إسلام ويب

الصوتيات

  1. الصوتيات
  2. محاضرات مفرغة
  3. حسن أبو الأشبال الزهيري
  4. شرح أصول اعتقاد أهل السنة للالكائي
  5. شرح أصول اعتقاد أهل السنة - ما ورد أن القرآن كلام الله غير مخلوق

شرح أصول اعتقاد أهل السنة - ما ورد أن القرآن كلام الله غير مخلوقللشيخ : حسن أبو الأشبال الزهيري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • القرآن كلام الله غير مخلوق، وهذا ثابت بالكتاب والسنة والإجماع، وهو ما كان عليه أهل الجادة والمنهج القويم في القرون المفضلة، ولم يخالف في ذلك إلا أهل الفرق الضالة، الذين أبت عليهم عقولهم القاصرة أن يثبتوا لله سبحانه وتعالى صفة كمال فضلوا وأضلوا وأوردوا أنفسهم وأتباعهم طرق الهلاك، وحكم عليهم أئمة الإسلام بالكفر.

    1.   

    إجماع السلف الصالح على أن القرآن كلام الله غير مخلوق

    الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله.

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

    خاتمة هذا المجلد الذي نحن بصدد دراسته يتكلم عن مسألة ربما نظر البعض إليها على أنها مسألة هينة أو يسيرة، أو أن الكلام فيها قد كثر، ولكنا نقول: إن الكلام مهما كثر في ذات الله تبارك وتعالى أو في أسمائه وصفاته فليس بكثير، وكما قال عثمان رضي الله عنه: المؤمن لا يشبع من كلام الله عز وجل.

    وهذا البحث له تعلق عظيم جداً بكتاب المولى تبارك وتعالى، وخص المؤلف بالذكر صفة الكلام -أي: كلام الله عز وجل- وأنه غير مخلوق، ثم ساق دلائل ذلك من كتاب الله تبارك وتعالى تصريحاً أو استنباطاً، وساق دلائل ذلك من حديث النبي عليه الصلاة والسلام، ومن أقوال وإجماع الصحابة والتابعين لهم بإحسان، وعمل السلف جميعاً على ذلك.

    والقرون الخيرية من كان منهم على المنهج والجادة أنكر غاية النكارة أن يكون كلام الله تبارك وتعالى مخلوقاً، وسرد المؤلف ما يزيد عن ثلاثمائة اسم في هذا الجزء كلهم يقولون: إن القرآن كلام الله تعالى غير مخلوق، منه بدأ وإليه يعود، فمن قال بغير ذلك فهو كافر.

    وقد بينا من قبل خطورة القول بخلق القرآن وأن هذا من أعظم الباطل، بل هو من ظلم العبيد لله عز وجل، أن ينسبوا صفة من صفاته للخلق دون أن يعتقدوا ويؤمنوا أنها صفة لازمة لذاته تبارك وتعالى، ولكن على أية حال في سماع كلام السلف بنصه وفصله فوائد عظيمة جداً؛ ولذلك نحن إذا سمعنا لفظ النبي عليه الصلاة والسلام بخلاف أن نسمع معنى كلامه؛ لأن كلام النبوة له نور عظيم؛ فكذلك كلام سلفنا رضي الله عنهم؛ لأنهم ما خرجوا عن حد الكتاب ولا السنة في كلامهم، إلا ما شذ من أصحاب القرون الأولى وخالف السلف في معتقدهم ومسلكهم ومنهجهم فقال بغير قولهم، فإننا نجد على كلامه ظلمة كسواد الليل.

    ولذلك يحسن بنا أن نسرد سرداً سريعاً على شكل مقتطفات؛ لننظر إلى ذلك النور الذي شع من أفواههم وعلى ألسنتهم.

    1.   

    دلائل القرآن الكريم على أن القرآن كلام الله غير مخلوق

    دلالة قوله تعالى: (قرآناً عربياً غير ذي عوج) على أن القرآن غير مخلوق

    فعن ابن عباس رضي الله تعالى عنه قال في قول الله عز وجل: قُرآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ [الزمر:28] قال: غير مخلوق؛ لأن العوج صفة نقص، والنقص يليق بالمخلوق ولا يليق بالخالق وأسمائه وصفاته، فالله تبارك وتعالى بين أن هذا القرآن أولاً: عربي، ثانياً: غير ذي عوج، أي: لا اعوجاج فيه ولا التواء ولا غموض.

    فقال ابن عباس رضي الله عنهما: غَيْرَ ذِي عِوَجٍ [الزمر:28] أي: غير مخلوق؛ لأن العوج للمخلوق أليق، وهذا الكلام -وهو القرآن العربي- غير مخلوق، فلابد أن يكون غير ذي عوج.

    وهكذا في كل صفات المولى تبارك وتعالى وأسمائه، فإن الذي يقول: إن القرآن وإن كان كلام الله إلا أنه مخلوق -يعني حادث- فلابد وأن ينزل ذلك على بقية الأسماء والصفات، لابد أن يقول: إن رحمة الله حادثة، وإن سمع الله حادث، وإن بصر الله حادث، وإن رأفة الله حادثة، وإن حلم الله حادث.. ينزل ذلك على جميع الصفات، وإلا فلم اختار صفة الكلام بالذات وقال: إنها حادثة، وإنها مخلوقة؟ فلابد أن ينطبق هذا المنهج المعوج على جميع صفات المولى تبارك وتعالى، وإلا فإنا نسألهم: لماذا فرقتم بين اسم واسم، وبين صفة وصفة، والمنهج واحد في كتاب الله وفي سنة النبي عليه الصلاة والسلام؟ ولذلك هم ذهبوا -بزعمهم- إلى تنزيه المولى تبارك وتعالى، وقالوا: الإنسان مخلوق يتكلم، فإذا قلنا: إن الله تعالى الخالق يتكلم فلابد أن يكون هذا الكلام كذلك مخلوقاً؛ ظناً منهم أن هذا نفي للنقص عن الله عز وجل، ولكن هذا الكلام كلام فاسد وباطل؛ لأنهم أرادوا التنزيه فوقعوا في التشبيه، وإلا فقول الجهمية مثلاً والخوارج: إن الله تبارك وتعالى لا يتكلم؛ لأنه لو تكلم للزم أن يشارك الإنسان -وهو أحد خلقه- في صفة الكلام، فقالوا: لا، الله تعالى لا يتكلم، كما أنهم قالوا: لا يتكلم بحرف ولا صوت؛ ظناً منهم أن هذا تنزيه للمولى تبارك وتعالى؛ فوقعوا كذلك في تشبيه الله تعالى بالجمادات؛ لأن الجمادات غالباً لا تتكلم، وإن كانت تتكلم أحياناً، وهذا في المعجزات التي جرت على يد الأنبياء والرسل.

    فلا شك أن الله تبارك وتعالى يتكلم، وأن المخلوق يتكلم، لكن كلام المخلوق ليس ككلام الخالق؛ لأن ذات المخلوق تختلف وتتباين عن ذات الخالق تبارك وتعالى، فما الذي يمنع المرء أن يسلم أن الله تبارك وتعالى يتكلم بحرف وصوت كيف يشاء وكما يشاء في أي وقت شاء؟ وكلامه معجز لا يستطيع أحد من البشر أن يتكلم ككلام المولى تبارك وتعالى.

    قال ابن عباس : قُرآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ [الزمر:28] قال: غير مخلوق.

    دلالة قوله تعالى: (أن يقول له كن فيكون) على أن القرآن غير مخلوق

    ومن دلائل الكتاب من حيث الاستنباط: قوله تبارك وتعالى: إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [يس:82]، أي: إذا أراد الله تبارك وتعالى أن يوجد شيئاً وشاءه في عالم محسوس فيقول له: (كن) فيكون هذا الشيء الذي أراده الله تبارك وتعالى، ولكن محل الشاهد من الآية: إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ [يس:82] إذاً: الله تبارك وتعالى يتكلم، والقول إنما هو الكلام، فهذه الآية أثبتت أن الله تبارك وتعالى إذا أراد شيئاً في أي وقت وفي أي مكان وفي أي زمان فقط يقول له: (كن) فيكون هذا الشيء.

    فقوله: (أَنْ يَقُولَ) يدل على أن الله تعالى يتكلم.

    وقال البويطي : إنما خلق الله كل شيء بـ (كن)، فإن كانت (كن) مخلوقة فمخلوق خلق مخلوقاً. يعني: أليست هي قول كذلك؟ إذا أراد الله عز وجل شيئاً يقول له: (كن)، معنى ذلك على منهج المعتزلة والخوارج وبعض الشيعة: أن كلمة (كن) من قول الله عز وجل، فإذا كان قول الله عز وجل مخلوقاً فكذلك تكون كلمة (كن) مخلوقة، فقوله: (كن) إذا كان مخلوقاً هل يتصور أن يكون قوله: (كن) قادراً بذاته على أن يخلق غيره وهو (كن) الثانية؟ فإذا أراد الله أن يخلق شيئاً يقول له: (كن) فيكون، فقوله الأول: (كن) إذا كان مخلوقاً وأوجد غيره من الأشياء، فهذه الأشياء مخلوقة؛ لأنها حادثة، فهل يتصور أن كلمة (كن) المخلوقة تخلق غيرها؟ الجواب: لا.

    قال البويطي : إنما خلق الله كل شيء بـ (كن)، فإن كانت (كن) مخلوقة فمخلوق خلق مخلوقاً، إذاً: نسبوا الخلق إلى غير الله عز وجل، أرأيت خطورة الأمر؟

    قلت: وهذا معنى ما يعبر عنه العلماء اليوم: إن هذا -أي: (كن) الأولى- كان مخلوقاً، فهو مخلوق بـ (كن) أخرى، يعني: (كن) غير مخلوقة و(كن) مخلوقة. وهذه فلسفة تجعل الشخص يخرج كل ما في بطنه؛ لأن الصحابة والسلف والنبي عليه الصلاة والسلام من باب أولى لم يعرفوا هذا الكلام ولم يتعرضوا له.

    دلالة قوله تعالى: (ألا له الخلق والأمر) على أن القرآن غير مخلوق

    استنباط آخر من آية أخرى من كتاب الله، وهو قول الله تعالى: أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ [الأعراف:54] ففرق الله تعالى بين الخلق وبين الأمر، والخلق هم المخلوقات، والأمر هو القرآن الكريم، فقال: (أَلا لَهُ) أي: من عنده (الْخَلْقُ وَالأَمْرُ)؛ ولذلك أهل العلم يقولون: القرآن كلام الله منه بدأ وإليه يعود، يعني: لا يفنى هذا الكلام ولا ينتهي.

    وقال ابن عيينة لما أراد أن يعرض لـبشر المريسي -وهو أحد من قال بخلق القرآن-: ما يقول هذا الدويه؟ يعني: هذا السائل الحيران ماذا يقول؟ قالوا: يا أبا محمد ! يقول: القرآن مخلوق، قال: كذب ورب الكعبة، قال الله تعالى: أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ [الأعراف:54] فالخلق خلق الله، والأمر هو القرآن.

    فتفسير الأمر عند ابن عباس وعند ابن عيينة وأحمد بن حنبل وابن المبارك وسعيد بن جبير وغيرهم من أهل العلم: أنه كلام الله تبارك وتعالى ليس بالأمر الهين، وردوا هذا التأويل.

    وكذلك قال أحمد بن حنبل ونعيم بن حماد ومحمد بن يحيى الذهلي وعبد السلام بن عاصم الرازي وأحمد بن سنان الواسطي وأبو حاتم الرازي وغيرهم من أهل العلم. قالوا: الأمر في هذه الآية هو كتاب الله تبارك وتعالى، وكلام الله تبارك وتعالى.

    دلالة قوله تعالى: (ولكن حق القول مني...) على أن القرآن غير مخلوق

    استنباط آخر من آية أخرى، وهي قوله تعالى: وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي [السجدة:13]، ولم يقل: حق القول عني؛ ولذلك يقولون: القرآن منه بدأ وإليه يعود ولم يقولوا: عنه أتى، وإنما قالوا: منه بدأ، أي: أنه صفة ملازمة لذاته تبارك وتعالى.

    ففي قوله: (وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي) قال أهل العلم: وما كان منه فهو غير مخلوق.

    وقال وكيع بن الجراح : من زعم أن القرآن مخلوق فقد زعم أن شيئاً من الله مخلوق، فقلت: يا أبا سفيان! من أين قلت هذا؟ يعني: من أين لك هذا الفقه وهذا العلم؟ قال: لأن الله تبارك وتعالى يقول: وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي [السجدة:13] ولا يكون من الله شيء مخلوق.

    وكذلك فسره أحمد بن حنبل ونعيم بن حماد والحسن بن الصباح البزار وعبد العزيز بن يحيى المكي الكناني .

    دلالة قوله تعالى: (... ما نفدت كلمات الله) على أن القرآن غير مخلوق

    استنباط آخر من آية أخرى، وهي قوله تعالى: وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ [لقمان:27]، والمخلوقات كلها معلوم أنها تفنى وتبيد وتنتهي، فكل مخلوق حادث، وكل حادث لابد أن يطغى عليه الزوال والفناء.

    وقد قال قوم من الكفار: غداً هذا القرآن ينتهي، فالكفار والمنافقون كانوا ينزعجون جداً من نزول آية أو آيات، وكأنهم أرادوا أن يقولوا: إن كلام الله سينتهي، فأنزل الله تبارك وتعالى هذه الآية؛ ليبين أن كلامه أول بأولية الله عز وجل ولا آخر له؛ لأنه ملازم لذاته، فقال الله تبارك وتعالى: وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ [لقمان:27] يعني: لو أنكم جمعتم أشجار الدنيا بأسرها فجعلتموها أقلاماً، وجعلتم مع البحار سبعة أبحر كلها حبر ومداد، وكتبتم بهذه الأقلام التي من مجموع أشجار الدنيا بعد وضعها في ذلك المداد؛لنفدت هذه البحار، وتكسرت وفنيت هذه الأقلام وانتهت، ولم تنته بعد كلمات الله تبارك وتعالى، وهذا دليل على أنه قادر على الكلام في أي وقت شاء وفي أي زمان شاء.

    قال: وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ [لقمان:27] أي: لم تنته كلمات الله، والمخلوقات كلها تنفد وتفنى وكلمات الله لا تفنى، وتصديق ذلك قوله تعالى حين يفني خلقه: لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ [غافر:16]، أليس هذا قول أيضاً؟ وهو سؤال يوجه يوم القيامة قبل البعث وبعد النفخ -أي: النفخة الثانية أو الثالثة على مذهب- وفناء الخلق أجمعين، فالمولى تبارك وتعالى في سماه ينادي نداءً: لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ، وهو الذي يجيب على نفسه ويقول: لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ [غافر:16]؛ لأنه ليس هناك أحد من خلقه يجيب هذا الجواب.

    فالشاهد من هذه الآية: أن الله تبارك وتعالى بعد أن أفنى جميع المخلوقات وأبادهم وأماتهم وأهلكهم تكلم وقال: لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ، وهذا في حد ذاته قول؛ ليدل على أن قول الله غير مخلوق، ولو كان مخلوقاً للزمه الفناء مع بقية المخلوقات، ولكن الله تعالى لما أفنى جميع المخلوقات تكلم بعد هذا الفناء العام؛ ليدل على أن كلامه سبحانه ليس مخلوقاً؛ لأنه لو كان كذلك لطرأ عليه الفناء والفساد -عياذاً بالله تبارك وتعالى- على قول من يقول بأن كلام الله مخلوق.

    وعن قتادة في قوله تعالى: وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ [لقمان:27] قال: قال المشركون: إنما هذا كلام يوشك أن ينفد، يعني: يوشك أن ينتهي، فأنزل الله تعالى ما تسمعون -أي: هذه الآية- رداً عليهم.

    يقول: لو كان شجر الأرض أقلاماً ومع البحر سبعة أبحر مداداً لتكسرت الأقلام ونفدت البحور قبل أن تنفد عجائب ربي وحكمته وكلماته وعلمه؛ لأن هذا من صفات المولى تبارك وتعالى، فإنه لا يفنى ولا يبيد.

    إثبات رجل عامي لأبي الهذيل العلاف أن القرآن كلام الله غير مخلوق بأنه لا يفنى ولا ينتهي

    وسأل رجل أبا الهذيل العلاف -وهذا رأس الاعتزال- سأله رجل من عامة الناس عن القرآن: أمخلوق أم غير مخلوق؟ فقال العلاف : هو كلام الله مخلوق، فقال له الرجل: مخلوق يموت أو يخلد؟ فقال: يموت. قال: فمتى يموت القرآن؟ انظر كلام الناس، وهكذا حال الفطر السليمة.

    قال: فمتى يموت القرآن؟ قال: إذا مات من يتلوه فهو موته، وهكذا عندما تورط العلاف أراد أن يلوي لسانه على عادة أهل البدع إذا وضعوا في خانة اليد لووا ألسنتهم وكلامهم وصرفوا النصوص عن ظاهرها.

    فقال الرجل: فقد مات من يتلوه -يعني: اعتبر أن جميع من تلا القرآن قد مات- ألا تقول: إن الخلق جميعاً قد ماتوا؟ قال: نعم. قد ماتوا، فقال: وقد ذهبت الدنيا وتصرمت وقال الله عز وجل: لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ [غافر:16]، فهذا القرآن وقد مات الناس.

    يعني: فلماذا لم يمت قوله تعالى: (لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ)، فالله تعالى يتكلم بهذا يوم القيامة وقبل بعث الخلق من مرقدهم، ألا تعتقد يا علاف ! أن هذا قول الله عز وجل؟ قال: بلى. هو قول الله عز وجل، قال: إنه تكلم به بعد أن مات القراء والتلاة؛ ليدل على أن كلام الله لا علاقة له بقارئه وتاليه، وأنه لا يموت بموت القارئ والتالي، وهل يتصور تعدد القرآن؟ هل يتصور أن كل واحد له قرآن إن قلنا: إن كل قرآن يموت بموت قارئه)، لكن إذا ماتت جماعة بقيت جماعة أخرى تتلو القرآن؛ ليدل على أن القرآن لا علاقة له بقارئه ولا تاليه.

    فقال له الرجل: فقد مات من يتلوه، وقد ذهبت الدنيا وتصرمت، أي: انقضت وفاتت، وقال الله عز وجل: لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ [غافر:16] فهذا القرآن وقد مات الناس. وليعلم أن العلاف هذا من كبار أوتاد المعتزلة. فقال العلاف : والله ما أدري! وبهت، بهت الذي ابتدع ونافق، وعجز عن أن يرد على ذلك العامي الذي عرف أن القرآن كلام الله بفطرته غير مخلوق، منه بدأ وإليه يعود، فعجز ذلك الزنديق الأعظم أن يرد على رجل من عامة الناس، وما استطاع بعلمه وبفلسفته وموقفه الفاسد أن يرد على ذلك الرجل الذي استقامت فطرته على منهج النبوة.

    [وذكر ذلك عبد الرحمن قال: حدثنا أبو سعيد -أي: أحمد بن يحيى بن سعيد الأنصاري القطان- قال: سمعت رجلاً سأل أبا الهذيل فذكر نحو هذا الكلام.

    وقال أبو هريرة رضي الله عنه: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (يطوي الله الأرض يوم القيامة ويطوي السماوات بيمينه ثم يقول: أنا الملك. فأين ملوك الأرض؟)]، بعد أن يميت الله تبارك وتعالى جميع خلقه يتكلم بهذا: أنا الملك فأين ملوك الأرض؟ أنا الجبار فأين جبابرة الأرض؟ فإذا قلنا: إن القرآن مخلوق يفنى بفناء الخلق فماذا نقول في كلام الله تعالى هذا بعد أن يفني خلقه؟ لماذا لم يفن هذا الكلام؟ ولماذا لم ينته هذا الكلام؟

    قال: [هذا الحديث أخرجه البخاري ومسلم .

    وعن ابن عباس قال: ينادي منادي الله عز وجل بين يدي الصيحة، فيسمعها الأحياء والموتى، وينزل الله تعالى إلى سماء الدنيا فيقول: لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ [غافر:16]]، فالله تبارك وتعالى هو الذي يسأل ويجيب على نفسه؛ ليدل على أن كلامه باق بقاء الدهر.

    ونعيم بن حماد وإسحاق بن راهويه وهشام بن عبيد الله الرازي وسعيد بن رحمة المصيصي صاحب ابن المبارك وأبي إسحاق الفزاري ، جميعاً يعتقدون بهذه الآية أن الله تبارك وتعالى كلامه غير مخلوق منه بدأ وإليه يعود.

    1.   

    سياق ما روي عن النبي مما يدل على أن القرآن من صفات الله القديمة

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [أما ما روي عن النبي عليه الصلاة والسلام مما يدل على أن القرآن من صفات الله القديمة].

    في الحقيقة لا ينبغي أن يقال: إن صفات الله قديمة؛ لأن وصف الله تبارك وتعالى بالقديم وصف لم يرد في كتاب ولا في سنة، والله تبارك وتعالى وصف نفسه بأنه الأول وأنه الآخر وأنه الظاهر وأنه الباطن، لا أول قبله ولا آخر بعده سبحانه وتعالى، فنقول: إن الله تعالى بأوليته كذلك أول بصفاته وأول بأسمائه.

    يعني: الله تبارك وتعالى أول برحمته وعلمه وحلمه وسمعه وبصره، فما استحق أن يكون سميعاً بعد أن سمع؛ لأن الله تبارك وتعالى يسمع أولاً بلا ابتداء، كما أن ذاته أول بلا ابتداء فكذلك صفاته لازمة لذاته، فلا نقول: إن الله تعالى كان بغير سمع ثم سمع، فما استحق أن يكون سميعاً إلا بعد أن سمع، وكان الله تبارك وتعالى بلا رحمة فخلق في ذاته الرحمة، فما استحق أن يكون رحيماً إلا بعد أن رحم، وكان الله ولم يكن شيء من المخلوقات، فما استحق أن يكون خالقاً إلا بعد أن خلق، إن الذي يقول: إن صفات الله تعالى مخلوقة لابد أنه ينفي جميع الصفات والأسماء أولاً عن الله عز وجل، وهذا القول كفر بواح؛ ولذلك نقول: إن الله تبارك وتعالى كان خالقاً قبل أن يخلق الخلق، كان رحيماً قبل أن يرحم الخلق؛ لأنهم غير موجودين من الأصل، وكان الله تبارك وتعالى عالماً بكل شيء.

    أليس الله تبارك وتعالى هو الذي كتب كل شيء كان وما سيكون إلى قيام الساعة وما بعدها في اللوح المحفوظ، فهو محفوظ عنده تحت العرش؟ أليس الله تبارك وتعالى كتب وقسم أرزاق الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة كما صح ذلك الخبر عند مسلم ؟ أليس الذي يفعل هذا عليماً؟ فإن الذي يقول: إن صفات الله تبارك وتعالى مخلوقة لابد أنه يلحق النقص بالله عز وجل؛ لأنه يقول: إن الله كان ذاتاً مجردة عن الأسماء والصفات، ثم اكتسب هذه الأسماء والصفات، وهل يمكن أن يكون هنالك ذات بغير صفات؟ بل إن ذوات المخلوقين لابد أن يكون لها صفات من اللون والطول والعرض والحجم والسعة والضيق وغير ذلك، فلا يتصور من باب أولى أن يكون الله تبارك وتعالى بغير صفات أو بغير أسماء.

    وصفات الله تبارك وتعالى وأسماؤه موقوفة، أي: أنه لا يجوز لي أن أصف الله تبارك وتعالى بما لم يصف به نفسه ولم يصفه به رسوله الكريم عليه الصلاة والسلام، فلا يصح أن أقول: إن الله تبارك وتعالى من أسمائه الستار، أو من أسمائه المنعم. هذا غلط؛ لأنه لم يصح في ذلك حديث قط، وإنما الذي صحَّ ما رواه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: (إن لله تعالى تسعة وتسعين اسماً مائة إلا واحداً، من أحصاها دخل الجنة).

    وفي رواية الترمذي : (هو الله الخالق البارئ المصور...) إلى آخر الأسماء التسعة والتسعين، ولكن سرد الأسماء في زيادة الترمذي ليست صحيحة، أي: أن الحديث بهذه الزيادة ليس صحيحاً، ولذلك من الأمور المخالفة أن تكتب هذه الأسماء، وأن تعلق هنا وهناك على أنها أسماء الله تبارك وتعالى الواردة في الحديث الذي أخرجه الترمذي ، فكيف نعتمد في أمر من أمور العقيدة -وهو أمر عظيم يتعلق بأسماء الله وصفاته- على حديث ضعيف؟

    إذا كان أهل العلم قد اختلفوا في اعتبار الحديث الضعيف في فضائل الأعمال فما بالكم بالأحكام والعقائد؟ ولكن الله تبارك وتعالى -كما تعرض لذلك غير واحد من أهل العلم- له تسعة وتسعون اسماً مستفادة من كتابه ومن سنة النبي عليه الصلاة والسلام، أي: أنه عندما تجمع الأسماء التي صحت في سنة النبي عليه الصلاة والسلام وجاءت في كتاب الله تجدها من مجموع الكتاب والسنة تسعة وتسعين اسماً.

    وعن ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (اللهم إني أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك أو أنزلته في كتابك أو علمته أحداً من خلقك أو استأثرت به في علم الغيب عندك).

    هذا الحديث يدل على أن لله غير هذه الأسماء أسماءً استأثر بها في علم الغيب عنده، ولكن النبي عليه السلام أخبرنا أن الذي أنزل في الكتاب والسنة تسعة وتسعون اسماً، وهذا لا ينفي أن يكون هناك أسماءً أخرى استأثر الله تبارك وتعالى بها.

    دلالة حديث آدم وموسى على أن علم الله تعالى صفة أزلية له سبحانه

    قال أبو هريرة: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لقي آدم موسى فقال موسى لآدم: أنت الذي خلقك الله بيده، وأسكنك جنته، وأسجد لك ملائكته، فعلت ما فعلت وأخرجت ذريتك من الجنة! فقال له آدم: أنت الذي اصطفاك الله برسالاته وكلامه وآتاك التوراة، أنا أقدم أم الذكر؟)، فكل واحد صاحب منة معينة، فآدم خلقه الله تعالى بيده، وأسجد له ملائكته، وعلمه من كل شيء، وصحيح أنه بسبب زلته أخرج ذريته من الجنة، لكن آدم قال: يا موسى! أليس الله تعالى قد اصطفاك؛ لأنه من المعلوم أن آدم نبي وأن موسى رسول، والرسول أعظم من النبي، ولذلك قال هنا: (أنت موسى الذي اصطفاك الله برسالاته) ولم يقل: بنبواته.

    قال: (أنت موسى الذي اصطفاك الله برسالاته، وكلمك ولم يكلم أحداً, وآتاك التوراة)، يعني: ألست موسى الذي على هذا النحو؟ قال: نعم. قال: يا موسى! إني أسألك: (أنا أقدم أم الذكر؟) أي: اللوح المحفوظ الذي كتب الله تبارك وتعالى فيه ما وقعت فيه أنا وقدره عليَّ تقديراً؟ يعني: هذا الذي عملته أنا ووقعت فيه بقدر الله وعلمه السابق الأزلي الأبدي أو حادث؟

    قال: (فحج آدم موسى)، أي: فانتصر آدم في حجته على موسى، وهذا يدل على أن الله تبارك وتعالى أول بصفاته، فقد علم الله تبارك وتعالى أن آدم سيفعل كذا، فكتبه عليه كتابة قدرية وليست شرعية؛ لأن هذا مخالفة للأمر، فآدم أكل من الشجرة بغواية الشيطان له، ولكن الله تعالى لما علم أزلاً أن آدم سيعصي الأمر، وأنه سيتبع الشيطان في ذلك في لحظة ضعف أو في لحظة هوى، أو حب الأبدية وحب البقاء في الجنة والخلود فيها، فصدقه وفعل ما فعل، هل كان الله تبارك وتعالى يعلم ما وقع من آدم أم لا؟ الجواب: يعلم؛ ولذلك كتبه في اللوح، فهو محفوظ عند الله تبارك وتعالى، فآدم حج موسى، أي: انتصر على موسى بهذه الحجة؛ لأنه عندما قال له موسى: يا آدم! كيف وقع منك هذا؟ قال له آدم: ما وقع مني إلا بقدر، يعني: وقع وانتهى، ولابد أن نؤمن أن كل ما في الكون من خير أو شر إنما هو من عند الله عز وجل، فالله تعالى خلق إبليس وهو رأس الشر، وليس لإبليس خالق غيره؛ لأن الله خالق كل شيء؛ ولذلك حج آدم موسى.

    فعلم الله تبارك وتعالى صفة أزلية أو حادثة؟ الجواب: أزلية، أي: أولية، فلما كانت هذه الصفة أولية يلزم أن تكون جميع الصفات أولية كصفة الكلام، ولو قال: يا موسى! إن الله تبارك وتعالى لم يكتب هذا علي، ولم يقدره علي تقديراً كونياً قدرياً، فمعنى ذلك: أن الله تعالى ما علم ما بدر منه وما وقع إلا بعد أن وقع، وهذا قول القدرية الذين يقولون: إن الله لا يعلم الشيء إلا بعد وقوعه وأن الأمر أنف، وهذا كلام فاسد.

    فآدم استدل له بصفة العلم وصفة الكتابة؛ ليقيس على ذلك كل صفة من صفاته سبحانه.

    ضوابط الاحتجاج بالقدر على المعاصي، والفرق بين القدر الكوني والقدر الشرعي

    أهل العلم لهم ضوابط في الاحتجاج بالقدر على المعاصي، ويفرقون بين القدر الكوني والقدر الشرعي، فلا يجوز الاحتجاج بالقدر على المعصية، أما ظاهر النص هنا فإنه يدل على أن آدم احتج بقدر الله على ما وقع منه وهو معصية، مع إجماع أهل العلم على أنه لا يجوز الاحتجاج بالقدر على المعصية.

    فنقول: الفرق بين موقف آدم وإجماع أهل العلم وما أتى به جميع الأنبياء والمرسلين: أن آدم تاب وأناب إلى ربه، وهذا بخلاف الرجل الذي سرق في عهد عمر ، فجيء به بين يديه فأمر بإقامة الحد عليه، فقال: يا عمر ! أتريد أن تجلدني على أمر قدره الله علي؟ انظر بجاحته وجرأته وكأنه لم يعمل شيئاً. فقال عمر : نعم. إن الذي قدر عليك هذا قد فرض عليك الحد، وهو من قدر الله عز وجل.

    فأنت حينما تقع في الذنب، فتعتصر هماً وغماً وألماً، وتتوب وترجع إلى الله تبارك وتعالى، وتعزم على ألا تعود لمثل هذا الذنب، فهذا أمر مقبول، فما من نبي يقع في ذنب أو هفوة من الهفوات الصغيرة إلا وقد استغفر ربه وأناب ورجع، فما وقع فيه الأنبياء والمرسلون من هذه الهفوات اليسيرة الصغيرة التي لا تخدش في رسالتهم ولا في إيمانهم كان ذلك بتقدير من الله تعالى مع أنه معصية، ولكن الفرق بين الاثنين: أن هذا يحتج بقدر الله السابق على معصيته بجرأة وبجاحة وسفالة ووقاحة، وهذا يحتج بقدر الله السابق؛ لأنه يعلم ويعتقد بعد توبته أن الذي بدر منه ما بدر إلا بعلم الله عز وجل وأن الله لما علمه كتبه، فهم لا يحتجون بالقدر، وإنما يعتقدون أن الله قد علم ذلك سلفاً وأولاً، فلما علمه كتبه.

    وأنتم تعلمون أن أولى مراتب القدر: العلم الصادق الأزلي لله تبارك وتعالى، ثم الكتابة، وهو أن الله تبارك وتعالى علم كل شيء كان وسيكون إلى يوم القيامة، فكتب ذلك في كتاب، فهو محفوظ عنده تحت العرش.

    والمرتبة الثالثة من مراتب القدر: المشيئة، والمشيئة نوعان: مشيئة شرعية دينية، ومشيئة قدرية كونية، فالمشيئة الشرعية الدينية مبناها على محبة الله تعالى ورضاه، وهي طاعته التي أمر بها ونهيه الذي نهى عنه، فطالما التزم المرء أمره وانتهى عن نهيه نقول: إنه دخل في مشيئة الله الشرعية الدينية، بمعنى: أنه أطاع الله فيما أمر وانتهى عما نهى، وما أطاع ذلك الرجل ما أمره الله ورسوله وما انتهى عما نهاه الله ورسوله إلا بحب الله وتوفيق الله وتقدير الله له، والله تبارك وتعالى في المقابل علم أن هذا العبد سيزني ويسرق ويقتل ويشرب الخمر.. وغير ذلك، فكتبه عليه وقدره عليه، ومعنى: قدره عليه أنه أذن في وقوعه؛ لأن الله تبارك وتعالى قال لهذا العبد: لا تشرب الخمر، فإن فيها كيت وكيت، ولا تطع الشيطان لأنه لا يدل على خير، ولا تقتل ولا تسرق ولا تزنِ ولا تعمل كيت ولا كيت ولا كيت، ولكن العبد خالف ذلك فوقع في هذا المحذور، فوقوعه في هذا المحذور الله تبارك وتعالى علمه أولاً فكتبه، وليس معنى كتبه: أنه جبره على أن يفعله، ولو قلت ذلك لقلت بقول الجبرية، فلو قلت: إن هذه المعاصي المرء مجبور على فعلها فستكون من الجبرية، وتكون من القدرية في وقت واحد.

    ولكن لابد أن تعلم أن الله تعالى كتب المعاصي على عباده بمعنى: أنه علم أن العبد سيختار المعصية، فلما علم ذلك سلفاً كتبها عليه، فمثلاً: كتب أن أحمد سيفعل كذا، سيقتل، سيسرق، وأحمد يعلم أن هذه سرقة، ويعلم أن الله تعالى حرمها، وأنه لو أطاع لدخل في المشيئة الشرعية الدينية التي مبناها على محبة الله ورضاه، ولو خالف لدخل في مشيئة الله الأخرى، وهي أن الله تعالى لا يقع شيء في كونه إلا بإرادته وإذنه. تصور لو أن عبداً أراد أن يسرق الآن، فلابد أن السرقة تستلزم مجموعة من الأفعال: المشي والهم بالسرقة، وتحديد ذلك، ومد اليد على المسروق، ثم أخذه وتحريزه والجري به، أليس كل هذا مخلوقاً لله عز وجل؟ هل يستطيع العبد أن يفعل ذلك بغير إرادة الله؟ هل يمكن أن يقع شيء في الكون بغير إذن الله؟ أنا أود أن أسرق هذا الشيء وأخرج جرياً، فمن الذي قواني على الجري؟ ومن الذي منحني القدرة والقوة على أن أخطف هذا الميكرفون؟ إنه الله تبارك وتعالى الذي خلق كل ذلك، فهذا تم بتقدير الله ليعاقبني الله تبارك وتعالى عليه بعد ذلك؛ لأنه أمرني ألا أفعل هذا، بل أفعل غيره، فإذا رأيت من يسرق نهيته عن ذلك وأمرته بطاعة الله عز وجل، فلما خالفت ذلك وذاك فإننا نقول: إن هذا كله وقع بتقدير الله، لكن ليس بتقدير الله الشرعي؛ لأن الله تعالى يكره ذلك، يكره السرقة وحذر منها، كما أن الله تبارك وتعالى لا يرضى لعباده الكفر، ومع هذا هو الذي أذن بوجود الكفر إذناً قدرياً، فكفر الكافر وقع في الأرض بإذن من الله، ولو أن الله تبارك وتعالى شاء أن يجعل الناس أمة واحدة مؤمنة لجعلهم مؤمنين جميعاً، ولو شاء أن يجعلهم جميعاً كفاراً لجعلهم كذلك، ولكن حكمة الباري اقتضت وجود الإيمان والكفر، وجود الخير والشر، وجود المعاصي والطاعات، وجود الجنة والنار في المقابل، وبين الله تبارك وتعالى في كتابه البيان الشرعي الطريق إلى الجنة والطريق إلى النار، ولكن العبد يختار بعد العلم طريق الشر، فلما علم الله أن العبد يختار طريق الشر ويدع طريق الطاعة وهو يعرفهما جميعاً، كتب ذلك عنده في اللوح المحفوظ.

    1.   

    خلق أفعال العباد ومسألة اللفظ

    المرتبة الرابعة: مرتبة خلق أفعال العباد.

    إن الكلام والبصر والسمع والجري.. وغير ذلك مما يفعله العبد بالليل والنهار في جميع أوقاته، كل ذلك مخلوق، بمعنى: أن حركة لساني الآن وأنا أتكلم وأنت ترد علي، بل حركة عقلك عندما أتكلم وأنت تفهمني؛ هذا الفهم مخلوق وليس أزلياً؛ لأنك أنت نفسك لست أزلياً، فكيف يكون الفهم أزلياً؟ فهنا نقول: إن أفعال العباد مخلوقة، والأئمة عندما تعرضوا لمسألة خلق القرآن أنكروا ذلك تماماً وحكموا بالكفر على من يقول: القرآن مخلوق، ولكنهم اختلفوا في مسألة اللفظ، فجمهور أهل السنة لم يتعرضوا لمسألة اللفظ، وهناك فرق كبير بين اللفظ بالقرآن والتلفظ بالقرآن، فمن قال: إن لفظي بالقرآن مخلوق فقد أخطأ، ولو قال: إن تلفظي بالقرآن مخلوق فقد أصاب؛ لأن اللفظ اسم، وهو يدل على الملفوظ وهو القرآن الكريم، فإذا قلت: إن لفظي بالقرآن مخلوق فكأنك -ولو كان ذلك على سبيل الإشارة- تقول: القرآن مخلوق.

    أما إذا قلت: إن تلفظي، يعني: حركة لساني وإخراج الصوت من فمي أو من صدري مخلوق، بمعنى: أنه حادث؛ فهذا لا بأس به.

    إنك تقرأ في حاشية هذا الكتاب أن الناس اختلفوا في مسألة القرآن، فمنهم من قال: هو مخلوق، ومنهم من قال: غير مخلوق، ومنهم من قال بالتوقف، يعني: توقف ولم يتكلم لا بهذا ولا بذاك، ومنهم من قال: لفظي بالقرآن مخلوق، ثم يرجح المحقق أن مذهب أهل السنة والجماعة هو الصحيح وما عداه باطل، وهو أن القرآن كلام الله غير مخلوق وسيرد على من قال بمسألة اللفظ.

    حكم القول: يا رب القرآن!

    كان ابن عباس في جنازة، فلما وضع الميت في لحده قام رجل فقال: اللهم رب القرآن اغفر له، قوله: (اللهم يا رب القرآن!) يدل على أن القرآن مربوب، وكل مربوب مخلوق حادث، فهذا الرجل إما أنه كان على مذهب الاعتزال، وإما أنه جاهل لا يعلم شيئاً، ولكن ابن عباس فطن إلى الأمر؛ فوثب إليه ابن عباس فقال: مه! وهي كلمة زجر، وقيل: هي كلمة تعجب عند العرب، أي: كيف تقول هذا؟ هذا من أنكر المنكرات! فقال ابن عباس : القرآن منه. أي: أن القرآن كلام الله ليس بمربوب، منه بدأ وإليه يعود، فانظر إلى ابن عباس ! لاحظ كلمة يقع فيها كثير من الناس في هذه الأيام؛ لأن هذه الزيادة (رب) ليست في حديث صحيح قط، وإنما الصحيح: (يأتي الصيام والقرآن فيشفعان للعبد فيقول القرآن: أسهرت ليله فشفعني فيه، ويقول الصيام: أظمأت نهاره فشفعني فيه)، وهذه الرواية صحيحة، أما رواية: يا رب! فليست صحيحة.

    وقال عبد الله بن عمر : القرآن كلام الله غير مخلوق.

    وعن عمرو بن دينار قال: أدركت تسعة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقولون: من قال: القرآن مخلوق فهو كافر.

    1.   

    ذكر إجماع التابعين من مكة والمدينة والكوفة والبصرة على أن القرآن كلام الله غير مخلوق

    يذكر أهل مكة والمدينة، ثم يذكر أهل البصرة والكوفة، ويذكر منهم علي بن الحسين ويذكر أبا جعفر محمد بن علي بن الحسين والحسن بن أبي الحسن البصري وسليمان التيمي وأيوب السختياني وحماد بن أبي سليمان وسليمان الأعمش جميعاً يقولون: القرآن كلام الله غير مخلوق.

    فهذا الثوري يقول: سمعت حماد بن أبي سليمان يقول: قولوا لفلان الكافر: لا يقرب مجلسي، فإنه يقول: القرآن مخلوق.

    وقال أبو نعيم الفضل بن دكين وأحمد بن يونس وأصحابه: ثبت أبو نعيم وقال: لقيت سبعمائة شيخ، ذكر الأعمش والثوري وجماعتهم. قال: ما سمعت أحداً منهم قال ذا القول، يعني: يقول بخلق القرآن، إلا رجل واحد.

    1.   

    ذكر ما روي عن أتباع التابعين في أن القرآن كلام الله

    يذكر أهل مكة والمدينة، ثم يذكر أهل البصرة والكوفة، ويذكر منهم علي بن الحسين ويذكر أبا جعفر محمد بن علي بن الحسين والحسن بن أبي الحسن البصري وسليمان التيمي وأيوب السختياني وحماد بن أبي سليمان وسليمان الأعمش جميعاً يقولون: القرآن كلام الله غير مخلوق.

    فهذا الثوري يقول: سمعت حماد بن أبي سليمان يقول: قولوا لفلان الكافر: لا يقرب مجلسي، فإنه يقول: القرآن مخلوق.

    وقال أبو نعيم الفضل بن دكين وأحمد بن يونس وأصحابه: ثبت أبو نعيم وقال: لقيت سبعمائة شيخ، ذكر الأعمش والثوري وجماعتهم. قال: ما سمعت أحداً منهم قال ذا القول، يعني: يقول بخلق القرآن، إلا رجل واحد.

    قول جعفر بن محمد أن القرآن كلام الله غير مخلوق

    جاء تحت باب: [ما روي عن أتباع التابعين من الطبقة الأولى من بلدان شتى]، عن إسحاق بن بهلول قال: [سألت موسى بن داود عن القرآن، فقال: حدثني معبد أبو عبد الرحمن عن معاوية بن عمار الدهني قال: قلت لـجعفر بن محمد : إنهم يسألوننا عن القرآن: مخلوق هو؟ قال: ليس بخالق ولا مخلوق، ولكنه كلام الله]. يعني: لا يقال عنه: خالق ولا مخلوق، ولكن يقال: إنه كلام الله.

    قال: أبو عبد الرحمن عبد الله بن أحمد قال أبي أحمد بن حنبل: رأيت معبداً هذا ولم يكن به بأس، وأثنى عليه أبي، قال: وكان يفتي برأي ابن أبي ليلى]، وسئل جعفر عن القرآن فقال: ليس بخالق ولا مخلوق ولكنه كلام الله.

    [وعن موسى بن جعفر قال: سئل أبي -الذي هو جعفر بن محمد - عن القرآن: خالق هو أو مخلوق؟ فقال أبي: لو كان خالقاً لعبد -لأن من شأن الخالق أن يعبد- ولو كان مخلوقاً لنفد]، ولو كان مخلوقاً لأتى عليه الفناء.

    قول ابن المبارك أن القرآن كلام الله غير مخلوق

    وقال في ترجمة عبد الله بن المبارك: [قال ابن المبارك : سمعت الناس منذ تسعة وأربعين عاماً يقولون: من قال: القرآن مخلوق فامرأته طالق طالق طالق، البتة. قلت: ولم ذاك؟ قال: لأن امرأته مسلمة، والمسلمة لا تكون تحت كافر]. أرأيت؟ ليس هناك محاباة في دين الله عز وجل.

    قلت أنا: فقد لقي عبد الله بن المبارك جماعة من التابعين مثل سليمان التيمي وحميد الطويل وغيرهم وليس في الإسلام في وقته أكثر رحلة منه ولا أكثر طلباً للعلم وأجمعهم له وأجودهم معرفة به، وأحسنهم سيرة وأرضاهم طريقة مثل ابن المبارك ، ولعله يروي عن ألف شيخ من التابعين، فأي إجماع أقوى من هذا، وابن المبارك يقول: هذا ما أدركت الناس عليه.

    فهل يتصور يا إخواني! أن هذا حق خفي على النبي وأصحابه والتابعين والقرون الخيرية وبان لهؤلاء الفلاسفة؟ الجواب: حتى لو لجأنا إلى المنطق العقلي لا يتصور أبداً أن أمراً يخفى على النبوة وعلى الصدر الأول للرسالة، ولا يظهر إلا لمن بعدهم، لكرامة هؤلاء على الله عز وجل أبداً؟ لأنه ليس أحد أكرم على الله من أنبيائه ورسله وأصحاب أنبيائه في المرتبة الثانية، فإن الله ما كان ليخفي شيئاً عنهم جميعاً ثم يظهره للمعتزلة أو للأشعرية، أو للماتريدية، أو للخوارج، أو للشيعة! إن الذي يقول بهذا لابد أن يكون قد فقد عقله.

    كلام الفضل بن دكين فيمن أدرك ممن يقولون بأن القرآن كلام الله

    قال: [قال أحمد بن يونس : لقيت أبا نعيم فقال لي: إنما هو ضرب الأسياط، قال ابن أبي شيبة : فقلت: ذهب حديثنا عن هذا الشيخ، فقيل لـأبي نعيم فقال: أدركت ثلاثمائة شيخ كلهم يقولون: القرآن كلام الله غير مخلوق، وإنما قال هذا قوم من أهل البدع كانوا يقولون: لا بأس برمي الجمار بالزجاج، ثم أخذ زره -يعني: أبو نعيم أخذ زر قميصه- فقطعه، ثم قال: رأسي أهون علي من زري، يعني: سأرمي الجمار برأسي ولا أرميها بالزجاج؛ وذلك لأن النص ذكر أن الجمار إنما هي من حصى الخذف، من حصى مكة أو منى أو المزدلفة أو عرفة على المذهب الراجح، والذي يقول: إن رمي الجمار لا بأس أن يكون بالزجاج، يفتح المجال أمام الآخر ليقول: لا بأس أن يكون بالفضة والذهب، وما المانع؟ إن الشيعة الآن يعتقدون أن رمي الجمار بالدم مجزئ، بل قربة إلى الله عز وجل عندهم؛ ولذلك يصعد الشيعة ويحرصون على أن يرموا جمارهم من فوق الكبري في مكان الرمي، ويرمون سبعة أكياس من الدم تعبيراً عن شؤمهم بإهراق دم الحسين ، فينتهزون الفرصة ليعبروا عن حبهم المزعوم لآل البيت، وحزنهم الشديد على الحسين، ويا ليته كان معنا الآن! ثم يقولون: إن هذه الأكياس من الدم إنما تجزئ لأننا نرمي بها ونرجم بها، ويسقط كيس الدم في ذلك المكان المعد للجمار وينفجر فيلوث جميع الحاضرين، وعلى أية حال! لا يأتي من الشيعة على جهة الخصوص ومن المبتدعة على جهة العموم إلا كل شر.

    قول أبي جعفر المنصور في أنَّ (لا إله إلا الله) كلام الله غير مخلوقة

    قالك [وكتب أليون ملك الروم إلى أبي جعفر المنصور يسأله عن أشياء ويسأله عن لا إله إلا الله: أمخلوقة هي أم غير مخلوقة؟ قال: فكتب إليه أبو جعفر : كتبت إلي تسألني عن لا إله إلا الله: أخالقة أم مخلوقة؟ قال: وليست خالقة ولا مخلوقة، ولكنها كلام الله عز وجل]، يعني: حتى السلاطين كان لهم عناية بأسماء الله وصفاته.

    ذكر ما كان من ابن أبي ليلى مع الرجل الذي قال بخلق القرآن

    قال: [قال محمد بن عمر : إن ابن أبي ليلى قال: حدثني أبي قال: لما قدم ذلك الرجل إلى محمد بن عبد الله بن أبي ليلى شهد عليه حماد بن أبي سليمان وغيره أنه قال: القرآن مخلوق، وشهد عليه قوم مثل قول حماد بن أبي سليمان، فحدثني خالد بن نافع قال: كتب ابن أبي ليلى إلى أبي جعفر وهو بالمدينة بما قاله ذلك الرجل، وشهادته عليه وإقراره، فكتب إليه أبو جعفر : إن هو رجع وإلا فاضرب رقبته وأحرقه بالنار، فتاب ورجع عن قوله في القرآن.

    قال وكيع : ولما كان من أمر الرجل ما كان قال له ابن أبي ليلى : من خلقك؟ قال: الله، قال: فمن خلق منطقك؟ قال: الله. قال: خُصِمت، قال: صدقت، فماذا تقول؟ قال: فإني أتوب إلى الله.

    قال: فبعث معه ابن أبي ليلى أمينين فيوقفاه إلى حلقة من حلق المسجد يقولان لهم: إنه قال: إن القرآن مخلوق فقد تاب ورجع، فإن سمعتموه يقول شيئاً فارفعوا ذلك إلي، قال: وأمر موسى بن عيسى حرسياً -أي: شرطياً- فقال: لا تدعنه يفتي في المسجد.

    قال: فكان إذا صلى قال الحرسي: قم إلى منزلك، فيقول له: دعني أسبح، فيقول: ولا كلمة].

    انظر إلى حرص الناس على دين الله عز وجل، إنه لأمر عجب!

    [قال: فلا يتركه حتى يقيمه، فلما قدم محمد بن سليمان جمع جماعة فكلمه؛ فأذن له وجلس في المسجد].

    فلم يجلس في المسجد إلا برخصة.

    ونحن في الحقيقة أردنا أن نستبشر خيراً بسرد كلام السلف؛ لأن سرد كلام السلف فيه نور وبركة عظيمة جداً، فأردنا أن نسعد بسماع وقراءة كلام سلفنا رضي الله عنهم أجمعين.

    1.   

    الأسئلة

    حكم تحية المسجد لمن لا ينوي مفارقته

    السؤال: هل يلزم المرء سنة تحية المسجد إذا أراد أن يخرج من المسجد إلى الحمام، أو ليشرب ويرجع، أو يكلم طالباً له أو غير ذلك؟

    الجواب: هناك فرق بين من يخرج من المسجد ينوي مفارقة المسجد، ومن خرج من المسجد لا ينوي المفارقة، ولا شك أن الحمامات ليست من المسجد، وهذه التوسعات التي حول المسجد ليست من المسجد؛ ولذلك يجوز فيها ما لا يجوز في المسجد من البيع والشراء وغير ذلك، فنقول: إن الذي خرج من المسجد بنية عدم العودة إذا رجع إلى المسجد كان هذا رجوعاً جديداً يلزم منه تحية المسجد؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: (إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين).

    أما إذا خرج بنية العودة وكان خروجاً يسيراً للحمام أو أن يكلم واحداً في الخارج، كأن يكلم أهله، أو يقضي شيئاً يسيراً ويرجع مرة أخرى؛ فإن هذا لا يلزمه تحية المسجد. والله تعالى أعلم.

    حكم لبس المرأة للنقاب أثناء العمرة

    السؤال: ما حكم لبس المرأة للنقاب أثناء العمرة؟

    الجواب: يعني: أثناء الإحرام، والنبي عليه السلام يقول: (لا تنتقب المرأة المحرمة)، فالنقاب مخالف لهدي النبي عليه الصلاة والسلام في الحج والعمرة عند الإحرام، ولكن للمرأة أن تطرح ثوبها على رأسها فيسدل على وجهها، وهذا لا يعد نقاباً، لا يسمى في لغة الاصطلاح: نقاباً، فلو طرحت المرأة مثلاً البيشة على رأسها، فنزلت فغطت وجهها غطاءً أو غطاءين أو ثلاثة كما تشاء المرأة، فإن هذا ليس من النقاب في شيء، بل النقاب هو المعروف لدينا: الذي تعصب به المرأة رأسها؛ ولذلك لا تعصب المرأة بثوبها رأسها في الإحرام.

    بيان ما يفعله الطبيب إذا علم أن امرأة فضت بكارتها من غير زوجها

    السؤال: يقول الطبيب: أتاني رجل بزوجته ولم يمر على زواجهما أكثر من أسبوع، ولكنه عند جماعه إياها لم ير دم البكارة. فهل يجوز لي أن أخبر زوجها بحقيقة الأمر؟

    الجواب: نعم. يجب عليه أن يخبره بحقيقة الأمر؛ لأن هذا الرجل إذا كان طيباً فكيف له أن يعاشر امرأة قد جامعها غيره في حرام، وإن هذا من العيوب المؤثرة في إتمام الزواج أو في استمراره، فهناك من العيوب من إذا أخفاه الزوج أو الزوجة على صاحبه لا يكون مؤثراً في الزواج وفي استمراره، ومن العيوب ما إذا عرفه الطرف الآخر لم يقبل الزواج، كما لو أن المرأة عرفت أن زوجها عنين أو مجبوب أو لا يستطيع أن يصل إلى النساء وإن كان في الظاهر أن له عضواً كأعضاء بقية الرجال، فلها الحق الشرعي في أن تطلق من زوجها.

    وإذا علم الرجل كذلك أن للمرأة عيباً عظيماً تتأثر به الحياة ولا تستقيم، والزوجة أخفت هذا العيب عن الزوج ولم تطلعه عليه إلا بعد البناء بها أو العقد عليها، فللزوج أن يطلقها كذلك لهذا العيب المؤثر.

    فأرى أن هذا من العيوب المؤثرة، وكيف يستقيم البيت أو يعتدل المزاج الزوجي مع زوجة لا يُدرى: أكان ذلك منها بنكاح أم بسفاح، خاصة إذا كان هذا الأمر بسفاح فكيف يستقيم الأمر بينهما؟ فأرى أن الطبيب يلزمه أن يصرح لهذا الزوج بما كان من تلك المرأة.

    حكم زواج المسيحي من المسلمة والعكس، وحكم تحدث الخطيب عن التبرعات في الخطبة

    السؤال: هل من الممكن تزوج مسلمة من مسيحي، فالمسيحي يقول: إني أريد أن أسلم؟ فالرجاء الإفادة، وهل يجوز للخطيب في الجمعة أن يتحدث عن التبرعات؟

    الجواب: على أية حال. يجوز أن يتحدث الخطيب عن التبرعات ويحث الناس، والنبي عليه الصلاة والسلام كان يحث أصحابه على الصدقة، لكن السؤال الأول وهو البلية العظيمة جداً وكنت أظن أن ذلك معلوم من الدين بالضرورة: أن المسلمة لا تكون تحت كافر قط، والعكس صحيح: أن الكافرة من اليهودية أو النصرانية وأصحاب الكتاب تكون تحت مسلم بشرط أن تكون محصنة حرة عفيفة غير زانية ولا مشركة، كأن تقول: عيسى هو الله أو ابن الله أو أن عزيراً ابن الله أو غير ذلك، فإن هذه مشركة وإن كانت من أهل الكتاب؛ فلا يجوز الزواج منها؛ لأن بعض الناس يتصور أن الزواج بالمسيحية أمر على إطلاقه، وليس الأمر كذلك، إنما الأمر مشروط بألا تكون مشركة، وأن تكون محصنة حرة عفيفة ليست زانية ولا باغية، وأن تكون السيادة في البيت للزوج، وأن يلحق الأولاد به لا بها عند الفراق أو عند استدامة الحياة بينهما.

    فبهذه الشروط يجوز نكاح الرجل المسلم من المرأة الكافرة الكتابية، أما نكاح المسلمة من الكافر فإنه لا يجوز البتة، ولم يجوزه إلا ضلال الفرق المنحرفة الذين جوزوا مع هذا زواج الأب من ابنته وزواج البنت من أبيها وزواج الأخ من أخته والأخت من أخيها، فإنهم وقعوا في مثل هذا كله، وبالمناسبة قالوا بجواز زواج المسلمة من كافر، فإن هذا أمر لا عبرة به؛ لأن الخلاف هنا غير معتبر.

    إن النصارى قبل بعثة النبي عليه الصلاة والسلام ليسوا كلهم يقولون: إن عيسى ابن الله ولا أنه الله، فإن جلَّ النصارى من قبل بعثة النبي عليه الصلاة والسلام يقولون: إن عيسى رسول الله، وبعضهم يقول: ابن الله، والبعض يقول: هو الله، يقولون بالتثليث والتثنية، لكن ليس كل النصارى في زمن النبي عليه الصلاة والسلام يقولون هذا؛ ولذلك لو رجعت إلى كتاب بدء الوحي في صحيح البخاري وهو أول كتاب في الصحيح في شرح حديث أبي سفيان صخر بن حرب لما لقي هرقل الروم، لعرفت أن هرقل اختلف أهل العلم فيه: هل آمن بالنبي عليه الصلاة والسلام أو لم يؤمن؟ والراجح: أنه لم يؤمن، بدليل أنه حارب النبي عليه الصلاة والسلام وحاربه النبي عليه الصلاة والسلام في أرض الشام، ولو كان مسلماً لما حارب النبي عليه الصلاة والسلام.

    وهناك أدلة كثيرة تشهد بأن هرقل لم يدخل في الإسلام، وإن كانت بعض الروايات أثبتت إسلامه، ولكن أقوى الروايات لم تثبت إسلامه.

    الشاهد في هذا: أن هرقل كان نصرانياً، ومع هذا أثنى عليه النبي عليه الصلاة والسلام في بعض الأحاديث، وأنه من أهل الكتاب، وكان مع هرقل من يقول بهذه الأقوال الثلاثة: أن عيسى ابن الله، وأنه هو الله، وأنه نبي الله. فأنا أقول: إن النصراني يكون أحياناً معه نوع شرك فيما يتعلق بإثبات البنوة أو الألوهية لعيسى، وإذا لم يكن لا هذا ولا ذاك فإنه يبقى على أصل كفره من أهل الكتاب.

    وهذا عند الإطلاق، فأهل الكتاب في كتاب الله وفي سنة الرسول صلى الله عليه وسلم يطلق على من يقول: إن عيسى رسول الله صلى الله عليه وسلم وإن كان كافراً.

    حكم الجمع بين نية تحية المسجد والسنة الراتبة في ركعتين

    السؤال: أيهما أولى بالتقديم: تحية المسجد أو السنة الراتبة؟

    الجواب: ما المانع أن تجمع بينهما بنيتين؟ يعني: تصلي السنة بنيتين، وهذا مذهب جمهور العلماء: أن صلاة النوافل تجمع فيها النيات المتعددة، نيتان وثلاث وأربع وخمس وعشر إن شئت.

    حكم تشميت المرأة الأجنبية إذا حمدت الله

    السؤال: هل يشمت الرجل المرأة الأجنبية إذا عطست وقالت: الحمد لله؟

    الجواب: في الحقيقة النص عام، حديث أبي هريرة في الصحيحين قال النبي عليه الصلاة والسلام: (حق المسلم على المسلم ست، ومنها: وإذا عطس فحمد الله فشمته)، وحق المسلم للذكر من باب التغليب، وإلا فالأصل حق المسلم على المسلم والمسلمة على المسلمة وحق المسلمين بعضهم على بعض، هذا هو الأصل، لكن القضية ترجع إلى فرع آخر، وهو إذا كان ذلك له تعلق بالفتنة بين الرجال والنساء فإنه لا يشمتها كالسلام تماماً، فإنه من حق المسلم على المسلم إذا لقيه أن يسلم عليه، وأن يرد عليه السلام وهذا من الواجبات، فإذا كان سلام الرجل على المرأة أو العكس فيه فتنة لهما؛ فإنه لا يسلم، بمعنى إلقاء السلام لا المصافحة، أما المصافحة فممتنعة تماماً بين الرجال والنساء ما لم يكونوا من المحارم، وكذلك تشميت العاطس على النحو من هذا.

    حكم مصافحة المرأة الكبيرة في السن

    السؤال: هل يجوز مصافحة المرأة الكبيرة في السن؟

    الجواب: المصافحة لا تجوز قط، والنبي عليه الصلاة والسلام كان في زمنه نساء عواجز كثر، ولم يثبت أنه صافح واحدة منهن، بل ثبت العكس أن عائشة كما ورد في الصحيح تقول: (ما مست يد النبي عليه الصلاة والسلام يد امرأة لا تحل له)، وفي رواية: (أجنبية عنه قط)، فالنبي عليه الصلاة والسلام هو أسوة لهذه الأمة.

    أما البنت الصغيرة التي لم تبلغ الحلم فلا حكم لها، يجوز مصافحتها والسلام عليها.. وغير ذلك؛ لأنها بنت لا تشتهى، صغيرة في السن جداً، والواحد يتعجب من الإخوة الذين يشددون في الأمور قليلاً، فلا يرضى أن يسلم على البنت التي عمرها سنتان أو ثلاث.

    وهناك من البنات الصغيرات من تشتهى فعلاً، كأن تكون جميلة وبيضاء وشعرها جميل للغاية، فإذا لم تبلغ البنت ولم تحدثك نفسك بشيء من هذا فاعلم أن الأمر على الستر والسلامة، وإذا حدثتك نفسك فابتعد، والأولى أن تلحق هذه البنت وإن لم تبلغ الحلم ببقية النساء.

    ومسألة مصافحة العجائز لم ترد في كتب السلف على أية حال، فالشخص يرى واحدة كأمه أو جدته أو أكبر من ذلك، وإذا بها تقول له: خذ بيدي يا بني! وهي امرأة عجوز جداً، وهذا لا يمكن أبداً، فإذا كان ذلك لحاجة ماسة أو ضرورة ملحة؛ فعلى الشخص أن يمسك بذراعها، أو يمسك بثوبها ليدلها على الطريق، وأنا نفسي أفعل هذا، وأفعله بحرج كبير، لكن من باب الرحمة ومساعدة المحتاج وفك كرب المكروبين، ولا يخطر بالبال قط شيء مما يدور في ذهنك ورأسك، إذ إنها امرأة تتجاوز سبعين أو ثمانين سنة، فكيف تشتهى هذه المرأة من شاب عنده من العمر عشرون أو ثلاثون سنة أو أربعون سنة؟!

    الحكم على حديث: (أنتم أعلم بأمور دنياكم)

    السؤال: هل الحديث: (أنتم أعلم بأمور دنياكم) حديث صحيح؟

    الجواب: نعم. حديث صحيح، قاله النبي عليه الصلاة والسلام بمناسبة أنه نهى الناس عن تلقيح النخل، فلم يثمر النخل في ذلك العام، فقال النبي صلى الله عليه وسلم في العام المقبل لما سألوه: (أنتم أعلم بأمور دنياكم) يعني: افعلوا ما شئتم.

    شرح حديث: (إن الله تجاوز لي عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه)

    السؤال: قال عليه الصلاة والسلام: (إن الله تجاوز لي عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه)، ما معنى هذا الحديث؟

    الجواب: ليس معنى هذا الحديث كما يتبادر إلى بعض الأذهان أنه ليس هناك شيء اسمه خطأ ولا نسيان ولا إكراه، بل إن الخطأ واقع، والنسيان واقع، والإكراه واقع، ولكن لو وقع منك فعل خطأ أو معصية على سبيل الخطأ أو على سبيل النسيان أو على سبيل الإكراه، فإن الله لا يحاسبك عليها. ولنضرب أمثلة على ذلك:

    الخطأ أو النسيان مثلاً في الصلاة، كشخص صلى الظهر فقام إلى الركعة الخامسة، فلو قام متعمداً لبطلت جميع صلاته من أولها إلى آخرها؛ لأنه زاد عن النص بغير نص وخالف الهدي فيحاسب على ذلك، لكن إذا قام إلى الخامسة نسياناً فلا تبطل صلاته، وقد وقع منه الخطأ والله لا يحاسبه عليه؛ ولذلك يجبر خطؤه بسجدتي السهو.

    والإكراه واقع، ولكن الله تعالى لا يحاسبك عليه، فلو أتى السلطان مثلاً فهجم على بيتك بالليل، وانتهك حرمتك، وكشف سترك وعرضك، فوجد أن امرأتك جميلة مثلاً، فقال لك: طلق هذه المرأة، فقلت: لا، لن أطلقها. هذه امرأتي وأم أولادي، وأنا أحبها وأحتفظ بها، فقال لك: تطلقها وإلا سنعمل فيك كذا وكذا؟ وبدأ فعلاً في تنفيذ ما هدد به من ضرب وركل وكهربة وغير ذلك من أساليب التعذيب، فبلغ بك التعذيب حداً لا تحتمله؛ فخشيت على نفسك من الهلاك، فقلت مكرهاً: امرأتي طالق؛ ليتزوجها هو، فهل هذا الطلاق يقع صراحة؟ الجواب: لا يقع.

    فقوله عليه السلام: (رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه)، المعنى: رفع إثم ذلك عن أمته، فالمرفوع هو الإثم وليس الفعل؛ لأن الفعل واقع منك، والخطأ واقع، والنبي عليه السلام نفسه نسي، كما ثبت في الصحيح: (أن النبي عليه الصلاة والسلام كان في بيت عائشة فسمع رجلاً يقرأ في المسجد فقال: رحم الله فلاناً؛ أذكرني آية كنت قد أنسيتها)، فالنسيان واقع حتى من النبي عليه الصلاة والسلام، ولكن نسيان النبي عليه الصلاة والسلام لا تعلق له بالوحي، فإنه لم ينس شيئاً من الوحي إلا بعد أن بلغه لأصحابه، فكان محفوظاً لدى الأصحاب، فلا يضر بعد ذلك نسيان النبي عليه السلام له أو تذكره؛ لأنه قد بلغ أولاً، كما أنه صلى العصر وفي رواية الظهر في حديث ( ذي اليدين) ركعتين، فهمهم القوم، فقام رجل طويل اليدين، فرفع يديه وقال للنبي عليه الصلاة والسلام: (يا رسول الله! أقصرت الصلاة أم نسيت؟ قال: ما قصرت وما نسيت) يعني: وما أظن أني نسيت. (فقال: إنك صليت بنا ركعتين، فقام النبي عليه السلام وكبر وصلى ركعتين ثم سجد للسهو)، وهذا يدل على النسيان؛ لأنه ما كان للنبي عليه الصلاة والسلام أن يصلي الظهر ركعتين متعمداً، فالنسيان واقع حتى من الأنبياء، وهذا أمر لا يخل بالشرع؛ لأن نسيان الأنبياء بعد البلاغ لا قبل البلاغ، ومادام قد بلغ فإن البلاغ محفوظ لدى الأصحاب بدليل أنهم أنفسهم ردوا عليه عليه الصلاة والسلام.

    فالخطأ واقع والنسيان واقع والإكراه موجود، وما أكثره خاصة في هذا الزمان، ولكن إثم الأفعال الناجمة عن الخطأ والنسيان والاستكراه لا يأثم عليها المخطئ ولا الناسي ولا المكره، إنما يأثم بها المكرِه لا المكرَه، والعلماء لهم كلام فيمن أكره على العصية، فيجمعون على استحباب أن يهلك المرء دون الوقوع في المعصية، وإذا لم يحتمل الإكراه فإنه لا بأس عليه في اقتراف المعصية، والرأي الأول أحب وأولى.

    الحكم على أحاديث الذهب المحلق

    السؤال: أحاديث الذهب المحلق والتي جاء بها فضيلة الشيخ الألباني هل هي صحيحة أم ضعيفة؟ وإذا كانت صحيحة كيف العمل بها؟

    الجواب: في الحقيقة هذه المسألة يخالف فيها الشيخ الألباني جماهير علماء الأمة قديماً وحديثاً، وإن كانت صحيحة إلا أنها مؤولة بمنع الزكاة، أو البخل بالتصدق بها أو إعارتها، أو غير ذلك مما ذكره أهل العلم.

    وأما التفريق بين المحلق وغير المحلق فهذا مذهب جديد لشيخنا لم يسبق إليه، والله تعالى أعلم. وكل إنسان يخطئ ويصيب.

    حكم صوم الولد عن والده

    السؤال: هل يجوز للولد الصيام عن والده الذي توفي، وهل يصل ثوابه للميت؟

    الجواب: نعم. النبي عليه الصلاة والسلام يقول: (من مات وعليه صوم صام عنه وليه)، واختلف أهل العلم في نوع هذا الصيام: هل هو صيام الفرض أو صيام الواجب؟ فصيام الواجب كصيام النذر أو صيام الكفارات، وصيام الفرض هو شهر رمضان لا غير، فهل قوله عليه السلام: (من مات وعليه صوم)، يشمل الواجب والفرض على السواء أم يشمل الواجب فقط؟ جمهور أهل العلم على أن ذلك متعلق بالواجب فقط دون الفرض، وأن الفرض يكفيه الكفارة، أي: إطعام مسكين عن كل يوم وجبتين، وبعض أهل العلم يقولون: الصوم متعلق بالواجب والفرض على السواء.

    أقول قولي هذا، وأستغفر الله تعالى لي ولكم.

    وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.