معك وإما أن أخلفك في أهلك، اختر واحدة من اثنتين؛ لأن قدرتي لا تتسع للأمرين، لكن قدرة المولى تبارك وتعالى فوق ذلك بكثير، فهو القدير وهو القادر تبارك وتعالى، فإنه يصحب كل من يسافر، والأمة كلهم مسافرون وحاضرون، والله تبارك وتعالى معهم جميعاً في الحضر والسفر.

    قال عليه الصلاة والسلام: (اللهم أنت الصاحب في السفر والخليفة في الأهل) فجمع بين كونه صاحباً له في السفر، وخليفة له أيضاً في أهله.

    وفي الحديث القدسي العظيم في سورة الفاتحة: (إذا قال العبد أو المصلي: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الفاتحة:2] قال الرب: حمدني عبدي)، فكم من الناس يقول: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الفاتحة:2]؟ ملايين، مع أن لكل واحد من الله عز وجل جواباً على حده؛ لأن الله تبارك وتعالى ساق في هذا الحديث الجواب بصيغة الفرد: (إذا قال عبدي: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الفاتحة:2]، قال الله تبارك وتعالى: حمدني عبدي، وإذا قال: مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ [الفاتحة:4] قال: مجدني عبدي)، والثاني يقول: الحمد لله، وفي نفس الوقت تلقى آخر في مكان آخر بل في نفس المسجد يقول: مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ * إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ * اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ [الفاتحة:4-6]، ولكل واحد منهم جواب.

    فالله تبارك وتعالى يجيبه، فلو قلت لك: أنا وأدهم مثلاً سنقول: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الفاتحة:2]، على نَفَس واحد، وسنقرأ الفاتحة كلها، وأنت تقول: حمد أدهم وحمد حسن، ومجد أدهم ومجد حسن، فهذا ليس في قدرتك، لكن المولى تبارك وتعالى عليم بما يقول العباد حتى وإن أسروا في أنفسهم، بل هو أسهل من السهولة عليه تبارك وتعالى أن يرد على كل واحد وإن تعددت أقاويل المتكلمين، ويجيب كل واحد بما يتناسب مع سؤاله: الْحَمْدُ لِلَّهِ [الفاتحة:2]، حمدني عبدي، الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ [الفاتحة:3-4]، والمولى تبارك وتعالى يجيب على جميع الخلائق؛ لأن هذا في قدرته، وإذا كان هذا في مقدور الخالق تبارك وتعالى؛ فلا بد أن تقر أن المقاييس التي تحكمني أنا ليست هي المقاييس التي تحكم كلام الباري تبارك وتعالى.

    فلما أقول: إن الله تبارك وتعالى في السماء وهو معنا، لا بد أن تؤمن بذلك؛ لأنه في مقدوره تبارك وتعالى أن يكون معنا، فعندما أسألك عن أخيك مثلاً تقول: هذا يا أخي! مسافر في المنصورة، لي (10) سنوات منه ولا أعرف عنه شيئاً، لكن الله تبارك وتعالى يعلم عنه كل شيء، ويعلم عنك وأنت هنا كل شيء، ويعلم جميع الخلائق على بعد أوطانهم، وعلى اختلاف ألوانهم وألسنتهم وقلوبهم، يعلم كل شيء، عالم الغيب والشهادة لا يعزب عن علمه شيء.. يعلم كل ذرة وكل دقيقة؛ لأنه عليم وعلاَّم -صيغة مبالغة- أي: لا يخفى عليه شيء مهما حاول أحد من المخلوقين أن يخفى عن الناس؛ فإنه لا يخفى على الله عز وجل؛ لأنه عالم الغيب وعالم الشهادة.

    وقد ثبت في السنة أن الصحابة رضي الله عنهم كانوا يدعون الله تبارك وتعالى بصوت عالٍ جداً، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: (أيها الناس! أربعوا على أنفسكم؛ فإنكم لا تدعون أصم ولا غائباً)، يعني: ادعوا بصوت هادي، فالله يعلم كل هذا ويشاهده؛ لأنه عالم الغيب وعالم الشهادة، فالغيب والشهادة عنده سواء.

    فالله تبارك وتعالى علمه لا يمكن أن يقاس بعلم المخلوقين، علمك أنت شيء لا يذكر، وعلم الله وسع السموات والأرض وكل شيء، فإذا كانت صفة العلم لا يمكن أبداً قياسها، لا قياساً تمثيلياً ولا قياساً شمولياً على علم المخلوقين، فكذلك معية المولى تبارك وتعالى لا يمكن أبداً قياسها على معية المخلوقين، فلا ينبغي أن يقال في قوله: وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ [الحديد:4]: إنها معية ذات؛ لأني عندما أقول: أنا معك، يعني: أنا نديم لك، مرافق لك، وهذا الأمر بيني وبينك، فنحن مخلوقون، لكن في حق الخالق تبارك وتعالى القياس لا يصلح؛ لأن المقاييس التي بين البشر لا تصلح أن تكون بين البشر وبين رب البشر، فنحن تحكمنا مقاييس تليق بنا، وأما المولى تبارك وتعالى فإنه قد اتصف بصفات تليق بجلاله وكماله تبارك وتعالى.

    سبحانك اللهم وبحمدك، نشهد أن لا إله إلا أنت، نستغفرك ونتوب إليك.