إسلام ويب

شرح أصول اعتقاد أهل السنة - قواعد السلف في إثبات الصفاتللشيخ : حسن أبو الأشبال الزهيري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • هناك قواعد قعدها السلف في باب الإيمان بأسماء الله تعالى وصفاته، ولا يمكن فهم وإثبات صفات الله عز وجل على منهج السلف إلا بحفظ هذه القواعد واعتقادها، كما أن معرفتها وفهمها يقودان إلى معرفة سبب الانحراف الذي وقع فيه الخلف الذين خاضوا في التمثيل والتعطيل والتأويل لأسماء الله وصفاته.

    1.   

    القواعد التي انتهجها أهل السنة والجماعة في إثبات الصفات

    إن الحمد لله تعالى، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

    أما بعد:

    فسنبدأ في المجلد الثاني من كتاب أصول الاعتقاد للإمام أبي القاسم اللالكائي، وهذا المجلد في غاية الأهمية؛ لأنه يتعلق بأسماء الله تعالى وصفاته، وأنتم تعلمون أن الأمة بأسرها إلا من رحم الله تعالى من أهل السنة والجماعة قد خاضوا خوضاً عظيماً في صفات المولى تبارك وتعالى حتى شككوا عامة الناس.

    فصفات المولى تبارك وتعالى بين مؤول صارف لها عن ظاهرها، بمعنى: أنه قد عطلها، فإذا صرف الاسم أو الصفة عن ظاهرها فمعنى ذلك: أنه لم يثبتها لله عز وجل كما أراد وكما أراد رسوله عليه الصلاة والسلام، ففي هذه الحالة عطل هذا الاسم أو هذه الصفة، وعلى النقيض من هذا نجد من أثبت لله تبارك وتعالى ما أثبته لنفسه وما أثبته له رسوله من أسماء وصفات ولكنه قال: إن هذه الصفات الثابتة للمولى تبارك وتعالى تناسب الصفات التي أثبتها الله تعالى لخلقه، فصفة اليد وصفه الوجه وصفة الساق وغيرها من الصفات ثابتة لله تبارك وتعالى، ولكنهم قالوا: إن يد الله كأيدينا، ووجه الله كوجوهنا، وساق الله كساقنا، فمثلوا الخالق بالمخلوق، ولم يجعلوا فارقاً بين الخالق والمخلوق.

    وأهل السنة والجماعة هم وسط بين المعطلة وبين الممثلة المشبهة، فقالوا: نثبت لله تبارك وتعالى ما أثبته لنفسه وما أثبته له رسوله على النحو الذي أراده الله عز وجل، من غير تعطيل ولا تمثيل، فلا يعطلون الصفة ولا يصرفونها عن ظاهرها، ولا يشبهون هذه الصفات بصفات المخلوقين، فهم وسط بين الاثنين، أثبتوا لله الصفات التي أثبتها لنفسه وأثبتها له رسوله، ولكن على صورة تليق به تبارك وتعالى، وما وقع أهل البدع والأهواء فيما وقعوا فيه في صفات المولى تبارك وتعالى إلا لأنهم غفلوا عن أشياء وصرفوا أشياء عن ظاهرها، ولذلك كان من المهم جداً أن نتعرف على قواعد وأصول يجب على دارس العقيدة أن يتعلمها؛ لأنه من لم يزل في قاعدة قد يزل في غيرها، لكن إذا استجمعت لديه هذه القواعد وهذه الأصول فإنه لا يزل بإذن الله أبداً.

    فينبغي علينا الآن أن نكتب هذه القواعد وأن نسمعها، ولا بد لنا من شرحها والعروج عليها، ولكننا سنكتبها أولاً، سأملي عليكم هذه القواعد ثم بعد ذلك نتعرض لها بالشرح بإذن الله تعالى.

    التوحيد وإفراد الخالق عن مشابهة المخلوقين

    القاعدة الأولى: التوحيد وإفراد الخالق عن مشابهة المخلوقين، قال تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ [الشورى:11]، وقال تعالى: هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا [مريم:65]، وقال تعالى: وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ [الإخلاص:4] .

    إثبات الصفات على مراد الله ومراد رسوله ووجوب الإيمان بذلك

    القاعدة الثانية: إثبات الصفات على مراد الله عز وجل وعلى مراد رسوله صلى الله عليه وسلم، ووجوب الإيمان بذلك. وهذه القاعدة احتراز من التعطيل الذي هو نفي الصفات، كما أنها احتراز من التأويل بغير دليل الذي سماه العلماء: (تحريفاً) فبعد أن أثبت الله تبارك وتعالى أنه ليس كمثله شيء بقوله: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى:11] فنفى المثلية والمشابهة بينه وبين جميع الأشياء، وما دون الله تبارك وتعالى مخلوق والمخلوق شيء، فليس هناك شيء في مخلوقات الله تعالى يماثل ويشابه المولى تبارك وتعالى، ثم أثبت في نفس الآية الصفات فقال: وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ [الشورى:11] سميع بسمع، بصير ببصر. فبعد أن نفى المماثلة أثبت ما يمكن أن يوهم التشبيه: فلان سميع والله سميع، فلان بصير والله بصير، فقد يفهم الشخص من هذا التشبيه في السمع والبصر بين الخالق والمخلوق، وليس الأمر كذلك، فقد أثبت المولى تبارك وتعالى أنه ليس كمثله شيء، وأثبت لنفسه سبحانه الصفات اللائقة، كما في قوله: وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ [الشورى:11]، وفي قوله: إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ [فاطر:10]؛ لأن من صفات الله تبارك وتعالى العلو.

    وقوله تعالى: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه:5] بمعنى: علا وارتفع.

    وقوله تعالى: وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا [النساء:164] فمن صفات المولى تبارك وتعالى أنه يتكلم.

    وقوله تعالى: هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ [الحديد:3].

    وقوله تعالى: بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ [المائدة:64].

    وقوله تعالى: قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا [المجادلة:1].

    وقوله تعالى: وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ [الرحمن:27].

    وحديث النبي عليه الصلاة والسلام: (ينزل ربنا تبارك وتعالى إلى السماء الدنيا إذا بقي الثلث الأخير من الليل)، فالنزول والمجيء صفتان لله تبارك وتعالى، والغضب والرضا والعجب كلها صفات للمولى تبارك وتعالى.

    وحديث النبي عليه الصلاة والسلام: (لله أشد فرحاً بتوبة عبده المؤمن من أحدكم براحلته) إلى آخر الحديث.

    وقول النبي عليه الصلاة والسلام: (إنكم سترون ربكم عز وجل يوم القيامة كما ترون القمر ليلة البدر) ورؤية المولى تبارك وتعالى جائزة وممكنة، بل حادثة يوم القيامة، بمعنى: حاصلة. هذه القاعدة الثانية.

    الكف عن الخوض في كيفية الصفات

    القاعدة الثالثة التي تعين على فهم صفات المولى تبارك وتعالى كما فهمها السلف: الكف عن الخوض في كيفية الذات والصفات.

    فلا تقل: كيف يكون شكل الله؟ وكيف تكون صفاته؟ وكيف يسمع؟ وكيف يأتي؟ وكيف يصعد؟ وكيف ينزل إلى السماء؟ وكيف يجيء؟ وكيف يرى؟ وغير ذلك من الأسئلة؛ حتى تسأل عن ذات المولى تبارك وتعالى، وأنت منهي عن هذا كله، ولذلك ثبت عن السلف أنهم قالوا: أمروها كما جاءت، أي: لا تتعرضوا لها ولا تخوضوا فيها بتأويل غير سائغ ولا بصرفها عن ظاهرها، فآمنوا بها وصدقوا بها على النحو الذي جاءت به في كتاب الله وفي سنة الرسول عليه الصلاة والسلام، من غير أن تتعرضوا لها بتمثيل أو تعطيل أو تحريف.

    وقول أم سلمة وربيعة الرأي ومالك وهو قول مشهور: الاستواء معلوم. فقد سئل مالك : الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه:5] كيف استوى؟ قال: الاستواء معلوم. لماذا معلوم؟ لأن الله تبارك وتعالى يخاطبنا بلغة نحن نفهمها، ولا يتصور أن الله تعالى خاطب هذه الأمة بما ليس له مدلول في اللغة عندهم، فاستوى في اللغة بمعنى: علا وارتفع إذا كان هذا متعلقاً بالمولى تبارك وتعالى. فالاستواء في اللغة إذا قيد بالمولى تبارك وتعالى فهو يعني: العلو والارتفاع، بخلاف استواء بلقيس على عرش اليمن، إذ إن استواء بلقيس يختلف عن استواء المولى تبارك وتعالى، واستواء الزعيم على كرسيه يختلف عن استواء المولى تبارك وتعالى على كرسيه، فإذا قيد الاستواء بذات المولى تبارك وتعالى فإنه يعني: أنه علا وارتفع، واللغة لا تسمح إلا بهذا، وسنبين هذا أيضاً.

    وقوله تعالى: وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا [طه:110]، فإذا كان الله تبارك وتعالى قد حجب نفسه عنا بحيث لا أحد منا يعلم ذات الله تبارك وتعالى، ولا ملك مقرب ولا نبي مرسل يعلم ذات المولى تبارك وتعالى، فمن باب أولى أنه يجهل كنه صفات المولى تبارك وتعالى، أي: لا يعلمها على كيفيتها الثابتة للمولى تبارك وتعالى.

    فإذا كنت لا تعرف كنه الله ولا كيفية ذاته؛ فلا بد أن تسلم بأنك لا تعرف الصفات؛ لأنها فرع وتصور عن الذات، وكل ذات لها صفات، وهذه الصفات هي تصور وفرع عن الذات، فإذا كنت تعلم الذات وكيفيتها فلا بد أن تعلم كذلك الصفات.

    هب أنك سئلت عن محمد أو عن علي أو عن إبراهيم، فقلت: نعم، أنا أعرفه، طوله كذا وعرضه كذا وأبيض اللون أو أسود اللون وذو لحية وله يدان طويلتان أو قصيرتان وكتف عريض .. وغير ذلك. وتصفه تماماً؛ لأنك تعلم ذاته وبالتالي تعلم صفاته.

    أما إذا سألناك: هل الله موجود؟ فتقول: نعم موجود. ولو سألناك: كيف هو؟ فتقول: لا أعلم كيف هو، فكان لزاماً عليك أن تقول: أنا لا أعلم كيفية الصفات الثابتة للمولى تبارك وتعالى، وفي المقابل قد أثبت الله تبارك وتعالى لنفسه هذه الصفات فينبغي عليك أن تؤمن بها، وأن تصدق وأن تسلم للمولى تبارك وتعالى، فكما سلمت بوجود الذات وأنت تجهل كيفيتها فلابد أن تسلم بالصفات وأنت تجهل كذلك كيفيتها. ولذلك سئل مالك : الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه:5] كيف استوى؟ علو المولى تبارك وتعالى هذا صفة واستواؤه على العرش سبحانه وتعالى صفة، فإذا كنت تجهل الذات فلا بد أن تجهل الصفات ومنها الاستواء؛ ولذلك قال مالك: الاستواء معلوم. يعني: نحن نعلم في اللغة ما معنى استوى، إذا قرنت بالمولى تبارك وتعالى فمعناه: ارتفع وعلا، وهذا معلوم.

    قال: والكيف مجهول، يعني: لا يُعلم كيف استوى الله تبارك وتعالى على العرش، فلا يستطيع أحد أبداً أن يقول: إن الله تبارك وتعالى استوى على العرش على نحو استواء المخلوق؛ لأن كيفية الاستواء لم تأتِ في كتاب الله ولا في سنة رسوله، وإنما ورد الاستواء، وهو العلو المعلوم لدى العرب.

    فنحن لا نعلم كيفية استواء المولى تبارك وتعالى، كما أننا لا نعلم كيف يسمع المولى تبارك وتعالى، ولا كيف يبصر المولى تبارك وتعالى، ولا كيف يجيء المولى تبارك وتعالى، ولا كيف ينزل إلى السماء الدنيا تبارك وتعالى، فإذا كنت تجهل كيفية صفة واحدة فينبغي أن تجهل كيفية جميع الصفات، ولو أنك ادعيت العلم في كيفية صفة فلابد أن تدعي العلم في كيفية جميع الصفات، وإلا فلا حجة مع من فرق بين صفة وصفة، وبين اسم واسم.

    إذاً: هذه القاعدة الثالثة التي قعدها أهل السنة والجماعة في معرفة أسماء الله وصفاته: أننا نثبت لله تعالى ما أثبته لنفسه، ونكف عن الخوض في التأويل ومعرفة الكيفية، الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه:5] كيف استوى؟ لا ندري، ولكننا نؤمن ونسلم، فمن الله الرسالة وعلينا التصديق والتسليم.

    فإذا كنت تؤمن بكتاب الله وبكلام الله فلا بد أن تعلم أن الله تعالى نفى المماثلة بينه وبين خلقه بقوله: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى:11] وأثبت لنفسه السمع والبصر بقوله: وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ [الشورى:11].

    فإذا أثبت الله تعالى لنفسه السمع فتقول: إن الله سميع بسمع، ولكن معرفة كيف يسمع؟ هذا ليس في مقدوري، ولو قلنا لك: كيف يسمع محمد أو زيد أو إبراهيم؟ لعجزت عن الوصف، أو: كيف يرى محمد وزيد؟ بل كيف ترى أنت؟ لعجزت عن الوصف، ولا يعلم ذلك إلا المتخصصون، وهو أمر عزيز جداً في جانب المخلوق، فما بالكم بالمولى تبارك وتعالى؟!

    القول في الصفات فرع عن القول في الذات

    القاعدة الرابعة: الترابط بين الذات والصفات؛ لأنها ذات واحدة للمولى تبارك وتعالى متصفة بصفات كشأن أي ذات، فليس هناك شيء في المخلوقات ليس له صفات، فهذا المنبر هل له صفات؟ نعم. له صفات؛ فهو مرتفع عن الأرض، عريض، طويل، بني اللون، له كرسي يجلس عليه الإمام، وغير ذلك من الصفات، وكذلك هذا الكتاب له ذات ومتصف بصفات، فله طول وعرض، وله عمق، كما أنه أخضر اللون وبداخله ورق أبيض، فكل هذه صفات إذا ذكرتها لك فمعنى ذلك: أنني قد حددت هذه الذات بصفاتها، فهل يمكن أن أقول: هناك كتاب لا صفة له؟ لا يمكن أبداً، إذ كيف يكون كتاباً؟ ومن الذي سماه كتاباً إذا كان معدوم الصفات؟ فإن الذي ليس له صفة هو العدم؛ لأنه لا يمكن أبداً القول بأنه موجود.

    فذات المولى تبارك وتعالى متصفة بصفات، فإذا كنت تقر أن ذات المولى تبارك وتعالى موجودة فلا بد أن تنسب الصفات لهذه الذات، وفي نفس الوقت أنت لا تعلم هذه الذات، وبالتالي لا تعلم كيفية صفات المولى تبارك وتعالى.

    فالقول في الصفات كالقول في الذات، والقول في الذات كالقول في الصفات، فإذا كنت تقول: الذات موجودة فلابد أن تقول: الصفات موجودة، وإذا نفيت -عياذاً بالله- الذات فلابد أن تنفي كذلك الصفات؛ لأن الذات لا بد لها من صفات. وهذا الكلام يرد به على المعتزلة الذين أثبتوا الذات ونفوا الصفات، فجعلوا المولى تبارك وتعالى في نهاية الأمر أنه ذات بغير صفات، وهذا محال في العقل وفي الشرع.

    كما أن الأشعرية أثبتوا للمولى تبارك وتعالى سبع صفات فقط، ونفوا عنه بقية الصفات؛ ولذلك أهل العلم يقولون عن الأشعرية: السبعية؛ لأنهم يثبتون سبع صفات وينفون بقية الصفات.

    والقول في بعض الصفات كالقول في البعض الآخر، فإذا أثبت لله بعض الصفات فلابد أن تثبت البعض الآخر التي أثبتها لنفسه أو أثبتها له رسوله، وإذا كنت تكيف بعض الصفات فلابد أن تكيف البعض الآخر، والتكييف باطل.

    فالقول في بعض الصفات كالقول في البعض الآخر يرد به على الأشعرية الذين أثبتوا لله سبع صفات فقط ونفوا عنه بقية الصفات الثابتة في الكتاب والسنة.

    طريقة السلف في الصفات هي النفي المجمل والإثبات المفصل

    القاعدة الخامسة: طريقة السلف في الصفات هي النفي المجمل والإثبات المفصل، أي: أن السلف رضي الله عنهم نفوا عن الله تعالى إجمالاً جميع صفات النقص، وأثبتوا لله تبارك وتعالى تفصيلاً جميع صفات الكمال. وسنشرح هذه القاعدة بالتفصيل إن شاء الله.

    طريقة السلف في النفي هي النفي المتضمن لكمال الضد

    القاعدة السادسة: طريقة السلف في النفي هي النفي المتضمن لكمال الضد، يعني: إذا نفيت أن الله تعالى ينام، والنوم صفة نقص في حق المولى تبارك وتعالى، وكل صفات النقص منتفية عن المولى تبارك وتعالى، فإذا كنت تنفي صفة النقص هذه عن المولى فلابد أن تثبت كمال ضدها، فتقول: هو القيوم، فكمال الضد للنوم أن الله قيوم قائم بذاته لا يحتاج إلى أحد من خلقه، كما أنه لا ينام ولا ينبغي له أن ينام، ولا يجوز أن نفرض أنه لو نام لحدث كذا وكذا؛ لأن هذا الفرض مجرد طرحه لا يجوز ولا ينبغي؛ لأن طريقتنا في النفي هي النفي المطلق لجميع صفات السلوب، أي: جميع صفات النقص.

    فالناس ينامون ويستيقظون، والمولى تبارك وتعالى لا ينام ولا ينبغي له أن ينام، فطريقة السلف في النفي هي النفي المتضمن لكمال الضد، فإذا نفيت صفة نقص عن المولى عز وجل فلابد أن أثبت ضد هذه الصفة على أعلى درجات الكمال.

    فالإنسان يوصف بأنه أعمى، والمولى تبارك وتعالى يوصف بضد هذه الصفة، فهو البصير تبارك وتعالى، وبصر الله تبارك وتعالى لا حد له ولا نهاية؛ لأنه يبصر على أعلى درجات الكمال، وليس هناك أحد من خلقه يشبهه في الإبصار؛ وذلك لأن الله تبارك وتعالى يبصر السر وأخفى، يبصر الخطيئة، ويبصر الغيب كما يبصر المشاهد، وأنت لا تبصر إلا الذي أمامك، وبصرك محدود، فأنت لا ترى إلا من بالمسجد، وكذلك لا ترى جميع من بالمسجد، بل إنني لو وقفت أمامك فإنك لم تحطني رؤية وبصراً؛ لأنك لا ترى مني إلا ما يقابلك من جسدي كالوجه والصدر ومقدم اليدين ومقدم البدن، أما من خلف فأنت لا تراني، وإن أتيت إلى خلفي فأنت ترى خلفي ولا ترى أمامي، فبصرك ضعيف عاجز ناقص، بخلاف بصر المولى تبارك وتعالى؛ فإنه يبصر كل شيء، لا يخفى عليه شيء لا بالليل ولا بالنهار، مهما أخفيت شيئاً فإن الله يعلمه، ولو وضعته في سبع أرضين فإن الله تعالى يبصره ويعلمه، فإذا كنا ننفي عن المولى تبارك وتعالى صفة نقص فإن الله تبارك وتعالى يتصف بضدها بأعلى درجات الكمال.

    ونحن نقول: فلان ظالم، فالظلم صفة نقص، والمولى تبارك وتعالى نفى عن نفسه الظلم، قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا [يونس:44] بل رحمته سبقت غضبه.

    فالظلم صفة نقص يتصف بها المخلوق وليس الخالق، فنفي صفة الظلم عن الله سبحانه وتعالى يلزم منه إثبات ضدها للمولى عز وجل وهي العدل، كما أن عدل الله ليس كعدل المخلوق؛ لأن عدل الله تبارك وتعالى عام وشامل وفي أعلى درجات الكمال من العدل.

    ومن الممكن أن أقول: فلان عادل، لكنه ليس عادلاً بصفة مستمرة؛ لأن عدله ليس مع كل الناس، فهو بشر قد يحيد في يوم ما على فلان من الناس.

    فلو أن قاضياً قضى بين متخاصمين، وأحد هذين الخصمين عدو أو بغيض إلى ذلك القاضي، فأنت لا تأمن أبداً قضاءه في هذا الخصم؛ وذلك لأنه بشر ربما يحيد، وإن اعتبرنا أن هذا القاضي عادل في الخصومة؛ لأنه ليس له عدو من المتخاصمين، ولكنه يقضي بما يسمعه من المتخاصمين لا بما يراه، وربما أحد الخصمين ألحن بحجته من صاحبه فيقضي القاضي للظالم، وهو ليس آثماً بهذا الحكم؛ لأنه حكم بناءً على ما سمع.

    فالذي يعلم خصوصية العدل وحقيقته هو الله عز وجل، وسيقضي بعدله يوم القيامة بأن يرد المال إلى صاحبه على شكل حسنات، أي: يؤخذ من حسناته ويعطى لصاحب الحق، حتى إذا فنيت حسناته أخذ من سيئات الأول فطرحت عليه حتى طرح في النار؛ وذلك لأن عدل الله تبارك وتعالى متعلق ببقية صفاته كالعلم والسمع والبصر وغير ذلك، وإن الله تعالى في هذه الخصومة قد علم الحق أين هو، وقد شاهد ذلك مشاهدة يعلمها هو سبحانه وتعالى، فرغم إجراء الباطل في الدنيا إلا أن الأمور ترد إلى نصابها يوم القيامة.

    فنقول: إذا اتصف المرء بالظلم فإن الله ليس بظلام للعبيد، بل إنه متصف بضد هذه الصفة وهو كمال العدل للمولى تبارك وتعالى.

    التحريف بالتأويل أشد قبحاً من التعطيل والتكييف والتمثيل

    القاعدة السابعة: التحريف بالتأويل أقدح من التعطيل والتكييف والتمثيل وأقبح، وإن كان الكل قبيحاً، إلا أن التحريف في الذات أقبح ما أتت به فرق الضلالة، لأنهم يحرفون النص عن ظاهره ويعطلون المولى تبارك وتعالى عن صفاته التي وصف بها نفسه، وكأنهم كذبوا بالقرآن والسنة.

    كل شيئين بينهما قدر مشترك وقدر فارق

    القاعدة الثامنة: ما من شيئين إلا بينهما قدر مشترك وقدر فارق، فمن نفى القدر الفارق فقد مثل، ومن نفى القدر المشترك فقد عطل، والقاعدة هذه من أعظم القواعد في الأسماء والصفات، أسسها شيخ الإسلام ابن تيمية ومن بعده ابن القيم.

    ولنضرب مثالاً: الله تبارك وتعالى ذات، وقد وصف نفسه بأن له يدين، وأنا ذات ومتصف بصفات منها اليدان، إذاً القدر المشترك بين يدي ويدي الله تبارك وتعالى أن الذي لي اسمه يد، وأن الذي ثبت لله تبارك وتعالى كذلك، فالقدر المشترك بيني وبين الله هو مجرد التسمية، لكن هناك فارق، ويعلم هذا الفارق بالإضافة وعند إطلاق كلمة يد، فحينما أقول: (يد) فقط يعني: اليد المعلومة التي تراها، وهي اليد الملاصقة لبدنك، لكن لو قلت: يد الله، فالمعنى يحمل شيئاً آخر، وهو أن يد الله تبارك وتعالى لا يعلم كيفيتها أحد من الخلق؛ وذلك لوجود القدر الفارق بين ذات الله وذات المخلوق، فلا بد أن يكون هناك قدر فارق بين صفات الخالق وصفات المخلوق، فمن صفات الخالق أن له يداً لكنها يد تليق بذاته، ولما كان ذات الله بالنسبة لي مجهولة فلا بد أن تكون يده كذلك بالنسبة لي مجهولة، لكن لو قلت: يدي فقط، أو يد محمد، أو يد إبراهيم، أو زيد، أو عبيد، فأنت تعلم كيفية هذه اليد حتى وإن لم ترها، لكن لو قلت: يد الله فوق أيديهم، فإنني أثبت لله تبارك وتعالى اليد التي أثبتها لنفسه على مراده هو، وعلى كيفية لا يعلمها إلا هو سبحانه وتعالى.

    فالقاعدة الثامنة: ما من شيئين إلا بينهما قدر مشترك وقدر فارق، فمن عطل القدر الفارق فقد مثل؛ لأنه يلزمه أن يقول: يد الله كيدي، ولو أنك مثلت صفات المولى تبارك وتعالى بصفاتك فيصبح الله سبحانه عبارة عن إنسان، بل يكون إنساناً على صورة قبيحة تعالى الله عن ذلك! لأن الله تبارك وتعالى له ساق واحدة كما أثبت لنفسه، فعندما ترى إنساناً له ساق واحدة فإن هذا منظر قبيح على غير العادة والمألوف.

    فهل يتصور أن يكون الخالق تبارك وتعالى في نهاية الأمر عبارة عن صورة قبيحة؟! وسيصبح وجه المولى تبارك وتعالى ممسوحاً لو مثلته بالمخلوق؛ لأن المولى تبارك وتعالى لم يثبت لنفسه الأذن ولا الأنف ولا الفم، وهذا لا يتصور عنه سبحانه، تنزه عن ذلك كله، بل لو أن إنساناً بغير فم ولا أنف ولا أذن فإن منظره سيكون قبيحاً.

    إذاً: لا بد أن نثبت لله تبارك وتعالى ما أثبته لنفسه، كما قال: قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ [البقرة:140] فالله تبارك وتعالى هو أعلم بذاته وأعلم بصفاته، وهو جميل يحب الجمال، ففي الحديث: (إن الله جميل) فإذا أثبتنا أن الله تبارك وتعالى يشابه أو يماثل خلقه فلا بد أن يكون الله تعالى عبارة عن شخص له ساق واحدة وبلا وجه، بمعنى: أنه ليس له أنف ولا فم ولا أذن، وسينطبع في مخيلتي وذهني قبح هذه الصورة، والله تبارك وتعالى جميل يحب الجمال، فكيف يتفق ما دار في ذهني مع ما ثبت في النص؟ إذاً: لابد أن أرجع إلى إثبات النص على مراد الله عز وجل.

    إنَّ الله تبارك وتعالى له ساق واحدة وهي في حقه غاية الكمال، وقد تكون صفة النقص في حق المولى تبارك وتعالى كمالاً في حق المخلوقين، بل لا يستقيم ولا تستقيم حياة المرء إلا بهذه الصفة، فالنوم مثلاً صفة نقص في حق المولى تبارك وتعالى، وهي صفة كمال للمرء؛ لأنه لو لم ينم لجن، وذلك لأنه يلبي رغبة بدنه وهي النوم، فإذا نام واستيقظ فإنك تجده في أحسن منظر ويظهر عليه الوضاءة والنضرة؛ لأنه أخذ حاجته من صفة لازمة له، فالنوم نقص في حق المولى تبارك وتعالى ولا ينبغي له، وهي صفة كمال في حق المخلوقين لا تستقيم حياتهم إلا به، فالذي ينفي القدر الفارق بين الله تبارك وتعالى وبين المخلوقين لا بد أن يثبت لله صفات كصفات المخلوقين.

    ومن نفى القدر المشترك فقد عطل، والقدر المشترك هو أن يكون الاشتراك بيني وبين الله عز وجل في الاسم فقط، فالقدر المشترك بين يدي ويدي المولى تبارك وتعالى في مجرد التسمية، قال الله سبحانه: يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ [الفتح:10] .

    وفي الحديث: (يد الله على الجماعة)، وفي رواية: (يد الله مع الجماعة).

    وأهل البدع يقولون: قوة الله، باعتبار اللازم لهذه اليد؛ لأن اللازم لليد هو القوة، وباعتبار اللازم تصير اليد هنا بمعنى: القوة، وقد سمى الله تبارك وتعالى نفسه القوي واتصف بالقوة، فالأحاديث والآيات أثبتت له القوة من جهة الصفة، وأثبتت أنه قوي من جهة الاسم، فلما أقول: اليد بمعنى: القوة، إذاً: لا داعي أن أثبت أنه قوي كما في الآية الأخرى، قالوا: لأننا في الحقيقة ننزه المولى تبارك وتعالى عن مشابهته لخلقه، فإنه يلزم من إثبات اليد المشابهة بين الخالق والمخلوق، وهكذا عجزوا بعقولهم أن يثبتوا لله يداً تليق بجلاله وكماله وعظمته، فهم بذلك أرادوا أن يهربوا بزعمهم من التمثيل والتشبيه فوقعوا في التعطيل، وقالوا: اليد في قوله تعالى: يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ [الفتح:10] محمولة على المجاز، وهذا أقبح شيء أن تصرف آيات المولى تبارك وتعالى عن ظاهرها في حقه تبارك وتعالى؛ لأنه سبحانه هو أعلم بها وقد أثبتها لنفسه، فإذا كان هو أعلم بذاته وأثبت لنفسه هذه الصفات فلم أنت تنفيها؟ فلابد أن تثبتها كما أثبتها لنفسه وكما أثبتها له النبي عليه الصلاة والسلام.

    أليس الأنبياء والمرسلون هم أعلم الناس بالله عز وجل وأتقى الناس لله عز وجل؟ فإن كانوا كذلك فلمَ لم يتورعوا عن إثبات اليد لله عز وجل، وإثبات الساق لله عز وجل، وإثبات المجيء والنزول لله عز وجل، وإثبات الغضب والرضا والسخط وغير ذلك من صفاته تبارك وتعالى؟ فالله تبارك وتعالى يغضب ويرضى، لكنه حكيم في غضبه ورضاه؛ لأنه الحكيم، فهم يقولون: إن الله لا يغضب؛ لأنه لو غضب لجار -أعوذ بالله- ونقول لهم: من أين أتيتم بهذا الكلام؟ قالوا: من المخلوق، فإنه لما يغضب يظلم ويجور. فنقول لهم: إن المخلوق شيء والخالق شيء آخر، فالفرق بين غضب الله تبارك وتعالى وغضب المخلوق: أن المخلوق ربما يجور، أما الخالق فلا يجور، لأن الجور صفة نقص منتفية عن الله عز وجل، فأنت لا يمكن أبداً أن تفهم صفة بغير بقية الصفات، ولا يمكن أن تخص صفة بكلام وتنفي هذا الكلام عن بقية الصفات.

    إذاً: القول في صفة واحدة كالقول في جميع الصفات.

    فما من شيئين إلا بينهما قدر مشترك، فمن عطل هذا القدر المشترك فقد عطل، ومن عطل هذا القدر الفارق فقد مثل وشبه.

    مذهب السلف وسط بين التمثيل والتعطيل

    القاعدة التاسعة: مذهب السلف وسط بين التمثيل والتعطيل؛ لأن الأمة كلها وسط بين الأمم السابقة: بين اليهود والنصارى، فاليهود أمة مادية، والنصارى أمة روحانية رهبانية، ونحن وسط بين هذا وذاك، فهذه الأمة متمتعة بالوسطية في كل شيء، وعلى رأس هذه الأشياء اعتقادها في المولى تبارك وتعالى.

    فهم لا يشبهون الله تعالى بخلقه ولا يعطلونه عن صفاته، إنما يثبتون له ما أثبته لنفسه على مراده سبحانه، وما أثبته له رسوله على مراده سبحانه وعلى مراد رسوله الكريم الذي هو أعلم الخلق على الإطلاق بربه ومولاه وسيده.

    كل ممثل معطل لحقيقة الصفة وذاتها وكل معطل ممثل

    القاعدة العاشرة: كل ممثل معطل لحقيقة الصفة وذاتها. فالذي يقول: يد الله كيدي في الحقيقة هو معطل ليد الله عز وجل، صارف لها عن حقيقتها.

    كذلك كل معطل ممثل، أي: أن الذي يعطل المولى تبارك وتعالى عن صفاته لا بد أن يئول في نهاية الأمر إلى تمثيله بالمخلوقين، لأنه لم يفهم من أسماء الله وصفاته إلا ما هو اللائق بالمخلوقين.

    فإن قال قائل: لا أقدر أن أتصور أبداً كيفية يد الله عز وجل فكيف يخاطبني الله سبحانه وتعالى بشيء لا أعرفه؟ قلنا: إن الله سبحانه وتعالى يخاطبك بشيء لا تعرفه، وذلك من باب أنك لا تعلم كيفيته؛ ليبتليك أتؤمن أم تكفر، فإنه يصعب عليك أن تثبت لله تبارك وتعالى صفاته وتقول بلزوم التمثيل والتشبيه، فإن قلت: وأنا لا يمكن أبداً أن أتصور يد الله إلا أن تكون كيدي، وساق الله إلا أن تكون كساقي، ومجيئه إلا كمجيئي ونزوله كنزولي من السلم، فهذا هو النزول الذي أعلمه، ولا أتصور أن الله يخاطبني بما لا أعلمه. فنقول: الله تبارك وتعالى خاطبك بما تعلم، ولكن ليس عالم الغيب كعالم الشهادة، فلما كان ذات الله تبارك وتعالى غيباً عنا غير مشاهد فكذلك صفاته غيب عنها غير مشاهدة، ولذلك يلزم الإيمان بها كما أقررت بلزوم الإيمان بالذات وأنت لم تره.

    فلو قلنا لك الآن: هل تعلم ذات المولى عز وجل؟ ستقول: أعوذ بالله! أنا لا أعلمها، بل الذي يعلمها هو الله تبارك وتعالى، لكني أؤمن أن الله تبارك وتعالى له ذات موجودة، فإذا كنت تستعيذ بالله من وصف الذات فلا بد أن تستعيذ بالله من وصف الصفات كذلك، وهذا أمر لازم.

    1.   

    بيان معنى السلف والخلف

    هذه عشر قواعد قعدها أهل العلم قديماً وحديثاً، وقد ذكرها شيخ الإسلام ابن تيمية في كتبه، ولكن لا بد أن نعلم من أين أوتي أهل البدع والأهواء القاعدتين اللتين قام عليهما مذهب الخلف في تعطيل الصفات، وعندما أقول: (الخلف) هذا في مقابل السلف، فيكون عندنا مصطلحان: سلف وخلف، وكلمة السلف لها معنيان:

    المعنى الأول: تلك الحقبة الزمنية التي عاش فيها خير القرون؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: (خير الناس قرني ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم) فإذا قصدت بيان معنى كلمة السلف من جهة الزمن فهو القرن الأول والثاني والثالث، وإذا قصدت ما هو أعظم من ذلك فإنما تقصد المنهج، فإن المنهج ليس له علاقة مطلقاً بالحقبة الزمنية، فعند إطلاق لفظ: (فلان سلفي)، معناه: إما أن يكون عاش في تلك الحقبة الزمنية؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: (خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلوهم) فأقول: هذا سلفي زمانياً، وإما أن يكون على سلف المنهج والتلقي والمشرب والاعتقاد، وهو من كان على مثل ما كان عليه السلف إلى يوم القيامة، فلو أن شخصاً اعتقاده في الله عز وجل ومنهجه وأصوله كلها هي التي كان عليها النبي عليه السلام وأصحابه الكرام والتابعون لهم بإحسان إلى يوم الدين فإننا نقول عنه: سلفي المنهج.

    ومن هنا نفهم أنه ليس كل من عاش في القرن الأول الهجري أو الثاني أو الثالث سلفي المنهج، فهناك الجهم بن صفوان والجعد بن درهم وغيرهم من أهل البدع وواصل بن عطاء المعتزلي ، فهؤلاء نسميهم خلفاً؛ لأنهم خالفوا السلف في المنهج.

    ولذلك القول الذي يقول:

    كل خير في اتباع من سلف وكل شر في ابتداع من خلف

    محل نظر؛ لأن هذا قد يحمل على الحقبة الزمنية، (كل خير في اتباع من سلف) أي: في اتباع القرون الأولى. وكل شر في اتباع من أتى بعدهم في الحقبة الزمنية، فالأفضل أن نقول: الخير كل الخير في الاتباع، والشر كل الشر في الابتداع، سواء كان هذا الاتباع في القرون الأول أو في القرون التي بعدها، والابتداع سواء ظهر في القرن الأول أو في القرن الألف فهو ابتداع؛ لأن كله شر؛ بل إن الشر ظهر في القرون الخيرية على أيدي رءوس البدع، فلا يمكن أبداً نسبتهم إلى السلف ولا أنهم سلفيون، بل ولا سلف لهم في البدع التي أتوا بها وأفسدوا بها عقائد الأمة وضمائرها وعبادتها.

    ففي هذه الحالة نبين أن لفظ السلف له معنيان: معنى زمني ومعنى منهجي، فلا أستطيع أن أقول مثلاً: أنا خلف لـأبي بكر الصديق ، لأن إطلاق لفظ الخلف يعني: الذم، لكن أقول: أنا تابع لـأبي بكر ، تابع لـعمر ، لـعثمان ، لـعلي ، لأن نفس المنهج الذي استقاه أبو بكر هو الذي أنا عليه وإن كنت مقصراً، حيث إني لا أقدم منهجاً آخر غيره خاصة في باب صفات المولى تبارك وتعالى.

    1.   

    قواعد الخلف المخالفة لسلف الأمة في صفات الله

    حكم قياس الخالق بالمقاييس التي تحكم المخلوق

    القاعدة الأولى التي مشى عليها الخلف وجعلتهم يخالفون سلف الأمة: هي قياسهم الخالق سبحانه وتعالى بالقوانين والمقاييس التي تحكم المخلوق. فقالوا: إن الله تبارك وتعالى استوى على العرش بمعنى: أنه استولى وقعد على العرش وصار لصيقاً وملاصقاً للعرش؛ وذلك لأن الواحد فينا لو جلس على الكرسي لكان ملاصقاً للكرسي. ونقول لهم: هل القوانين التي تحكم البشر هي التي تحكم المولى تبارك وتعالى؟ الجواب: لا؛ ولذلك لما حكموا المقاييس والمعايير التي لا تصلح إلا للبشر في حق المولى تبارك وتعالى وقعوا تارة في التشبيه وتارة في التمثيل، وأحبوا أن يهربوا من تشبيه الخالق بالمخلوق فوقعوا في التعطيل، فغلطوا في كل الأحوال، فلا تعطيل ولا تمثيل ينفعهم، ولا تشبيه ولا تأويل ولا تحريف ينفعهم، فقياسهم الخالق سبحانه وتعالى بالقوانين والمقاييس التي تحكم المخلوق ممتنع في الأصل، فممتنع أن يمثلوا الله بخلقه، أو يقيسوا صفات المولى تبارك وتعالى بصفة المخلوق؛ وذلك للزوم الوحدانية لله عز وجل، أي: أن الله واحد في ذاته، واحد في أسمائه وصفاته، واحد في أفعاله. فإذا قلت: المولى تبارك وتعالى تكلم فليس كلامه ككلامنا، بل إنه يتكلم على نحو لا يستطيع أحد من خلقه أن يتكلم مثله؛ وذلك لأنه واحد في كلامه، أي: لا يشبهه أحد من خلقه في صفة الكلام، فهو واحد في أفعاله.

    ومن صفات الله المجيء، فربنا تبارك وتعالى يجيء، قال تعالى: وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا [الفجر:22].

    فالرب تبارك وتعالى يأتي، فإن قيل: كيف يأتي؟ الجواب: الله أعلم، لكنه يأتي؛ لأنه أثبت صفة الإتيان وصفة المجيء لنفسه، فأنا أثبت لله تبارك وتعالى صفة المجيء كما قال: وَجَاءَ رَبُّكَ [الفجر:22] فلا أقول: وجاء أمر ربك؛ لأن هذا ضلال وزيغ وتحريف للنص، حيث إن الله أثبت لنفسه صفة المجيء، فأنت لو قلت: المقصود بقوله: (وجاء ربك) أمر ربك: لنفيت صفة المجيء عن الله عز وجل، وهذا ليس منهج السلف، بل أنا أثبت لله تبارك وتعالى صفة المجيء، ولكنه مجيء غير مجيئي أنا؛ وذلك لأن هذا فعل لله عز وجل، ولما كان الله تعالى واحد في أفعاله فإن أفعاله لا تشبه أفعال المخلوقين.

    إذاً: الله تبارك وتعالى يجيء ويأتي ويغضب ويرضى ويسخط على نحو لا يشبهه مجيء الخلق ولا إتيانهم ولا غضبهم ولا رضاهم ولا سخطهم، فهو واحد لأنه متصف بالوحدانية في الذات والصفات والأفعال.

    التأويل لصفات الله الثابتة له للخروج من تمثيله بالمخلوقين

    هذه القاعدة الأولى جرت الخلف إلى الانحراف، وإلى تصوير الله تعالى بصورة قبيحة، سبحانه وتعالى عما يقولون، فأرادوا أن يفروا من ذلك فوقعوا بين نارين. قالوا: لو أثبتنا لله ما أثبته لنفسه بالمماثلة لصفة المخلوقين فإن الله سيكون إنساناً، وهذا ليس معقولاً، فوقعوا بين نارين: أن يكذبوا بآيات الله الواردة في وصفه سبحانه كما فعل الجهم بن صفوان، فلا يد ولا ساق ولا عين ولا وجه؛ لأن إثبات هذه الصفات يستلزم التشبيه والتمثيل، فقالوا: ونحن ننزه المولى عز وجل عن ذلك، فنفوا عن المولى عز وجل ما أثبته لنفسه. وهذه بلية أخرى.

    وإما أن يؤولوها فيقولون: لو نفينا الصفات لأصبحنا نكذب بالقرآن، والله قال: يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ [الفتح:10]، وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي [طه:39] فأثبت الله لنفسه العين وأثبت لنفسه اليد، فلا بد أن نؤولها بالمجاز ونخرجها عن معناها الحقيقي اللائق به سبحانه وتعالى، وبهذا نكون قد أثبتنا لله تعالى ما أثبته لنفسه، فنقول: يد الله بمعنى: القوة.

    وقوله: وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي [طه:39] المقصود بالعين هنا الرعاية، يعني: أحوطك وأشملك برعايتي حتى تتربى وتصير شاباً فتياً، وبالتالي يصرفون صفات المولى تبارك وتعالى عن معناها ومضمونها الحقيقي إلى المعنى المجازي.

    هذه هي القواعد التي قعدها السلف في الإيمان بأسماء الله تعالى وصفاته، ولا يمكن أبداً فهم صفات المولى عز وجل على منهج السلف إلا بحفظ هذه القواعد واعتقادها، فلابد أن تراجعها بين الفترة والفترة حتى تعرف من أين أتي الخلف.

    وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.